Al-Biqa'iAt‑Tawbah · 9:43–50

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:43–50

9:43Page 194

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣

Allāh has pardoned you, [O Muḥammad, but] why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

ولَمّا بَكَّتَهم عَلى وجْهِ الإعْراضِ لِأجْلِ التَّخَلُّفِ والحَلِفِ عَلَيْهِ كاذِبًا، أقْبَلَ إلَيْهِ ﷺ بِالعِتابِ في لَذِيذِ الخِطابِ عَلى الِاسْتِرْسالِ في اللِّينِ لَهم والِائْتِلافِ وأخْذِ العَفْوِ وتَرْكِ الخِلافِ إلى هَذا الحَدِّ، فَقالَ مُؤْذِنًا بِأنَّهم ما تَخَلَّفُوا إلّا بِإذْنِهِ ﷺ لِأعْذارٍ ادَّعَوْها كاذِبِينَ فِيها كَما كَذَبُوا في هَذا الحَلِفِ، مُقَدِّمًا لِلدُّعاءِ عَلى العِتابِ لِشِدَّةِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ واللُّطْفِ بِهِ ﷺ: ﴿عَفا اللَّهُ﴾ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴿عَنْكَ﴾ وهَذا كَما كانَتْ عادَةُ العَرَبِ في مُخاطَبَتِهِمْ لِأكابِرِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا: أصْلَحَ اللَّهُ الأمِيرَ، والمَلِكَ - ونَحْوَ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَأْذَنُ إلّا لِما يَرى أنَّهُ يُرْضِي اللَّهَ مِن تَألُّفِهِمْ ونَحْوِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَرْضى مِنهُ تَرْكَ الإذْنِ فَقالَ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ عَنْكَ تَمَسُّكًا بِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِاللِّينِ لَهم والصَّفْحِ عَنْهم مُوافِقًا لِما جُبِلْتَ عَلَيْهِ مِن مَحَبَّةِ الرِّفْقِ، وهَذا إنَّما (p-٤٨٢)كانَ في أوَّلِ الأمْرِ لِخَوْفِ التَّنازُعِ والفِتْنَةِ، وأمّا الآنَ فَقَدْ عَلا الدِّينُ وتَمَكَّنَ أمْرُ المُؤْمِنِينَ فالمَأْمُورُ بِهِ الإغْلاظُ عَلى المُنافِقِينَ فَهَلّا تَرَكْتَ الإذْنَ لَهم ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ﴾ أيْ: غايَةَ البَيانِ ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أيْ: في التِزامِ الأوامِرِ بِما أقَرُّوا بِهِ مِن كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ﴿وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ: فِيما أظْهَرُوا مِنَ الإيمانِ بِاللِّسانِ، فَإنَّكَ إنْ لَمْ تَأْذَنْ لَهم لَقَعَدُوا بِلا إذْنٍ غَيْرَ مُراعِينَ مِيثاقَهُمُ الَّذِي واثَقُوكَ عَلَيْهِ بِالطّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ والمَنشَطِ والمَكْرَهِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: و”حَتّى“ غايَةُ الِاسْتِفْهامِ. انْتَهى؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ وإنْ كانَ داخِلًا عَلى فِعْلٍ مُثْبَتٍ فَمَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ: ما لَكَ لَمْ تَحْمِلْهم عَلى الغَزْوِ مَعَكَ لِيَتَحَقَّقَ بِذَلِكَ الحَمْلِ مَن يُطِيعُ ومَن يَعْصِي، فالحاصِلُ أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ ﷺ حَسَنٌ مُوافِقٌ لِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ؛ فَإنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى بَلْ عَنْ أمْرِ اللَّهِ إمّا بِإيحاءٍ واصِلٍ جَدِيدٍ، أوِ اسْتِنادٍ إلى وحْيٍ سابِقٍ حاصِلٍ عَتِيدٍ، والَّذِي أشارَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أحْسَنُ مَثَلٍ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ [الفتح: ٢] مِن بابِ ”حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ“ ومِن بابِ التَّرْقِيَةِ مِن مَقامٍ عالٍ إلى مَقامٍ أعْلى تَسْيِيرًا فِيهِمْ بِالعَدْلِ لِما انْكَشَفَ أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلِ الفَضْلِ؛ قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في آخِرِ كِتابِ: ”العُرْوَةُ في تَفاوُتِ وجْهِ الخِطابِ فِيما بَيْنَ (p-٤٨٣)ما أُنْزِلَ عَلى وفْقِ الوَصِيَّةِ أوْ أُنْزِلَ عَلى حُكْمِ الكِتابِ“: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ العالَمِينَ وخَلَّقَهُ بِالعَفْوِ والمَعْرُوفِ، كَما ورَدَ في الكُتُبِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”وأجْعَلُ العَفْوَ والمَعْرُوفَ خُلَقَهُ“ وبِذَلِكَ وصّاهُ كَما ورَدَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أوْصانِي رَبِّي مِن غَيْرِ تُرْجُمانٍ ولا واسِطَةٍ بِسَبْعِ خِصالٍ: بِخَشْيَةِ اللَّهِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، وأنْ أصِلَ مَن قَطَعَنِي، وأصْفَحَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأُعْطِيَ مَن حَرَمَنِي، وأنْ يَكُونَ نُطْقِي ذِكْرًا، وصَمْتِي فِكْرًا، ونَظَرِي عِبْرَةً“».

فَكانَ فِيما أوْصاهُ بِهِ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى مِن غَيْرِ تُرْجُمانٍ ولا واسِطَةٍ أنْ يَصِلَ مَن قَطَعَهُ ويَصْفَحَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، ولا أقْطَعَ لَهُ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ وصَدَّ عَنْهُ، فَكانَ هو ﷺ - بِحُكْمِ ما بُعِثَ بِهِ وجُبِلَ عَلَيْهِ ووُصِّيَ بِهِ - مُلْتَزِمًا لِلْعَفْوِ عَمَّنْ ظَلَمَهُ والوَصْلِ لِمَن قَطَعَهُ إلّا أنْ يُعْلِنَ عَلَيْهِ بِالإكْراهِ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ والرُّجُوعِ إلى حَقِّ العَدْلِ والِاقْتِصاصِ والِانْتِصافِ المُخالِفِ لِسِعَةِ وصِيَّتِهِ المُوافِقِ لِما نُقِلَ مِن أحْكامِ سُنَنِ الأوَّلِينَ في مُؤاخَذَتِهِمْ بِالحَقِّ والعَدْلِ إلى جامِعِ شِرْعَتِهِ لِيُوجِدَ فِيها نَحْوَ مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الحَقِّ والعَدْلِ وإنْ قَلَّ، ولِتَفَضُّلِ شِرْعَتِهِ بِما اخْتَصَّ هو بِهِ ﷺ مِنَ البِعْثَةِ بِسِعَةِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠] ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] فَمِنَ القُرْآنِ (p-٤٨٤)ما أُنْزِلَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي بُعِثَ لَهُ وجُبِلَ عَلَيْهِ ووُصِّيَ بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩] وأصْلُ مَعْناهُ في مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فَمًا كانَ مِنَ المُنَزَّلِ عَلى هَذا الوَجْهِ تَعاضَدَتْ فِيهِ الوَصِيَّةُ والكِتابُ وقَبِلَهُ هو ﷺ جِبِلَّةً وحالًا وعَمَلًا ولَمْ تَكُنْ لَهُ عَنْهُ وقْفَةٌ لِتَظافُرِ الأمْرَيْنِ وتَوافُقِ الخِطابَيْنِ: خِطابِ الوَصِيَّةِ، وخِطابِ الكِتابِ؛ وهَذا الوَجْهُ مِنَ المُنَزَّلِ خاصٌّ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي هو خاصٌّ بِهِ ﷺ، لَمْ يُؤْتَهُ أحَدٌ قَبْلَهُ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] ومِنَ القُرْآنِ ما أُنْزِلَ عَلى حُكْمِ العَدْلِ والحَقِّ المُتَقَدِّمِ فَضْلُهُ في سُنَنِ الأوَّلِينَ وكُتُبِ المُتَقَدِّمِينَ وإمْضاءِ عَدْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في المُؤاخَذِينَ والِاكْتِفاءِ بِوَصْلِ الواصِلِ وإبْعادِ المُسْتَغْنِي والإقْبالِ عَلى القاصِدِ والِانْتِقامِ مِنَ الشّارِدِ، وذَلِكَ خِلافُ ما جَبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ وما وصّى بِهِ حَبِيبَهُ ﷺ؛ فَكانَ ﷺ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ -أيْ مِنَ الكِتابِ- عَلى مُقْتَضى الحَقِّ وإمْضاءِ (p-٤٨٥)العَدْلِ تَرَقَّبَ تَخْفِيفَهُ وتَرَجّى تَيْسِيرَهُ حَتّى يُعْلَنَ عَلَيْهِ بِالإكْراهِ في أخْذِهِ والتِزامِ حُكْمِهِ فَحِينَئِذٍ يَقُومُ لِلَّهِ بِهِ ويُظْهِرُ عُذْرَهُ في إمْضائِهِ فَيَكُونُ لَهُ في خِطابِ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِ في أخْذِهِ أعْظَمُ مَدْحٍ وأبْلَغُ ثَناءٍ مِنَ اللَّهِ ضِدَّ ما يَتَوَهَّمُهُ الجاهِلُونَ، فَمِمّا أُنْزِلَ إنْباءً عَنْ مَدْحِهِ بِتَوَقُّفِهِ عَلى إمْضاءِ حُكْمِ العَدْلِ والحَقِّ رَجاءً تَدارُكِ الخَلْقِ واسْتِعْطافِ الحَقِّ ما هو نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ونَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] ونَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] ومِمّا أُنْزِلَ عَلى وجْهِ الإعْلانِ عَلَيْهِ بِما هو عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ وتَوَقُّفِهِ عَلى الأخْذِ بِسُنَنِ الأوَّلِينَ حَتّى يُكْرَهَ عَلَيْهِ لِيَقُومَ عُذْرُهُ في الِاقْتِصارِ عَلى حُكْمِ الوَصِيَّةِ وحالِ الجِبِلَّةِ ما هو نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [هود: ١٧] ونَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] ونَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] أيْ: لا تَتَوَقَّفْ لِطَلَبِ الرَّحْمَةِ لَهم كَما - يَتَوَقَّفُ المُمْتَرِي في الشَّيْءِ أوِ الشّاكُّ فِيهِ لِما قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ لِأُمَّتِهِ (p-٤٨٦)مِن حَظٍّ مِن مَضاءِ كَلِمَةِ العَدْلِ فِيهِمْ وحَقِّ كَلِمَةِ العَذابِ عَلَيْهِمْ وإجْراءِ بَعْضِهِمْ دُونَ كُلِّهِمْ عَلى سُنَّةِ مَن تَقَدَّمَهم مِن أهْلِ الكُتُبِ الماضِيَةِ في المُؤاخَذَةِ بِذُنُوبِهِمْ وإنْفاذِ حُكْمِ السَّطْوَةِ فِيهِمْ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] ولَمْ يَنْفَعْهُمُ الرُّجُوعُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الآياتِ ﴿آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: ٩١] ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٣] وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مُطالَعٍ بِالعَذابِ راجِعٌ -ولا بُدَّ- عَنْ باطِلِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُ ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [يونس: ٩٨] لِما أبْطَنَ تَعالى في قَلْبِ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ عَزْمًا عَلى هَلاكِهِمْ، أظْهَرَ تَعالى رَحْمَةً عَلَيْهِمْ، ولَمّا مَلَأ نَبِيَّهُ ﷺ رَحْمَةً لِأُمَّتِهِ: كافِرِهِمْ ومُؤْمِنِهِمْ ومُنافِقِهِمْ، أشارَ بِآيٍ مِن إظْهارِ مُؤاخَذَتِهِمْ وأعْلَمَ بِكَفِّ نَبِيِّهِ ﷺ عَنْ تَألُّفِهِمْ وأحْسَبَهُ بِمُؤْمِنِهِمْ دُونَ كافِرِهِمْ ومُنافِقِهِمْ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وكُلُّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ ﷺ قَبْلَ وُقُوعِهِ بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] (p-٤٨٧)﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ٢٣] ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤] ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٣] ”ولِذَلِكَ قالَ ﷺ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤]“أمّا أنا فَلا أشُكُّ ولا أسْألُ"؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ جُمْلَةَ أمْرِ اللَّهِ أنَّ مِنهم مَن يَتَدارَكُهُ الرَّحْمَةُ ومَن يَحِقُّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، ولَكِنَّهُ لا يَزالُ مُلْتَزِمًا لِتَألُّفِهِمْ واسْتِجْلابِهِمْ حَتّى يُكْرَهَ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ بِعَلَنِ خِطابٍ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عبس: ١] ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ [عبس: ٢] ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤] ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥] ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [عبس: ٦] ﴿وما عَلَيْكَ ألا يَزَّكّى﴾ [عبس: ٧] ﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ [عبس: ٨] ﴿وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس: ٩] ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ١٠] ﴿كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١] ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] ونَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧] ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٩] فَهَذِهِ الآيُ ونَحْوَها يَسْمَعُها العالِمُ بِمَوْقِعِها عَلى إكْراهٍ لِنَبِيِّ الرَّحْمَةِ حَتّى يَرْجِعَ إلى عَدْلِ نَبِيِّ المَلْحَمَةِ مِن جُمْلَةِ أمْداحِ القُرْآنِ لَهُ والشَّهادَةِ بِوَفائِهِ بِعَهْدٍ ووَصِيَّةٍ حَتّى تَحَقَّقَ لَهُ تَسْمِيَتُهُ بِنَبِيِّ الرَّحْمَةِ ثابِتًا عَلى الوَصِيَّةِ ونَبِيِّ المَلْحَمَةِ إمْضاءً في وقْتٍ (p-٤٨٨)لِحُكْمِ الحَقِّ وإظْهارِ العَدْلِ، فَهو ﷺ بِكُلِّ القُرْآنِ مَمْدُوحٌ ومَوْصُوفٌ بِالخُلُقِ العَظِيمِ جامِعٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُ الماضِينَ وما اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِن سِعَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ، فَهَذا وجْهُ تَفاوُتِ ما بَيْنَ الوَصِيَّةِ والكِتابِ في مُحْكَمِ الخِطابِ؛ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. انْتَهى.

9:44Page 194

لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ٤٤

Those who believe in Allāh and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving [i.e., fighting] with their wealth and their lives. And Allāh is Knowing of those who fear Him.

ولَمّا فاتَهُ ﷺ مَعْرِفَتُهم بِهَذا الطَّرِيقِ، شَرَعَ العالِمُ بِما في الضَّمائِرِ يَصِفُهم لَهُ بِما يُعَوِّضُ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ عَلى طَرِيقِ الجَوابِ لِلسُّؤالِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ: يَطْلُبُ إذْنَكَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ فِيهِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ الإيمانَ كُلَّ وقْتٍ حَقًّا مِن أنْفُسِهِمْ بِالمَلِكِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ ﴿أنْ﴾ أيْ: في أنْ ﴿يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ بَلْ يُبادِرُونَ إلى الجِهادِ عِنْدَ إشارَتِكَ إلَيْهِ وبَعْثِكَ عُمُومًا عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ عَنْهُ، فَإنَّ الخُلَّصَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ كانُوا يَقُولُونَ: لا نَسْتَأْذِنُهُ ﷺ أبَدًا في الجِهادِ؛ فَإنَّ رَبَّنا نَدَبَنا إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاسْتِئْذانِ! ولَنُجاهِدَنَّ مَعَهُ بِأمْوالِنا وأنْفُسِنا، وكانُوا بِحَيْثُ لَوْ أمَرَهم ﷺ بِالقُعُودِ شَقَّ عَلَيْهِمْ كَما وقَعَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتّى قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا تَرْضى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى!» ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُ مُتَّقٍ بِأخْبارِ اللَّهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ (p-٤٨٩)قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَخافُونَ اللَّهَ كُلُّهم.

9:45Page 194

إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥

Only those would ask permission of you who do not believe in Allāh and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

ولَمّا أخْبَرَ بِالمُتَّقِينَ، عَرَّفَ بِغَيْرِهِمْ عَلى وجْهِ الحَصْرِ تَأْكِيدًا لِتَحْقِيقِ صِفَةِ العِلْمِ بِما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ، فَصارَ الِاسْتِئْذانُ مَنفِيًّا عَنِ المُؤْمِنِينَ مَرَّتَيْنِ، فَثَبَتَ لِلْمُنافِقِينَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ: في مِثْلِ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِالِاسْتِئْذانِ في التَّخَلُّفِ! ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهم إيمانٌ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ نِهايَةُ العَظَمَةِ إيمانًا مُسْتَجْمِعًا لِلشَّرائِطِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ لِأنَّهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا وإنِ ادَّعَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ.

ولَمّا كانَتْ [هَذِهِ] صِفَةَ المُصارِحِينَ بِالكُفْرِ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ المُنافِقُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: تابَعَتِ الوَساوِسَ وتَعَمَّدَتِ المَشْيَ مَعَها حَتّى تَخَلَّقَتْ بِالشَّكِّ؛ ولَمّا كانَ الشّاكُّ لا يَزالُ يَتَجاذَبُهُ حُسْنُ الفِطْرَةِ وسُوءُ الوَسْوَسَةِ، قالَ: ﴿فَهُمْ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم ﴿فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أيْ: بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ دَأْبَ المُتَحَيِّرِ لا يَجْزِمُونَ بِشَيْءٍ مِنهُما وإنْ صَدَّقُوا أنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ فَإنَّ المُشْرِكِينَ يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ ولَكِنَّهُ لا يَنْفَعُهم لِلْإخْلالِ بِشَرْطِهِ، ولَيْسَ اسْتِئْذانُهم في أنْ يُجاهِدُوا لِإرادَةِ الجِهادِ بَلْ تَوْطِئَةً لِأنْ يَقُولُوا إذا أمَرْتَهم بِهِ: إنَّهُ لا عِدَّةَ لَنا في هَذا الوَقْتِ فَأْذَنْ لَنا في التَّخَلُّفِ حَتّى نَسْتَعِدَّ! وقَدْ كَذَبُوا، ما ذَلِكَ بِهِمْ، (p-٤٩٠)إنَّما بِهِمْ أنَّهم لا يُرِيدُونَ الخُرُوجَ مَعَكَ

9:46Page 194

۞ وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٤٦

And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allāh disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."1

﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ﴾ أيْ: قَبْلَ حُلُولِهِ ﴿عُدَّةً﴾ أيْ: قُوَّةً وأُهْبَةً مِنَ المَتاعِ والسِّلاحِ والكُراعِ بِحَيْثُ يَكُونُونَ مُتَّصِفِينَ بِما قَدَّمْتَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى نَحْوِ ما وقَعَ الأمْرُ بِهِ في الأنْفالِ فَيَكُونُونَ كالحاضِرِينَ في صُلْبِ الحَرْبِ الواقِفِينَ في الصَّفِّ قَدِ اسْتَعَدُّوا لَها بِجَمِيعِ عُدَّتِها ﴿ولَكِنْ﴾ لَمْ يُرِيدُوا ذَلِكَ قَطُّ فَلَمْ يُعِدُّوا لَهُ عُدَّةً، فَمَلّا أمَرْتَ بِهِ شَرَعُوا يَعْتَلُّونَ بِعَدَمِ العُدَّةِ وما ذاكَ بِهِمْ، إنَّما مانِعُهُمُ كَراهَتُهم لِلْخُرُوجِ وذَلِكَ بِسَبَبِ أنْ ﴿كَرِهَ اللَّهُ﴾ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ بِأنْ فَعَلَ فِعْلَ الكارِهِ فَلَمْ يُرِدِ ﴿انْبِعاثَهُمْ﴾ أيْ: سَيْرَهم مَعَكَ مُطاوَعَةً لِأمْرِهِمْ بِذَلِكَ لِما عَلِمَ مِن عَدَمِ صَلاحِيَتِهِمْ لَهُ ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أيْ: حَبَسَهم عَنْهُ حَبْسًا عَظِيمًا بِما شَغَلَهم بِما بِما حَبَّبَ إلَيْهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ وكَرَّهَ إلَيْهِمْ مِنَ ارْتِكابِ المَشَقّاتِ بِسَبَبِ أنَّهم لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخْشَوْنَ غَيْرَ السَّيْفِ عِقابًا، قَصَرُوا هِمَمَهُمُ الدَّنِيَّةَ عَلى الصِّفاتِ البَهِيمِيَّةِ، فَلَمّا اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمُ الشَّهَواتُ ومَلَكَتْهُمُ الأنْفُسُ الدَّنِيّاتُ نُودُوا مِن قِبَلِها: إلى أيْنَ تَخْرُجُونَ؟ ﴿وقِيلَ﴾ أيْ: لَهم لَمّا أسْرَعُوا الإقْبالَ إلَيْها ﴿اقْعُدُوا﴾ أيْ: عَنْ جُنْدِي لا تَصْحَبُوهُمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿مَعَ القاعِدِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ شَأْنُهم ذَلِكَ كالمَرْضى والزَّمْنى والصِّبْيانِ والنِّساءِ - مِنَ التَّبْكِيتِ (p-٤٩١)ما لا يَعْلَمُ مِقْدارَهُ إلّا أُولُو الهِمَمِ العَلِيَّةِ والأنْفُسِ الأبِيَّةِ، وعَبَّرَ بِالمَجْهُولِ إشارَةً إلى أنَّهم يُطِيعُونَ الأمْرَ بِالقُعُودِ حَقِيقَةً ومَجازًا كائِنًا مَن كانَ كَما أنَّهم يَعْصُونَ الأمْرَ بِالنَّفْرِ كائِنًا مَن كانَ لِأنَّ أنْفُسَهم قابِلَةٌ لِلدَّنايا غَيْرُ صالِحَةٍ لِلْمَزايا بِوَجْهٍ.

9:47Page 194

لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah [i.e., chaos and dissension]. And among you are avid listeners to them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ ثَبَّطَهم وقَدْ كُنّا قاصِدِينَ سَفَرًا بَعِيدًا وعَدُوًّا كَثِيرًا شَدِيدًا فَنَحْنُ مُحْتاجُونَ إلى الإسْعادِ ولَوْ بِتَكْثِيرِ السَّوادِ! قِيلَ: و﴿لَوْ﴾ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ لِأنَّهم لَوْ ﴿خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ أيْ: وإنْ كانُوا قَلِيلًا مَعْمُورِينَ بِجَماعاتِكم ﴿ما زادُوكُمْ﴾ أيْ: بِخُرُوجِهِمْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا خَبالا﴾ أيْ: ما أتَوْكم بِشَيْءٍ زائِدٍ عَلى ما عِنْدَكم مِنَ الأشْياءِ غَيْرِ الخَبالِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ والمُسْتَثْنى مِنهُ - المُقَدَّرُ الثّابِتُ لَهُمُ الِاتِّصافُ بِهِ - هو الشَّيْءُ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي اتِّصافَ أحَدٍ مِنهم بِالخَبالِ قَبْلَ خُرُوجِ المُنافِقِينَ، والخَبالُ: الفَسادُ، وهو يُنْظَرُ عَلى الخِداعِ والأخْذِ عَلى غِرَّةٍ ﴿ولأوْضَعُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الإيضاعَ، حَذَفَ المَفْعُولَ إشارَةً إلى أنَّ مُرادَهُمُ الإيضاعُ نَفْسُهُ لا بِقَيْدِ دابَّةٍ، وعَبَّرَ بِالإيضاعِ لِأنَّهُ لِلرّاكِبِ وهو أسْرَعُ مِنَ الماشِي ﴿خِلالَكُمْ﴾ أيْ: لَأسْرَعُوا في السَّيْرِ ذَهابًا وإيابًا بَيْنَكم في تَتَبُّعِ عَوْراتِكم وانْتِظارِ زَلّاتِكم لِيَجِدُوا مِنها مَدْخَلًا إلى الفَسادِ بِالنَّمِيمَةِ وغَيْرِها إنْ لَمْ يَجِدُوها، والإيضاعُ في السَّيْرِ يَكُونُ بِرِفْقٍ ويَكُونُ بِإسْراعٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الإسْراعُ، ومادَّةُ وضَعَ بِجَمِيعِ تَراكِيبِها تَدُورُ عَلى الحَرَكَةِ، وتارَةً تَكُونُ إلى عُلُوٍّ وتارَةً إلى سُفُولٍ، ويَلْزَمُ ذَلِكَ السُّكُونُ والمَحَلُّ القابِلُ لِذَلِكَ، وعَلى ذَلِكَ يَتَمَشّى العُضْوُ والعِوَضُ، وعَوْضٌ الَّذِي هو بِمَعْنى (p-٤٩٢)الدَّهْرِ، وضَوْعُ الرِّيحِ والتَّصْوِيتِ بِالبُكاءِ، والضَّعَةُ لِشَجَرَةٍ في البادِيَةِ، والوَضْعُ لِلطَّرْحِ في مَكانِ والسَّيْرِ اللَّيِّنِ والسَّرِيعِ؛ والخِلالُ جَمْعُ الخَلَلِ وهو الفُرْجَةُ ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ يُرِيدُونَ لَكم ﴿الفِتْنَةَ﴾ أيْ: بِتَشْتِيتِ الشَّمْلِ وتَفْرِيقِ الأصْحابِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] أنَّها الخَلْطَةُ المُمِيلَةُ المَحَلِّيَّةُ، أيْ: يُرِيدُونَ لَكُمُ الشَّيْءَ الَّذِي يُصِيبُكم فَغَيَّرَ حالَتَكم إلى ما يَسُوءُكم فَيَسُرُّهم ﴿وفِيكُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ فِيكم ﴿سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ: في غايَةِ القَبُولِ لِكَلامِهِمْ لِضِعْفِ مَعارِفِهِمْ وآرائِهِمْ.

ورُبَّما كانَ سَماعُهم مِنهم مُؤَدِّيًا إلى مَطْلُوبِهِمْ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي أخْبَرَكم بِهَذا مِن حالِهِمْ ولَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِهِمْ، فَثِقُوا بِأخْبارِهِمْ. هَكَذا كانَ الأصْلُ وإنَّما قالَ: ﴿بِالظّالِمِينَ﴾ إشارَةً إلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ الشَّقاءَ بِمَنعِهِمْ عَنْ مَوْطِنِ الخَيْرِ، وتَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ بِالعِلْمِ بِهِمْ وبِمَن سَمِعَ لَهم وبِكُلِّ ظالِمٍ، والحاصِلُ أنَّهُ شَبَّهَ سَعْيَهم فِيهِمْ بِالفَسادِ بِمَن يُوضَعُ بِعِيرُهُ في أرْضٍ فِيها أجْرامٌ شاخِصَةٌ مُتَقارِبَةٌ، فَهو في غايَةِ الِالتِفاتِ إلى مَعْرِفَةِ ما فِيها مِنَ الفَرَجِ والتَّأمُّلِ لِذَلِكَ حَذَرًا مِن أنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأجْرامِ فَيَسْقِيهِ كَأْسَ الحِمامِ، فَلا شُغْلَ لَهم إلّا بُغْيَةُ فَسادِكم بِعَدَمِ وُصُولِكم إلى شَيْءٍ مِن مُرادِكم.

9:48Page 195

لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨

They had already desired dissension before and had upset matters for you1 until the truth came and the ordinance [i.e., victory] of Allāh appeared, while they were averse.

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ، وحَثَّ عَلى قَبُولِ أخْبارِهِمْ بِما وصَفَ (p-٤٩٣)بِهِ ذاتَهُ الأقْدَسَ مِن إحاطَةِ العِلْمِ، شَرَعَ يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلى ما قالَ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأشْياءَ تَقَدَّمَتْ مُشاهَدَتُها مِنهُمْ، فَقالَ مُعَلِّلًا لِما أخْبَرَ بِهِ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا﴾ أيْ: طَلَبُوا طَلَبًا عَظِيمًا كُلُّهم لَكم ﴿الفِتْنَةَ﴾ أيْ: لِتَشْتِيتِكم ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ هَذِهِ الغَزْوَةِ في يَوْمِ أُحُدٍ بِكَسْرِ قُلُوبِ العَسْكَرِ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ حَتّى كادَ بَعْضُهم أنْ يَفْشَلَ وفي المُرَيْسِيعِ بِما قالَ ابْنُ أُبَيٍّ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وفي غَزْوَةِ الخَنْدَقِ بِما وقَعَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ في أخْذِ كُنُوزِ كِسْرى وقَيْصَرَ والإرْجافِ بِكم في نَقْضِ بَنِي قُرَيْظَةَ وغَيْرِ ذَلِكَ كَما صَنَعُوا قَبْلَهُ في غَزْوَةِ قَيْنُقاعَ والنَّضِيرِ في قَصْدِهِمْ تَقْوِيَةَ كُلٍّ مِنهم عَلَيْكم وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِن أيّامِ اللَّهِ الَّتِي عَكَسَ فِيها قُصُودَهم وأنْعَسَ جُدُودَهم ﴿وقَلَّبُوا﴾ أيْ: تَقْلِيبًا كَثِيرًا ﴿لَكَ الأُمُورَ﴾ أيِ: الَّتِي لَكَ فِيها أذًى ظَهْرًا لِبَطْنٍ بِإحالَةِ الآراءِ وتَدْبِيرِ المَكايِدِ والحِيَلِ لَعَلَّهم يَجِدُونَ فُرْصَةً في نَقْضِ أمْرِكَ يَنْتَهِزُونَها أوْ ثُغْرَةً في حالَةٍ يُوَسِّعُونَها، وامْتَدَّ بِهِمُ الحالُ في هَذا المِحالِ ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ: الثّابِتُ الَّذِي لا مِراءَ في مُزاوَلَتِهِ مِمّا تَقَدَّمَ بِهِ وعْدُهُ سُبْحانَهُ مِن إظْهارِ الدِّينِ وقَمْعِ المُفْسِدِينَ ﴿وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيِ: المُتَّصِفُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ حَتّى لا مَطْمَعَ لَهم في سَتْرِهِ ﴿وهم كارِهُونَ﴾ أيْ: لِجَمِيعِ (p-٤٩٤)ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ لَهم مَطْمَعٌ في مُحاوَلَةٍ بِمُواجَهَةٍ ولا مُخاتَلَةٍ فَصارَ هَمُّهُمُ الآنَ الِاعْتِزالَ والمُبالَغَةَ في إخْفاءِ الأحْوالِ وسَتْرِ الأفْعالِ والأقْوالِ.

9:49Page 195

وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٩

And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen.1 And indeed, Hell will encompass the disbelievers.

ولَمّا أجْمَلَهم في هَذا الحُكْمِ، وكانَ قَدْ أشارَ إلى أنَّ مِنهم مَن كانَ قَدِ اسْتَأْذَنَ في الخُرُوجِ تَوْطِئَةً لِلِاعْتِذارِ عَنْهُ، شَرَعَ يَفْصِلُهُمْ، وبَدَأ المُفَصَّلِينَ بِمَن صَرَّحَ بِالِاسْتِئْذانِ في القُعُودِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا﴾ [التوبة: ٤٨] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ﴾ أيْ: في جِبِلَّتِهِ تَجْدِيدُ هَذا القَوْلِ مِن غَيْرِ احْتِشامٍ ﴿ائْذَنْ لِي﴾ أيْ: في التَّخَلُّفِ عَنْكَ ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ أيْ: تَكُنْ سَبَبًا في فِتْنَتِي بِالحَزْمِ بِالأمْرِ بِالنَّفْرِ فَأفْتَتِنُ إمّا بِأنْ أتَخَلَّفَ فَأكُونَ مُصارِحًا بِالمَعْصِيَةِ أوْ أُسافِرَ فَأمِيلَ إلى نِساءِ بَنِي الأصْفَرِ فَأرْتَدَّ عَنِ الدِّينِ فَإنَّهُ لا صَبْرَ لِي عَنِ النِّساءِ، وقائِلُ ذَلِكَ هو الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ، كانَ مِنَ الأنْصارِ مُنافِقًا.

ولَمّا أظْهَرُوا أنَّهم قَصَدُوا البُعْدَ مِن شَيْءٍ فَإذا هم قَدِ ارْتَكَبُوا فِيهِ، انْتُهِزَتْ فُرْصَةُ الإخْبارِ بِذَلِكَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ بِإدْخالِ نافٍ عَلى نافٍ لِتَحْصِيلِ الثُّبُوتِ الأكِيدِ بِإقْرارِ المَسْؤُولِ فَقِيلَ: ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أيْ: بِما قالُوا وفَعَلُوا، فَصارَتْ ظَرْفًا لَهم فَوَضَعُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ في جَهَنَّمَ، وفي التَّعْبِيرِ بِالسُّقُوطِ دَلالَةٌ عَلى انْتِشابِهِمْ في أشْراكِ الفِتْنَةِ انْتِشابًا سَرِيعًا بِقُوَّةٍ فَصارَ يَعْسُرُ خَلاصُهم مَعَهُ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إحاطَةِ الفِتْنَةِ - الَّتِي أسْقَطُوا أنْفُسَهم فِيها - بِهِمْ، وإنَّما قالَ: ﴿بِالكافِرِينَ﴾ (p-٤٩٥)تَعْمِيمًا وتَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ.

9:50Page 195

إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ ٥٠

If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before,"1 and turn away while they are rejoicing.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما الفِتْنَةُ الَّتِي سَقَطُوا فِيها فَأحاطَتْ بِهِمْ جَهَنَّمُ بِسَبَبِها؟ قِيلَ: ﴿إنْ﴾ أيْ: هي كَوْنُهم أنْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِإحاطَةِ جَهَنَّمَ بِهِمْ، وكَأنَّهم - لِأجْلِ أنَّهم مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ فالأنْصارُ أُقارِبُهم - خَصُّوا النَّبِيَّ ﷺ بِالعَداوَةِ وشَدِيدِ الحَنَقِ، وكَذا أيْضًا كانَ لا يَسُوءُهم ويَسُرُّهم مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ إلّا ما لَهُ وقْعٌ - بِما أذِنَ بِهِ التَّعْبِيرُ بِالإصابَةِ دُونَ المَسِّ - لا ما دُونَهُ، حِفْظًا لِقُلُوبِ أقارِبِهِمْ ورَعْيًا لِأسْرارِ نِسائِهِمْ، فَقالَ إشارَةً إلى ذَلِكَ: ﴿تُصِبْكَ﴾ أيْ: بِتَقْدِيرِ اللَّهِ ذَلِكَ ﴿حَسَنَةٌ﴾ أيْ: بِنَصْرٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ أيْ: لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الضِّغْنِ والمَرَضِ ﴿وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ أيْ: نَكْبَةٌ وإنْ صَغُرَتْ كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿يَقُولُوا﴾ أيْ: سُرُورًا وتَبَجُّحًا بِحُسْنِ آرائِهِمْ ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا﴾ أيْ: عَصَيْنا الَّذِي أمَرَنا ولَمْ نُسْلِمْ قِيادَنا لِأحَدٍ فَنَكُونُ كالأعْمَهِ؛ لِأنَّ الأمْرَ الحادِثَةُ وضِدُّ النَّهْيِ، ومِنهُ الأمِيرُ، رَجُلٌ إمَّرٌ وإمَّرَةٌ - بِتَشْدِيدِ المِيمِ المَفْتُوحَةِ مَعَ كَسْرِ الهَمْزَةِ وتُفْتَحُ: ضَعْفُ الرَّأْيِ، يُوافِقُ كُلَّ أحَدٍ عَلى ما يُرِيدُ مِن أمْرِهِ كُلِّهِ، وهو الأعْمَهُ (p-٤٩٦)وزْنًا ومَعْنًى ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المُصِيبَةُ، فَلَمْ نَكُنْ مُؤْتَمِرِينَ بِأمْرٍ فَيُصِيبُنا فَلَمْ يَكُنْ ما أصابَ مَن تَبِعَهُ، فَكانَ أمْرُهم - لَوْ كانُوا مُطِيعِينَ - كانَ شَيْئًا مُتَحَقِّقًا بِيَدِ الآمِرِ، فَلَمّا عَصَوْهُ كانُوا كَأنَّهم قَدْ أخَذُوهُ مِنهُ.

ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا بَعِيدًا عَنِ الِاسْتِقامَةِ، فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ لا يُقالَ، وإنْ قِيلَ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُسْتَقالَ بِالمُباراةِ إلى الرُّجُوعِ عَنْهُ والِاسْتِغْفارِ مِنهُ، أشارَ تَعالى إلى تَمادِيهِمْ فِيهِ فَقالَ: ﴿ويَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: عَنْ مَقامِهِمْ هَذا الَّذِي قالُوا فِيهِ ذَلِكَ وإنْ طالَ إلى أهالِيهِمْ ﴿وهم فَرِحُونَ﴾ أيْ: لِمُصِيبَتِكم لِكُفْرِهِمْ ولِخَلاصِهِمْ مِنها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском