Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
الليل
Al-Layl
The Night · Meccan · 21 ayahs
(p-٨٥)سُورَةُ اللَّيْلِ مَقْصُودُها
الدَّلالَةُ عَلى مَقْصُودِ الشَّمْسِ، وهو التَّصَرُّفُ التّامُّ في النُّفُوسِ بِإثْباتِ كَمالِ القُدْرَةِ بِالِاخْتِيارِ بِاخْتِلافِ النّاسِ في السَّعْيِ مَعَ اتِّحادِ مَقاصِدِهِمْ، وزَهِيِّ الوُصُولِ إلى المَلاذِ مِن شَهْوَةِ البَطْنِ والفَرْجِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الرّاحَةِ، واسْمُها اللَّيْلُ أوْضَحُ ما فِيها عَلى ذَلِكَ بِتَأمُّلِ القَسَمِ والجَوابِ، والوُقُوعُ مِن ذَلِكَ عَلى الصَّوابِ، وأيْضًا لَيْلٌ نَفْسُهُ دالٌّ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلى غَيْرِ مُرادِ النَّفْسِ بِما فِيهِ مِنَ الظَّلامِ والنَّوْمِ الَّذِي هو أخُو المَوْتِ، وذَلِكَ [مانِعٌ] عَنْ أكْثَرِ المُراداتِ، ومُقْتَضى لِأكْثَرِ المُضادّاتِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الظّاهِرَةُ والحِكْمَةُ الباهِرَةُ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي شَمِلَتْ نِعْمَتُهُ إيجادَهُ وبَيانَهُ المُتَواتِرَةَ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ مَن أرادَهُ بِما يُرْضِيهِ، فَجَعَلَهُ حامِدَهُ وشاكِرَهُ.
* *
لِما بَيَّنَ في الشَّمْسِ حالَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وحالَ مَن دَسّاها، وأوْضَحَ (p-٨٦)فِي آخِرِها مِن مُخالَفَةِ ثَمُودَ لِرَسُولِهِمْ ما أهْلَكَهُمْ، فَعَلِمَ أنَّ النّاسَ مُخْتَلِفُونَ في السَّعْيِ في تَحْصِيلِ نَجِدِ الخَيْرِ ونَجْدِ الشَّرِّ، فَمِنهم مَن تَغَلَّبَ عَلَيْهِ ظُلْمَةَ اللَّبْسِ، ومِنهم مَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ نَهارُ الهُدى، فَتَبايَنُوا في مَقاصِدِهِمْ، وفي مَصادِرِهِمْ ومَوارِدِهِمْ، بَعْدَ أنْ أثْبَتَ أنَّهُ هو الَّذِي تَصَرَّفَ في النُّفُوسِ بِالفُجُورِ والتَّقْوى، أقْسَمَ أوَّلَ هَذِهِ بِما يَدُلُّ عَلى عَجائِبِ صُنْعِهِ في ضُرِّهِ ونَفْعِهِ عَلى ذَلِكَ، تَنْبِيهًا عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ في أنَّهُ الفاعِلُ بِالِاخْتِيارِ، يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ حَتّى يَحْمِلَهُ عَلى التَّوَصُّلِ إلى مُرادِهِ، بِضِدِّ ما يُوصِلُ إلَيْهِ بَلْ بِما يُوصِلُ إلى مُضادِّهِ، [و] عَلى أنَّهُ لا يَكادُ يُصَدِّقُ الِاتِّحادَ في القَصْدِ والِاخْتِلافَ في السَّعْيِ والتَّوَصُّلِ، وشَرَحَ جَزاءَ كُلٍّ تَحْذِيرًا مِن نَجْدِ الشَّرِّ وتَرْغِيبًا في نَجْدِ الخَيْرِ، وبَيْنَ ما بِهِ التَّزْكِيَةُ وما بِهِ التَّدْسِيَةُ فَقالَ: ﴿واللَّيْلِ﴾ أيِ الَّذِي هو آيَةُ الظَّلامِ الَّذِي هو سَبَبُ الخَبْطِ والخَلْطِ لِما يُحَدِّثُ عَنْهُ مِنَ الإشْكالِ واللَّبْسِ في الأحْوالِ والإهْلالِ المُوصِلِ إلى ظُلْمَةِ العَدَمِ، وهو مَحَلُّ الأسْرارِ بِما يَصِلُ الأخْيارَ ويَقْطَعُ الأشْرارَ: ﴿إذا يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّي ما كانَ مِنَ الوُجُودِ مُبْصِرًا بِضِياءِ النَّهارِ عَلى التَّدْرِيجِ قَلِيلًا قَلِيلًا، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جَلِيلِ مُبْدِعِهِ، وعَظِيمِ (p-٨٧)ماحِقِهِ ومَطْلَعِهِ
﴿والنَّهارِ﴾ [أيِ] الَّذِي هو سَبَبُ انْكِشافِ الأُمُورِ كالمَوْتِ الَّذِي يُزِيلُ عَنِ الرُّوحِ عَلائِقَ البَدَنِ فَيَنْجَلِي لَها ما كانَتْ فِيهِ مِنَ القَبائِحِ، والجَهْرِ الَّذِي يَشْرَحُ النَّفْسَ بِإزالَةِ اللَّبْسِ ﴿إذا تَجَلّى﴾ أيْ ظَهَرَ ظُهُورًا عَظِيمًا بِضِياءِ الشَّمْسِ، وأظْهَرَ ما كانَ خَفِيًّا فَلَمْ يَدَعْ لِمُبْصِرٍ شَيْئًا مَن لَبْسٍ، فَمَن كانَ يُرِيدُ السِّرَّ قَصَدَ اللَّيْلَ، ومَن أرادَ الجَهْرَ قَصَدَ النَّهارَ سَواءٌ كانَ مِنَ الأبْرارِ أوْ مِنَ الفُجّارِ.
ولَمّا ذَكَرَ المُتَخالِطِينَ مَعْنًى، أتْبَعَهُما المُتَخالِطِينَ حِسًّا، فَقالَ مُصَرِّحًا فِيهِما بِما هو مُرادٌ في الأوَّلِ، وخَصَّ هَذا بِالتَّصْرِيحِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ [لِكَوْنِهِ] عاقِلًا - عاقِدٌ يَغْلَطُ في نَفْسِهِ فَيَدَّعِي الإلَهِيَّةَ أوِ الِاتِّحادَ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الإلْحادِ ﴿وما خَلَقَ﴾ وحُكْمُ التَّعْبِيرِ بِما الأغْلَبُ فِيهِ غَيْرُ العُقَلاءِ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الشَّمْسِ مِن تَنْبِيهِهِمْ عَلى أنَّهم [لَمّا] أشْرَكُوا بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ما لا يَعْقِلُ نَزَّلُوهُ تِلْكَ المَنزِلَةَ وقَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ، وهو الَّذِي خَلَقَ العُلَماءَ، وهم لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [مَعَ] ما يُفِيدُهُ [”ما“] مِنَ التَّعَجُّبِ مِنهم في ذَلِكَ لِكَوْنِها صِيغَةَ التَّعَجُّبِ (p-٨٨)﴿الذَّكَرَ﴾ أيْ حِسًّا بِآلَةِ الرَّجُلِ ومَعْنًى بِالهِمَّةِ والقُوَّةِ ﴿والأُنْثى﴾ حِسًّا بِآلَةِ المَرْأةِ ومَعْنًى بِسُفُولِ الهِمَّةِ وضَعْفِ القُوَّةِ وما دَلّا عَلَيْهِ مِن عَظِيمِ الِاصْطِناعِ، وباهِرِ الِاخْتِراعِ والِابْتِداعِ، فَإنَّهُ دَلَّ فَرْقَهُ بَيْنَهُما وهُما مِن غِيَرٍ؟ واحِدَةٍ وهي التُّرابُ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ المُسْتَلْزِمِ لِشُمُولِ عِلْمِهِ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ، فالآيَةُ [مِنَ الِاحْتِباكِ]: ذَكَرَ أوَّلًا الصَّنْعَةَ دَلالَةً عَلى حَذْفِها ثانِيًا، وثانِيًا الصّانِعُ دَلالَةً عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا.
ولَمّا ذَكَرَ ما هو مَحْسُوسُ التَّخالُفِ مِنَ المَعانِي والأجْرامِ، أتْبَعُهُ ما هو مَعْقُولُ التَّبايُنِ مِنَ الأعْراضِ فَقالَ: ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ﴾ أيْ عَمَلَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ في التَّوَصُّلِ إلى مَقْصِدٍ واحِدٍ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ لِأنَّهُ لا يَكادُ يَصْدُقُ اخْتِلافَ وُجُوهِ السَّعْيِ مَعَ اتِّحادِ المُرادِ، وعَبَّرَ بِالسَّعْيِ لِيَبْذُلَ كُلٌّ في عَمَلِهِ غايَةَ جُهْدِهِ ﴿لَشَتّى﴾ أيْ مُخْتَلِفٌ اخْتِلافًا شَدِيدًا بِاخْتِلافِ ما تَقَدَّمَ، وهو جَمْعٌ شَتِيتٌ كَقَتْلى وقَتِيلٍ، فَيَكُونُ الإنْسانُ رَجُلًا وهو أُنْثى الهِمَّةِ، ويَكُونُ أُنْثى وهو ذَكَرُ الفِعْلِ، فَتَنافَيْتُمْ في الِاعْتِقاداتِ، وتَعانَدْتُمْ في المَقالاتِ، وتَبايَنْتُمْ غايَةَ التَّبايُنِ بِأفْعالٍ طَيِّباتٍ وخَبِيثاتٍ، فَساعٍ في فِكاكِ نَفْسِهِ، وساعٍ في إيثامِها، فَعَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا بُدَّ مِن مُحِقٍّ ومُبْطِلٍ ومُرْضٍ ومُغْضِبٍ لِأنَّهُ لا جائِزَ أنْ يَكُونَ المُتَنافِيانِ مُتَّحِدَيْنِ (p-٨٩)فِي الوَصْفِ بِالإرْضاءِ أوِ الإغْضابِ، فَبَطَلَ ما أرادَ المُشْرِكُونَ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] [الآيَةُ] وما ضاهاها.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا بَيَّنَ قَبْلَ حالِهِمْ في الِافْتِراقِ، أقْسَمَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ الشَّأْنِ في الخَلائِقِ بِحَسَبِ تَقْدِيرِهِ أزَلًا لِيَبْلُوَهم أيّهمْ أحْسَن عملًا، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ فاتَّصَلَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥] - إلى - ﴿لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] يُلائِمُهُ تَفْسِيرًا وتَذْكِيرًا بِما الأمْرُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ الخَيْرِ والشَّرِّ بِإرادَتِهِ وإلْهامِهِ وبِحَسَبِ السَّوابِقِ قَوْلُهُ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] فَهو سُبْحانُهُ المُلْهِمُ لِلْإعْطاءِ والِاتِّقاءِ والتَّصَدُّقِ، والمُقَدِّرُ لِلْبُخْلِ والِاسْتِغْناءِ والتَّكْذِيبِ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ثُمَّ زادَ ذَلِكَ إيضاحًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] فَتَبًّا لِلْقَدَرِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] - انْتَهى.
ولَمّا طابَقَ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، ونَبَّهَ بِالقَسَمِ والتَّأْكِيدِ مَعَ ظُهُورِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ عَلى أنَّهم في أمْنِهِمْ مَعَ التَّحْذِيرِ كَمَن يَدَّعِي أنَّهُ لا فَرْقَ وأنَّ مَآلَ الكُلِّ واحِدٌ كَما يَقُولُهُ أصْحابُ الوَحْدَةِ - عَلَيْهِمُ الخِزْيُ واللَّعْنَةُ شَرَعَ في بَيانٍ تَشَتَّتَتِ المَساعِي وبَيانِ الجَزاءِ لَها، فَقالَ مُسَبِّبًا (p-٩٠)عَنِ اخْتِلافِهِمْ ما هو مَرْكُوزٌ في الطِّباعِ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ تَسْوِيَةً المُحْسِنِ بِالمُسِيءِ ناشِرًا لِمَن زَكّى نَفْسَهُ أوْ دَسّاها نَشْرًا مُسْتَوِيًا إيذانًا بِأنَّ المُطِيعَ فِيهِ هَذِهِ الأُمَّةِ - ولِلَّهِ الحَمْدُ - كَثِيرُ بِشارَةٍ لِنَبِيِّها ﷺ: ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ أيْ وقَعَ مِنهُ إعْطاءٌ عَلى ما حَدَّدْنا لَهُ وأمَرْناهُ بِهِ ﴿واتَّقى﴾ أيْ وقَعَتْ مِنهُ التَّقْوى وهو اتِّخاذُ الوَقاياتِ مِنَ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي خَوْفًا مِن سَطْواتِنا
﴿وصَدَّقَ﴾ أيْ أوْقَعَ التَّصْدِيقَ لِلْمُخْبَرِ ﴿بِالحُسْنى﴾ أيْ وهي كَلِمَةُ العَدْلِ الَّتِي هي أحْسَنُ الكَلامِ مِنَ التَّوْحِيدِ وما يَتَفَرَّعُ عَنْهُ مِنَ الوُعُودِ الصّادِقَةِ بِالآخِرَةِ والإخْلافِ في النَّفَقَةِ في الدُّنْيا وإظْهارِ الدِّينِ وإنَّ قَلَّ أهْلُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما وعَدَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ سُبْحانَهُ وتَعالى، وعَدَلَ الكَلامُ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى صُعُوبَةِ الطّاعَةِ عَلى النَّفْسِ وإنْ كانَتْ في غايَةِ اليُسْرِ في نَفْسِها لِأنَّها في غايَةِ الثِّقَلِ عَلى النَّفْسِ فَقالَ:
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ أيْ نُهَيِّئُهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿لِلْيُسْرى﴾ أيِ الخَصْلَةِ الَّتِي هي في غايَةِ اليُسْرِ والرّاحَةِ مِنَ الرَّحْمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَمَلِ بِما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِيَصِلَ إلى ما يَرْضى بِهِ مِنَ (p-٩١)الحَياةِ الطَّيِّبَةِ ودُخُولِ الجَنَّةِ.
92:8Page 595
وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ ٨
But as for he who withholds and considers himself free of need
ولَمّا ذَكَرَ المُزَكِّي وثَمَرَتَهُ، أتْبَعُهُ المُدَسِّي وشِقْوَتَهُ فَقالَ: ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ أيْ أوْجَدَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ الخَبِيثَةَ فَمَنَعَ ما أمَرَ بِهِ ونَدَبَ إلَيْهِ ﴿واسْتَغْنى﴾ أيْ طَلَبَ الغِنى عَنِ النّاسِ وعَمّا وعَدَ بِهِ مِنَ الثَّوابِ وأوْجَدَهُ بِما زَعَمَتْ لَهُ نَفْسُهُ الخائِبَةُ، وظُنُونُهُ الكاذِبَةُ. فَلَمْ يُحْسِنْ إلى النّاسِ ولا عَمَلَ لِلْعُقْبى:
﴿وكَذَّبَ﴾ أيْ أوْقَعَ التَّكْذِيبَ أنْ يَسْتَحِقَّ التَّصْدِيقَ ﴿بِالحُسْنى﴾ أيْ فَأنْكَرَها، ولَمّا كانَ جامِدًا مَعَ المَحْسُوساتِ كالبَهائِمِ قالَ:
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ أيْ نُهَيِّئُهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وعْدٌ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿لِلْعُسْرى﴾ أيْ لِلْخَصْلَةِ الَّتِي هي أعْسَرُ الأشْياءِ وأنْكَدُها، وهي العَمَلُ بِما يُغْضِبُهُ سُبْحانَهُ المُوجِبُ لِدُخُولِ النّارِ وما أدّى إلَيْهِ، وأشارَ بِنُونِ العَظَمَةِ في كُلٍّ مِن نَجْدِ الخَيْرِ ونَجْدِ الشَّرِّ إلى أنَّ ارْتِكابَ الإنْسانِ لِكُلٍّ مِنهُما في غايَةِ البُعْدِ، أمّا نَجْدُ الخَيْرِ فَلَمّا حَفَّهُ مِنَ المَكارِهِ، وأمّا نَجْدُ الشَّرِّ فَلِما في العَقْلِ والفِطْرَةِ الأُولى مِنَ الزَّواجِرِ عَنْهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ أمْرٌ قَدْ فَرَغَ مِنهُ في الأزَلِ بِتَعْيِينِ أهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاوَةِ ”[ «وكُلٌّ - كَما قالَ ﷺ - مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ»“ .
92:11Page 595
وَمَا يُغۡنِي عَنۡهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ ١١
And what will his wealth avail him when he falls?1
ولَمّا كانَ أهْلُ الدُّنْيا إذا وقَعُوا في ورْطَةٍ تَخَلَّصُوا مِنها بِأمْوالِهِمْ (p-٩٢)قالَ: ﴿وما يُغْنِي﴾ أيْ في تِلْكَ الحالَةِ ﴿عَنْهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي بَخِلَ وكَذَبَ ﴿مالُهُ﴾ أيِ الَّذِي بَخِلَ بِهِ رَجاءَ نَفْعِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا فَيَكُونُ نافِيًا لِلْإغْناءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ ﴿إذا تَرَدّى﴾ أيْ هَلَكَ بِالسُّقُوطِ في حُفْرَةِ القَبْرِ، والنّارُ، تَفْعَلَ مِنَ الرَّدى وهو الهَلاكُ والسُّقُوطُ في بِئْرٍ.
ولَمّا كانَ رُبَّما قالَ المُتَعَنِّتُ الجاهِلُ بِما لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْها: ما لَهُ لا يُيَسَّرُ الكُلُّ لِلْحُسْنى، اسْتَأْنَفَ جَوابَهُ مُبَيِّنًا مَن ألْزَمَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ المَصالِحِ تَفَضُّلًا مِنهُ بِما لَهُ مِنَ اللُّطْفِ والكَرَمِ وما يَفْعَلُهُ مِمّا هو لَهُ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى ذَلِكَ بِما لَهُ مِنَ الجَبَرُوتِ والكِبْرِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُحِبُّ العِلْمَ بِأنَّهُ لا حَقَّ لِأحَدٍ عَلَيْهِ أصْلًا: ﴿إنَّ عَلَيْنا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَلْهُدى﴾ أيِ البَيانِ لِلطَّرِيقِ الحَقِّ وإقامَةِ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ عَلى ذَلِكَ.
92:13Page 595
وَإِنَّ لَنَا لَلۡأٓخِرَةَ وَٱلۡأُولَىٰ ١٣
And indeed, to us belongs the Hereafter and the first [life].
ولَمّا بَيَّنَ ما ألْزَمُهُ نَفْسَهُ المُقَدَّسَ فَصارَ كَأنَّهُ عَلَيْهِ لِتَحَتُّمِ وُقُوعِهِ فَكانَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، أتْبَعَهُ ما يَنْفِيهِ ويُفِيدُ أنَّ لَهُ غايَةَ التَّصَرُّفِ [فَلا يَعْسُرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أرادَهُ فَقالَ: ﴿وإنَّ لَنا﴾ أيْ يا أيُّها المُنْكِرُونَ خاصًّا بِنا، وقَدَّمَ ما العِنايَةُ بِهِ أشَدُّ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ لا لِلْفاصِلَةِ، فَإنَّهُ يُفِيدُها مَثَلًا أنْ يُقالَ: لِلْعاجِلَةِ والأُخْرى، فَقالَ: ﴿لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ (p-٩٣)فَمَن تَرَكَ ما بَيَّنّا لَهُ مِن طَرِيقِ الهِدايَةِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ لَنا ولَمْ يَضُرَّ إلّا نَفْسَهُ ولَنا التَّصَرُّفُ] التّامُّ، بِما نُقِيمُ مِنَ الأسْبابِ المُقَرِّبَةِ لِلشَّيْءِ جِدًّا، ثُمَّ بِما نُقِيمُ مِنَ المَوانِعِ المُوجِبَةِ لِبُعْدِهِ غايَةَ البُعْدِ، فَنُعْطِي مَن نَشاءُ ما نَشاءُ ونَمْنَعُ مَن نَشاءُ ما نَشاءُ، ومَن طَلَبَ مِنهُما شَيْئًا مَن غَيْرِنا فالَ رَأْيُهُ وخابَ سَعْيُهُ، ولَيْسَ التَّقْدِيمُ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ بُطْلانُ هَذا وأنَّهُ لا يَحِلُّ اعْتِقادُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، مِنها آخِرُ سُورَةِ بَراءَةَ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ فِيهِ شَيْئًا مَوْزُونًا بِقَصْدِ الوَزْنِ فَقَطْ لِيَكُونَ شِعْرًا، وأنْ يَعْتَقِدَ أنَّ فِيهِ [شَيْئًا] قَدَّمَ أوْ أخَّرَ لِأجْلِ الفاصِلَةِ فَقَطْ لِيَكُونَ سَجْعًا، عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ [هَذا] لِأجْلِ الفاصِلَةِ فَقَطْ لَكانَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لِلْأُولى - أوْ لِلْأوْلَةِ - والأُخْرى مَثَلًا.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ ألْزَمَ نَفْسَهُ المُقَدَّسَ البَيانَ، وأنَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ، المُسْتَلْزِمُ لِإحاطَةِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، شَرَحَ ذَلِكَ بِما سَبَّبَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ لافِتًا القَوْلَ إلى تَجْرِيدِ الضَّمِيرِ مِن مَظْهَرِ العَظَمَةِ لِلتَّرَقُّقِ بِالمُخاطَبِينَ في تَبْعِيدِ الوَهْمِ وتَقْرِيبِ الفَهْمِ فَقالَ: ﴿فَأنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ حَذَّرْتُكم أيُّها المُخالِفُونَ لِلطَّرِيقِ الَّذِي بَيَّنْتُهُ ﴿نارًا تَلَظّى﴾ أيْ تَتَّقِدُ وتَتَلَهَّبُ تَلَهُّبًا هو في غايَةِ الشِّدَّةِ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ فِيهِ عَلى مَوْقِدِها أصْلًا (p-٩٤)ولا أحَدَ مِن خَزَنَتِها - بِما أشارَ إلَيْهِ إسْقاطُ التّاءِ، وفي الإدْغامِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ أدْنى نارِ الآخِرَةِ كَذَلِكَ، فَيَصِيرُ إنْذارُ ما يَتَلَظّى وما فَوْقَ ذَلِكَ مِن بابِ الأوْلى.
92:15Page 596
لَا يَصۡلَىٰهَآ إِلَّا ٱلۡأَشۡقَى ١٥
None will [enter to] burn therein except the most wretched one
ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ تَخْصِيصُ كُلٍّ مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ بِدارِهِ بِطَرِيقِ الحَصْرِ إنْكارًا لِأنْ يُسَوّى مُحْسِنٌ بِمُسِيءٍ في شَيْءٍ، وكانَ الحَصْرُ بـِ ”لا“ و”إلّا“ أصْرَحُ أنْواعِهِ قالَ: ﴿لا يَصْلاها﴾ أيْ يُقاسِي حَرَّها وشِدَّتَها عَلى طَرِيقِ اللُّزُومِ والِانْغِماسِ ﴿إلا الأشْقى﴾ أيِ الَّذِي هو في الذُّرْوَةِ مِنَ الشَّقاوَةِ وهو الكافِرُ، فَإنَّ الفاسِقَ وإنَّ دَخَلَها لا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ عَلى طَرِيقِ اللُّزُومِ، ولِذَلِكَ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ أيْ أفْسَدَ قُوَّتَهُ العِلْمِيَّةَ بِأنَّ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ تَكَبُّرًا وعِنادًا فَلَمْ يُؤْتِ مالَهُ لِزَكاةِ نَفْسِهِ
﴿وسَيُجَنَّبُها﴾ أيِ النّارَ المَوْصُوفَةَ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ عَنْ قُرْبٍ - بِما أفْهَمَتْهُ السِّينُ مِنَ التَّأْكِيدِ مَعَ التَّنْفِيسِ، وتَجْنِيبِهِ لَهُ في غايَةِ السُّهُولَةِ - بِما أفْهَمَهُ البِناءُ لِلْمَفْعُولِ ﴿الأتْقى﴾ أيِ الَّذِي أسَّسَ قُوَّتَهُ العِلْمِيَّةَ أمْكَنَ تَأْسِيسٍ، فَكانَ في الذُّرْوَةِ مِن رُتْبَةِ التَّقْوى وهو الَّذِي اتَّقى الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، وهو يَفْهَمُ أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ (p-٩٥)[فِي الذُّرْوَةِ] لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَإنَّ الفاسِقَ يَدْخُلُها ثُمَّ يَخْرُجُ مِنها، ولا يُنافِي الحَصْرَ السّابِقَ.
92:18Page 596
ٱلَّذِي يُؤۡتِي مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ ١٨
[He] who gives [from] his wealth to purify himself
ولَمّا ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، أتْبَعُهُ ما يَنْظُرُ إلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَقالَ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ أيْ يَصْرِفُهُ في مَصارِفِ الخَيْرِ، ولِذَلِكَ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَزَكّى﴾ أيْ يَتَطَهَّرُ مِنَ الأوْضارِ والأدْناسِ بِتَطْهِيرِهِ لِنَفْسِهِ وتَنْمِيَتِها بِذَلِكَ الإيتاءِ بِالبُعْدِ عَنْ مَساوِئِ الأخْلاقِ ولُزُومِ مَحاسِنِها لِأنَّهُ ما كَذَبَ وما تَوَلّى، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ التَّكْذِيبَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا، وإيتاءِ المالِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا.
92:19Page 596
وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعۡمَةٖ تُجۡزَىٰٓ ١٩
And not [giving] for anyone who has [done him] a favor to be rewarded1 –
ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يُعْطِي لِيُزَكِّيَ نَفْسَهُ بِدَفْعِ مانِّهِ ومُكافَأةِ نِعَمِهِ قالَ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أيْ [هِيَ] مِمّا يَحِقُّ جَزاؤُهُ لِأجْلِها.
92:20Page 596
إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٢٠
But only seeking the face [i.e., acceptance] of his Lord, Most High.
ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ بِذَلِكَ قَصَدَ مُكافَأةً، قالَ مُبَيِّنًا قَصْدَهُ بِاسْتِثْناءٍ مُنْقَطِعٍ: ﴿إلا﴾ أيْ لَكِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ ﴿ابْتِغاءَ﴾ أيْ طَلَبَ وقَصَدَ، ولَفَتَ القَوْلَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ إشارَةً إلى وصْفِهِ بِالشُّكْرِ فَقالَ: ﴿وجْهِ رَبِّهِ﴾ (p-٩٦)الَّذِي أوْجَدَهُ ورَبّاهُ وأحْسَنَ إلَيْهِ بِحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَرَ إحْسانًا إلّا مِنهُ ولا عِنْدَهُ شَيْءٌ إلّا وهو مَن فَضْلِهِ ﴿الأعْلى﴾ أيْ مُطْلَقًا فَهو أعْلى مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُعْطِيَ أحَدٌ مِن نَفْسِهِ شَيْئًا يَقَعُ مُكافَأةً لَهُ، وعَبَّرَ عَنِ المُنْقَطِعِ بِأداةِ المُتَّصِلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الِابْتِغاءَ المَذْكُورَ كَأنَّهُ نِعْمَةٌ مِمَّنْ آتاهُ المالَ لِأنَّ الِابْتِغاءَ - وهو تَطَلُّبُ رِضا اللَّهِ - كانَ السَّبَبَ في ذَلِكَ الإيتاءِ بِغايَةِ التَّرْغِيبِ، وقَدْ آلَ الأمْرُ بِهَذِهِ العِبارَةِ الرَّشِيقَةِ والإشارَةِ [الأنِيقَةِ] مَعَ ما أوْمَأتْ إلَيْهِ مِنَ التَّرْغِيبِ، وأعْطَتْهُ مِنَ التَّحْبِيبِ إلى أنَّ المَعْنى: [إنَّهُ] لا نَعْمى عَلَيْهِ لِأحَدٍ في ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، وعَبَّرَ بِالوَجْهِ إشارَةً إلى أنَّ قَصْدَهُ أعْلى القُصُودِ فَلا نَظَرَ لَهُ إلّا إلى ذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِالوَجْهِ لِأنَّهُ أشْرَفُ الذّاتِ، وبِالنَّظَرِ إلَيْهِ تَحْصُلُ الحَياةُ والرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، لا إلى طَلَبِ شَيْءٍ مِن دُنْيا ولا آخِرَةٍ.
ولَمّا كانَ هَذا مَقامًا لَيْسَ فَوْقَهُ مَقامٌ، قالَ تَعالى بَعْدَ وعْدِهِ مِنَ الإنْجاءِ مِنَ النّارِ: ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ أيْ بِإعْطاءِ الجَنَّةِ العُلْيا والمَزِيدُ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ بَعْدَ المَذَلَّةِ في الحَياةِ الطَّيِّبَةِ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ أداةُ التَّنْفِيسِ ولا بِدَعَ أنْ (p-٩٧)يَكُونَ هَذا الوَعْدُ عَلى هَذا الوَجْهِ الأعْلى لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ اشْتَرى بِلالًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في جَماعَةٍ مِنَ الضُّعَفاءِ المُسْلِمِينَ يُؤْذِيهِمُ المُشْرِكُونَ فَأعْتَقَهُمْ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلى تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ فَهو المُفْلِحُ كَما ذَكَرَ في سُورَةِ الشَّمْسِ، وأنَّهُ مُخْلِصٌ لِإعْطائِهِ الضُّعَفاءَ مِنَ الأيْتامِ والمَساكِينِ وإعْتاقِهِ الضُّعَفاءَ في كُلِّ حالٍ كَما ذَكَرَ في سُورَةِ البَلَدِ، نَقَلَ البَغِوِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ الزُّبَيْرِ [يَعْنِي] ابْنُ بَكّارٍ أنَّهُ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَبْتاعُ الضُّعَفاءَ فَيُعْتِقُهم فَقالَ [لَهُ] أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ! لَوْ كُنْتَ تَبْتاعُ مَن يَمْنَعُ ظَهْرَكَ، قالَ: مَنعَ ظَهْرِي أُرِيدُ. وقالَ: إنَّهُ أعْتَقَ بِلالًا وأُمَّ عُمَيْسٍ وزَهْرَةَ فَأُصِيبَ بَصَرُها حِينَ أعْتَقَها، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما أذْهَبَ بَصَرَها إلّا اللّاتُ والعُزّى، فَقالَتْ: كَذَّبُوا وبَيْتِ اللَّهِ، ما تَضُرُّ اللّاتُ والعُزّى ولا تَنْفَعانِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْها بَصَرَها، وأعْتَقَ النَّهْدِيَّةَ وابْنَتَها وجارِيَةَ بَنِي المُؤَمِّلِ. وقالَ: إنَّهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ اسْتِنْقاذًا لَهُ مِمّا كانَ فِيهِ مِنَ العَذابِ (p-٩٨)حِينَ كانَ يَشُدُّ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ وقْتَ الهاجِرَةِ ويُلْقِيهِ عُرَيانًا عَلى الرَّمْضاءِ ويَضْرِبُهُ، وكُلَّما ضَرَبَهُ صاحَ ونادى: أحَدٌ أحَدٌ، فَيَزِيدُهُ ضَرْبًا فاشْتَراهُ بِعَبْدٍ كانَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كانَ ذَلِكَ العَبْدُ صاحِبَ عَشْرَةِ الآفِ دِينارٍ وغِلْمانٍ وجَوارٍ ومَواشٍ وكانَ مُشْرِكًا، فَلَمّا اشْتَراهُ بِهِ وأعْتَقَهُ قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ هَذا بِبِلالٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، يَعْنِي فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهم. ومِن أبْدَعِ الأشْياءِ تَعْقِيبُها بِالضُّحى الَّتِي هي في النَّبِيِّ ﷺ وفِيها ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] إشارَةً إلى أنَّهُ أقْرَبُ أُمَّتِهِ إلى مَقامِهِ ﷺ ما عَدا عِيسى ﷺ لِأنَّهُ الأتْقى بَعْدَ النَّبِيِّينَ مُطْلَقًا، وإلى [أنَّ] خِلافَتَهُ حَقٌّ لا مِرْيَةَ فِيهِ لِأنَّهُ مِمّا وعَدَ النَّبِيَّ ﷺ أنَّهُ يُرْضِيهِ وأنَّهُ لا يُرْضِيهِ غَيْرُهُ كَما أنَّهُ أرْضاهُ خِلافَتَهُ لَهُ في الصَّلاةِ ولَمْ يُرْضِهِ غَيْرُهُ حِينَ نَهى عَنْ ذَلِكَ بَلْ زَجَرَ لَمّا سَمِعَ قِراءَةَ غَيْرِهِ وقالَ: «يَأْبى اللَّهُ والمُؤْمِنُونَ إلّا أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» وقَدْ رَجَعَ آخِرَها عَلى أوَّلِها بِأنَّ سَعْيَ هَذا الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُبايِنٌ أتَمَّ مُبايَنَةً سَعْيَ ذَلِكَ الأشْقى، وقالَ بَعْضُهُمْ: (p-٩٩)إنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الأشْقى أبُو جَهْلٍ، وأيْضًا فَإنَّ [هَذا] الخَتْمَ دالٌّ عَلى أنَّ مَن صَفّى نَفْسَهُ وزَكّاها بِالتَّجَلِّي بِالنُّورِ المَعْنَوِيِّ مِن إنارَةِ ظَلامِ اللَّيْلِ بِما يُجَلِّيهِ بِهِ مِن ضِياءِ القِيامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الخَيْرِ يَرْضى بِالنُّورِ الحِسِّيِّ بَعْدَ المَوْتِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences