Al-Biqa'iAl-'Alaq · 96:1–13

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

العلق

Al-'Alaq

The Clot · Meccan · 19 ayahs

96:1Page 597

ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١

Recite in the name of your Lord who created –

(p-١٥١)سُورَةُ العَلَقِ

وتُسَمّى اقْرَأْ.

مَقْصُودُها الأمْرُ لا سِيَّما لِلْمَقْصُودِ بِالتَّفْضِيلِ في سُورَةِ التِّينِ بِعِبادَةِ مَن لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، شُكْرًا لِإحْسانِهِ واجْتِنابًا لِكُفْرانِهِ وطَمَعًا في جِنانِهِ وخَوْفًا مِن نِيرانِهِ، لِما ثَبَتَ أنَّهُ يُدِينُ العِبادَ يَوْمَ المَعادِ، وكُلٌّ مِنَ اسْمَيْها دالٌّ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ المُرَبِّيَ يَجِبُ شُكْرَهُ، ويُحَرِّمُ غايَةَ التَّحْرِيمِ كُفْرَهُ، عَلى أنْ ”اقْرَأْ“ يُشِيرُ إلى الأمْرِ، ”والعَلَقِ“ يُشِيرُ إلى الخَلْقِ، و”اقْرَأْ“ يَدُلُّ عَلى البِدايَةِ وهي العِبادَةُ بِالمُطابَقَةِ، وعَلى النِّهايَةِ وهي النَّجاةُ يَوْمَ الدِّينِ بِاللّازِمِ، والعَلَقُ يَدُلُّ عَلى كُلٍّ مِنَ النِّهايَةِ ثُمَّ البِدايَةِ بِالِالتِزامِ، لِأنَّ مَن عَرَفَ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن دَمٍ عَرِفَ أنَّ خالِقَهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ مِن تُرابٍ، فَإنَّ التُّرابَ أقْبَلُ لِلْحَياةِ مِنَ الدَّمِ، ومِن صَدَقَ [بِالإعادَةِ] عَمِلَ لَها، وخَصَّ العَلَقَ لِأنَّهُ مَرْكَّبُ الحَياةِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ نَفْسًا ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ فاسْتَحَقَّ التَّفَرُّدَ بِالإلَهِيَّةِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّتْ نِعْمَتُهُ فاسْتَوْجَبَ بِالشُّكْرِ مِن سائِرِ البَرِيَّةِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي وفَّقَ مَن شاءَ (p-١٥٢)مِن خَواصِّهِ لِما أنالَهم بِهِ المَواهِبَ السِّنِّيَّةَ والعَطايا الوَفِيَّةَ.

* *

لِما أمَرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في الضُّحى بِالتَّحْدِيثِ بِنِعْمَتِهِ، وذَكَّرَهُ بِمَجامِعِها في ﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١] فَأنْتَجَ ذَلِكَ إفْرادَهُ بِما أمَرَهُ بِهِ في خَتْمِها مِن تَخْصِيصِهِ بِالرَّغْبَةِ إلَيْهِ، فَدَلَّ في الزَّيْتُونِ عَلى أنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ لِتَمامِ قُدْرَتِهِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ إلّا بِهِ، فَأنْتَجَ ذَلِكَ تَمامَ الحِكْمَةِ فَأثْمَرَ قَطْعًا البَعْثَ لِلْجَزاءِ فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما يُوجِبُ حُسْنَ الجَزاءِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وبِأيِّ وسِيلَةٍ يَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الأعْلى في يَوْمِ الجَمْعِ الأكْبَرِ مِن خِصالِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فَأرْشَدَ إلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَقالَ بادِئًا بِالتَّعْرِيفِ بِالعِلْمِ الأصْلِيِّ ذاكِرًا أصْلَ مَن خَلَقَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ وبَعْضَ أطْوارِهِ الحَسَنَةِ والقَبِيحَةِ تَعْجِيبًا مِن تَمامِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وتَنْبِيهًا عَلى تَعَرُّفِها وإنْعامِ النَّظَرِ فِيها، وقَدَّمَ الفِعْلَ العامِلَ في الجارِّ والمَجْرُورِ هُنا لِأنَّهُ أوْقَعَ في النَّفْسِ لِكَوْنِها أوَّلَ ما نَزَلَ فَكانَ الأمْرُ بِالقِراءَةِ أهَمَّ: ﴿اقْرَأْ﴾ وحُذِفَ مَفْعُولُهُ إشارَةً إلى أنَّهُ لا قِراءَةَ إلّا بِما أمَرَهُ بِهِ، وهي الجَمْعُ الأعْظَمُ، فالمَعْنى: أوْجَدَ القِراءَةَ لِما لا مَقْرُوءَ غَيْرَهُ، وهو القُرْآنُ الجامِعُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وأفْصَحَ لَهُ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ (p-١٥٣)عَلى ذَلِكَ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ الَّذِي أدَّبَهُ فَأحْسَنَ تَأْدِيبَهُ، ورَبّاهُ فَأحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ، فَقالَ ما أرْشَدَ المَعْنى إلى [أنَّ] تَقْدِيرَهُ: حالَ كَوْنِكَ مُفْتَتِحًا القِراءَةَ ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ بِأنْ تُبَسْمِلَ، أوْ مُسْتَعِينًا بِالمُحْسِنِ إلَيْكَ لِما لَهُ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلى بِما خَصَّكَ بِهِ في ﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١] أوْ بِذِكْرِ اسْمِهِ، والمُرادُ عَلى هَذا بِالِاسْمِ الصِّفاتُ العُلى، وعَبَّرَ بِهِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن حُسْنِ الِاسْمِ حُسْنِ مَدْلُولِهِ، ومِن تَعْظِيمِ الِاسْمِ تَعْظِيمِ المُسَمّى وجَمِيعِ ما يَتَّصِفُ بِهِ ويُنْسَبُ إلَيْهِ، قالُوا: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القِراءَةَ لا تَكُونُ تامَّةً إلّا بِالتَّسْمِيَةِ، ولِكَوْنِهِ في سِياقِ الأمْرِ بِالطّاعَةِ الدّاعِي إلَيْها تَذَكُّرُ النِّعَمِ لَمْ يَذْكُرْ الِاسْمَ الأعْظَمَ الجامِعَ، وذَكَرَ صِفَةَ الإحْسانِ بِالتَّرْبِيَةِ الجامِعِ لِما عَداهُ وتَأْنِيسًا لَهُ ﷺ لِكَوْنِهِ أوَّلَ ما نَزَلَ حِينَ حُبِّبَ إلَيْهِ الخَلاءُ، فَكانَ يَخْلُو بِنَفْسِهِ يَتَعَبَّدُ بِرَبِّهِ في غارِ حِراءَ، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخَمْسِ آياتٍ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] ولِهَذا السِّرِّ ساقَهُ مَساقَ البَسْمَلَةِ بِعِبارَةٍ هي أكْثَرُ تَأْنِيسًا في أوَّلِ الأمْرِ وأبْسَطِ مِنها، فَأشارَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ بِما في مَجْمُوعِ الكَلامِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وأشارَ إلى عُمُومِ مِنَّةِ الرَّحْمَنِ بِصِفَةِ الخَلْقِ المُشارِ إلى تَعْمِيمِها بِحَذْفِ المَفْعُولِ، وإلى خُصُوصِ صِفَةِ الرَّحِيمِ بِالأكْرَمِيَّةِ الَّتِي مِن شَأْنِها (p-١٥٤)بُلُوغُ النِّهايَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ بِدُونِ إفاضَةِ العَمَلِ بِما يُرْضِي، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْكَرامَةِ الدّائِمَةِ، وبِالتَّعْلِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَهْدِيَ إلى الرِّضْوانِ، وأشارَ إلى الِاسْتِعاذَةِ بِالأمْرِ بِالقُرْآنِ لِما أفْهَمَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٤٥] [أيْ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ-] ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]

ولَمّا خَصَّهُ تَشْرِيفًا بِإضافَةِ هَذا الوَصْفِ الشَّرِيفِ إلَيْهِ، وصَفَهُ عَلى جِهَةِ العُمُومِ بِالخَلْقِ والأمْرِ إعْلامًا بِأنَّ لَهُ التَّدْبِيرَ والتَّأْثِيرَ، وبَدَأ بِالخَلْقِ لِأنَّهُ مَحْسُوسٌ بِالعَيْنِ، فَهو أعْلَقُ بِالفَهْمِ، وأقْرَبُ إلى التَّصَوُّرِ، وأدَلُّ عَلى الوُجُودِ وعَظِيمِ القُدْرَةِ وكَمالِ الحِكْمَةِ، فَكانَتِ البُداءَةُ بِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي هي أوَّلُ ما نَزَلَ أنْسَبُ الأُمُورِ لِأنَّ أوَّلَ الواجِباتِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وهي بِالنَّظَرِ إلى أفْعالِهِ في غايَةِ الوُضُوحِ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ وحَذْفُ مَفْعُولِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ لَهُ هَذا الوَصْفُ وهو التَّقْدِيرُ والإيجادُ عَلى وفْقِ التَّقْدِيرِ الآنَ وفِيما يَكُونُ، فَكُلُّ شَيْءٍ يَدْخُلُ في الوُجُودِ فَهو مِن صُنْعِهِ ومُتَرَدِّدٌ بَيْنَ إذْنِهِ ومَنعِهِ وضُرِّهِ ونَفْعِهِ.

96:2Page 597

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢

Created man from a clinging substance.

(p-١٥٥)ولَمّا كانَ الحَيَوانُ أكْمَلُ المَخْلُوقاتِ، وكانَ الإنْسانُ أكْمَلُ الحَيَوانِ وزُبْدَةُ مَخْضِهِ، ولُبابُ حَقِيقَتِهِ وسِرُّ مَحْضِهِ، وأدَلُّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ لِكَوْنِهِ جامِعًا لِجَمِيعِ ما في الأكْوانِ، فَكانَ خَلْقُهُ أبْدَعَ مِن خَلْقِ غَيْرِهِ، فَكانَ لِذَلِكَ أدَلَّ عَلى كَمالِ الصّانِعِ وعَلى وُجُوبِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، خَصَّهُ فَقالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا الجِنْسَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الأُنْسُ بِنَفْسِهِ وما رَأى ما أخْلاقُهُ وحِسُّهُ، وما ألِفَهُ مِن أبْناءِ جِنْسِهِ.

ولَمّا كانَتِ العَرَبُ تَأْكُلُ الدَّمَ، وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ حَرَّمَهُ لِأنَّهُ أصْلُ الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ وهو مَرْكَّبُ الحَياةِ، فَإذا أكَلَ تَطْبَّعَ آكِلُهُ بِخَلْقِ ما هو دَمُهُ، قالَ مَعْرُفًا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَنى هَذِهِ الدّارَ عَلى حِكْمَةِ الأسْبابِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الإيجادِ مِن غَيْرِ تَطْوِيرٍ في تَسْبِيبِ: ﴿مِن عَلَقٍ﴾ أيْ [خَلَقَ] هَذا النَّوْعَ مِن هَذا الشَّيْءِ وهو دَمٌ شَدِيدُ الحُمْرَةِ جامِدٌ غَلِيظٌ، جُمِعَ عَلَقَةً، وكَذا الطِّينُ الَّذِي يُعَلَّقُ بِاليَدِ يُسَمّى عَلَقًا، وهم مُقِرُّونَ بِخَلْقِ الآدَمِيِّ مِنَ الأمْرَيْنِ كِلَيْهِما، فالآيَةُ مِن أدِلَّةِ إمامِنا الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى اسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِيَعُمَّ الطِّينُ فَيَكُونُ - مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى بَدِيعِ الصَّنْعَةِ - إشارَةً إلى حُرْمَةِ أكْلِ ما هو أصْلُنا مِنَ الدَّمِ والتُّرابِ قَبْلَ أنْ يَسْتَحِيلَ، فَإذا (p-١٥٦)اسْتَحالَ وُصِفَ بِالحَلّالِ لِأنَّ الِاسْتِحْالاتِ لَها مَدْخَلٌ في الإحْلالاتِ في النِّكاحِ وغَيْرِهِ، واحْمِرارُ النُّطْفَةِ لَيْسَ اسْتِحالَةً لِأنَّها كانَتْ حَمْراءُ قَبْلَ قَصْرِ الشَّهْوَةِ لَها، ورُبَّما ضَعُفَتِ الشَّهْوَةُ عَنْ قَصْرِها فَنَزَلَتْ [حَمْراءَ]، فَإذا تَحَوَّلَ الدَّمُ لَحْمًا صارَ إلى جِنْسِ ما يَحِلُّ، وكَذا إذا تَحَوَّلَ التُّرابُ بِمُخالَطَةِ الماءِ تَمْرًا أوْ حَبًّا حَلَّ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] وكانَ مَعْنى ذَلِكَ: أيُّ شَيْءٍ حَمَلَ عَلَّ هَذا بَعْدَ وُضُوحِ الأمْرِ لَكَ وبَيانِهِ وقَدْ نَزَّهَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنِ التَّكْذِيبِ بِالحِسابِ وأعْلى قَدْرَهُ عَنْ ذَلِكَ، ولَكِنْ سَبِيلٌ مِثْلُ هَذا إذا ورَدَ كَسَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وبابُهُ، وحُكْمُ هَذا القَبِيلِ واضِحٌ في حَقِّ مَن تَعَدّى إلَيْهِ الخِطابُ وقَصَدَ بِالحَقِيقَةِ بِهِ مِن أُمَّتِهِ ﷺ مِن حَيْثُ عَدَمُ عِصْمَتِهِمْ وإمْكانُ تَطَرُّقِ الشُّكُوكِ والشُّبْهَةِ إلَيْهِمْ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: أيْ شَيْءٌ يُمْكِنُ فِيهِ أنْ يَحْمِلَكم عَلى التَّوَقُّفِ أوِ التَّكْذِيبِ بِأمْرِ الحِسابِ، وقَدْ وضَحَ لَكم ما يَرْفَعُ الرَّيْبَ ويُزِيلُ الإشْكالَ، ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ رَبَّكم أحْكَمُ الحاكِمِينَ؟ أفَيَلِيقُ بِهِ وهو العَلِيمُ الخَبِيرُ أنْ يَجْعَلَ اخْتِلافَ أحْوالِكم في (p-١٥٧)الشُّكُوكِ بَعْدَ خَلْقِكم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؟ أفَيَحْسُنُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عَبَثًا؟ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا﴾ [ص: ٢٧] فَلَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ العَبِيدَ عَلى أنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ مَعَ ما تَقَدَّمَ ذَلِكَ مِن مُوجَبِ نَفْيِ الِاسْتِرابَةِ في نَوْعِ الحَقِّ إذا اعْتَبَرَ ونَظَرَ، ووَقَعَتْ في التَّرْتِيبِ سُورَةُ العَلَقِ مُشِيرَةً إلى ما بِهِ يَقَعُ [الشِّفاءُ]، ومِنهُ يَعْلَمُ الِابْتِداءَ والِانْتِهاءَ، وهو كِتابُهُ المُبِينُ، الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ، فَأمَرَ بِقِراءَتِهِ لِيَتَدَبَّرُوا آياتِهِ فَقالَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] مُسْتَعِينًا بِهِ فَسَوْفَ يَتَّضِحُ سَبِيلَكَ ويَنْتَهِجُ دَلِيلَكَ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى أعْلَمُ عِبادِهِ بِخَلْقِهِ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] وحَصَلَ مِنهُ عَلى ما قَدَّمَ بَيانَهُ افْتِراقُ الطَّرَفَيْنِ وتَبايُنُ القائِلِينَ، كُلُّ ذَلِكَ بِسابِقِ حِكْمَتِهِ وإرادَتِهِ ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣] وقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ لَنا أقْصى غايَةً يَنالُها أكْرَمُ خِلْقِهِ وأجَلُّ عِبادِهِ لَدَيْهِ مِنَ الصِّنْفِ الإنْسانِيِّ، وذَلِكَ فِيما أوْضَحَتِ السُّورَتانِ قَبْلُ مِن حالِ نَبِيِّنا المُصْطَفى ﷺ وجَلِيلِ وعْدِهِ الكَرِيمِ لَهُ في قَوْلِهِ ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] وفَضْلُ حالِ ابْتِداءِ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١] عَلى تَقَدُّمِ سُؤالِ ﴿رَبِّ اشْرَحْ﴾ [طه: ٢٥] إلى ما أشارَتْ إلَيْهِ آيُ السُّورَتَيْنِ مِن خَصائِصِهِ الجَلِيلَةِ، وذَلِكَ أعْلى مَقامٍ يَنالُهُ أحَدٌ مِمَّنْ ذَكَرَ، فَوَقَعَ [تَعْقِيبُ -] ذَلِكَ بِسُورَةِ (p-١٥٨)تَضَمَّنَتِ الإشارَةَ إلى حالِ مَن جَعَلَ في الظَّرْفِ الآخَرِ مِنَ الجِنْسِ الإنْسانِيِّ، وذَلِكَ حالُ مَن أُشِيرَ إلَيْهِ مِن لَدُنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَلا لا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩] لِيَظْهَرَ تَفاوُتُ المَنزِلَتَيْنِ وتُبايُنَ ما بَيْنَ الحالَتَيْنِ، وهي العادَةُ المُطَّرِدَةُ في الكُتُبِ، ولَمْ يَقَعْ صَرِيحُ التَّعْرِيفِ هُنا كَما وقَعَ في الظَّرْفِ الآخِرَةِ لِيُطابِقَ المَقْصُودَ، ولَعَلَّ بَعْضَ مَن لَمْ يَتَفَطَّنْ يَعْتَرِضُ هُنا بِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَن أوَّلِ ما أنْزَلَ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ مُرادُكَ مِنَ ادِّعاءِ تَرْتِيبِها عَلى ما تَأخَّرَ [عَنْها] نُزُولًا، فَنَقُولُ لَهُ: وأيْنَ غابَ اعْتِراضُكَ في عِدَّةِ سُوَرٍ مِمّا تَقَدَّمَ بَلْ في مُعْظَمِ ذَلِكَ، وإلّا فَلَيْسَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ مِنَ المَدَنِيِّ، ومُقْتَضى تَأْلِيفِنا هَذا بِناءً ما بَعْدَها مِنَ السُّوَرِ عَلى التَّرْتِيبِ الحاصِلِ في مُصْحَفِ الجَماعَةِ إنَّما هو عَلَيْها وفِيها بُعْدٌ مِنَ المَكِّيِّ ما لا يُحْصى، فَإنَّما غابَ عَنْكَ نِسْيانُ ما قَدَّمْناهُ في الخُطْبَةِ مِن أنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ ما هي عَلَيْهِ راجِعٌ إلى فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكانَ ذَلِكَ بِتَوْقِيفٍ مِنهُ أوْ بِاجْتِهادِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عَلى ما قَدَّمْناهُ، فارْجِعْ بَصَرَكَ، وأعِدْ في الخُطْبَةِ نَظَرَكَ، واللَّهُ يُوَفِّقُنا إلى اعْتِبارِ بَيِّناتِهِ وتَدَبُّرِ آياتِهِ، ويَحْمِلُنا في ذَلِكَ عَلى ما يُقَرِّبُنا إلَيْهِ بِمَنِّهِ وفَضْلِهِ - انْتَهى.

96:3Page 597

ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣

Recite, and your Lord is the most Generous -

ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن أمْرِ الخَلْقِ وهو الإيجادُ [بِالأسْبابِ] (p-١٥٩)بِالتَّدْرِيجِ، أخَذَ في التَّنْبِيهِ عَلى عالَمِ الأمْرِ وهو الإبْداعُ مِن غَيْرِ أسْبابٍ، فَقالَ مُكَرِّرًا لِلْأمْرِ بِالقِراءَةِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ شَأْنِها وتَأْنِيسًا لَهُ ﷺ ومُسَكِّنًا لِرَوْعِهِ ومُعْلِمًا أنَّ مَن جاءَهُ الأمْرُ مَن قَبْلِهِ لَيْسَ كَأرْبابِهِمْ: ﴿اقْرَأْ﴾ ولَمّا كانَ قَدْ قالَ ﷺ عِنْدَ هَذا الأمْرِ إخْبارًا بِالواقِعِ كَما يَقُولُ لِسانُ الحالِ لَوْ لَمْ يَنْطِقْ بِلِسانِ المَقالِ: ما أنا بِقارِئِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَرَبُّكَ الَّذِي رَبّاكَ فَأحْسَنَ تَرْبِيَتَكَ وأدَّبَكَ فَأحْسَنَ تَأْدِيبَكَ أمَرَكَ بِالقِراءَةِ وهو قادِرٌ عَلى جَعْلِكَ قارِئًا، عَطَفَ عَلَيْهِ [قَوْلَهُ]: ﴿ورَبُّكَ﴾ أيْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: والحالُ أنَّ الَّذِي خَصَّكَ بِالإحْسانِ الجَمِّ ﴿الأكْرَمُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ الأعْظَمُ مُطْلَقًا مِن جِهَةِ الذّاتِ ومِن جِهَةِ الصِّفاتِ ومِن جِهَةِ الأفْعالِ، فَلا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ [أصْلًا] لِأنَّ حَقِيقَتَهُ البَعِيدُ عَنِ اللَّوْمِ الجامِعِ لِمَساوِئِ الأخْلاقِ، فَهو الجامِعُ لِمَعالِي الأخْلاقِ، ولَيْسَ غَيْرُهُ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ، فَهو يُعْطِيكَ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ، وأشارَ إلى [أنَّ] مِن ذَلِكَ أنَّهُ يَفِيضُ عَلى أُمَّتِهِ الأُمِّيَّةِ مِنَ العِلْمِ والحَظِّ ما لَمْ يَفُضْهُ عَلى أُمَّةٍ قَبْلَها عَلى قِصَرِ أعْمارِهِمْ، فَقالَ مُشِيرًا إلى العِلْمِ التَّعْلِيمِ، مُشْعِرًا بِوَصْفِهِ سُبْحانَهُ بِالمَنحِ بِالعِلْمِ إلى تَرْتِيبِ الحُكْمِ بِالأكْرَمِيَّةِ عَلى هَذا الوَصْفِ النّاقِلِ لِلْإنْسانِ مِنَ الحالِ العَقْلِيِّ السّافِلِ إلى هَذا الحالِ (p-١٦٠)العالِي الكامِلِ

96:4Page 597

ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ٤

Who taught by the pen –

﴿الَّذِي عَلَّمَ﴾ أيْ بَعْدَ الحِلْمِ عَنْ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ والعِقابِ جُودًا مِنهُ مِن غَيْرِ مانِعٍ مِن خَوْفِ عاقِبَةٍ ولا رَجاءِ مَنفَعَةٍ ﴿بِالقَلَمِ﴾ أيِ الكِتابَةُ بِهِ.

96:5Page 597

عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ ٥

Taught man that which he knew not.

ولَمّا نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى [ ما فِي] الكِتابَةِ مِنَ المَنافِعِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها غَيْرُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، لِأنَّها انْبَنَتْ عَلَيْها اسْتِقامَةُ أُمُورِ الدُّنْيا والدِّينِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهي كافِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى دَقِيقِ حِكْمَتِهِ تَعالى ولَطِيفِ تَدْبِيرِهِ، زادَ ذَلِكَ عَظَمَةً عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُ فَقالَ: ﴿عَلَّمَ﴾ أيِ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ والنَّظَرِيَّ ﴿الإنْسانَ﴾ أيِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الأُنْسُ بِما هو فِيهِ لا يَنْتَقِلُ إلى غَيْرِهِ بَلْ يَنْساهُ إنْ لَمْ يُلْهِمْهُ رَبُّهُ إيّاهُ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ أيْ بِلُطْفِهِ وحِكْمَتِهِ لِيَنْتَظِمَ بِهِ حالُهُ [فِي دِينِهِ] مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ ودُنْياهُ مِنَ المُعامَلاتِ والصَّنائِعِ، فَيَفِيضُ عَلَيْهِ مِن عِلْمِهِ اللَّدُنْيِّ الَّذِي لا سَبَبَ لَهُ ظاهِرُ ما يُعْرَفُ بِهِ تَرْتِيبُ المُقَدِّماتِ بِالحُدُودِ والوُسْطى، فَيَعْلَمُ النَّتائِجَ، وما يُعْرَفُ بِهِ الحَدْسِيّاتُ، وذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ القُوى ونَصْبِ الدَّلائِلِ وإنْزالِ الآياتِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ بِالأسْبابِ فَقَطْ لَتَساوى النّاسُ في مُدَّةِ التَّعْلِيمِ [و] في أصْلِ المَعْلُومِ كَما تَساوَوْا في مُدَّةِ الحَمْلِ وأصْلِ الإنْسانِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مَبْدَأ الإنْسانِ ومُنْتَهاهُ بِنَقْلِهِ مِن أخَسِّ الحالاتِ إلى أعْلاها تَقْرِيرًا لِرُبُوبِيَّتِهِ وتَحْقِيقًا لِأكْرَمِيَّتِهِ، (p-١٦١)قالَ المَلَّوِيُّ: ولَوْ كانَ شَيْءٌ مِنَ العَطاءِ والنِّعَمِ أشْرَفَ مِنَ العِلْمِ لِذَكَرَهُ عَقِبَ صِفَةِ الأكْرَمِيَّةِ - انْتَهى، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ كَرَمِ العُلَماءِ بِالتَّعْلِيمِ، وفي الآيَةِ الإشارَةُ إلى مُطالَعَةِ عالَمَيِ الخَلْقِ والأمْرِ، قالَ الرّازِيُّ، وفي كُلٍّ مِنَ العالَمَيْنِ خُصُوصٌ وعُمُومٌ - انْتَهى، فالمَعْنى أنَّهُ يُعَلِّمُكَ أيُّها النَّبِيُّ الكَرِيمُ وإنْ كُنْتَ أُمِّيًّا لا تَعْلَمُ الآنَ شَيْئًا كَما عَلَّمَ بِالقَلَمِ مَن لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، فَتَكُونُ أنْتَ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ صِفَةُ الأكْرَمِيَّةِ عَلى ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الأُمِّيَّةِ - أعْلَمُ مِن أهْلِ الأقْلامِ - وأعْلى مِن [كُلِّ] مَقامٍ سامٍ.

96:6Page 597

كـَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ ٦

No! [But] indeed, man transgresses

ولَمّا كانَ الدَّمُ أكْثَرَ الأخْلاطِ وأشَدَّها هَيَجانًا، فَإنَّ مَرَضَهُ لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِن أمْراضِ بَقِيَّةِ الأخْلاطِ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ سَرِيعُ البُرْءِ إنْ أُصِيبَ عِلاجُهُ وعُولِجَ بِأمْرٍ قاهِرٍ أقْوى مِنهُ، وكانَ العِلْمُ قَرِينَ الغِنى في الأغْلَبِ، وكانَ زَلَّةَ العالِمِ تَفُوقُ زَلَّةَ غَيْرِهِ، قالَ مُعَرِّفًا بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِالإلَهِيّاتِ بِأمْرِ النَّفْسِ مُبَيِّنًا لِقَسَمِ الإنْسانِ المَرْدُودِ أسْفَلَ سافِلِينَ مُقَرَّرًا لِحالِهِ، ورادِعًا لَهُ عَنْ ضَلالِهِ: ﴿كَلا﴾ أيِ ارْتَدَعَ أيُّها العالَمُ عَنِ الطُّغْيانِ إنَّ نِلْتَ الغِنى حَقًّا ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ الَّذِي هو نَوْعُكَ ومِن شَأْنِهِ الأُنْسُ بِنَفْسِهِ والنَّظَرُ في عَطْفِهِ ﴿لَيَطْغى﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ - إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ - أنْ يَزِيدَ عَلى الحَدِّ الَّذِي لا يَنْبَغِي لَهُ مُجاوَزَتَهُ كَما يَزِيدُ الخَلْطَ الدَّمَوِيَّ، وأكَّدَهُ لِما لِأكْثَرِ الخَلْقِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِهِ فَإنَّهُ لا طاغِيَ يُقِرُّ بِأنَّهُ طَغى

96:7Page 597

أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ ٧

Because he sees himself self-sufficient.

﴿أنْ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ ﴿رَآهُ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانُ نَفْسَهُ (p-١٦٢)عِلْمًا وُجْدانِيًّا ﴿اسْتَغْنى﴾ أيْ وجَدَ لَهُ الغِنى، هَذا هو الطَّبْعُ الغالِبُ في الإنْسانِ مَتى اسْتَغْنى عَنْ شَيْءٍ عَمِيَ عَنْ مَواضِعِ افْتِقارِهِ، فَتَغَيَّرَتْ أحْوالُهُ مَعَهُ، وتَجاوَزَ فِيهِ ما يَنْبَغِي لَهُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ «ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ» ومَن كانَ مُفْتَقِرًا إلى شَيْءٍ كانَ مُنْطاعًا لَهُ كَما في حَدِيثِ آخِرُ أهْلِ النّارِ خُرُوجًا مِنها يُقْسِمُ لِرَبِّهِ أنَّهُ لا يَسْألُ غَيْرَ ما طَلَبَهُ، فَإذا أعْطَيْتَهُ واسْتَغْنى بِهِ سَألَ غَيْرَهُ حَتّى يَدْخُلَ دارَ القَرارِ، [و] لَعَلَّهُ نَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ المُحْتاجَةَ سَتُفْتَحُ لَها خَزائِنُ الأرْضِ فَيُطْغِيها الغِنى كَما أطْغى مَن قَبْلَها وإنْ كانُوا هم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ كَما قالَ ﷺ حِينَ بَشَّرَهم بِالفُتُوحاتِ وقالَ: «إنَّهُ يُغَدّى عَلى أحَدِكم بِصَفْحَةٍ ويُراحُ عَلَيْهِ بِأُخْرى ثُمَّ قالَ لَهُمْ: أنْتُمُ اليَوْمَ خَيْرٌ أمْ يَوْمَئِذٍ، فَقالُوا: بَلْ يَوْمَئِذٍ، نَتَفَرَّغُ لِعِبادَةِ رَبِّنا، فَقالَ: بَلْ أنْتُمُ اليَوْمَ خَيْرٌ مِنكم يَوْمَئِذٍ، قالَ ﷺ: واللَّهِ ما الفَقْرُ أخْشى عَلَيْكُمْ، ولَكِنْ أخْشى أنْ يَبْسُطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيا كَما بَسَطَتْ عَلى مَن كانَ قَبْلكم فَتُنافِسُوها كَما تُنافِسُوها فَتُهْلِكُكم كَما أهْلَكَتْهم»

أوْ كَما قالَ ﷺ.

96:8Page 597

إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجۡعَىٰٓ ٨

Indeed, to your Lord is the return.

ولَمّا كانَ لا دَواءَ [لِذَلِكَ] مِثْلُ تَذَكُّرِ الجَزاءِ، قالَ مَعْرُفًا أنَّ (p-١٦٣)الإنْسانَ لا يَزالُ مُفْتَقِرًا إلى مَوْلاهُ في حَياتِهِ و[مَماتِهِ] وغِناهُ وفَقْرِهِ، مُحَذِّرًا لَهُ سُوءَ حالاتِهِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ ذَلِكَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِالرِّسالَةِ الَّتِي رَفَعَ بِها ذِكْرَكَ، لا إلى غَيْرِهِ مِنَ التُّرابِ ونَحْوِهِ ﴿الرُّجْعى﴾ أيِ الرُّجُوعُ الأعْظَمُ الثّابِتُ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، أمّا في الدُّنْيا فَلا مَحِيدَ عَنِ الإقْرارِ بِهِ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ إلّا بِتَقْدِيرِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِما أثْبَتَ في بُرْهانِهِ في سُورَةِ التِّينِ، فَيُحاسِبُ النّاسَ بِأعْمالِهِمْ، ويُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، فَفِيهِ وعِيدٌ لِلطّاغِي [وتَحْقِيرٌ -] لِغِنى يَنْقَطِعُ.

96:9Page 597

أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يَنۡهَىٰ ٩

Have you seen the one who forbids

ولَمّا أخْبَرَ بِطُغْيانِهِ وعَجَّلَ بِذِكْرِ دَوائِهِ لِأنَّ المُبادَرَةَ بِالدَّواءِ لِئَلّا يَتَحَكَّمَ الدّاءُ واجِبَةً، دَلَّ عَلى طُغْيانِهِ مَخُوفًا مِن عَواقِبِ الرُّجْعى في أُسْلُوبِ التَّقْرِيرِ لِأنَّهُ أوْقَعُ في النَّفْسِ وأرْوَعُ لِلُّبِّ لِأنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: «لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُعَفِّرُ وجْهَهُ لَأفْضَخَنَّ رَأْسَهُ بِصَخْرَةٍ، فَجاءَ لِيَفْعَلَ ما زَعَمَ فَنَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ويَبِسَتْ يَداهُ عَلى حِجْرِهِ فَسُئِلَ عَمّا دَهاهُ، فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَهَوْلًا وأجْنِحَةً، وفي رِوايَةٍ: لَخَنْدَقًا مِنَ النّارِ، وفي رِوايَةٍ: لَفَحْلًا مِنَ الإبِلِ، فَما رَأيْتُ مِثْلَهُ، ولَوْ دَنَوْتُ [مِنهُ] لَأكَلَنِي» وأصْلُ الحَدِيثِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، [فَقالَ]: ﴿أرَأيْتَ﴾ تَقَدَّمَ (p-١٦٤)فِي الأنْعامِ أنَّ هَذا الفِعْلَ إذا لَمْ يَكُنْ بَصَرِيًّا كانَ بِمَعْنى أخْبَرَ، فالمَعْنى: [أخْبَرَنِي] هَلْ عَلِمْتَ بِقَلْبِكَ عِلْمًا هو في الجَلاءِ كَرُؤْيَةِ بَصَرِكَ ﴿الَّذِي يَنْهى﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ.

96:10Page 597

عَبۡدًا إِذَا صَلَّىٰٓ ١٠

A servant when he prays?

ولَمّا كانَ أفْحَشَ ما يَكُونُ صَدَّ العَبْدَ عَنْ خِدْمَةِ سَيِّدِهِ، قالَ مُعَبِّرًا بِالعُبُودِيَّةِ مُنْكِرًا لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ النَّهْيِ والدَّلالَةِ عَلى كَمالِ العُبُودِيَّةِ: ﴿عَبْدًا﴾ أيْ مِنَ العَبِيدِ ﴿إذا صَلّى﴾ أيْ خَدَمَ سَيِّدَهُ الَّذِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُنْكِرَ سِيادَتَهُ بِإيقاعِ الصَّلاةِ الَّتِي هي وصْلَتُهُ بِهِ، وهي أعْظَمُ أنْواعِ العِبادَةِ لِأنَّها مَعَ كَوْنِها أقْرَبُ وصْلَةً إلى الحَقِّ انْقِطاعٌ وتَجَرُّدٌ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الخَلْقِ، فَكانَ نَهْيُهُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ نَهْيًا عَنْ أداءِ الحَقِّ لِأهْلِهِ حَسَدًا أوْ بَغْيًا، فَكانَ دالًّا عَلى أنَّ مِن طَبْعِ [أهْلِ] كُلِّ زَمانٍ عَداوَةَ أهْلِ الفَضْلِ وصَدِّهِمْ عَنِ الخَيْرِ لِئَلّا يَخْتَصُّوا بِالكَمالِ.

96:11Page 597

أَرَءَيۡتَ إِن كَانَ عَلَى ٱلۡهُدَىٰٓ ١١

Have you seen if he is upon guidance

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا خارِجًا عَنِ الحَدِّ في الطُّغْيانِ، وكانَ السُّؤالُ إنَّما هو عَنْ رُؤْيَةِ حالِهِ في نَهْيِهِ العَبْدَ عَنِ الصَّلاةِ، لا عَنْ رُؤْيَةِ ذاتِهِ، فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ [الحالِ]، كَرَّرَ التَّقْرِيرُ بِزِيادَةِ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِ والتَّحْذِيرِ، فَقالَ مُكَرِّرًا العامِلَ زِيادَةً في التَّأْكِيدِ وبَيانًا لِأنَّ هَذا في الحَقِيقَةِ أوَّلُ السُّؤالِ عَنِ الحالِ: ﴿أرَأيْتَ﴾ أيْ أخْبِرْنِي عَنْ حالِهِ ﴿إنْ كانَ﴾ أيْ هَذا النّاهِي، وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ إشارَةً إلى أنَّهُ في غايَةِ الثَّباتِ والتَّمَكُّنِ فَقالَ: ﴿عَلى الهُدى﴾ أيِ الكامِلِ (p-١٦٥)فِي الهِدايَةِ فَكَفَّ عَنْ نَهْيِ هَذا المُصَلِّي عَنْ خِدْمَةِ مَوْلاهُ الَّذِي هو مُعْتَرِفٌ بِسِيادَتِهِ وإنِ ادَّعى كَذِبًا أنَّ لَهُ شَرِيكًا كَما أنَّهُ لا يَنْهى عَنِ السُّجُودِ لِلْأصْنامِ.

96:12Page 597

أَوۡ أَمَرَ بِٱلتَّقۡوَىٰٓ ١٢

Or enjoins righteousness?

ولَمّا ذَكَرَ ما لَعَلَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ في تَكْمِيلِ نَفْسِهِ، ذَكَرَ ما لَعَلَّهُ يُعانِيهِ مِن إنْجاءِ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿أوْ أمَرَ﴾ أيْ ذَلِكَ النّاهِي ﴿بِالتَّقْوى﴾ أيِ الَّتِي هي عِمادُ الدِّينِ، وهي عِمارَةُ الباطِنِ بِالنُّورِ النّاشِئَةِ عَنِ الهُدى، وعِمارَةِ الظّاهِرَةِ لِذَلِكَ، المُتَرَشِّحَةِ مِن عِمارَةِ الباطِنِ، المُوجِبِ لِذَلِكَ، فَأمَرَ هَذا المُصَلِّي بِمُلازَمَةِ خِدْمَةِ سَيِّدِهِ المُجْمَعِ عَلى سِيادَتِهِ، ولا شَكَّ في تَوْحِيدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ بِالإقْبالِ عَلى ما يُرْضِيهِ مِن أفْعالِ العِبادَةِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ وِقايَةً لِفاعِلٍ مِن سُخْطِهِ فَيَأْمَنُ الهَلاكَ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ألَمْ يَكُنْ خَيْرًا لَهُ فَلْيَتَدَبَّرْ كُلَّ أمْرٍ مِن أُمُورِهِ فَلا يُقَدَّمْ عَلَيْهِ حَتّى يَعْلَمَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ هُدًى وتَقْوى.

96:13Page 597

أَرَءَيۡتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ ١٣

Have you seen if he denies and turns away -

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ حَتْمًا كَما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ ما قَدَّرْتَهُ مِن جَوابِ السُّؤالَيْنِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ زِيادَةً في التَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ والتَّقْرِيعِ اسْتِفَهامًا عَنْ حالٍ لِهَذا النّاهِي مُنافٍ لِلْحالِ الأوَّلِ مُعِيدًا الفِعْلَ إيضاحًا لِذَلِكَ: ﴿أرَأيْتَ﴾ أيْ أخْبِرْنِي أيُّها السّامِعُ ولا تَسْتَعْجِلْ ﴿إنْ كَذَّبَ﴾ أيْ [أوْقَعَ] هَذا النّاهِي التَّكْذِيبُ بِأنَّ المُصَلِّيَ عَلى الهُدى بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ (p-١٦٦)المُتَّفَقِ عَلى سِيادَتِهِ، فَكانَ بِذَلِكَ مُرْتَكِبًا لِلضَّلالِ الَّذِي لا شَكَّ في كَوْنِهِ ضَلالًا، ولا يَدْعُو إلَيْهِ إلّا الهُدى.

ولَمّا كانَ المُكَذِّبُ [قَدْ] لا يَتْرُكُ مِن كَذِبِهِ، أشارَ إلى أنَّ حالَ هَذا عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وتَوَلّى﴾ أيْ وكَلَّفَ فِطْرَتَهُ الأوْلى بَعْدَ مُعالَجَتِها الإعْراضَ عَنْ قَبُولِ الأمْرِ بِالتَّقْوى، وذَلِكَ التَّوَلِّي إخْرابُ الباطِنِ بِالأخْلاقِ السَّيِّئَةِ النّاشِئَةِ عَنِ التَّكْذِيبِ [وإخْرابُ الظّاهِرِ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ النّاشِئَةِ عَنِ التَّكْذِيبِ]، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ألَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّوَلِّي والتَّكْذِيبُ شَرًّا لَهُ لِأنَّ التَّكْذِيبَ والتَّوَلِّيَ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ شَرٌّ مَحْضٌ، فَكَيْفَ إذا كانَ الدَّلِيلُ قائِمًا عَلى ضِدِّهِما.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском