Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
الشمس
Ash-Shams
The Sun · Meccan · 15 ayahs
(p-٦٩)سُورَةُ الشَّمْسِ مَقْصُودُها
إثْباتُ تَصَرُّفِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في النُّفُوسِ الَّتِي هي سَرْجُ الأبْدانِ، تَقُودُها إلى سَعادَةٍ أوْ كَيْدٍ وهَوانٍ ونَكَدٍ، كَما أنَّ الشَّمْسَ سِراجُ الفُلْكِ، يَتَصَرَّفُ سُبْحانَهُ في النُّفُوسِ بِالِاخْتِيارِ إضْلالًا وهِدايَةً ونَعِيمًا وشَقاوَةً
تَصَرُّفُهُ سُبْحانَهُ في الشَّمْسِ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِن صِحَّةٍ واعْتِلالٍ، وانْتِظامٍ واخْتِلالٍ، وكَذا في جَمِيعِ الأكْوانِ، بِما لَهُ مِن عَظِيمِ الشَّأْنِ، واسْمُها الشَّمْسُ واضِحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ بِتَأمُّلِ القَسَمِ [والمُقْسَمِ عَلَيْهِ] بِما أعْلَمَ بِهِ وأشارَ إلَيْهِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ [الَّذِي هُوَ] المَلِكُ الأعْظَمُ فَلَهُ التَّصَرُّفُ العامُّ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ فَإلَيْهِ الإنْعامُ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ مَن شاءَ بِالتَّوْفِيقِ فَبَنى إنْعامَهُ عَلَيْهِمْ عَلى التَّمامِ.
* *
لَمّا أثْبَتَ في سُورَةِ البَلَدِ أنَّ الإنْسانَ في كَبَدٍ، وخَتَمَها بِأنَّ مِن حادَ عَنْ سَبِيلِهِ [كانَ] في أنْكَدِ النَّكَدِ، وهو النّارُ المُؤْصَدَةُ، أقْسَمَ أوَّلَ هَذِهِ عَلى أنَّ الفاعِلَ لِذَلِكَ أوَّلًا وآخِرًا هو اللَّهُ سُبْحانَهُ [لِأنَّهُ] يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وبَيْنَ القَلْبِ ولُبِّهِ، فَقالَ مُقْسِمًا بِما يَدُلُّ عَلى تَمامِ عِلْمِهِ (p-٧٠)وشُمُولِ قُدْرَتِهِ في الآفاقِ عُلْوِيِّها وسُفْلِيِّها، والأنْفُسُ سَعِيدُها وشَقِيُّها، وبَدَأ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ، فَأفادَ ذَلِكَ قَطْعًا العِلْمَ بِأنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ، وعَلى العِلْمِ بِوُجُوبِ ذاتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ، وذَلِكَ أقْصى دَرَجاتِ القُوى النَّظَرِيَّةِ، تَذْكِيرًا بِعَظائِمِ آلائِهِ، لِيَحْمِلَ عَلى الِاسْتِغْراقِ في شُكْرِ نَعْمائِهِ، الَّذِي هو مُنْتَهى [كِمالاتِ] القُوى العَمَلِيَّةِ، مَعَ أنَّ أوَّلَ المُقْسَمِ بِهِ مُذَكِّرٌ بِما خَتَمَ بِهِ آخِرُ تِلْكَ مِنَ النّارِ: ﴿والشَّمْسِ﴾ أيِ الجامِعَةُ بَيْنَ النَّفْعِ والضُّرِّ بِالنُّورِ والحَرِّ، كَما أنَّ العُقُولَ كَذَلِكَ لا أنْوَرَ مِنها إذا نارَتْ، ولا أظْلَمَ مِنها إذا بارَتْ ﴿وضُحاها﴾ أيْ [و] ضَوْئِها النّاشِئُ عَنْ جِرْمِها العَظِيمِ الشَّأْنِ البَدِيعِ التَّكْوِينِ المُذَكِّرِ بِالنِّيرانِ إذا أشْرَقَتْ وقامَ سُلْطانُها كَإشْراقِ أنْوارِ العُقُولِ، والضُّحى - بِالضَّمِّ والقَصْرِ: صَدْرُ النَّهارِ حِينَ ارْتِفاعِهِ، وبِالفَتْحِ والمَدِّ: شِدَّةُ الحَرِّ [بَعْدَ امْتِدادِ النَّهارِ، وشَيْءٌ ضاحٍ - إذا ظَهَرَ لِلشَّمْسِ والحَرِّ].
ولَمّا افْتَتَحَ بِذِكْرِ آيَةِ النَّهارِ، أتْبَعُهُ ذِكْرَ آيَةِ اللَّيْلِ فَقالَ: ﴿والقَمَرِ﴾ أيِ المُكْتَسَبِ مِن نُورِها كَما أنَّ أنْوارَ النُّفُوسِ مِن أنْوارِ العُقُولِ ﴿إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها في الِاسْتِدارَةِ والنُّورِ بِما دَلَّ عَلى أنَّ نُورَهُ مِن نُورِها مِنَ القُرْبِ الماحِقِ لِنُورِهِ والبُعْدِ المُكْتَسَبِ لَهُ في مِقْدارِ ما يُقابِلُها مِن جِرْمِهِ، ولا يَزالُ يَكْثُرُ إلى أنْ تَتِمَّ المُقابَلَةُ فَيَتِمَّ النُّورُ لَيْلَةَ الإبْدارِ (p-٧١)عِنْدَ تَقابُلِهِما في أُفُقِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ومِن ثَمَّ يَأْخُذُ في المُقارَبَةِ فَيَنْقُصُ بِقَدْرِ ما يَنْحَرِفُ عَنِ المُقابَلَةِ، ونِسْبَةُ التَّبَعِ إلَيْهِ مَجازِيَّةٌ أُطْلِقَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَنْظُرُ مِنهُ كَذَلِكَ.
ولَمّا ذَكَرَ الآيَتَيْنِ، ذَكَرَ ما هُما آيَتاهُ، وبَدا بِهِما لِأنَّهُ لا صَلاحَ لَهُ إلّا بِهِما كَما أنَّهُ لا صَلاحَ لِلْبَدَنِ إلّا بِالنَّفْسِ والعَقْلِ فَقالَ: ﴿والنَّهارِ﴾ أيْ بِالَّذِي] هو مَحَلُّ الِانْتِشارِ فِيما جَرَتْ [بِهِ] الأقْدارُ ﴿إذا جَلاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ بِحِلْيَةٍ عَظِيمَةٍ بَعْضُها أعْظَمُ مِن بَعْضٍ بِاعْتِبارِ الطُّولِ والقِصَرِ والصَّحْوِ والغَيْمِ والضَّبابِ والصَّفاءِ والكَدَرِ كَما أنَّ الأبْدانَ تارَةً تُزَكِّي القُلُوبَ والنُّفُوسَ والعُقُولَ وتارَةً تُدَنِّسُها، لِأنَّ العَقْلَ يَكُونُ في غايَةِ الصَّفاءِ والدُّعاءِ إلى الخَيْرِ في حالِ الصِّغَرِ ثُمَّ لا يَزالُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ بِحَسَبِ زَكاءِ البَدَنِ في حُسْنِ الجِبِلَّةِ، أوْ نَجاسَتِهِ بِسُوءِ الجِبِلَّةِ، حَتّى يَصِيرَ الشَّخْصُ نُورًا مَحْضًا مَلِكًا ناطِقًا إذا طابَقَ البَدَنُ العَقْلَ فَتَعاوَنا عَلى الخَيْرِ، أوْ يَصِيرَ ظَلامًا بَحْتًا شَيْطانًا رَجِيمًا إذْ خالَفَ البَدَنُ العَقْلَ بِسُوءِ الجِبِلَّةِ وشَرارَةِ الطَّبْعِ.
ولَمّا ذَكَرَ مَعْدِنَ الضِّياءِ، ذَكَرَ مَحَلَّ الظَّلامِ فَقالَ: ﴿واللَّيْلِ﴾ أيِ الَّذِي هو ضِدُّ النَّهارِ فَهو مَحَلُّ السُّكُونِ والِانْقِباضِ والكُمُونِ (p-٧٢)﴿إذا يَغْشاها﴾ أيْ يُغَطِّي الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ ضَوْءُها حِينَ تَغِيبُ فَتَمْتَدُّ ظِلالُ الأرْضِ عَلى وجْهِها المُماسِّ لَنا، فَيَأْخُذُ الأُفُقَ الشَّرْقِيَّ في الإظْلامِ، ويَمْتَدُّ ذَلِكَ الظَّلامُ بِحَسِبِ طُولِ اللَّيْلِ وقِصَرِهِ كَما يُغَطِّي البَدَنَ نُورُ العَقْلِ بِواسِطَةِ طَبْعِهِ بِخُبْثِهِ ورَداءَةِ عُنْصُرِهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِمَقادِيرَ مَعْلُومَةٍ، ومَوازِينَ قِسْطٍ مَحْتُومَةٍ، لَيْسَ فِيها اخْتِلالٌ، ولا يَعْتَرِيها انْحِلالٌ، حَتّى يُرِيدَ ذُو الجَلالِ، ولَمْ يُعَبِّرْ بِالماضِي كَما في النَّهارِ لِأنَّ اللَّيْلَ لا يَذْهَبُ الضِّياءُ بِمَرَّةٍ بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا، ولا يَنْفَكُّ عَنْ نُورٍ بِخِلافِ النَّهارِ، فَإنَّهُ إذا أبْدى الشَّمْسَ ولَمْ يَكُنْ غَيْمٌ ولا كَدَرٌ جَلّى الشَّمْسَ في آنٍ واحِدٍ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ ظَلامٌ بِوَجْهٍ.
ولَمّا ذَكَرَ الآيَتَيْنِ ومَحَلَّ أثَرِهِما، ذَكَرَ مَحَلَّ الكُلِّ فَقالَ تَعالى: ﴿والسَّماءِ﴾ أيِ الَّتِي هي مَحَلٌّ ذَلِكَ كُلِّهِ ومَجْلاهُ كَما أنَّ الأبْدانَ مَحَلُّ النُّفُوسِ، والنُّفُوسُ مُرَكَّبُ العُقُولِ، ولَمّا رَقّى الأفْكارَ مِن أعْظَمِ المَحْسُوساتِ المُماسَّةِ إلى ما هو دُونَهُ في الحِسِّ وفَوْقَهُ في الِاحْتِياجِ إلى إعْمالِ فِكْرٍ، رُقِيَ إلى الباطِنِ الأعْلى المَقْصُودِ بِالذّاتِ وهو المُبْدِعُ لِذَلِكَ كُلِّهِ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ، مَعَ الدَّلالَةِ بِنَفْسِ الإقْسامِ، عَلى أنَّ لَهُ العِلْمَ التّامَّ، والإحاطَةَ الكُبْرى بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ، تَنْبِيهًا [عَلى] أنَّهم وصَفُوهُ بِالإشْراكِ (p-٧٣)وإنْكارِ الحَشْرِ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ السُّفْلى والمُساواةِ بِالجَماداتِ الَّتِي عَبَدُوها مَعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُدانِي شَيْئًا مِنها، زَجْرًا لَهم بِالإشارَةِ والإيماءِ عَنْ ذَلِكَ ومُشِيرًا إلى شِدَّةِ التَّعْجِيبِ مِنهم لِكَوْنِها أداةَ التَّعَجُّبِ فَقالَ: ﴿وما بَناها﴾ أيْ هَذا البِناءُ المُحْكَمُ الَّذِي رَكَّبَ فِيهِ ما ذَكَرَهُ إشارَةً إلى ما وراءَهُ مِمّا يُعْجِزُ الوَصْفَ.
ولَمّا ذَكَرَ البِناءَ ذَكَرَ المِهادَ فَقالَ: ﴿والأرْضِ﴾ [أيِ] الَّتِي هي فِراشُكم بِمَنزِلَةِ مَحالِّ تَصَرُّفاتِكم بِالعَقْلِ في المَعانِي المَقْصُودَةِ ﴿وما طَحاها﴾ أيْ بَسْطَها عَلى وجْهٍ هي فِيهِ مُحِيطَةٌ بِالحَيَوانِ كُلِّهِ ومُحاطٌ بِها في مُقَعَّرِ الأفْلاكِ، وهي [مَعَ] كَوْنِها مُمْسِكَةً بِالقُدْرَةِ كَأنَّها طائِحَةٌ في تَيّارِ بِحارِها، وهي مَوْضِعُ البُعْدِ والهَلاكِ ومَحِلُّ الجَمْعِ - كُلُّ هَذا بِما يُشِيرُ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِهَذا اللَّفْظِ إشارَةً إلى ما [فِي] سَعْيِ الإنْسانِ مِن أمْثالِ هَذا، قالَ أهْلُ البَصائِرِ: ولَيْسَ في العالَمِ الآفاقِيِّ شَيْءٌ إلّا وفي العالِمِ النَّفْسانِيِّ نَظِيرُهُ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ:
؎دَواؤُكَ فِيكَ وما تَشْعُرُ ∗∗∗ وداؤُكَ مِنكَ وتَسْتَنْكِرُ
؎وتَحْسَبُ أنَّكَ جُزْءٌ صَغِيرٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وفِيكَ انْطَوى العالِمُ الأكْبَرُ
فالسَّماواتُ سَبْعٌ كَطِباقِ الرَّأْسِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالقُوى المَعْنَوِيَّةِ والحِسِّيَّةِ (p-٧٤)كالذّاكِرَةِ والحافِظَةِ والواهِمَةِ والمُخَيَّلَةِ والمُفَكِّرَةِ والحِسِّ المُشْتَرَكِ وما هو لِمُقاسِمِ البَصَرِ في العَيْنِ، ونَظِيرُ الشَّمْسِ الرُّوحُ في إشْراقِهِ وحُسْنِهِ، ونَظِيرُ اللَّيْلِ الطَّبْعُ فَإنَّ ما بِهِ مِن نُورٍ فَإنَّما هو مِنَ الرُّوحِ كَما أنَّ اللَّيْلَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ نُورُهُ إلّا مِنَ الشَّمْسِ بِواسِطَةِ إفادَتِها لِلْقَمَرِ المُنِيرِ لَهُ والكَواكِبِ، ونَظِيرُ النَّهارِ - الَّذِي هو نَيِّرٌ في أصْلِهِ ومُتَكَدِّرٌ بِما يُخَيَّلُ لَهُ مِنَ السُّحُبِ ونَحْوِهِ - القَلْبُ وسُحُبُهُ الشُّكُوكُ والأوْهامُ النَّفْسِيَّةُ، ونَظِيرُ القَمَرِ في ظُلْمَتِهِ بِأصْلِهِ وإنارَتِهِ بِالشَّمْسِ النَّفْسُ، فَإذا أكْسَبَها القَلْبُ المُسْتَفِيدُ مِنَ الرُّوحِ النُّورُ أنارَ جَمِيعَ البَدَنِ، وإذا أظْلَمَتْ أظْلَمَ كُلُّهُ، والأعْضاءُ الباطِنَةُ كالكَواكِبِ يَقُومُ بِها البَدَنُ فَيُنِيرُ لَهُ الوُجُودَ بِواسِطَةِ الرُّوحِ والنَّفْسِ، والأمْطارِ كالدَّمْعِ، والحَرُّ كالحُزْنِ، والبَرْدُ كالسُّرُورِ، والرَّعْدُ كالنُّطْقِ، والبَرْقُ كالمُلِحِّ، والرِّياحِ كالنَّفْسِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ [مِنَ البَدائِعِ] لِمَن تَأمَّلَ، والعالَمُ السُّفْلِيُّ سَبْعُ طِباقٍ أيْضًا، قالَ المَلْوِيُّ: ”ونَظِيرُها طَبَقَةُ الجِلْدِ“ وهي ثَلاثٌ، [و] طَبَقَةُ اللَّحْمِ وطَبَقَةُ الشَّحْمِ (p-٧٥)وطَبَقَةُ العُرُوقِ وطَبَقَةُ العَصَبِ، والجِبالُ كالعِظامِ والمَعادِنِ مِنها المِياهُ وفِيها العَذْبُ كالرِّيقِ والمِلْحِ كالدَّمْعِ والمُرِّ كَما في الأُذُنِ والمُنْتِنِ مِنهُ كَما في الأنْفِ، ومِنهُ ما هو جارٍ كالبَوْلِ، ومِنهُ ما هو كالعُيُونِ وهو الدَّمُ، والسَّيْلُ كالعَرَقِ، والمَعادِنُ المُنْطَبِعَةُ كالحَدِيدِ والرَّصاصِ هي وسَخُ الأرْضِ وهي كالعَذْرَةِ وما يَخْرُجُ مِنَ الجِلْدِ مِن خُبْثٍ، [و] النَّباتُ كالشُّعُورِ تارَةً تُحْلَقُ [كالحَصادِ] وتارَةً تُقْلَعُ كالنَّتْفِ، والحَيَواناتُ الَّتِي فِيها كالقَمْلِ، وطُيُورُها كالبَراغِيثِ، وعامِرُ البَدَنِ ما أقْبَلَ مِنهُ، وخَرابُهُ ما أدْبَرَ.
ولَمّا أتَمَّ الإشارَةَ إلى النُّفُوسِ لِأهْلِ البَصائِرِ، صَرَّحَ بِالعِبارَةِ لِمَن دُونَهم فَقالَ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ﴾ أيْ أيُّ نَفْسٍ جَمَعَ فِيها سُبْحانَهُ العالَمَ بِأسْرِهِ. ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ أعْجَبُ ما في الكَوْنِ وأجْمَعُ، عَبَّرَ فِيها بِالتَّسْوِيَةِ حَثًّا عَلى تَدَبُّرِ أمْرِها لِلِاسْتِدْلالِ عَلى مُبْدِعِها لِلسَّعْيِ في إصْلاحِ شَأْنِها فَقالَ تَعالى: ﴿وما سَوّاها﴾ أيْ عَدَلَها عَلى هَذا القانُونِ الأحْكَمِ في أعْضائِها وما فِيها مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ والمَعانِي وعَجائِبِ المِزاجِ مِنَ الأخْلاطِ المُتَنافِرَةِ الَّتِي لاءَمَ بَيْنَها بِالتَّسْوِيَةِ والتَّعْدِيلِ فَجَعَلَها مُتَمازِجَةً (p-٧٦)وقَدْ أرْشَدَ السِّياقُ والسِّباقُ واللَّحاقُ إلى أنَّ جَوابَ القَسَمِ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: لَقَدْ طَبَّعَ سُبْحانَهُ وتَعالى نُفُوسَكم عَلى طَبائِعَ مُتَبايِنَةٍ هَيَّأها بِها لِما يُرِيدُ مِنَ القُلُوبِ مِن تَزْكِيَةٍ وتَدْسِيَةٍ بِما جَعَلَ لَكم مِنَ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ، وأبْلَغَ في التَّقَدُّمِ إلَيْكم في تَزْكِيَةِ نُفُوسِكم وتَطْهِيرِ قُلُوبِكم لِاعْتِقادِ الحَشْرِ بِما هو أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا لَبْسَ لِتَنْجُوَ مِن عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِالِاتِّصافِ بِالتَّقْوى، والِانْخِلاعِ مِنَ الفُجُورِ والطَّغْوى.
وقالَ الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَلَدِ تَعْرِيفُهُ تَعالى بِما خَلَقَ فِيهِ الإنْسانِ مِنَ الكَبَدِ مَعَ ما جُعِلَ لَهُ سُبْحانَهُ مِن آلاتِ النَّظَرِ، وبَسَطَ لَهُ مِنَ الدَّلائِلِ والعِبَرِ، وأظْهَرَ في صُورَةٍ مَن مَلَكَ قِيادَهُ، ومَيَّزَ رُشْدَهُ وعِنادَهُ ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] وذَلِكَ بِما جُعِلَ لَهُ مِنَ القُدْرَةِ الكَسْبِيَّةِ الَّتِي حَقِيقَتُها اهْتِمامٌ أوْ لِمَ؟ وأنّى بِالِاسْتِبْدادِ والِاسْتِقْلالِ، ثُمَّ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] أقْسَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى فَلاحِ مَنِ اخْتارَ رُشْدَهُ واسْتَعْمَلَ جُهْدَهُ وأنْفَقَ وجْدَهُ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] وخَيْبَةُ مَن غابَ هُداهُ فاتَّبَعَ هَواهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] فَبَيَّنَ حالَ الفَرِيقَيْنِ وسُلُوكَ الطَّرِيقَيْنِ - انْتَهى.
91:8Page 595
فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا ٨
And inspired it [with discernment of] its wickedness and its righteousness,
ولَمّا كانَ أعْجَبُ أُمُورِها الفُجُورُ لِما غَلَبَ سُبْحانَهُ عَلَيْها مِنَ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ، وهي تَعْلَمُ بِما لَها مِن زاجِرِ العَقْلِ بِصَحِيحِ النَّقْلِ أنَّ الفُجُورَ (p-٧٧)أقْبَحُ القَبِيحِ، والتَّقْوى لِما أقامَ عَلَيْها مِن [مِلْكِ] العَقْلِ المَلَكِيِّ وغَرِيزَةِ العِلْمِ النَّوْرانِيِّ أحْسَنُ الحُسْنِ، وتَذَوُّق أنَّ الفُجُورَ أشْهى شَهِيٍّ، وأنَّ التَّقْوى أمَرُّ شَيْءٍ وأصْعَبُهُ، وأثْقَلُهُ وأتْعَبُهُ، قالَ مُعَلِّمًا أنَّ هَذا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ لِأنَّهُ أعْجَبُ مِن جَمِيعِ ما مَضى لِأنَّ البَهِيمَةَ لا تُقْدِمُ عَلى ما يَضُرُّها وهي تُبْصِرُ ولَوْ قَطَعَتْ، والآدَمِيُّ يُقْدِمُ عَلى ما يَضُرُّهُ وهو يَعْلَمُ ويُقاتِلُ مَن مَنَعَهُ مِنهُ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا حَذَفَ مِن جَوابِ القَسَمِ: ﴿فَألْهَمَها﴾ أيِ النَّفْسُ إلْهامَ الفِطْرَةِ السّابِقَةِ الأوْلى قَبْلُ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ﴿فُجُورَها﴾ أيِ انْبِعاثُها في المَيْلِ [مَعَ] دَواعِي الشَّهَواتِ وعَدَمِ الخَوْفِ الحامِلِ عَلى خَرْقِ سِياجِ الشَّرِيعَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الطَّبْعِ الَّذِي عَدَلَ فِيهِ ذاتُها وصِفاتُها في قَسْرِ المُتَنافِراتِ عَلى التَّمازُجِ غايَةَ التَّعْدِيلِ ﴿وتَقْواها﴾ أيْ خَوْفُها الَّذِي أوْجَبَ سُكُونُها وتُحْرِزُها بِوِقاياتُ الشَّرِيعَةِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الفُجُورِ أوَّلًا دالٌّ عَلى السُّكُونِ الَّذِي هو ضِدَّهُ ثانِيًا، وذِكْرُ التَّقْوى ثانِيًا دالٌّ عَلى ضِدِّهِ، وهو عَدَمُ الخَوْفِ أوَّلًا، وإلْهامُها لِلْأمْرَيْنِ هو جَعْلُهُ لَها عارِفَةً بِالخَيْرِ والشَّرِّ مُسْتَعِدَّةً ومُتَهَيِّئَةً لِكُلٍّ مِنهُما؛ ثُمَّ زادَ ذَلِكَ بِالبَيانِ التّامِّ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لُبْسٌ، فَزالَتْ (p-٧٨)الشُّبَهُ عَقْلًا بِالغَرِيزَةِ والإلْهامِ ونَقْلًا بِالرِّسالَةِ والإعْلامِ. ودَلَّ بِالإضافَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَنسُوبٌ إلَيْها ومَكْتُوبٌ عَلَيْها وإنْ كانَ بِخُلُقِهِ وتَقْدِيرِهِ لِأنَّهُ أوْدَعَها قُوَّةً وجَعَلَ لَها اخْتِيارًا صالِحًا لِكُلٍّ مِنَ النَّجْدَيْنِ، وأوْضَحَ أمْرَ النَّجْدَيْنِ في الكُتُبِ وعَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما وهَبَهُ لَها مِنَ الفِطْرَةِ القَوِيمَةِ وأخْفى عَنْها سِرَّ القَضاءِ والقُدْرَةِ وعِلْمَ العاقِبَةِ، فَأقامَ بِذَلِكَ عَلَيْها الحُجَّةَ وأوْضَحَ المَحَجَّةَ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن سَمِعِ هَذا الكَلامَ يَعْلَمُ أنَّ التَّقْوى لا يَكُونُ إلّا مَأْمُورًا بِها، والفُجُورُ لا يَكُونُ إلّا مَنهِيًّا عَنْهُ، فَيَتَوَقَّعُ ما يُقالُ فِيهِما مِمّا يَتَأثَّرُ عَنْهُما، قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ ظَفَرَ بِجَمِيعِ المُراداتِ ﴿مَن زَكّاها﴾ أيْ نَمّاها وأصْلَحَها وصَفّاها تَصْفِيَةً عَظِيمَةً بِما يُسِرُّهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ وطَهَّرَها عَلى ما يُسِرُّهُ لِمُجانَبَتِهِ مِن مَذامِّ الأخْلاقِ لِأنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، والدِّينُ بُنِيَ عَلى التَّحْلِيَةِ والتَّخْلِيَةِ و”زَكّى“ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ
﴿وقَدْ خابَ﴾ أيْ حَرُمَ مُرادُهُ مِمّا أعَدَّ لِغَيْرِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ وخَسِرَ وكانَ سَعْيُهُ باطِلًا ﴿مَن دَسّاها﴾ أيْ أغْواها إغْواءً عَظِيمًا وأفْسَدَها ودَنَّسَ مَحْياها وقَذَرَها وحَقَّرَها وأهْلَكَها بِخَبائِثَ الِاعْتِقادِ ومَساوِئِ الأعْمالِ، وقَبائِحِ النِّيّاتِ والأحْوالِ، وأخْفاها بِالجَهالَةِ والفُسُوقِ، والجَلافَةِ والعُقُوقِ، وأصْلُ ”دَسّى“ دَسَسَ، فالتَّزْكِيَةُ أنْ يَحْرِصَ (p-٧٩)الإنْسانُ عَلى شَمْسِهِ أنْ لا تَكْسِفَ، وقَمَرِهِ أنْ لا يَخْسِفُ، ونَهارِهِ أنْ لا يَتَكَدَّرَ، ولَيْلِهِ ألّا يُطْفى، والتَّدْسِيسُ أقَلُّهُ إهْمالُ الأمْرِ حَتّى تُكْسَفَ شَمْسُهُ، ويُخْسَفَ قَمَرُهُ، ويَتَكَدَّرَ نَهارُهُ، ويَدُومَ لَيْلُهُ، وطُرُقُ ذَلِكَ اعْتِبارُ نَظائِرِ المَذْكُوراتِ مِنَ الرُّوحانِيّاتِ وإعْطاءِ كُلِّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، فَنَظِيرُ الشَّمْسِ هي النُّبُوَّةُ لِأنَّها كُلَّها ضِياءٌ باهِرٌ وصَفاءٌ قاهِرٌ، وضُحاها الرِّسالَةُ وقَمَرُها الوِلايَةُ، والنَّهارُ هو العِرْفانُ، والَيْلُ عَدَمُ طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ بِذِكْرِ اللَّهِ وما جاءَ مِن عِنْدِهِ، وإعْراضُها عَنِ الِانْقِيادِ لِقَبُولِ ما جاءَ مِنَ النُّبُوَّةِ أوِ الوِلايَةِ، والعُلَماءُ العامِلُونَ هم أوْلِياءُ اللَّهِ، قالَ الإمامانِ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنْ لَمْ تَكُنِ العُلَماءُ أوْلِياءَ اللَّهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ ولِيٌّ - رَواهُ عَنْهُما الحافِظُ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ، وهو مَذْكُورٌ في التِّبْيانِ وغَيْرِهِ مِن مُصَنَّفاتِ النَّوَوِيِّ، ونَظِيرُ السَّماءِ العِزَّةُ والتَّرَفُّعُ عَنِ الشَّهَواتِ وعَنْ خُطُواتِ الشَّياطِينِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، والأرْضُ نَظِيرُها التَّواضُعُ لِحَقِّ اللَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ بِإخْراجِهِ المَنافِعَ لَهم كالأرْضِ المُخْرِجَةِ لِنَباتِها، والتَّدْسِيَةُ خِلافُ ذَلِكَ، مَن عَمِلَ بِالسُّوءِ فَقَدْ هَضَمَ نَفْسَهُ وحَقَّرَها (p-٨٠)فَأخْفاها كَما أنَّ اللِّئامَ يَنْزِلُونَ بُطُونَ الأوْدِيَةِ ومَقاطِعَها بِحَيْثُ تَخْفى أماكِنُهم عَلى الطّارِقِينَ، والأجْوادُ يَنْزِلُونَ الرَّوابِيَ، ويُوقِدُونَ النِّيرانَ لِلطّارِقِينَ، ويُشْهِرُونَ أماكِنَهم لِلْمُضِيفِينَ مَنازِلَ الأشْرافِ في الأطْرافِ كَما قِيلَ:
؎قَوْمٌ عَلى المُحْتاجِ سَهْلٌ وصْلُهم ∗∗∗ ومَقامُهم وعْرٌ عَلى الفُرْسانِ
91:11Page 595
كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِطَغۡوَىٰهَآ ١١
Thamūd denied [their prophet] by reason of their transgression,
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّرْهِيبِ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَلَدِ وتَقْدِيمُ الفُجُورِ هُنا، وكانَ التَّرْهِيبُ أحَثُّ عَلى الزَّكاءِ، قالَ دالًّا عَلى خَيْبَةِ المُدَسِّي لِيَعْتَبِرَ بِهِ مِن سَمِعَ خَبَرَهُ لا سِيَّما إنْ كانَ يُعْرَفُ أثَرُهُ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ أنَّثَ فِعْلَهم لِضَعْفِ أثَرِ تَكْذِيبِهِمْ لِأنَّ كُلَّ سامِعٍ لَهُ يَعْرِفُ ظُلْمَهم فِيهِ لِوُضُوحِ آيَتِهِمْ وقَبِيحِ غايَتِهِمْ، وما لَهم بِسُفُولِ الهِمَمِ وقَباحَةِ الشِّيَمِ، وخَصَّهم لِأنَّ آيَتَهم مَعَ أنَّها كانَتْ أوْضَحَ الآياتِ في نَفْسِها هي أدُلُّها عَلى السّاعَةِ، وقُرَيْشٌ وسائِرُ العَرَبِ عارِفُونَ بِهِمْ لِما يَرَوْنَ مِن آثارِهِمْ، ويَتَناقَلُونَ مِن أخْبارِهِمْ ﴿بِطَغْواها﴾ أيْ أوْقَعَتِ التَّكْذِيبَ لِرَسُولِها بِكُلِّ ما أتى بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ ما كانَ لِنُفُوسِهِمْ مِن وصْفِ الطُّغْيانِ، وهو مُجاوَزَةُ القَدْرِ وارْتِفاعُهُ والغُلُوُّ في الكُفْرِ والإسْرافُ في المَعاصِي والظُّلْمِ، أوْ بِما تَوَعَّدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ العاجِلِ وهي الطّاغِيَةُ الَّتِي أُهْلِكُوا (p-٨١)بِها، وطَغى - واوِيٌّ يائِيٌّ يُقالُ: طَغى كَدَعا يَطْغُو طَغْوى وطُغْوانًا - بِضَمِّها كَطُغى يُطْغى، وطَغِيَ كَرَضِيَ طَغْيًا وطُغْيانًا - بِالكَسْرِ والضَّمِّ، فالطَّغْوى - بِالفَتْحِ اسْمٌ، وبِالضَّمِّ مَصْدَرٌ، فَقُلِبَتِ الياءُ - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ يائِيًّا - واوًا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ، واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِهِ دُونَ اليائِيِّ لِقُوَّةِ الواوِ، فَأفْهَمُ أنَّهم بَلَغُوا النِّهايَةَ في تَكْذِيبِهِمْ، فَكانُوا عَلى الغايَةِ مِن سُوءِ تَعْذِيبِهِمْ.
ولَمّا ذَكَرَ تَكْذِيبَهُمْ، دَلَّ [عَلَيْهِ] بِقَوْلِهِ: ﴿إذِ﴾ أيْ تَحَقَّقَ تَكْذِيبُهم أوْ طُغْيانُهم بِالفِعْلِ حِينَ ﴿انْبَعَثَ أشْقاها﴾ أيْ أشَدَّ ثَمُودَ شَقاءً وهو عاقِرُ النّاقَةِ لِلْمُشارَكَةِ في الكُفْرِ والزِّيادَةِ بِمُباشَرَةِ العُقْرِ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، أوْ هو [و] مَن مالاهُ عَلى عَقْرِها، فَإنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ صَلُحَ لِلْواحِدِ والجَمْعِ
91:13Page 595
فَقَالَ لَهُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقۡيَٰهَا ١٣
And the messenger of Allāh [i.e., Ṣāliḥ] said to them, "[Do not harm] the she-camel of Allāh or [prevent her from] her drink."
﴿فَقالَ لَهُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ الِانْبِعاثِ أوِ التَّكْذِيبِ الَّذِي دَلَّ عَلى قَصْدِهِمْ لَها بِالأذى، وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ وعَيَّنَ الإظْهارَ بِالجَلالَةِ [إشارَةً] إلى عَظِيمِ آيَتِهِمْ وبَدِيعِ بِدايَتِهِمْ ونِهايَتِهِمْ فَقالَ: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَتَعْظِيمُهُ مِن تَعْظِيمِ مُرْسِلِهِ وهو صالِحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَذا النّاقَةُ، وعَبَّرَ بِالرَّسُولِ لِأنَّ وظِيفَتَهُ الإبْلاغُ والتَّحْذِيرُ الَّذِي ذُكِرَ هُنا، ولِذا قالَ مُشِيرًا بِحَذْفِ العامِلِ إلى ضِيقِ الحالِ عَنْ ذِكْرِهِ لِعَظِيمِ الهَوْلِ وسُرْعَةِ التَّعْذِيبِ عِنْدَ مَسِّها بِالأذى، وزادَ في التَّعْظِيمِ (p-٨٢)بِإعادَةِ الجَلالَةِ: ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ الجَبَرُوتُ كُلُّهُ فَلا يُقِرُّ مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَهُ واجْتَرَأ عَلى ما أضافَهُ إلَيْهِ، ولِهَذا أعادَ الإظْهارَ دُونَ الإضْمارِ، والعامِلُ: دَعَوْا أوِ احْذَرُوا - أوْ نَحْوُ ذَلِكَ أيِ احْذَرُوا أذاها بِكُلِّ اعْتِبارٍ ﴿وسُقْياها﴾ أيِ الماءُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لَها لِسُقْيَها وهو بِئْرُها، فَلا تَذُودُوها عَنْ بِئْرِها في [اليَوْمِ] الَّذِي تَكُونُ فِيهِ نَوْبَتِها في الشُّرْبِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ، وكَأنَّهُ ﷺ فَهم عَنْهم بَعْدَ مُدَّةٍ أنَّهم يُرِيدُونَ عَقَرَها فَكَرَّرَ عَلَيْهِمُ التَّحْذِيرَ
91:14Page 595
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمۡدَمَ عَلَيۡهِمۡ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمۡ فَسَوَّىٰهَا ١٤
But they denied him and hamstrung1 her. So their Lord brought down upon them destruction for their sin and made it equal [upon all of them].
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ أوْقَعُوا تَكْذِيبَهُ بِسَبَبِ طُغْيانِهِمْ وعَقِبَ أمْرِهِ هَذا الأخِيرِ فِيما حَذَّرَ مِن حُلُولِ العَذابِ، أوْ تَكُونُ الفاءُ هي الفَصِيحَةُ أيْ قالَ لَهم ذَلِكَ فَكانَتْ [بَعْدَهُ] بَيْنَهُ وبَيْنَهم في أمْرِها أُمُورٌ، فَأوْقَعُوا تَكْذِيبَهُ فِيها كُلَّها ﴿فَعَقَرُوها﴾ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ بَعْضُهم بِالفِعْلِ وبَعْضُهم بِالرِّضا بِهِ ﴿فَدَمْدَمَ﴾ أيْ عَذَّبَ عَذابًا تامًّا مُجَلِّلًا مُغَطِّيًا مُطْبَقًا مُسْتَأْصَلًا شَدَخَ بِهِ رُؤُوسُهم وأسْرَعَ في الإجْهازِ وطَحَنَهم طَحْنًا مَعَ الغَضَبِ الشَّدِيدِ؛ قالَ الرّازِيُّ: والدَّمْدَمَةُ: تَحْرِيكُ البِناءِ حَتّى يَنْقَلِبَ، ودَلَّ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ عَلى شِدَّتِهِ وإحاطَتِهِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ودَلَّ عَلى شِدَّةِ العَذابِ لِشِدَّةِ الغَضَبِ بِلَفْتِ القَوْلِ بِذِكْرِ صِفَةِ الإحْسانِ الَّتِي كَفَرُوها لِأنَّهُ لا أشَدَّ غَضَبًا مِمَّنْ (p-٨٣)كَفَرَ إحْسانُهُ فَقالَ: ﴿رَبُّهُمْ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِمْ فَغَرَّهم إحْسانُهُ فَقَطَعَهُ عَنْهم فَعادُوا كَأمْسِ الدّابِرِ ﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ.
ولَمّا اسْتَوَوْا في الظُّلْمِ والكُفْرِ بِسَبَبِ عَقْرِ النّاقَةِ بَعْضُهم بِالفِعْلِ وبَعْضُهم بِالرِّضا والحَثِّ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ [ومُعَقِّبًا]: ﴿فَسَوّاها﴾ أيِ الدَّمْدَمَةِ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَها كَأنَّها أرْضٌ بُولِغَ في تَعْدِيلِها فَلَمْ يَكُنْ فِيها شَيْءٌ [خارِجٌ عَنْ شَيْءٍ كَما] سَوّى الشَّمْسَ المُقْسَمِ بِها وسَوّى بَيْنِ النّاسِ فِيها، [وكَذا] ما أقْسَمَ بِهِ بَعْدَها، فَكانَتِ الدَّمْدَمَةُ عَلى قَوِيِّهِمْ كَما كانَتْ عَلى ضَعِيفِهِمْ، فَلَمْ تَدْعُ مِنهم أحَدًا ولَمْ يَتَقَدَّمْ هَلاكُ أحَدٍ مِنهم عَلى أحَدٍ، بَلْ كانُوا كُلُّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ مِن قُوَّةِ الصَّعْقَةِ وشِدَّةِ الرَّجْفَةِ كَما أنَّهُمُ اسْتَوُوا في الكُفْرِ والرِّضا بِعُقْرِ النّاقَةِ وكُلُّ نَفْسٍ هي عِنْدَ صاحِبِها كالنّاقَةِ قَدْ أوْصى اللَّهُ صاحِبها أنْ يَرْعى نِعْمَتَهُ سُبْحانَهُ فِيها فَيُزَكِّيها ولا يُدَسِّيها، فَإنَّ النّاقَةَ عِبارَةٌ عَنْ مَطِيَّةٍ يَقْطَعُ عَلَيْها السَّيْرَ حِسًّا أوْ مَعْنًى، وذَلِكَ صالِحٌ لِأنْ يُرادُ بِهِ النَّفْسُ الَّتِي تَقْطَعُ بِها عَقَباتُ الأعْمالِ، والسُّقْيا ما يَعِيشُ المَسْقِيُّ بِهِ، وهو صالِحٌ لِأنْ يُرادُ بِهِ الذِّكْرُ والعِبادَةُ، فَمَن لَمْ يَرْعَ النِّعْمَةَ ويَشْكُرِ المُنْعِمَ فَقَدْ عَقَرَها، فاسْتَحَقَّ الدَّمْدَمَةَ مِنهُ، وكَما أنَّهُ سَوّى بَيْنَهم في الدَّمْدَمَةِ سَوّى بَيْنَ المُهْتَدِينَ في النَّجاةِ
﴿ولا﴾ أيْ والحالُ (p-٨٤)أنَّهُ لا ﴿يَخافُ﴾ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أيْ رَبَّهُمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ بِالفاءِ المُسَبِّبَةِ عَنِ الدَّمْدَمَةِ [والتَّسْوِيَةِ] وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِهِمْ ﴿عُقْباها﴾ أيْ عاقِبَةَ هَذِهِ الدَّمْدَمَةِ وتَبِعَتِها فَإنَّهُ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ لا كَما يَخافُ كُلُّ مُعاقِبٍ مِنَ المُلُوكِ فَيَبْقى [بَعْضٌ] الإبْقاءَ فَعَلِمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُعْلِي أوْلِياءَهُ لِأنَّهم عَلى الحَقِّ، ويُسْفِلُ أعْداءَهُ لِأنَّهم عَلى الباطِلِ، فَلا يَضِلُّ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا هالِكٌ، بَصِيرَتُهُ أشُدُّ ظَلامًا مِنَ اللَّيْلِ الحالِكِ، وقَدْ رَجَعَ آخِرُها عَلى أوَّلِها بِالقَسَمِ وجَوابِهِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو طَبْعُ النُّفُوسِ عَلى طَبائِعَ مُخْتَلِفَةٍ والتَّقَدُّمُ إلَيْهِمْ بِالإنْذارِ مِنَ الهَلاكِ، ونَفْسُ القَسَمِ أيْضًا فَإنَّ مَن لَهُ هَذِهِ الأفْعالَ الهائِلَةَ الَّتِي سَوّى بَيْنَ خَلْقِهِ [فِيها] وهَذا التَّدْبِيرُ المُحْكَمُ هو بِحَيْثُ لا يُعْجِزُهُ أمْرٌ ولا يَخْشى عاقِبَةً - واللَّهُ المُوَفِّق لِلصَّوابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences