Al-Biqa'iAt‑Tawbah · 9:37–42

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:37–42, continued

ثُمَّ وجَدْتُ النَّقْلَ الصَّرِيحَ في زَوائِدِ مُعْجَمَيِ الطَّبَرانِيِّ: الأوْسَطِ والأصْغَرِ لِلْحافِظِ نُورِ الدِّينِ الهَيْثَمِيِّ بِمِثْلِ ما فَهِمْتُهُ، قالَ في تَفْسِيرِ بَراءَةَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ هِشامٍ - البَغَوِيَّ ثَنا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ الجَحْدَرِيُّ ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّفاوِيُّ ثَنا دُوادُ بْنُ أبِي هِنْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ يَعْنِي (p-٤٦٨)عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: كانَتِ العَرَبُ يُحِلُّونَ عامًا شَهْرًا وعامًا شَهْرَيْنِ ولا يُصِيبُونَ الحَجَّ إلّا في كُلِّ سِتٍّ وعِشْرِينَ سَنَةً مَرَّةً، وهو النَّسِيءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في كِتابِهِ، فَلَمّا كانَ عامَ حَجَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالنّاسِ وافَقَ ذَلِكَ العامُ الحَجَّ فَسَمّاهُ اللَّهُ الحَجَّ الأكْبَرَ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ العامِ المُقْبِلِ فاسْتَقْبَلَ النّاسُ الأهِلَّةَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ» لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَمْرٍو إلّا داوُدُ تَفَرَّدَ بِهِ الصَّلْتُ. انْتَهى. وهو حَدِيثٌ حَسَنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ رَأيْتُ الهَيْثَمِيَّ في مَجْمَعِ الزَّوائِدِ قالَ: رِجالُهُ ثِقاتٌ، فَأكَّدَ ذَلِكَ الجَزْمَ بِما فَهِمْتُ مِن أنَّهُ حَسَنٌ، وإنَّما أطَلْتُ هَذا بِما قَدْ لا يُحْتاجُ في إيضاحِهِ إلَيْهِ لِكَثْرَةِ جِدالِ المُجادِلِينَ المُعانِدِينَ ومُحالِ المُماحِلِينَ الجامِدِينَ.

9:38Page 193

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

ولَمّا أوْعَزَ سُبْحانَهُ في أمْرِ الجِهادِ، وأزاحَ جَمِيعَ عِلَلِهِمْ وبَيَّنَ أنَّ حُسْنَهُ لا يَخْتَصُّ بِهِ شَهْرٌ دُونَ شَهْرٍ وأنَّ بَعْضَهم كانَ يَحِلُّ لَهم ويُحَرِّمُ فَيَتْبَعُونَهُ بِما يُؤَدِّي إلى تَحْرِيمِ الشَّهْرِ الحَلالِ وتَحْلِيلِ الشَّهْرِ الحَرامِ بِالقِتالِ فِيهِ، عاتَبَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى تَخَلُّفِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الآمِرِ لَهم بِالنَّفْرِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ أمْرِهِ سُبْحانَهُ، وكانَ ابْتِداؤُها في شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، فَقالَ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ والتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ الإيمانِ (p-٤٦٩)بَعْدَ خَتْمِ الَّتِي قَبْلَها بِأنَّهُ لا يَهْدِي الكافِرِينَ - الَّذِي يَعُمُّ الحَرْبَ وغَيْرَهُ المُوجِبَ لِلْجُرْأةِ عَلَيْهِمْ [لِأنَّ مَن لا هِدايَةَ لَهُ أعْمى، والأعْمى لا يَخْشى]: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعُوا ذَلِكَ ﴿ما لَكُمْ﴾ أيْ: ما الَّذِي يَحْصُلُ لَكم في أنَّكم ﴿إذا قِيلَ لَكُمُ﴾ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ ﴿انْفِرُوا﴾ أيِ: اخْرُجُوا مُسْرِعِينَ بِجِدٍّ ونَشاطٍ جَماعاتٍ ووُحْدانًا إمْدادًا لِحِزْبِ اللَّهِ ونَصْرًا لِدِينِهِ تَصْدِيقًا لِدَعْواكُمُ الإيمانَ، والنَّفْرُ: مُفارَقَةُ مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ هاجَ عَلى ذَلِكَ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ تَسْهِيلِ الطَّرِيقِ إلى المَلِكِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: بَنى ”قِيلَ“ لِلْمَفْعُولِ والقائِلُ النَّبِيُّ ﷺ ولَمْ يَذْكُرْ إغْلاظًا ومُخاشَنَةً لَهم وصَوْنًا لِذِكْرِهِ؛ إذْ أخْلَدَ إلى الهُوَيْنا والدَّعَةِ مَن أخْلَدَ وخالَفَ أمْرَهُ. انْتَهى.

﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ أيْ: تَثاقَلْتُمْ تَثاقُلًا عَظِيمًا، وفِيهِ ما لَمْ يَذْكُرُوا لَهُ سَبَبًا ظاهِرًا بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ إخْلادًا ومَيْلًا ﴿إلى الأرْضِ﴾ أيْ: لِبَرْدِ ظِلالِها وطِيبِ هَوائِها ونُضْجِ ثِمارِها، فَكُنْتُمْ أرْضِيِّينَ في سُفُولِ الهِمَمِ، لا سَمائِيِّينَ بِطَهارَةِ الشِّيَمِ.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ - في الأسْبابِ الَّتِي تَقَدَّمَ أنَّها كانَتْ تَحْمِلُ عَلى التَّباطُؤِ عَنِ الجِهادِ - ما يَحْتَمِلُ القِيامَ بِهِمْ في هَذِهِ الغَزْوَةِ إلّا الخَوْفُ مِنَ القَتْلِ والمَيْلُ إلى الأمْوالِ الحاضِرَةِ وُثُوقًا بِها والإعْراضُ عَنِ الغِنى المَوْعُودِ بِهِ (p-٤٧٠)الَّذِي رُبَّما يَلْزَمُ مِنَ الإعْراضِ عَنْهُ التَّكْذِيبُ، فَيُؤَدِّي إلى خَسارَةِ الآخِرَةِ، هَذا مَعَ ما يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ - ولا بُدَّ - مِنَ الزُّهْدِ في الأجْرِ المُثْمِرِ لِسَعادَةِ العُقْبى بِهَذا الشَّيْءِ الخَسِيسِ؛ قالَ مُبَيِّنًا خِسَّةَ ما أخْلَدُوا إلَيْهِ تَزْهِيدًا فِيهِ وشَرَفِ ما أعْرَضُوا عَنْهُ تَرْغِيبًا مُنَبِّهًا عَلى أنَّ تَرْكَ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ اليَسِيرِ شَرٌّ عَظِيمٌ مُنْكِرًا عَلى مَن تَثاقَلَ مُوَبِّخًا لَهُمْ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: بِالخَفْضِ والدَّعَةِ في الدّارِ الدَّنِيَّةِ الغارَّةِ ﴿مِنَ الآخِرَةِ﴾ أيِ: الفاخِرَةِ الباقِيَةِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: و”مِن“ تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ أنَّها بِمَعْنى بَدَلَ، وأصْحابُنا لا يُثْبِتُونَ أنَّ ”مِن“ تَكُونُ لِلْبَدَلِ. انْتَهى.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهم لَمْ يُرِيدُوا أنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلْبَدَلِ، بَلْ إنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْها لِما قَدْ يَلْزَمُها في مِثْلِ هَذِهِ العِبارَةِ مِن تَرْكِ ما بَعْدَها لِما قَبْلَها فَإنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ، فَإذا قُلْتَ: رَضِيتُ بِكَذا مِن زَيْدٍ، كانَ المَعْنى أنَّكَ أخَذْتَ ذَلِكَ أخْذًا مُبْتَدِئًا مِنهُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى ما عَداهُ، فَكَأنَّكَ جَعَلْتَ ذَلِكَ بَدَلَ كُلِّ شَيْءٍ يُقَدَّرُ أنَّهُ يَنالُكَ مِنهُ مِن غَيْرِ ذَلِكَ المَأْخُوذِ.

ولَمّا كانُوا قَدْ أُعْطَوُا الآخِرَةَ عَلى الاتِّباعِ فاسْتَبْدَلُوا بِهِ الِامْتِناعَ، كانَ إقْبالُهم عَلى الدُّنْيا كَأنَّهُ مُبْتَدِئٌ مِمّا كانُوا قَدْ تَوَطَّنُوهُ مِنَ الآخِرَةِ مَعَ الإعْراضِ عَنْها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أرَضِيتُمْ بِالمَيْلِ إلى الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ؟ ويُؤَيِّدُ ما فَهِمْتُهُ أنَّ العَلّامَةَ عَلَمَ الدِّينِ أبا مُحَمَّدٍ القاسِمَ بْنَ المُوَفَّقِ الأنْدَلُسِيَّ ذَكَرَ في شَرْحِ الجَزُولِيَّةِ (p-٤٧١)أنَّهم عَدُّوا لِ: ”مِن“ خَمْسَةَ مَعانٍ كُلُّها تَرْجِعُ إلى ابْتِداءِ الغايَةِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وبَيَّنَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ حَتّى البَيانِيَّةِ، فَمَعْنى ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] الَّذِي ابْتِداؤُهُ مِنَ الأوْثانِ؛ لِأنَّ الرِّجْسَ جامِعٌ لِلْأوْثانِ وغَيْرِها.

ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا كانَ مَعْناهُ النَّهْيَ، فَكانَ تَقْدِيرُ: لا تَرْضَوْا بِها فَإنَّ ذَلِكَ أسْفَهُ رَأْيٍ وأفْسَدُهُ! فَقالَ تَعالى مُعَلِّلًا لِهَذا النَّهْيِ: ﴿فَما﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ ما ﴿مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا فِي﴾ أيْ: مَغْمُورًا في جَنْبِ ﴿الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ والَّذِي يُنْدَبُ هُمُ المَتْجَرُ ويَدَّعِي البَصَرَ بِهِ ويُحاذِرُ الخَلَلَ فِيهِ يُعَدُّ فاعِلُ ذَلِكَ سَفِيهًا.

9:39Page 193

إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allāh is over all things competent.

ولَمّا كانَ طُولُ الِاسْتِعْطافِ رُبَّما كانَ مَدْعاةً لِلْخِلافِ وتَرْكِ الإنْصافِ، تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ أيْ: في سَبِيلِهِ ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ أيْ: عَلى ذَلِكَ ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: في الدّارَيْنِ ﴿ويَسْتَبْدِلْ﴾ أيْ: يُوجِدْ بَدَلًا مِنكم ﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ: ذَوِي بَأْسِ ونَجْدَةٍ مُخالِفِينَ لَكم في الخِلالِ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا لِلِاسْتِبْدالِ لِوِلايَتِهِ ونَصْرِ دِينِهِ.

ولَمّا هَدَّدَهم بِما يَضُرُّهُمْ، أخْبَرَهم أنَّهم لا يَضُرُّونَ بِفُتُورِهِمْ غَيْرَ أنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ أيِ: اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴿شَيْئًا﴾ لِأنَّهُ مُتِمُّ أمْرِهِ ومُنْجِرُ وعْدِهِ ومُظْهِرُ دِينِهِ؛ ولَمّا أثْبَتَ بِذَلِكَ قُدْرَتَهُ عَلى ضُرِّهِ لَهم وقُصُورِهِمْ عَنِ الوُصُولِ إلى ضُرِّهِ، كانَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى نَصْرِ دِينِهِ (p-٤٧٢)ونَبِيِّهِ بِغَيْرِكُمْ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ تَعْمِيمًا لِقُدْرَتِهِ تَرْهِيبًا مِن عَظِيمِ سَطْوَتِهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

9:40Page 193

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠

If you do not aid him [i.e., the Prophet (ﷺ)] - Allāh has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two,1 when they were in the cave and he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] said to his companion, "Do not grieve; indeed Allāh is with us." And Allāh sent down His tranquility upon him and supported him with soldiers [i.e., angels] you did not see and made the word2 of those who disbelieved the lowest,3 while the word of Allāh4 - that is the highest. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

ولَمّا وصَفَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ الأقْدَسَ بِما هو لَهُ أهْلٌ مِن شُمُولِ القُدْرَةِ وعَظِيمِ البَأْسِ والقُوَّةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ يَتَضَمَّنُ أنَّ المُسْتَنْفِرَ لَهم - وهو نَبِيُّهُ ﷺ - غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ ومُتَوَقِّفٌ نَصْرُهُ عَلَيْهِمْ كَما لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِمْ - بِحِياطَةِ القادِرِ لَهُ - فِيما مَضى مِنَ الهَجْرِ الَّتِي ذَكَرَها، وأنَّ نَفْعَ ذَلِكَ إنَّما هو لَهم بِاسْتِجْلابِ ما عَدُّوهُ واسْتِدْفاعِ ما أُوعِدُوهُ في الدّارَيْنِ المُشارِ إلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة: ٣٨] الآيَةَ. وقَوْلِهِ: ﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ [التوبة: ٣٩] - الآيَةَ. فَقالَ: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ﴾ أيْ: أنْتُمْ طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ، والضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إمّا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ مِن سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ المُوَضِّحُ لَهُ الدّاعِي إلَيْهِ، أوْ لِتَقَدُّمِ اسْمِهِ الشَّرِيفِ إضْمارًا في قَوْلِهِ: ﴿إذا قِيلَ لَكُمُ﴾ [التوبة: ٣٨] أيْ: مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتِنْصارًا مِنهُ لَكُمْ، وإظْهارًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٣٣] الآيَةَ وقُوَّةُ ما في كُلِّ جُمْلَةٍ مِنَ المُناسَبَةِ المُقْتَضِيَةِ لِأنْ تُعانِقَ الَّتِي بَعْدَها ولا تَنْفَكُّ عَنْها قِصَرُ الفَصْلِ بَيْنَ الظّاهِرِ وضَمِيرِهِ، وذِكْرُ الغازِ والصّاحِبِ أوْضَحَ الأمْرَ. وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لِما عابَهم بِاتِّخاذِ الرُّؤَساءِ أرْبابًا اشْتَدَّتْ (p-٤٧٣)الحاجَةُ إلى بَيانِ أنَّهم في البُعْدِ عَنْ ذَلِكَ عَلى غايَةٍ لا تَخْفى عَلى مُتَأمِّلٍ، فَوَصَفَهم بِالأكْلِ المُسْتَلْزِمِ لِلْجِسْمِيَّةِ المُسْتَلْزَمَةِ لِلْحاجَةِ، وبِأنَّ مَأْكُولَهم أمْوالَ غَيْرِهِمْ باطِلًا، وبِأنَّهم يَغُشُّونَهم لِصَدِّهِمْ إيّاهم عَنِ السَّبِيلِ الَّتِي لا يَخْفى حُسْنُها عَلى مَن لَهُ أدْنى نَظَرٍ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ شَدِيدَ الإثارَةِ لِتَشَوُّفِ النُّفُوسِ إلى السُّؤالِ عَنِ العَرَبِ: هَلْ فَعَلُوا فِعْلَهم واتَّبَعُوا سُنَّتَهُمْ؟ أجابَ بِأنَّ عَمَلَهم في تَحْلِيلِ النَّسْأةِ لَهم بَعْضَ الأشْهُرِ الحُرُمِ وتَحْرِيمِ بَعْضِ أشْهُرِ الحِلِّ والزِّيادَةِ في عِدَّةِ أشْهُرِ السَّنَةِ كَعَمَلِهِمْ سَواءٌ.

ولَمّا أمَرَ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً وحَثَّهم عَلى التَّقْوى، وكانَ بَعْضُهم قَدْ تَوانى في ذَلِكَ، اشْتَدَّ اقْتِضاءُ الحالِ لِلْمُعاتَبَةِ عَلى التَّثاقُلِ عَنِ النَّفْرِ، فَلَمّا تَمَّ ذَلِكَ في هَذا الأُسْلُوبِ البَدِيعِ والطِّرازِ الرَّفِيعِ حَثَّ عَلى نَصْرِ الرَّسُولِ الَّذِي أرْسَلَهُ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ فَقالَ جَوابًا لِلشَّرْطِ: ﴿فَقَدْ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يَتَجَدَّدْ مِنكم لَهُ نَصْرٌ فَإنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى نَصْرِهِ وسَيَنْصُرُهُ ويُغْنِيهِ عَنْكم ولا تَضُرُّونَ إلّا أنْفُسَكم فَقَدْ ﴿نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ وحْدَهُ والأمْرُ في غايَةِ الشِّدَّةِ، ولا شَكَّ عِنْدَ عاقِلٍ أنَّ المُسْتَقْبَلَ عِنْدَهُ كالماضِي ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿أخْرَجَهُ الَّذِينَ﴾ وعَبَّرَ بِالماضِي لِأنَّ فِيهِمْ مَن أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿كَفَرُوا﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ وهم في غايَةِ التَّمالُؤِ عَلَيْهِ حِينَ شاوَرُوا في قَتْلِهِ أوْ إخْراجِهِ أوْ إثْباتِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإذْنِ اللَّهِ لَهُ في الخُرُوجِ مِن بَيْنِهِمْ حالَ كَوْنِهِ ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أيْ: أحَدُهُما أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ولا ثالِثَ لَهُما يَنْصُرُهُما إلّا اللَّهُ ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ (p-٤٧٤)أيْ: غارِ ثَوْرٍ الَّذِي في أعْلى الجَبَلِ المُواجِهِ لِلرُّكْنِ اليَمانِيِّ بِأسْفَلِ مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ مِنها لَمّا كَمِنا بِهِ ثَلاثَ لَيالٍ لِيَفْتُرَ عَنْهُما الطَّلَبُ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَصِلا إلَيْكم أوْ يُعَوِّلا في النَّصْرِ عَلَيْكم ﴿إذْ يَقُولُ﴾ أيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿لِصاحِبِهِ﴾ أيْ: أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وُثُوقًا بِرَبِّهِ غَيْرَ مُنْزَعِجٍ مِن شَيْءٍ ﴿لا تَحْزَنْ﴾ والحُزْنُ: هَمٌّ غَلِيظٌ بِتَوَجُّعٍ يَرِقُّ لَهُ القَلْبُ، حَزَنَهُ وأحْزَنَهُ بِمَعْنًى؛ وقالَ في القامُوسِ: أوْ أحْزَنَهُ: جَعَلَهُ حَزِينًا، وحَزَنَهُ: جَعَلَ فِيهِ حُزْنًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ نَهْيَهُ لِصاحِبِهِ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ مُسْتَحْضِرًا لِجَمِيعِ ما جَمَعَهُ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلى الَّتِي تَخْضَعُ دُونَها صِلابُ الرِّقابِ وتَنْدَكُّ بِعَظَمَتِها شَوامِخُ الجِبالِ الصِّلابِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿مَعَنا﴾ أيْ: بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ، وهو كافٍ لِكُلِّ مُهِمٍّ، قَوِيٌّ عَلى دَفْعِ مُلِمٍّ، فالَّذِي تَوَلّى نَصْرَهُ بِالحِراسَةِ في ذَلِكَ الزَّمانِ كانَ قادِرًا عَلى أنْ يَأْمُرَ الجُنُودَ الَّتِي أيَّدَهُ بِها أنْ تُهْلِكَ الكُفّارَ في كُلِّ مَوْطِنٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَكم في ذَلِكَ أمْرٌ أوْ يَحْصُلَ لَكم بِهِ أجْرٌ، وكَما أنَّهُ كانَ مَوْجُودًا في ذَلِكَ الزَّمانِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلى هو عَلى ذَلِكَ في هَذا الزَّمانِ وكُلِّ زَمانٍ، فَتَبَيَّنَ كالشَّمْسِ أنَّ النَّفْعَ في ذَلِكَ إنَّما هو خاصٌّ بِكُمْ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ ما رَتَّبَ هَذا كُلَّهُ عَلى هَذا المِنوالِ إلّا لِفَوْزِكُمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِمِقْدارِ الصِّدِّيقِ وتَقَدُّمِهِ وسابَقَتِهِ في الإسْلامِ وعُلُوِّ (p-٤٧٥)مَنصِبِهِ وفَخامَةِ أمْرِهِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا الَّذِي أعْطاهُ إيّاهُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ: قالَ العُلَماءُ: مَن أنْكَرَ صُحْبَةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَفَرَ لِإنْكارِهِ كَلامَ اللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الصَّحابَةِ.

ولَمّا كانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نافِذَ البَصِيرَةِ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، راسِخَ القَدَمِ في ذَلِكَ المَقامِ لِذَلِكَ لَمْ يَتَلَعْثَمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ في عِنادِ جَمِيعِ العِبادِ بِخَلْعِ الأنْدادِ، ثُمَّ تَدَرَّبَ فِيهِ مُتَرَقِّيًا لِثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ الَّذِي بِهِ مِنَ القَلَقِ إنَّما هو الخَوْفُ مِن أنْ يَحْصُلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أذًى فَيُدْرِكُهُ مِنَ الحُزْنِ لِذَلِكَ ما يُهْلِكُهُ قَبْلَ سُرُورِهِ بِظُهُورِ الدِّينِ وقَمْعِ المُعْتَدِينَ، ولَمْ يَكُنْ جُنْبًا ولا سُوءُ ظَنٍّ، لَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَقِيقًا لِحُصُولِ السَّكِينَةِ لَهُ عِنْدَ سَماعِ اسْمِ الشَّرِيفِ الأعْظَمِ الدّالِّ عَلى ذَلِكَ المَقامِ المُذَكِّرِ بِتِلْكَ العَظَمَةِ الَّتِي يَتَلاشى عِنْدَها كُلُّ عَظِيمٍ، ويَتَصاغَرُ في جَنْبِها كُلُّ كَبِيرٍ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ هَذا الِاسْمُ الأعْظَمُ وقُدِّمَ، وأشْرَكَ الصِّدِّيقَ في المَعِيَّةِ وبَدَأ بِالنَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ وما بَعْدَهُ عِلَّةٌ لَهُ. وأمّا بَنُو إسْرائِيلَ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهم مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا ما شاهَدُوا مِن إحْسانِهِ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإظْهارِ تِلْكَ الآياتِ عَلى يَدِهِ حَتّى اسْتَنْقَذَهم بِها مِمّا كانُوا فِيهِ، ومَنَعَ (p-٤٧٦)مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ وحْدَتِهِ مِن سَطَواتِ فِرْعَوْنَ عَلى عَظَمَتِهِ وما كانَ يُواجِهُهُ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ، فَلَمّا رَأوْا جُمُوعَهُ مُقْبِلَةً كانَ حالُهم مُقْتَضِيًا لِلسُّؤالِ عَنْ ذَلِكَ المُحْسِنِ بِإظْهارِ تِلْكَ الآياتِ: هَلْ هو مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ فَيَمْنَعُهُمُ أمْ لا؟ فَلِذَلِكَ قَدْ إنْكارُ الإدْراكِ ثُمَّ إثْباتُ المَعِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الخُصُوصِ بِهِ، وعَبَّرَ عَنِ الإلَهِ بِاسْمِ الرَّبِّ الدّالِّ عَلى ذَلِكَ الإحْسانِ المُذَكَّرِ بِهِ فَقالَ: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢] فَكَأنْ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُ والبَحْرُ أمامَنا والعَدُوُّ وراءَنا؟ فَقالَ ﴿سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] أيْ: إلى ما أفْعَلُ، يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن كانَ مُتَضَلِّعًا بِالسَّيْرِ وقِصَصُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ما ذَكَرْتُها في الأعْرافِ عَنِ التَّوْراةِ، مُسْتَحْضِرًا لِأنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ في صُعُودِهِما إلى الغارِ يَذْكُرُ الرَّصَدَ فَيَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ ﷺ لِيَفْتَدِيَهُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ يَذْكُرُ الطَّلَبَ فَيَتَأخَّرُ ثُمَّ يَذْكُرُ ما عَنِ اليَمِينِ والشَّمالِ فَيَنْتَقِلُ إلَيْهِما، ويَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ قُتِلْتُ أنا فَأنا رَجُلٌ واحِدٌ، وإنْ قُتِلْتَ أنْتَ هَلَكَتِ الأُمَّةُ، وأنَّهُ كانَ عارِفًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَفَّلَ بِإظْهارِ الدِّينِ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُتَضَمِّنِ لِحِراسَةِ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ كانَ بِهِ في هَذا اليَوْمِ مِنَ القَلَقِ ما ذُكِرَ، وكانَ عِنْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ أثْبَتَ النّاسِ، ولِذَلِكَ أتى بِالفاءِ المُعَقِّبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿سَكِينَتَهُ﴾ (p-٤٧٧)أيِ: السُّكُونَ المُبالَغَ فِيهِ المُؤَثِّرَ لِلنُّسُكِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيِ: الصِّدِّيقِ - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - لِأنَّ السَّكِينَةَ لَمْ تُفارِقِ النَّبِيَّ ﷺ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى ﴿نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ قَوْلَهُ: ﴿وأيَّدَهُ﴾ أيِ: النَّبِيَّ ﷺ واخْتِلافُ الضَّمائِرِ هُنا لا يَضُرُّ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُشْتَبَهٍ ﴿بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ الكِرامِ ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ﴾ أيْ: دَعْوَةَ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الكُفْرَ مَن آمَنَ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿السُّفْلى﴾ فَخَيَّبَ سَعْيَهم ورَدَّ كَيْدَهُمْ، ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِما لَهُ سُبْحانَهُ عَلى الدَّوامِ مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ أصْلًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ فَقالَ: ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ونَصَبَها يَعْقُوبُ عَطْفًا عَلى ما سَبَقَ ﴿هِيَ العُلْيا﴾ أيْ: وحْدَها، لا يَكُونُ إلّا ما يَشاءَهُ دائِمًا أبَدًا، فاللَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿عَزِيزٌ﴾ أيْ: مُطْلَقًا يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ وغَيْرَهُ ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يُمْكِنُ أنْ يُنْقَضَ شَيْءٌ مِن مُرادِهِ لِما يَنْصَبُّ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي لا مَطْمَعَ لِأحَدٍ في مُقاوَمَتِها فَلا مَحِيصَ عَنْ نُفُوذِها.

9:41Page 194

ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١

Go forth, whether light or heavy,1 and strive with your wealth and your lives in the cause of Allāh. That is better for you, if you only knew.

ولَمّا بَلَغَتْ هَذِهِ المَواعِظُ مِنَ القُلُوبِ الواعِيَةِ مَبْلَغًا هَيَّأها بِهِ لِلْقَبُولِ، أقْبَلَ عَلَيْها سُبْحانَهُ بِالأمْرِ فَقالَ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ والمُرادُ بِالخِفَّةِ كُلُّ ما يَكُونُ سَبَبًا لِسُهُولَةِ الجِهادِ والنَّشاطِ إلَيْهِ، وبِالثِّقَلِ كُلُّ ما يَحْمِلُ عَلى الإبْطاءِ عَنْهُ؛ وقالَ أبُو حَيّانَ: والخِفَّةُ والثِّقَلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِمَن يُمْكِنُهُ السَّفَرُ بِسُهُولَةٍ ومَن يُمْكِنُهُ بِصُعُوبَةٍ، وأمّا مَن لا يُمْكِنُهُ كالأعْمى (p-٤٧٨)ونَحْوِهِ فَخارِجٌ عَنْ هَذا. انْتَهى.

قالَ البَغَوِيُّ: قالَ الزُّهْرِيُّ: خَرَجَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ الغَزْوَ وقَدْ ذَهَبَتْ إحْدى عَيْنَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ عَلِيلٌ صاحِبٌ ضَرَرٍ فَقالَ: اسْتَنْفَرَ اللَّهُ الخَفِيفَ والثَّقِيلَ، فَإنْ لَمْ يُمْكِنِّي الحَرْبُ كَثَّرْتُ السَّوادَ وحَفِظْتُ المَتاعَ؛ ورَوى أبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أنَسٍ أنَّ أبا طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَرَأ سُورَةَ بَراءَةَ فَأتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لا أرى رَبِّي يَسْتَنْفِرُنِي شابًّا وشَيْخًا! جَهِّزُونِي، فَماتَ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ جَزِيرَةً يَدْفِنُونَهُ فِيها إلّا بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ فَما تَغَيَّرَ.

﴿وجاهِدُوا﴾ أيْ: أوْقِعُوا جُهْدَكم لِيَقَعَ جُهْدُ الكُفّارِ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سِياقِ المُعاتَبَةِ لِمَن تَثاقَلَ إلى الأرْضِ عَنِ الجِهادِ عِنْدَ الِاسْتِنْفارِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَ سَبَبُ التَّثاقُلِ ما كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ العُسْرَةِ في المالِ والشَّدَّةِ بِالحَرِّ وما كانَ مِن طِيبِ الظِّلالِ في أراضِي الجِنانِ وقْتَ الأخْذِ في اسْتِواءِ الثِّمارِ - كَما هو مَشْهُورٌ في السِّيَرِ؛ اقْتَضى المَقامُ هُنا تَقْدِيمَ المالِ والنَّفْسِ بِخِلافِ ما مَضى؛ فَإنَّ الكَلامَ كانَ في المُفاضَلَةِ بَيْنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ وخِدْمَةِ البَيْتِ ومَن يَحُجُّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي صادَفَ وقْتُ نُزُولِها بَعْدَ مَواطِنِ الجِهادِ وطُولِ المُفارَقَةِ لِلْأمْوالِ والأوْلادِ وقَدَّمَ المالَ لِأنَّ النَّظَرَ إلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ: (p-٤٧٩)قِلَّتِهِ، ومَحَبَّةِ الإقامَةِ في الحَدائِقِ إيثارًا لِلتَّمَتُّعِ بِها وخَوْفًا مِن ضَياعِها مَعَ أنَّ بِها قِوامَ الأنْفُسِ، فَصارَ النَّظَرُ إلَيْها هو الحامِلَ عَلى الشُّحِّ بِالأنْفُسِ فَقالَ تَعالى: ﴿بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: بِهِما مَعًا عَلى ما أمْكَنَكم أوْ بِأحَدِهِما ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْلى أيْ: حَتّى لا يَبْقى مِنهُ مانِعٌ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ: الأمْرُ العَظِيمُ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ حاصِلٌ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: خاصٌّ بِكُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ بِمَعْنى أنَّ عِبادَةَ المُجاهِدِ بِالجِهادِ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ القاعِدِ بِغَيْرِهِ كائِنًا ما كانَ، كَما قالَ ﷺ لِمَن سَألَهُ: هَلْ يُمْكِنُ بُلُوغُ دَرَجَةِ المُجاهِدِ؟ فَقالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَقُومَ فَلا تَفْتُرُ وتَصُومَ فَلا تُفْطِرُ؟ وخَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ هَذا الأمْرَ وإنْ كانَ عامًّا فَإنَّما يَنْتَفِعُ بِهِ ذَوُو الأذْهانِ الصّافِيَةِ والمَعالِمِ الوافِيَةِ، فَإنَّ العِلْمَ - ولا يُعَدُّ عِلْمًا إلّا النّافِعُ - يَحُثُّ عَلى العَمَلِ وعَلى إحْسانِهِ بِإخْلاصِ النِّيَّةِ وتَصْحِيحِ المَقاصِدِ وتَقْوِيَةِ العَزْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ وضِدُّهُ يُورِثُ ضِدَّهُ.

9:42Page 194

لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٤٢

Had it been a near [i.e., easy] gain and a moderate trip, they [i.e., the hypocrites] would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allāh,1 "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allāh knows that indeed they are liars.

ولَمّا كانَ هَذا العِتابُ مُؤْذِنًا بِأنَّ فِيهِمْ مَن تَباطَأ عَنِ الجِهادِ اشْتِغالًا بِنَحْوِ الأمْوالِ والأوْلادِ، وكانَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ مِنَ الأوامِرِ والزَّواجِرِ والمَواعِظِ جَدِيرًا بِأنْ يُخَفِّفَ كُلَّ مُتَثاقِلٍ ويُنَشِّطَ كُلَّ مُتَكاسِلٍ، تَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى ما اتَّفَقَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ بِهِ في أسالِيبِ البَلاغَةِ المُخْبِرَةِ عَنْ أحْوالِ القاعِدِينَ وأقاصِيصِ الجامِدِينَ المُفْهِمَةِ أنَّ هُناكَ مَن (p-٤٨٠)غَلَبَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِالمَواعِظِ، فالتَفَتَ مِن لُطْفِ الإقْبالِ إلى تَبْكِيتِ المُتَثاقِلِينَ بِأُسْلُوبِ الإعْراضِ المُؤْذِنِ الغَضَبَ المُحَقَّقَ لِلسُّخْطِ المُبَيِّنِ لِفَضائِحِهِمُ المُبَعْثِرِ لِقَبائِحِهِمُ المُخْرِجِ لَهم ما دَخَلُوا فِيهِ مِن عُمُومِ الدُّعاءِ بِاسْمِ الإيمانِ فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ﴾ أيْ: ما تَدْعُو إلَيْهِ ﴿عَرَضًا﴾ أيْ: مَتاعًا دُنْيَوِيًّا ﴿قَرِيبًا﴾ أيْ: سَهْلَ التَّناوُلِ ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ أيْ: وسَطًا عَدْلًا مُقارِبًا ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ رَجاءِ العَرَضِ مَعَ سُهُولَةِ السَّفَرِ لِأنَّ هِمَمَهم قاصِرَةٌ ومَنُوطَةٌ بِالحاضِرِ ﴿ولَكِنْ﴾ أيْ: لَمْ يَتَّبِعُوكَ تَثاقُلًا إلى الأرْضِ ورِضًى بِالفانِي الحاضِرِ مِنَ الباقِي الغائِبِ لِأنَّها ﴿بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أيِ: المَسافَةُ الَّتِي تُطْوى بِذَرْعِ الأرْجُلِ بِالمَسِيرِ فَيَحْصُلُ بِها النَّكالُ والمَشَقَّةُ فَلَمْ يُوازِ ما يَحْصُلُ لَهم بِها مِنَ التَّعَبِ ما يَرْجُونَهُ مِنَ العَرَضِ، فاسْتَأْذَنُوكَ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى ذَمِّهِمْ بِسُفُولِ الهِمَمِ ودَناءَةِ الشِّيَمِ بِالعَجْزِ والكَسَلِ والنَّهَمِ والثِّقَلِ، وإلى أنَّ هَذا الدِّينَ مَتِينٌ لا يَحْمِلُهُ إلّا ماضِي الهَمِّ صادِقُ العَزْمِ كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎إذا هَمَّ ألْقى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَزْمَهُ وأعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ العَواقِبِ جانِبا

فَلِلَّهِ دَرُّ أُولِي العَزائِمِ والصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ والمَغارِمِ! ولَمّا ذَمَّهم بِالشُّحِّ بِالدُّنْيا، أتْبَعَهُ وصْمَهم بِالسَّماحِ بِالدِّينِ فَقالَ مُخْبِرًا عَمّا سَيَكُونُ مِنهم عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ: ﴿وسَيَحْلِفُونَ﴾ أيِ: المُتَخَلِّفُونَ بِإخْبارٍ مُحَقَّقٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ عِنْدَ رُجُوعِكم إلَيْهِمْ جَمْعًا إلى ما انْتَهَكُوا مِن حُرْمَتِكَ بِالتَّخَلُّفِ عَنْكَ لِانْتِهاكِ حُرْمَةِ اللَّهِ (p-٤٨١)بِالكَذِبِ قائِلِينَ: واللَّهِ ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا﴾ أيِ: الخُرُوجَ إلى ما دَعَوْتُمُونا إلَيْهِ ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ يَحْلِفُونَ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: بِهَذا الحَلِفِ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ حَياتَها لِأنَّهم كَذَبُوا فِيهِ فانْتَهَكُوا حُرْمَةَ اسْمِ اللَّهِ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ الأعْظَمَ المُحِيطَ عِلْمًا وقُدْرَةً سُبْحانَهُ: ﴿يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ إهْلاكِ أنْفُسِهِمْ والفَضِيحَةِ عِنْدَ اللَّهِ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِهِمْ في أنَّهم غَيْرُ مُسْتَطِيعِينَ، وجَزاءُ الكاذِبِ في مِثْلِ ذَلِكَ الغَضَبُ المُؤَبَّدُ المُوجِبُ لِلْعَذابِ الدّائِمِ المُخَلَّدِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском