Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:76–84
9:76Page 199
فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٧٦
But when He gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.
﴿فَلَمّا آتاهُمْ﴾ وكَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ تَقْرِيرًا لَمّا قالَهُ المَعاهِدُ تَأْكِيدًا لِلْإعْلامِ بِأنَّهُ لا حَقَّ عَلَيْهِ لِأحَدٍ ولا صُنْعَ فِيما يُنْعِمُ بِهِ ولا قُدْرَةَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ أيْ: كَذَبُوا فِيما عاهَدُوا عَلَيْهِ وأكَّدُوهُ غايَةَ التَّأْكِيدِ، فَلَمْ يَتَصَدَّقُوا بَلْ مَنَعُوا الحَقَّ الواجِبَ إظْهارُهُ فَضْلًا عَنْ صَدَقَةِ السِّرِّ ﴿وتَوَلَّوْا﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ الإعْراضَ عَنِ الطّاعَةِ لِمَن تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِقُبْحِ نَقْضِ العَهْدِ؛ ولَمّا كانَ التَّوَلِّي قَدْ يُحْمَلُ عَلى ما بِالجَسَدِ فَقَطْ قالَ: ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: بِقُلُوبِهِمْ، والإعْراضُ وصْفٌ لَهم لازِمٌ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُمْ، بَلْ كانَ غَرِيزَةً فِيهِمْ ونَحْنُ عالِمُونَ بِها مِن حِينِ أوْقَعُوا العَهْدَ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: قالَ الضَّحّاكُ: هم نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ وجَدُّ بْنُ قَيْسٍ ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ وفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. انْتَهى.
9:77Page 199
فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ٧٧
So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allāh in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.
وحَسَّنَ تَعْقِيبَها بِها أيْضًا أنَّ في الأُولى كُفْرانَ نِعْمَةِ الغِنى مِن غَيْرِ عَهْدٍ، وفي هَذِهِ كُفْرانُها مَعَ العَهْدِ فَهو تَرَقٍّ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، ودَلَّ (p-٥٥٤)عَظِيمُ شَأْنِ العَهْدِ بِتَعْظِيمِ الجَزاءِ عَلى خِيانَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأعْقَبَهُمْ﴾ أيِ اللَّهُ أوِ التَّمادِي عَلى البُخْلِ جَزاءً عَلى ذَلِكَ ﴿نِفاقًا﴾ مُتَمَكِّنًا ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: بِأنْ لا يَزالُوا يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ أيْ: بِالمَوْتِ عِنْدَ فَوْتِ الفَوْتِ ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ﴾ أيْ: وهو المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿ما وعَدُوهُ﴾ لِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ؛ ولَمّا كانَ إخْلافُ الوَعْدِ شَدِيدَ القَباحَةِ، وكانَ مُرْتَكِبُهُ غَيْرَ مُتَحاشٍ مِن مُطْلَقِ الكَذِبِ قالَ: ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ الكَذِبَ دائِمًا مَعَ الوَعْدِ ومُنْفَكًّا عَنْهُ، فَقَدِ اسْتَكْمَلُوا النِّفاقَ؛ عاهَدُوا فَغَدَرُوا، ووَعَدُوا فَأخْلَفُوا، وحَدَّثُوا فَكَذَبُوا.
9:78Page 199
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٧٨
Did they not know that Allāh knows their secrets and their private conversations and that Allāh is the Knower of the unseen?
ولَمّا كانَتِ المُعاهَدَةُ سَبَبًا لِلْإغْناءِ في الظّاهِرِ، وكانَ ذَلِكَ رُبَّما كانَ مَظِنَّةً لِأنْ يَتَوَهَّمَ مَن لا عِلْمَ لَهُ أنَّ ذَلِكَ لِخَفاءِ أمْرِ البَواطِنِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكانَ الحُكْمُ هُنا وارِدًا عَلى القَلْبِ بِالنِّفاقِ الَّذِي هو أقْبَحُ الأخْلاقِ مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ لِصاحِبِهِ عَلى التَّخَلُّصِ مِنهُ، كانَ ذَلِكَ أدُلَّ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما في كُلِّ قَلْبٍ مِن صاحِبِ ذَلِكَ القَلْبِ، فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِالإنْكارِ عَلى مَن لا يَعْلَمُ ذَلِكَ والتَّوْبِيخِ لَهُ والتَّقْرِيعِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ وهو ما أخْفَتْهُ صُدُورُهم ﴿ونَجْواهُمْ﴾ أيْ: ما فاوَضَ فِيهِ بَعْضُهم بَعْضًا، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾ (p-٥٥٥)أيْ: كُلِّها، أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ تَعالى لا يُخادِعُ لِعِلْمِهِ بِالعَواقِبِ فَيَخْشَوْا عاقِبَتَهُ فَيُوفُوا بِعَهْدِهِ، وفائِدَةُ الإعْطاءِ مَعَ عِلْمِهِ بِالخِيانَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والحَسَنُ: ”ألَمْ تَعْلَمُوا“ بِالتّاءِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ. انْتَهى.
وفائِدَةُ الِالتِفاتِ الإشارَةُ إلى أنَّ هَذا العِلْمَ إنَّما يَنْفَعُ مِن هُيِّئَ لِلْإيمانِ.
9:79Page 199
ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٩
Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allāh will ridicule them, and they will have a painful punishment.
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَكْفِهِمْ كُفْرانَ نِعْمَةِ الغِنى مِن غَيْرِ مُعاهَدَةٍ حَتّى ارْتَكَبُوا الكُفْرانَ بِمَنعِ الواجِبِ مَعَ المُعاهَدَةِ، أخْبَرَ أنَّهُ لَمْ يَكْفِهِمْ أيْضًا ذَلِكَ حَتّى تَعَدَّوْهُ إلى عَيْبِ الكُرَماءِ الباذِلِينَ بِصِفَةِ حُبِّهِمْ لِرَبِّهِمْ ما لَمْ يُوجِبْهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ تَعالى مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ تَصْلُحُ لِجَمِيعِ ما مَضى مِن أقْسامِهِمْ إفْهامًا لِأنَّهم كُلَّهم كانُوا مُتَخَلِّقِينَ بِذَلِكَ وإنْ لَمْ يَقُلْهُ إلّا بَعْضُهُمْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ أيْ: يَعِيبُونَ في خَفاءٍ ﴿المُطَّوِّعِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ واجِبٌ في أمْوالِهِمْ فَهم يَتَصَدَّقُونَ ويُحِبُّونَ إخْفاءَ صَدَقاتِهِمْ - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الإدْغامُ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ ولَمّا كانَ ما مَضى شامِلًا لِلْمُوسِرِ والمُعْسِرِ، نَصَّ عَلى المُعْسِرِ لِزِيادَةِ فَضْلِهِ وإشارَةً إلى أنَّ الحَثَّ عَلى قَلِيلِ الخَيْرِ كالحَثِّ عَلى كَثِيرِهِ فَقالَ عاطِفًا عَلى: ﴿المُطَّوِّعِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ﴾ أيْ: مِنَ المالِ ﴿إلا جُهْدَهُمْ﴾ أيْ: طاقَتَهُمُ الَّتِي أجْهَدُوا أنْفُسَهم فِيها حَتّى بَلَغُوها.
(p-٥٥٦)ولَمّا كانَ اللَّمْزُ هو العَيْبَ، وهو يَنْظُرُ إلى الخَفاءِ كالغَمْزِ، ومادَّتُهُ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى اللُّزُومِ، والمَعْنى: يُلْزِمُونَ المُطَوِّعِينَ عَيْبًا ولا يُظْهِرُونَ ذَلِكَ لِكُلِّ أحَدٍ وإنَّما يَتَخافَتُونَ بِهِ فِيما بَيْنَهُمْ، وهو يَرْجِعُ إلى الهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ ولَمّا كانَ لا شَيْءَ أعْظَمُ لِلشَّخْصِ مِن أنْ يَتَوَلّى العَظِيمُ الِانْتِقامَ لَهُ مِن ظالِمِهِ، قالَ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ﴾ أيْ: وهو الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِغَيْرِهِ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: جازاهم عَلى فِعْلِهِمْ بِأهْلِ حِزْبِهِ، وزادَهم قَوْلَهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: بِما كانُوا يُؤْلِمُونَ القُلُوبَ مِن ذَلِكَ، وإذا حُوقِقُوا عَلَيْهِ دَفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما يَرْدَعُهم عَنْهُ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ «عَنْ أبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمّا أُمِرْنا بِالصَّدَقَةِ كُنّا نَتَحامَلُ، فَجاءَ أبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صاعٍ، وجاءَ إنْسانٌ بِأكْثَرَ مِنهُ، فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذا، وما فَعَلَ هَذا الآخَرُ إلّا رِياءً، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ الآيَةَ».
9:80Page 200
ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٨٠
Ask forgiveness for them, [O Muḥammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allāh forgive them. That is because they disbelieved in Allāh and His Messenger, and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.
ولَمّا كانَ ﷺ مَعْرُوفًا بِكَثْرَةِ الِاحْتِمالِ وشَدَّةِ اللِّينِ المُشِيرِ إلَيْهِ ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] لِلْمُبالَغَةِ في اسْتِجْلابِهِمْ والحِرْصِ عَلى نَجاةِ جَمِيعِ الخَلْقِ فَكانَ مَعْرُوفًا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم تارَةً عَلى وجْهِ الخُصُوصِ بِسُؤالِهِمْ عِنْدَ اعْتِذارِهِمْ وحَلِفِهِمْ وتارَةً عَلى وجْهِ العُمُومِ عِنْدَ اسْتِغْفارِهِ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، أخْبَرَهُ تَعالى مِن عاقِبَةِ أمْرِهِ بِما يُزَهِّدُهُ (p-٥٥٧)فِيهِمْ لِيُعْرِضَ عَنْهم أصْلًا ورَأْسًا؛ لِأنَّهم تَجاوَزُوا حَقَّ اللَّهِ في تَرْكِ الجِهادِ ومَنعِ الصَّدَقَةِ وحَقُّهُ ﷺ في لَمْزِهِ في الصَّدَقاتِ ووَصْفِهِ بِما يَجِلُّ عَنْهُ إلى حُقُوقِ المُجاهِدِينَ الَّذِينَ هو سُبْحانَهُ خَلِيفَتُهم في أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ مَعَ ما سَبَقَ في عِلْمِهِ لِلْمُنافِقِينَ مِن أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهم فَقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ﴾ أيِ: اطْلُبِ الغُفْرانَ ﴿لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيِ: اسْتَوى في أمْرِهِمُ اسْتِغْفارُكَ لَهم وتَرْكُهُ ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ﴾ أيْ: تَسْألُ الغُفْرانَ ﴿لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ أوِ المُبالَغَةِ؛ ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِاسْتِواءِ الأمْرَيْنِ: الِاسْتِغْفارِ وتَرَكِهِ رُبَّما كانَ مُسَبَّبًا عَنِ الغُفْرانِ ورُبَّما كانَ مُسَبَّبًا عَنِ الخُسْرانِ، عَيَّنَهُ في هَذا الثّانِي فَقالَ: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي قَضى بِشَقائِهِمْ وهو الَّذِي لا يُرَدُّ أمْرُهُ ﴿لَهُمْ﴾ وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالسَّبْعِينَ عَلى ما ظَهَرَ في المَآلِ المُبالِغَةُ في أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ولَوْ غَفَرَ لَهم لِشَيْءٍ لَكانَ لِقَبُولِ شَفاعَةِ نَبِيِّهِ ﷺ، والعَرَبُ تُبالِغُ بِما فِيهِ لَفْظُ السَّبْعَةِ؛ لِأنَّها غايَةٌ مُسْتَقْصاةٌ جامِعَةٌ لِأكْثَرِ أقْسامِ العَدَدِ، وهي تَتِمَّةُ عَدَدِ الخَلْقِ كالسَّماواتِ والأرْضِ والبِحارِ والأقالِيمِ والأعْضاءِ.
ولَمّا كانَ ﷺ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى رُشْدِهِمْ ونَفْعِهِمْ، (p-٥٥٨)وكانَ حَقِيقَةُ نَظْمِ الآيَةِ التَّخْيِيرَ في الِاسْتِغْفارِ وتَرْكِهِ ونَفْيِ المَغْفِرَةِ بِالِاسْتِغْفارِ بِالعَدَدِ المَحْصُورِ في سَبْعِينَ، جَعَلَ ﷺ الآيَةَ مُقَيِّدَةً لِما في سُورَةِ المُنافِقِينَ فاسْتَغْفَرَ لِابْنِ أُبَيٍّ وصَلّى عَلَيْهِ وقامَ عَلى قَبْرِهِ وصَرَّحَ بِأنَّهُ لَوْ يَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ زادَ عَلى السَّبْعِينَ قُبِلَ لَزادَ، واسْتَعْظَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ مِنهُ ﷺ وشَرَعَ يُمْسِكُهُ بِثَوْبِهِ ويَقُولُ: أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ! لِأنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مِنَ الآيَةِ غَيْرَ المَجازِ لِما عِنْدَهُ مِن بُغْضِ المُنافِقِينَ، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ فَرَأى التَّمَسُّكَ بِالحَقِيقَةِ لِما في الرِّفْقِ بِالخَلِيفَةِ مِن جَمِيلِ الطَّرِيقَةِ بِتَحْصِيلِ الِائْتِلافِ الواقِعِ لِلْخِلافِ وغَيْرِهِ مِنَ الفَوائِدِ وجَلِيلِ العَوائِدِ، ولِذَلِكَ كانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لَمّا نَزَلَ النَّهْيُ الصَّرِيحُ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِن جَراءَتِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ أيْ: تَفَطَّنْتُ بَعْدَ هَذا الصَّرِيحِ أنَّ ذَلِكَ الأوَّلَ كانَ مُحْتَمَلًا وإلّا لَأنْكَرَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلَيْهِ، وفي مُوافَقَةِ اللَّهِ تَعالى لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنقَبَةٌ شَرِيفَةٌ لَهُ، وقَدْ وافَقَهُ اللَّهُ تَعالى مَعَ هَذا في أشْياءَ كَثِيرَةٍ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَألَهُ أنْ يُعْطِيَهِ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أباهُ فَأعْطاهُ، ثُمَّ سَألَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ؛ وفي رِوايَةٍ في اللِّباسِ، فَأعْطاهُ قَمِيصَهُ وقالَ: إذا فَرَغْتَ فَآذِنّا، فَلَمّا فَرَغَ آذَنَهُ فَجاءَ، وفي رِوايَةٍ: فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٥٥٩)لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقامَ عُمَرُ فَأخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! تُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّما خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وسَأزِيدُهُ عَلى السَّبْعِينَ؛ وفي رِوايَةٍ: لَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْها، قالَ: إنَّهُ مُنافِقٌ. فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] إلى: ﴿وهم فاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] فَتَرَكَ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ، قالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِن جَراءَتِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ». واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ.
ولَهُ في أواخِرِ الجِهادِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ أُتِيَ بِالأُسارى وأُتِيَ بِالعَبّاسِ ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصًا فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَكَساهُ النَّبِيُّ ﷺ إيّاهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَمِيصَهُ الَّذِي ألْبَسَهُ،» قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: كانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَدٌ فَأحَبَّ أنْ يُكافِئَهُ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ في اللِّباسِ أنَّهُ قالَ: «أتى النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ ما أُدْخِلَ قَبْرَهُ فَأمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ووُضِعَ عَلى رُكْبَتَيْهِ ونَفَثَ عَلَيْهِ مِن رِيقِهِ وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ». انْتَهى.
فَكَأنَّ ابْنَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَحى مِن أنْ يُؤْذِنَ النَّبِيَّ ﷺ بِهِ لِما كانَ يَعْلَمُ مِن نِفاقِهِ، أوْ آذَنَهُ ﷺ بِهِ فَصادَفَ مِنهُ شُغْلًا فَدَفَنَهُ فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٥٦٠)بَعْدَ إدْخالِهِ القَبْرَ وقَبْلَ تَمامِ الدَّفْنِ فَأخْرَجَهُ تَطْيِيبًا لِخاطِرِ ابْنِهِ الرَّجُلِ الصّالِحِ ودَفْعًا لِما قَدْ يَتَوَهَّمُهُ مِن إحْنَةٍ عَلَيْهِ وتَأْلِيفًا لِغَيْرِهِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ قالَ ﷺ: إنِّي أُؤَمِّلُ مِنَ اللَّهِ أنْ يَدْخُلَ في الإسْلامِ كَثِيرٌ بِهَذا السَّبَبِ، فَأسْلَمَ ألْفٌ مِنَ الخَزْرَجِ لِما رَأوْهُ طَلَبَ الِاسْتِشْفاءِ بِثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ هو الَّذِي طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُكَفِّنَهُ في قَمِيصِهِ، وتَعَطُّفُهُ عَلَيْهِ أدْعى إلى تَراحُمِ المُسْلِمِينَ وتَعاطُفِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وقَوْلُهُ: وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ - بِالواوِ لا يُنافِي الرِّوايَةَ الأُولى، وتُحْمَلُ الرِّوايَةُ الأُولى عَلى أنَّهُ وعَدَهُ إعْطاءَ القَمِيصِ لِمانِعٍ كانَ مِنَ التَّنْجِيزِ وقْتَ السُّؤالِ، فَحُمِلَ الجَزْمُ بِالإعْطاءِ عَلى الوَعْدِ الصّادِقِ ثُمَّ أنْجَزَهُ بَعْدَ إخْراجِهِ مِنَ القَبْرِ - واللَّهُ أعْلَمُ.
ووَرَدَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى طَرِيقِ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما تَقَدَّمَ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ كانَ انْتِهاكًا لِحُرْمَةِ اللَّهِ أوْ لِحَقِّ الرَّسُولِ ﷺ، ولَمْ يَرِدْ فِيهِ أنَّهُ يُهِينُهم بِالإماتَةِ عَلى النِّفاقِ، فَكانَ يَكْفِي فِيهِ اسْتِغْفارُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ، وأمّا هَذانِ القِسْمانِ فَأحَدُهُما أخْبَرَ بِأنَّهُ يُمِيتُهم مُنافِقِينَ، والثّانِي انْتَهَكَ حُرْمَةَ المُخْلِصِينَ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ فَهَلْ يَنْفَعُهُمُ الِاسْتِغْفارُ لَهُمْ؟ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَوى الِاسْتِغْفارُ وعَدَمُهُ في أنَّهُ لا يَنْفَعُهُمْ، وخَتَمَها بِعِلَّةِ عَدَمِ المَغْفِرَةِ في قَوْلِهِ: (p-٥٦١)﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ الَّذِي يَبْعُدُ فِعْلُهُ مِنَ الحَكِيمِ الكَرِيمِ ﴿بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: وهو المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيْ: فَهم لا يَسْتَأْهِلُونَ الغُفْرانَ لِأنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا لِإصْرارِهِمْ عَلى الفِسْقِ وهو مَعْنًى قائِمٌ بِهِمْ في الزِّيادَةِ عَلى السَّبْعِينَ كَما هو قائِمٌ بِهِمْ في الِاقْتِصارِ عَلى السَّبْعِينَ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ لِأنَّهُ جَبَلَهم عَلى الفِسْقِ، وكُلُّ مَن لا يَهْدِيهِ لِأنَّهُ جَلَبَهُ عَلى الفِسْقِ لا يَغْفِرُ لَهُ، فَهو لا يَغْفِرُ لَهم لِما عَلِمَ مِنهم مِمّا لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، فَهو تَمْهِيدٌ لِعُذْرِ النَّبِيِّ ﷺ في اسْتِغْفارِهِ قَبْلَ العِلْمِ بِالطَّبْعِ الَّذِي لا يُمْكِنُ مَعَهُ رُجُوعٌ.
9:81Page 200
فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ ٨١
Those who remained behind1 rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allāh and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allāh and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intense in heat" - if they would but understand.
ولَمّا عَلَّلَ سُبْحانَهُ عَدَمَ المَغْفِرَةِ بِفِسْقِهِمْ، وأتى بِالظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إشارَةً إلى اتِّصافِهِمْ بِهِ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ، عَلَّلَ رُسُوخَهم في الفِسْقِ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ أنَّ المُنافِقِينَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ فَهم كالجَسَدِ الواحِدِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ وقَعَ تَخْلِيفُهم بِإذْنِكَ لَهم وكَراهَةِ اللَّهِ لِانْبِعاثِهِمْ ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ أيْ: قُعُودِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهَذا المَصْدَرِ لِصَلاحِيَتِهِ لِمَوْضِعِ القُعُودِ لِيَكُونَ بِدَلالَتِهِ عَلى الفَرَحِ أعْظَمَ دَلالَةً عَلى الفَرَحِ بِالمَوْضُوعِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وأظْهَرَ الوَصْفَ بِالتَّخَلُّفِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ زِيادَةً في تَهْجِينِ ما رَضُوا بِهِ لِأنْفُسِهِمْ، وزادَهُ تَهْجِينًا أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿خِلافَ﴾ أيْ: بَعْدَ وخَلْفَ أوْ لِأجْلِ خِلافِ ﴿رَسُولِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي مَن (p-٥٦٢)تَخَلَّفَ عَنْ حِزْبِهِ هَلَكَ ﴿وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا﴾
ولَمّا كانَ هَذا في سِياقِ الأمْوالِ تارَةً بِالرِّضى بِنَيْلِها والسُّخْطِ بِحِرْمانِها، وتارَةً بِقَبْضِ اليَدِ عَنْ بَذْلِها، وتارَةً بِالِاسْتِمْتاعِ بِالخِلافِ الَّذِي هو النَّصِيبُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِالمالِ أوِ النَّفْسِ، وتارَةً بِعَيْبِ الباذِلِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شَأْنِها قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرِيقِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ باعِثُ الإيمانِ وداعِي الإيقانِ الَّذِي بَعَثَ المُؤْمِنِينَ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى عَراقَتِهِمْ في الفِسْقِ بِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَفْعَلُ المَعْصِيَةَ ويَحْزَنُ عَلى فِعْلِها وهَؤُلاءِ سُرُّوا بِها مَعَ ما فِيها مِنَ الدَّناءَةِ، وقَدْ يُسَرُّ الإنْسانُ بِالمَعْصِيَةِ ولا يَكْرَهُ أنْ يَكُونَ بَدَلَها أوْ مَعَها طاعَةٌ وهَؤُلاءِ ضَمُّوا إلى سُرُورِهِمْ بِها كَراهِيَةَ الطّاعَةِ، وقَدْ يَكْرَهُ ولا يَنْهى غَيْرَهُ وهَؤُلاءِ جَمَعُوا إلى ذَلِكَ كُلِّهِ نَهْيَ غَيْرِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ ﴿وقالُوا﴾ أيْ: لِغَيْرِهِمْ ﴿لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ بُعْدًا مِنَ الإسْلامِ وعَمًى عَنْ سَيِّدِ الأحْكامِ؛ لِأنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ كانَتْ في شِدَّةِ الحَرِّ.
ولَمّا كانَ هَذا قَوْلَ مَن لَمْ تَخْطُرِ الآخِرَةُ عَلى بالِهِ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَحْذَرَ مَن يُصْغِي إلَيْهِمْ أوْ يُقْبِلُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: يا أعْلَمَ بِخَلْقِنا اسْتِجْهالًا لَهم ﴿نارُ جَهَنَّمَ﴾ أيِ: الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ لِمَن خالَفَ أمْرَهُ ﴿أشَدُّ حَرًّا﴾ ولَفْتُ الكَلامِ إلى الغَيْبَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ (p-٥٦٣)أعْظَمَ المُرادِ بِهَذا الوَعْظِ ضُعَفاءُ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ طَمَعًا في الحِلْمِ فَقالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانُوا﴾ أيِ: المُنافِقُونَ ﴿يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ بِهِمْ فَهْمٌ يَعْلَمُونَ بِهِ صِدْقَ الرَّسُولِ وقُدْرَةَ مُرْسِلِهِ عَلى ما تَوَعَّدَ بِهِ لَعَلِمُوا ذَلِكَ فَما كانُوا يَفِرُّونَ مِنَ الحَرِّ إلى أشَدَّ حَرًّا مِنهُ؛ لِأنَّ مَن فَرَّ مِن حَرِّ ساعَةٍ إلى حَرِّ الأبَدِ كانَ أجْهَلَ الجُهّالِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما ظَهَرَ مِنَ النِّفاقِ والهُزْءِ مِنَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ المُنافِقِينَ ذَكَرَ حالَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ، يَعْنِي في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ انْتَهى.
فَتَكُونُ الآيَةُ حِينَئِذٍ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَذِهِ أحْوالُ مَن خَرَجَ فَما حالُ مَن قَعَدَ؟ وقَدْ خَرَجَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأوْصافِ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ ورَفِيقاهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ونَحْوَهم مِمَّنْ لَمْ يَفْرَحْ بِالقُعُودِ ولا اتَّصَفَ بِما ذُكِرَ مَعَهُ مِن أوْصافِهِمْ.
9:82Page 200
فَلۡيَضۡحَكُواْ قَلِيلٗا وَلۡيَبۡكُواْ كَثِيرٗا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٢
So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.
ولَمّا كانَ غايَةُ السُّرُورِ الضَّحِكَ، وكانَ اللّازِمُ لَهم في الآخِرَةِ البُكاءَ في دارِ الشَّقاءِ الَّذِي هو غايَةُ الحُزْنِ لَهُمْ، فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها، قالَ تَعالى مُهَدِّدًا لَهم مُسَبِّبًا عَنْ قَبِيحِ ما ذُكِرَ مِن فِعْلِهِمْ مُخْبِرًا في صُورَةِ الأمْرِ إيذانًا بِأنَّهُ أمْرٌ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا﴾ أيْ: فَلْيَتَمَتَّعُوا في هَذِهِ الدّارِ بِفَرْحَتِهِمْ بِمَقْعَدِهِمُ التَّمَتُّعَ الَّذِي غايَةُ السُّرُورِ بِهِ الضَّحِكُ - يَسِيرًا، فَإنَّها دارُ قَلْعَةٍ وزَوالٍ وانْزِعاجٍ وارْتِحالٍ ﴿ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ أيْ: في نارِ جَهَنَّمَ الَّتِي أغْفَلُوا ذِكْرَ حَرُورِها وأهْمَلُوا الِاتِّقاءَ مِن شَدِيدِ سَعِيرِها (p-٥٦٤)بَدَلَ ذَلِكَ الضَّحِكِ القَلِيلِ كَما اسْتَبْدَلُوا حَرَّها العَظِيمَ بِحَرِّ الشَّمْسِ الحَقِيرِ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: مِنَ الفَرَحِ بِالمَعاصِي والسُّرُورِ بِالشَّهَواتِ والِانْهِماكِ في اللَّذّاتِ.
9:83Page 200
فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ ٨٣
If Allāh should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."
ولَمّا كانَ المَسْرُورُ بِشَيْءٍ الكارِهُ لِضِدِّهِ النّاهِي عَنْهُ لا يَفْعَلُ الضِّدَّ إلّا تَكَلُّفًا ولا قَلْبَ لَهُ إلَيْهِ وكانَ هَذا الدِّينُ مَبْنِيًّا عَلى العِزَّةِ والغِنى، أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مُسَبِّبًا عَنْ فَرَحِهِمْ بِالتَّخَلُّفِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها فَلَهُ الغِنى المُطْلَقُ عَنْ سَفَرِكَ هَذا ﴿إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: وهُمُ الَّذِينَ يَمُدُّ اللَّهُ في أعْمارِهِمْ إلى أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِمْ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أهْلَكَ سُبْحانَهُ في غَيْبَتِهِ بَعْضَهُمْ، فَأرَدْتَ الخُرُوجَ إلى سَفَرٍ آخَرَ ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ﴾ أيْ: طَلَبُوا أنْ تَأْذَنَ لَهم ﴿لِلْخُرُوجِ﴾ أيْ: مَعَكَ في سَفَرِكَ ذَلِكَ ﴿فَقُلْ﴾ عُقُوبَةً لَهم وغِنًى عَنْهم وعِزَّةً عَلَيْهِمْ ناهِيًا لَهم بِصِيغَةِ الخَبَرِ لِيَكُونَ صِدْقُكَ فِيهِ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ وبُرْهانًا مِن بَراهِينِ الرِّسالَةِ ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ أيْ: في سَفَرٍ مِنَ الأسْفارِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أغْنانِي عَنْكم وأحْوَجَكم إلَيَّ ﴿ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ لِأنَّكم جَعَلْتُمْ أنْفُسَكم في عِدادِ رَبّاتِ الحِجالِ ولا تَصْلُحُونَ لِقِتالٍ؛ والتَّقْيِيدُ بِالمَعِيَّةِ كَما يُؤْذِنُ بِاسْتِثْقالِهِمْ يُخْرِجُ ما كانَ بَعْدَهُ ﷺ مَعَ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِن سَفَرِهِمْ وقِتالِهِمْ.
(p-٥٦٥)ولَمّا أخْزاهم سُبْحانَهُ بِما أخْزَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ﴾ أيْ: عَنِ التَّشَرُّفِ بِمُصاحَبَتِي، ولَمّا كانَتِ الأوَّلِيّاتُ أدُلَّ عَلى تَمَكُّنِ الغَرائِزِ مِنَ الإيمانِ والكُفْرانِ وغَيْرِها قالَ: ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ومَن فاتَنا يَكْفِيهِ أنّا نَفُوتُهُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: فَعَلَّلَ بِالمُسَبِّبِ وهو الرِّضى النّاشِئُ عَنِ السَّبَبِ وهو النِّفاقُ. انْتَهى.
ولَمّا أنْهى الحَكَمَ والعِلَّةَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِهَذا الوَصْفِ الَّذِي مِن جُمْلَةِ مَعانِيهِ: الفاسِدُ؛ فَهم لا يَصْلُحُونَ لِجِهادٍ ولا يُلْفَوْنَ أبَدًا في مُواطِنِ الأمْجادِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، أوِ النِّساءُ والصِّبْيانُ أوْ أدْنِياءُ النّاسِ أوِ المُخالِفُونَ أوِ المَرْضى والزَّمْنى أوْ أهْلُ الفَسادِ، والأوْلى الحَمْلُ عَلى الجَمِيعِ، أيْ: لِأنَّ المُرادَ تَبْكِيتُهم وتَوْبِيخُهُمْ،
9:84Page 200
وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨٤
And do not pray [the funeral prayer, O Muḥammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allāh and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ الكَلامَ في الِاسْتِغْفارِ وتَعْلِيلِهِ إلى أنْ خَتَمَ بِإهانَةِ المُتَخَلِّفِينَ، وكانَ القَتْلُ المُسَبَّبَ عَنِ الجِهادِ سَبَبًا لِتَرْكِ الصَّلاةِ عَلى الشَّهِيدِ تَشْرِيفًا لَهُ، جُعِلَ المَوْتُ الواقِعُ في القُعُودِ المَرْضِيِّ بِهِ عَنِ الجِهادِ سَبَبًا لِتَرْكِ الصَّلاةِ إهانَةً لِذَلِكَ القاعِدِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما أفْهَمَتْ جُمْلَةُ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآيَةَ. مِن نَحْوِ: فَلا تَسْتَغْفِرْ لَهم أصْلًا: ﴿ولا تُصَلِّ﴾ أيِ: الصَّلاةَ الَّتِي شُرِعَتْ لِتَشْرِيفِ المُصَلّى عَلَيْهِ والشَّفاعَةِ فِيهِ ﴿عَلى أحَدٍ مِنهُمْ﴾ ثُمَّ وصَفَ (p-٥٦٦)الأحَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ماتَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أبَدًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ لا بِالمَوْتِ ﴿ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ أيْ: لِأنَّ قِيامَكَ رَحْمَةٌ وهم غَيْرُ أهْلٍ لَها، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها ولَمّا كانَ المَوْتُ عَلى الكُفْرِ مانِعًا مِنَ الصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ بِجَمِيعِ مَعانِيها لَمْ يَحْتَجْ إلى التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ الجارِّ فَقِيلَ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي هو أعْظَمُ النّاسِ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ بِما لَهُ مِن نَصائِحِهِمْ بِالرِّسالَةِ، والمَعْنى أنَّهم لِعِظَمِ ما ارْتَكَبُوا مِن ذَلِكَ لَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ فاسْتَمَرُّوا عَلى الضَّلالَةِ حَتّى ماتُوا عَلى صِفَةٍ مِن وقْعِ النَّهْيِ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهُمُ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٨٠] وذَلِكَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: مُعَبِّرًا بِالماضِي والمَعْنى عَلى المُضارِعِ تَحْقِيقًا لِلْخَبَرِ وأنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ: ﴿وماتُوا وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم بِضَمائِرِهِمْ وظَواهِرِهِمْ ﴿فاسِقُونَ﴾ أيْ: غَرِيقُونَ في الفِسْقِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences