Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
القدر
Al-Qadr
The Power · Meccan · 5 ayahs
97:1Page 598
إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ ١
Indeed, We sent it [i.e., the Qur’ān] down during the Night of Decree.
(p-١٧٦)سُورَةُ القَدْرِ مَقْصُودُها
تَفْصِيلُ الأمْرِ الَّذِي هو أحَدُ قِسْمَيْ ما ضَمِنَهُ مَقْصُودُ ”اقْرَأْ“ وعَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها لِأنَّ اللَّيْلَةَ فُضِّلَتْ بِهِ، فَهو مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، وهو دَلِيلٌ لِمَن يَقُولُ بِاعْتِبارِ تَفْضِيلِ الأوْقاتِ لِأجْلِ ما كانَ فِيها، [كَما] قالَ ذَلِكَ اليَهُودِيُّ في اليَوْمِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وأفْرَدَهُ الفارُوقُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ذَلِكَ وأعْلَمَهُ أنَّهُ صارَ لَنا عِيدَيْنِ: عِيدًا مِن جِهَةِ كَوْنِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وعِيدًا مِن جِهَةِ كَوْنِهِ يَوْمَ جُمْعَةٍ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي جَلَّ أمْرُهُ وتَنَزَّهَ ذاتُهُ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ فَبَدَعَتْ صِفاتُهُ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ أهْلَ التَّوْحِيدِ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ فاخْتُصَّتْ بِهِمْ جَنّاتُهُ.
* *
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كِتابَهُ في هَذا الذِّكْرِ العَرَبِيِّ المُعْجِزِ، ذَكَرَ إنْزالَهُ مُسْتَحْضِرًا في كُلِّ قَلْبٍ، كانَ ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنْ إعادَتِهِ بِصَرِيحِ اسْمِهِ، فَكانَ مَتى أضْمَرَهُ عِلْمُهُ المُخاطَبَ بِما في السِّياقِ مِنَ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، وبِما لَهُ في القَلْبِ مِنَ العَظَمَةِ وفي الذِّهْنِ مِنَ الحُضُورِ لا سِيَّما في هَذِهِ (p-١٧٧)السُّورَةِ لِافْتِتاحِ العَلَقِ بِالأمْرِ بِقِراءَتِهِ، وخَتَمَها بِالصَّلاةِ الَّتِي هي أعْظَمُ أرْكانِها، فَكانَتْ دَلالَتُها عَلَيْهِ دَلالَةً هي في غايَةِ الوُضُوحِ، فَكانَ كَأنَّهُ قالَ: واقْتَرَبَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ، فَكانَ إضْمارُهُ أدَلَّ عَلى العَظَمَةِ الباهِرَةِ مِن إظْهارِهِ، لِدَلالَةِ الإضْمارِ عَلى أنَّهُ ما تَمَّ شَيْءٌ يُنْزِلُ غَيْرَهُ فَهو بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ، قالَ مُفَخِّمًا لَهُ بِأُمُورٍ: إضْمارُهُ، وإسْنادُ إنْزالِهِ إلَيْهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ، وتَعْظِيمِ وقْتِ إنْزالِهِ المُتَضَمِّنِ لِعَظَمَةِ البَلَدِ الَّذِي أنْزِلَ فِيهِ - عَلى قَوْلِ الأكْثَرِ، والنَّبِيُّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما لَهم مِنَ الإنْكارِ،
﴿إنّا﴾ أيْ لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ أيْ هَذا الذِّكْرُ كُلُّهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى بَيْتِ العِزَّةِ مِنَ السَّماءِ [الدُّنْيا] مُرَتِّبًا هَذا التَّرْتِيبَ الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ الأُمَّةَ المَعْصُومَةَ عَلَيْهِ، وهو المَوْجُودُ الآنَ، وكَذا كانَ إنْزالُ أوَّلِ نَجْمٍ مِنهُ، وهو أوَّلُ السُّورَةِ الماضِيَةِ إنْزالًا مُصَدِّقًا لِأنَّ عَظَمَتَهُ مِن عَظَمَتِنا بِما لَهُ مِنَ الإعْجازِ في نَظْمِهِ، ومِن تَضاؤُلِ القُوى عَنِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وأوَّلُ ما أُنْزِلَ مِنهُ صَدْرُها إلى خَمْسِ آياتٍ مِنها [آخِرُها] ”ما لَمْ يَعْلَمْ“ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو مُجاوِرٌ في هَذا الشَّهْرِ الشَّرِيفِ بِجَبَلِ حِراءٍ مِن جِبالِ مَكَّةَ المُشَرَّفَةَ، ثُمَّ صارَ يَنْزِلُ مُفَرَّقًا بِحَسَبَ الوَقائِع حَتّى تَمَّ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وكُلَّما نَزَلَ مِنهُ نَجْمٌ يَأْمُرُ النَّبِيَّ ﷺ (p-١٧٨)بِتَرْتِيبِهِ في سُورَتِهِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى حَتّى تَمَّ في السُّوَرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ الآنَ ما هو عَلَيْهِ في بَيْتِ العِزَّةِ.
ولَمّا عَظَّمَهُ بِما ذَكَرَ، زادَهُ عِظَمًا بِالوَقْتِ الَّذِي اخْتارَ إنْزالُهُ فِيهِ لِيَكُونَ طالِعُهُ سَعِيدًا لَمّا كانَ أثَرُهُ حَمِيدًا فَقالَ: ﴿فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ أيِ اللَّيْلَةِ الَّتِي لَها قَدْرٌ عَظِيمٌ وشَرَفٌ كَبِيرٌ، والأعْمالُ فِيها ذاتُ قَدْرٍ وشَرَفٍ، فَكانَتْ بِذَلِكَ كَأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالقَدَرِ فَلا قَدَرَ لِغَيْرِها.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ورَدَّ تَعْرِيفًا بِإنْزالِ ما تَقَدَّمَ الأمْرُ بِقِراءَتِهِ لِما قَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى عَظِيمِ أمْرِ الكُتُبِ، وأنَّ السُّلُوكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إنَّما هو مِن ذَلِكَ البابِ، أعْلَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِلَيْلَةِ إنْزالِهِ وعَرَفْنا بِقَدَرِها لِنَعْتَمِدَها في مَظانِّ دُعائِنا وتُعَلِّقِ رَجائِنا ونَبْحَثُ في الِاجْتِهادِ في العَمَلِ لَعَلَّنا نُوافِقُها وهي كالسّاعَةِ في يَوْمِ الجُمْعَةِ في إبْهامِ أمْرِها مَعَ جَلِيلِ قَدْرِها ومِن قَبِيلِ الصَّلاةِ الوُسْطى، ولِلَّهِ سُبْحانَهُ في إخْفاءِ ذَلِكَ أعْظَمُ رَحْمَةٍ، وكانَ في التَّعْرِيفِ بِعَظِيمِ قَدْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ التَّعْرِيفُ بِجَلالَةِ المَنزِلِ فِيها، فَصارَتْ سُورَةُ القَدْرِ مِن تَمامِ ما تَقَدَّمَ ووَضَحَ اتِّصالُها - انْتَهى.
97:2Page 598
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ ٢
And what can make you know what is the Night of Decree?
ولَمّا عَلِمَ مِنَ السِّياقِ تَعْظِيمَها بِعَظَمَةِ ما أُنْزِلَ فِيها وبِالتَّعْبِيرِ عَنْها بِهَذا، قالَ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ التَّعْظِيمِ حَثًّا عَلى الِاجْتِهادِ في إحْيائِها لِأنَّ (p-١٧٩)لِلْإنْسانِ مِنَ الكَسَلِ والتَّداعِي إلى البِطالَةِ ما يُزَهِّدُهُ في ذَلِكَ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ وأنْتَ شَدِيدُ التَّفَحُّصِ ﴿ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ أيْ لَمْ تَبْلُغْ دِرايَتُكَ وأنْتَ أعْلَمُ النّاسِ غايَةَ فَضْلِها ومُنْتَهى عَلَيَّ قَدْرِها عَلى ما لَكَ مِن سِعَةِ العِلْمِ وإحاطَةِ الفِكْرِ وعَظِيمِ المَواهِبِ.
97:3Page 598
لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ ٣
The Night of Decree is better than a thousand months.
ولَمّا ثَبَتَتْ عَظَمَتُها بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها أهْلٌ لِأنْ يَسْألَ عَنْ خَصائِصِها، قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ أيِ الَّتِي خَصَصْناها بِإنْزالِنا [لَهُ] فِيها ﴿خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ أيْ خالِيَةً [عَنْها] أوِ العَمَلُ فِيها خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ في ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيها لَيْلَةَ القَدْرِ، وذَلِكَ ثَلاثٌ وثَمانُونَ سَنَةً وأرْبَعَةُ أشْهُرٍ، قالُوا: وهي مُدَّةُ مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ سَواءٌ، وتَسْمِيَتُها بِذَلِكَ لِشَرَفِها ولِعَظِيمِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّهُ يَفْصِلُ فِيها مِن أُمِّ الكِتابِ مَقادِيرُ الأُمُورِ، فَيَكْتُبُ فِيها عَنِ اللَّهِ حُكْمُ ما يَكُونُ مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ، مِن قَوْلِهِمْ: قَدَّرَ اللَّهُ عَلى هَذا الأمْرِ يُقَدِّرُهُ قَدْرًا، أيْ قَضاهُ، وهي اللَّيْلَةُ المُرادَةُ في سُورَةِ الدُّخانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] وذِكْرُ الألْفِ إمّا لِلْمُبالَغَةِ بِنِهايَةِ مَراتِبِ العَدَدِ لِيَكُونَ أبْلَغَ مِنَ السَّبْعِينَ في تَعْظِيمِها أوْ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ شَخْصًا مِن مُؤْمِنِي بَنِي إسْرائِيلَ لَبِسَ السِّلاحَ مُجاهِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ ألْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ المُؤْمِنُونَ مِنهُ فَتَقاصَرَتْ إلَيْهِمْ أعْمالُهُمْ، فَأعْطاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَيْلَةً مَن قامَها (p-١٨٠)كانَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ، وأبْهَمَها في العَشْرِ الأخِيرِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ في قَوْلِ الجُمْهُورِ عَلى ما صَحَّ مِنَ الأحادِيثِ لِيَجْتَهِدُوا في إدْراكِها كَما أخْفى ساعَةَ الإجابَةِ في يَوْمِ الجُمْعَةِ والصَّلاةُ الوُسْطى في الخَمْسِ، واسْمُهُ الأعْظَمُ في الأسْماءِ، ورِضاهُ في سائِرِ الطّاعاتِ لِيَرْغَبُوا في جَمِيعِها، وسُخْطُهُ في المَعاصِي لِيَنْتَهُوا عَنْ جَمِيعِها، وقِيامُ السّاعَةِ في الأوْقاتِ لِيَجْتَهِدُوا في كُلِّ لَحْظَةٍ حَذَرًا مِن قِيامِها، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ النَّفِيسَ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا بِاجْتِهادٍ عَظِيمٍ إظْهارًا لِنَفاسَتِهِ وإعْظامًا لِلرَّغْبَةِ فِيهِ وإيذانًا بِالسُّرُورِ بِهِ، لَكِنْ جَعَلَ السُّورَةَ ثَلاثِينَ كَلِمَةً سَواءٌ يُرَجِّحُ أنَّهُمُ السّابِعَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي وازاها قَوْلُهُ هي - كَما نُقِلَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الوَرّاقِ.
97:4Page 598
تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ ٤
The angels and the Spirit [i.e., Gabriel] descend therein by permission of their Lord for every matter.1
ولَمّا عَظَّمَها، ذَكَرَ وجْهَ العِظَمِ لِيَكُونَ إعْلامًا بَعْدَ إبْهامٍ وهو أوْقَعُ في النَّفْسِ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿تَنَـزَّلُ﴾ أيْ تَنَزُّلًا مُتَدَرِّجًا هو أصْلًا عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الخِفَّةِ والسُّرْعَةِ بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ ﴿المَلائِكَةُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ العَظِيمُ الَّذِي هو خَيْرٌ كُلُّهُ ﴿والرُّوحُ﴾ أيْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام، خُصَّهُ بَيانًا لِفَضْلِهِ أوْ هو مَعَ أشْرافِ المَلائِكَةِ أوْ هو خَلْقٌ أكْبَرُ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ هو أمْرٌ تَسْكُنُ إلَيْهِ نُفُوسُ العارِفِينَ ويَحْصُلُ بِهِ اليُمْنُ والبَرَكَةُ ﴿فِيها﴾ وأشارَ إلى خَفاءِ ذَلِكَ التَّنَزُّلُ بِإسْقاطِ تاءِ التَّنَزُّلِ [مَعَ] ما تَقَدَّمَ مِنَ الإشاراتِ، ودَلَّ عَلى زِيادَةِ البَرَكَةِ في (p-١٨١)ذَلِكَ التَّنَزُّلِ وعَظِيمِ طاعَةِ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ بِعِلْمِ المُحْسِنِ إلَيْهِمُ المُرَبِّي لَهم وتَمْكِينِهِ، وتُنْزِلُهم إلى الأرْضِ أوِ السَّماءِ الدُّنْيا أوْ تُقَرِّبُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، مُتَبَدِّئٌ تَنَزُّلَهم ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ أيِ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي يُفَرِّقُونَ فِيها بِإذْنِ [اللَّهِ] تَفاصِيلُ الأُمُورِ الَّتِي يُرِيدُها سُبْحانَهُ في ذَلِكَ العامِ في أوْقاتِها مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ، أوْ مِن أجْلِ تَقْدِيرِ كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ في تِلْكَ السَّنَةِ، وعَبَّرَ عَنِ الشَّيْءِ بِالأمْرِ إعْلامًا بِأنَّهم لا يَفْعَلُونَ شَيْئًا إلّا بِأمْرِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الفَضائِلَ، كانَتِ النَّتِيجَةُ أنَّها مُتَّصِفَةٌ بِالسَّلامَةِ التّامَّةِ كاتِّصافِ الجَنَّةِ - الَّتِي هي سَبَبُها - بِها، فَكانَ ذَلِكَ أدُلُّ عَلى عَظَمَتِها فَقالَ تَعالى: ﴿سَلامٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ جِدًّا ﴿هِيَ﴾ أيْ ما هي إلّا سَلامَةٌ وخَيْرٌ لَيْسَ فِيها شَرٌّ، ولا يَزالُ ذَلِكَ السَّلامُ والبِرْكَةُ فِيها ﴿حَتّى﴾ أيْ إلى ﴿مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ أيْ طُلُوعِهِ ووَقْتِ طُلُوعِهِ ومَوْضِعِ طُلُوعِهِ، لا يَكُونُ فِيهِ شَرٌّ كَما في غَيْرِ لَيْلَتِها، فَلا تَطْلُعُ الشَّمْسُ في صَبِيحَتِها بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطانِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ سِرُّ قِراءَةِ الكِسائِيِّ [بِالكَسْرِ] - واللَّهُ أعْلَمُ، واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بـ ”حَتّى“ دُونَ ”إلى“ لِيَفْهَمَ أنَّ لَمّا بَعْدَها حُكْمُ ما قَبْلَها، فَيَكُونُ المَطْلَعُ في حُكْمِ اللَّيْلَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَنْزِلُ لَيْلَةَ القَدْرِ في كَوْكَبَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ ومَعَهُ لِواءٌ أخْضَرُ يُرَكِّزُهُ (p-١٨٢)فَوْقَ الكَعْبَةِ، ثُمَّ يُفَرِّقُ المَلائِكَةَ في النّاسِ حَتّى يُسَلِّمُوا عَلى كُلِّ قائِمٍ وقاعِدٍ وذاكِرٍ وراكِعٍ وساجِدٍ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، فَمَن تَأمَّلَ هَذِهِ السُّورَةَ عُلِمَ مِنهُ ما لِلْقُرْآنِ مِنَ العَظَمَةِ فَأقْبَلَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ يَتْلُوهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ كَما أمَرَ في سُورَةِ ”اقْرَأْ“ فَأمِنَ مِن غَيْرِ شَكٍّ مِن هَوْلِ يَوْمِ الدِّينِ المَذْكُورِ في التِّينِ، ومِن تِلاوَتِهِ بِحَقِّهِ تَعْظِيمُ لَيْلَةِ القَدْرِ لِما ذَكَرَ مِن شَرَفِها، وذَلِكَ جازَ إلى الحِرْصِ عَلَيْها في كُلِّ السَّنَةِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَفي كُلِّ رَمَضانَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَفي جَمِيعِ لَيالِي العَشْرِ الأخِيرَةِ مِنهُ، لِيَكُونَ لَهُ مِنَ الأعْمالِ بِسَبَبِ فَضْلِها ومُضاعَفَةِ العَمَلِ فِيها ما لا يُحْصِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ إنَّهُ رُبَّما يَكُونُ خَيْرًا مَن عَمِلَ مَنِ اجْتَهَدَ فِيما قَبْلَنا ألْفَ سَنَةٍ، ورُجُوعُ آخِرِها بِكَوْنِ هَذا التَّنَزُّلِ في لَيْلَةِ القَدْرِ عَلى أوَّلِها في غايَةِ الوُضُوحِ لِأنَّ أعْظَمَ السَّلامِ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ، ولَعَلَّ كَوْنَها ثَلاثِينَ كَلِمَةً إشارَةٌ إلى أنَّ خِلافَةَ النُّبُوَّةِ الَّتِي هي ثَلاثُونَ سَنَةً بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي آخِرُها يَوْمَ نَزَلَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فِيهِ عَنِ الخِلافَةِ لِمُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ سَنَةَ إحْدى وأرْبَعِينَ هي كَلَيْلَةِ القَدْرِ في الزَّمانِ، وما بَعْدَها كَلَيالِي العامِ فِيهِ الفاضِلُ وغَيْرُهُ، وتِلْكَ المُدَّةُ كانَتْ لِخَمْسَةِ خُلَفاءَ أشارَتْ إلَيْهِمْ حُرُوفُ الكَلِمَةِ الأخِيرُ مِنها، فالألِفُ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (p-١٨٣)وهِيَ في غايَةِ المُناسِبَةِ لَهُ، فَإنَّ الرَّبّانِيِّينَ قالُوا: هو اسْمٌ لِلْقائِمِ المُحِيطِ الأعْلى الغائِبِ عَنْ مَقامِهِ لَكِنَّها الحاضِرُ مَعَهُ وُجُودًا كالرُّوحِ، وكَذا كانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حاضِرًا مَعَ الأُمَّةِ بِوُجُودِهِ وهو غائِبٌ عَنْهم بِتَوَجُّهِهِ، وجَمِيعُ قَلْبِهِ إنَّما هو مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واللّامُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهي شَدِيدَةُ المُناسَبَةِ لَهُ فَإنَّها صِلَةٌ بَيْنَ باطِنِ الألِفِ وظاهِرِ المِيمِ الَّذِي هو لِمُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ لِلتَّمامِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ - وصَلَ بَيْنَ السِّيرَيتن وصْلًا تامًّا بِحَيْثُ وصَلَ ضَعْفُ الصِّدِّيقِ في بَدَنِهِ وقُوَّتِهِ في أمْرِ اللَّهِ بِقُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى انْتَظَمَ بِهِ الأمْرُ انْتِظامًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، والفاءُ لِعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو إشارَةٌ لِبَدْءِ خُلُوصِ مِنَّتِهِ لِتَنَقُّلٍ بِمَزِيدٍ أوْ نَقْصٍ، وآيَتُهُ الفِطْرَةُ الأُولى، وآيَتُها المَحْسُوسَةُ اللَّبَنُ أوَّلُ خُرُوجِهِ إذا أصابَهُ أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ الهَواءِ المَمْدُودِ غَيَّرَهُ، وكَذَلِكَ الفِطْرَةُ إذا أصابَها أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ الهَوى المَقْصُودِ غَيَّرَها، وكَذا [كانَ] حالُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، حَصَلَتْ لَهُ آفاتُ الإحْسانِ إلى أقارِبِهِ الَّذِي قادَهُ إلَيْهِ قَوِيمَ فِطْرَتِهِ حَتّى حَصَلَتْ [لَهُ] الآفاتُ الكِبارُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والجِيمُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [وهُوَ] إشارَةٌ إلى الجَمْعِ، والإجْمالُ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَهُ عَنّا وهو أنْسَبُ الأُمُورِ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّهُ حَصَلَ بِهِ الجَمْعُ بَعْدَ (p-١٨٤)الِافْتِراقِ العَظِيمِ بِقَتْلِ [ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ ] عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَهِيدًا مَظْلُومًا، وحَصَلَ بِهِ الإجْمالُ لَكِنْ لَمْ يَتِمَّ التَّفْصِيلُ بِسَبَبِ ما حَصَلَ مِنَ العِنادِ، والرّاءُ إشارَةٌ إلى الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهي تَطْوِيرٌ وتَصْيِيرٌ وتَرْبِيَةٌ، وهي لِكُلِّ مُرَبٍّ مِثْلَ زَوْجِ المَرْأةِ وسَيِّدِ العَبْدِ، ولِذَلِكَ فَعَلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا رَأى المُلْكَ يَهْلَكُ بِقَتْلِ المُسْلِمِينَ رَبّاهُ بِنُزُولِهِ عَنِ الأمْرِ لِمُعاوِيَةَ، فَكانَ كالسَّيِّدِ أذِنَ لِعَبْدِهِ ورُبِّي أمَرُهُ بِهِ، وقَدْ سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَيِّدًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، [واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences