Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
At-Tin 95:7–8
(p-١٤٧)ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ لا يَجُوزُ في الحِكْمَةِ تَرْكُهم بِغَيْرِ جَزاءٍ مَعَ ما يُشاهِدُ مِن ظُلْمِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مُعانَدَةً لِما يَقْتَضِيهِ [قَوِيمُ] العَقْلِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَرْضاهُ أحَدٌ مِنهم ولا يُقِرُّ مَخْلُوقٌ عَبِيدًا في مِلْكِهِ عَلى مِثْلِهِ بِأنْ يَبْغِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ فَيُهْمِلُهم بَلْ لا بُدَّ أنْ يَحْجِزَ بَيْنَهم أوْ يَأْخُذَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ المالِكُ أقَلَّ النّاسِ وأجْهَلَهم فَكَيْفَ إنْ كانَ عاقِلًا فَكَيْفَ إنْ كانَ حاكِمًا فَكَيْفَ إنْ كانَ لا يَخافُ أحَدًا فَكَيْفَ إنْ كانَ عَدْلًا مُقْسِطًا قَدْ ثَبَتَتْ إحاطَةُ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، حَسَنٌ كُلَّ الحُسْنِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإنْكارِ عَلى مَن يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ يُهْمِلُ عِبادَهُ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَهم لِمُجازاةِ كُلٍّ مِنَ المُطِيعِ والعاصِي بِما عَمِلَ مَعَ ما تَرى مِن ظُلْمِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وأنَّ الظّالِمَ قَدْ يَمُوتُ قَبْلَ القَصاصِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنِ الوَعْدِ بِما أفْصَحَ بِهِ الكُتّابُ مِن إثابَةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي طالَما بَغى عَلَيْهِمُ الظَّلَمَةُ، وانْتَقَصَهم حُقُوقَهُمُ الفَسَقَةُ، والوَعِيدُ بِما أفْهَمَهُ الخِطابُ لِعِتابِ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ طالَما بَغَوْا عَلى غَيْرِهِمْ: ﴿فَما﴾ أيْ فَتُسَبِّبَ عَنْ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ وعَلى بَغْيِ العَبِيدِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ أنَّهُ يُقالُ لَكَ تَصْدِيقًا لَكَ فِيما أخْبَرْتَ بِهِ مِن [أنَّ] (p-١٤٨)اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَبْعَثُ الخَلائِقَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِيُجازِيَ كُلًّا بِما عَمِلَ وإنْكارًا عَلى مَن كَذَّبَكَ: [ما] ﴿يُكَذِّبُكَ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ يَنْسَبِكُ إلى الكَذِبِ يا أشْرَفَ الخَلْقِ وأكْمَلَهم نَفْسًا وأتْقاهم عِرْضًا وأطْهَرَهم خَلْقًا وخُلُقًا، وعَبَّرَ بِـ ”ما“ إشارَةً إلى أنَّ الكَذِبَ بِهَذا مَعَ [هَذا] الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ في عِدادِ ما لا يَعْقِلُ بَلْ دُونَهُ ﴿بَعْدُ﴾ أيْ بَعْدَ مُشاهِدَةِ بَغْيِ بَعْضِ النّاسِ عَلى بَعْضٍ اسْتِعْمالًا لِحالِ النَّكْسِ، وأعْراهُ مِنَ الجارِ إشارَةً إلى أنَّ مَن آمَنَ قَبْلَ الغَرْغَرَةِ واتَّصَلَ إيمانُهُ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ كانَ مِمَّنْ لَهُ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿بِالدِّينِ﴾ أيِ الجَزاءُ لِكُلِّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ عَلى سَبِيلِ العَدْلِ والإنْصافِ لِأجْلِ تِلْكَ الأعْمالِ الَّتِي غَلَبَتْ فِيها الحُظُوظُ عَلى العُقُولِ، فَوَقَعَ بِها مِنَ الظُّلْمِ والأذى ما لا يَسَعُ عاقِلًا مِنَ العِبادِ أنْ يُحْسِنَ عِنْدَهُ تَرْكُ فاعِلِها مِن غَيْرِ جَزاءٍ حَتّى كانَ أكْثَرَ أفْعالِ العِبادِ ظُلْمًا، ومِن شَأْنِ المُلُوكِ الإنْصافُ بَيْنَ عَبِيدِهِمْ ورَعاياهُمْ، فَكَيْفَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الَّذِي شَرَعَ لِعِبادِهِ ذَلِكَ، وقَدْ ثَبَتَ بِما لَهُ مِن هَذا الخُلُقِ العَظِيمِ، عَلى هَذا النِّظامِ المُحْكَمِ والمِنهاجِ الأقْوَمِ أنَّهُ الحَكِيمُ، الَّذِي لا حَكِيمَ غَيْرِهِ، العَلِيمُ الَّذِي لا عَلِيمَ سِواهُ.
(p-١٤٩)ولَمّا صَحَّ أنَّ تارِكَ الظّالِمِ بِغَيْرِ انْتِقامٍ والمُحْسِنِ بِلا إكْرامٍ لَيْسَ [عَلى] مِنهاجِ العَدْلِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى، حَسُنَ جِدًّا تَكْرِيرُ الإنْكارِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ﴾ أيْ عَلى ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وأكَّدَهُ بِالجارِّ في قَوْلِهِ: ﴿بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ أيْ حَتّى يَدَعَ الخَلْقَ يُهْلِكُ بَعْضُهم بَعْضًا مِن غَيْرِ جَزاءٍ، فَيَكُونُ خَلْقُهم عَبَثًا، بَلْ هو أحْكَمُ الحاكِمِينَ عِلْمًا وقُدْرَةً وعَدْلًا وحِكْمَةً بِما شُوهِدَ مِن إبْداعِهِ الخَلْقَ ومُفاوَتَتِهِ بَيْنَهُمْ، وجَعَلَ الإنْسانَ مِن بَيْنِهِمْ عَلى أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَلا بُدَّ أنْ يُقِيمَ الجَزاءَ ويَضَعَ المُوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَيَظْهَرُ عَدْلُهُ وحِكْمَتُهُ وفَضْلُهُ، وهَذا الآخَرُ هو أوَّلُها قِسْمًا مِن جِهَةِ النُّبُوّاتِ الَّتِي ظَهَرَ بِها حُكْمُهُ وحِكْمَتُهُ، ومُقْسِمًا عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ الخَلْقَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ يَقْتَضِي العَدْلَ لا مَحالَةَ، والرَّدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ يَتَقاضى الحِكَمَ حَتْمًا لِأجْلِ ما يَقَعُ مِنَ الظُّلْمِ والتَّشاجُرِ بَيْنَ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الفِطْرَةِ القَوِيمَةِ ومَن رُدَّ لِأسْفَلِ سافِلِينَ، وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى وجازَتِها عَلى جَمِيعِ مَقاصِدِ التَّوْراةِ إجْمالًا، وزادَتِ الدَّلالَةُ عَلى الآخِرَةِ، وذَلِكَ أنْ قَسَمَها هو قَوْلُهُ في التَّوْراةِ ”أتانا رَبُّنا مِن سَيْناءَ وشَرَّقَ بِنا مِن جَبَلِ ساعِرٍ، وظَهَرَ لَنا مِن جِبالِ فارّانَ“ والخَلْقُ في [أحْسَنِ] تَقْوِيمٍ هو خَلْقُ آدَمَ (p-١٥٠)عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَذْكُورُ في أوَّلِها وخَلْقُ زَوْجِهِ وما يَحْتاجانِ إلَيْهِ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، وخَلْقُ الأصْفِياءِ مِن أوْلادِهِما وما جاؤُوا بِهِ مِنَ الخَيْرِ، والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هو ما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِنَ المَعْبَّرِ بِالمُقَسَمِ عَنْهُ ”مَعَهُ رُبُواتُ الأطْهارِ عَنْ يَمِينِهِ أعْطاهم وحَبَّبَهم إلى الشُّعُوبِ، وبارَكَ عَلى جَمِيعِ أطِّهارِهِ“ والرَّدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ هو ما ذَكَرَ أوَّلَها مِنَ العُصاةِ مِن قابِيلَ ومِن بَعْدِهِ إلى آخِرِها، عَلى ما أشارَ إلَيْهِ مِن عِصْيانِ بَنِي إسْرائِيلَ المُوجِبِ لِلَعْنِهِمْ، فَقَدِ اكْتَنَفَتْ بِأوَّلِ التَّوْراةِ وآخِرِها وأوْسَطِها، وابْتَدَأ بِآخِرِها لِأنَّهُ في النُّبُوّاتِ، وهي أهَمُّ المُهِمِّ لِأنَّها المُنْجِيَةُ مِن شَرِّ قُطّاعِ الطَّرِيقِ، وآخِرُها أدَلُّ ما فِيها عَلى النُّبُوّاتِ لا سِيَّما الثَّلاثُ [العِظامُ -] المُشارُ إلَيْهِ بِقَسَمِ هَذِهِ السُّورَةِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ بِالغَيْبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences