Al-Biqa'iYunus · 10:28–36

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:28–36

10:28Page 212

وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ ٢٨

And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allāh, "[Remain in] your place, you and your 'partners.'"1 Then We will separate them,2 and their "partners" will say, "You did not used to worship us,3

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ مَآلَ الفَرِيقَيْنِ، نَبَّهَ عَلى بَعْضِ مُقَدِّماتِ ذَلِكَ المانِعَةِ أنْ يَشْفَعَ أحَدٌ مِن غَيْرِ إذْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ﴾ أيْ: وفَرَّقْنا بَيْنَهم لِأنَّهُ لا أنْسابَ هُناكَ ولا أسْبابَ فَلا تَناصُرَ يَوْمَ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أيِ الفَرِيقَيْنِ: النّاجِينَ والهالِكِينَ العابِدِينَ مِنهم والمَعْبُودِينَ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿جَمِيعًا﴾ ثُمَّ يُقْطَعُ ما بَيْنَ المُشْرِكِينَ وشُرَكائِهِمْ فَلا يَشْفَعُ فِيهِمْ شَيْءٌ مِمّا يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَهُ ولا يَنْفَعُهم بِنافِعَةٍ، بَلْ يُظْهِرُونَ الخُصُومَةَ ويُبارِزُونَ بِالعَداوَةِ وهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٤] وإلى قَوْلِهِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨] والحَشْرُ: الجَمْعُ بِكُرْهٍ مِن كُلِّ جانِبٍ إلى مَوْقِفٍ واحِدٍ؛ وأشارَ سُبْحانَهُ إلى طُولِ وُقُوفِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ: بِنا مَن لَمْ يُشارِكْ في خَلْقِهِمْ؛ وقَوْلِهِ: ﴿مَكانَكُمْ﴾ نَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ النَّحْوِيِّينَ أنَّهم جَعَلُوهُ اسْمًا لِاثْبَتُوا، ورَدَّ (p-١٠٧)عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ تَقْدِيرَهُ بِ «الزَمُوا» لِأنَّهُ مُتَعَدٍّ ويَجِبُ أنْ يُساوى بَيْنَ الِاسْمِ والمُسَمّى في التَّعَدِّي واللُّزُومِ، أيْ: نَقُولُ لَهُمْ: قِفُوا وُقُوفَ الذُّلِّ ﴿أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ حَتّى يَنْفُذَ فِيكم أمْرُنا إظْهارًا لِضَعْفِ مَعْبُوداتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَتَرَجَّوْنَها وتَحْسِيرًا لَهُمْ، فَلا يُمْكِنُهم مُخالَفَةُ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَوَقَفُوا مُوافَقَةً لِلْأمْرِ عَلى حَسَبِ الإرادَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُسَبَّبًا عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَزَيَّلْنا﴾ أيْ: أزَلْنا إزالَةً كَثِيرَةً مُفَرَّقَةً ما كانَ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الوَصْلَةِ والأُلْفَةِ حَتّى صارَتْ عَداوَةً ونُفْرَةً فَقالَ الكُفّارُ: رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أضَلُّونا، وكُنّا نَدْعُو مِن دُونِكَ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ لَهم مُتَبَرِّئِينَ مِنهم بِما خَلَقَ لَهم سُبْحانَهُ مِنَ النُّطْقِ ﴿ما كُنْتُمْ﴾ أيْ: أيُّها المُشْرِكُونَ، وأضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ نَصَّبُوهم بِغَيْرِ أمْرٍ ولا دَلِيلٍ، ولِأنَّهم جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ ﴿إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: تَخُصُّونَنا بِالعِبادَةِ لِأنّا لا نَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُعْبَدُ إلّا مَن يَسْتَحِقُّ الإخْلاصَ في ذَلِكَ بِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ مِن غَيْرِ شَرِيكٍ، ومَن لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لا يَسْتَحِقُّ مُطْلَقَ العِبادَةِ ولا يَصْلُحُ لَها، وكُلُّ عِبادَةٍ فِيها شِرْكٌ لا تُعَدُّ أصْلًا ولا يَرْضى بِها جَمادٌ لَوْ نَطَقَ، فَمَتى نُفِيَ المُقَيَّدُ بِالخُلُوصِ نُفِيَ المُطْلَقُ؛ لِأنَّهُ لا اعْتِدادَ بِهِ أصْلًا، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ ما كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ أحَدٌ، فَنَحْنُ نَظُنُّ أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْنا عابِدٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَخُصَّنا بِذَلِكَ، والشَّخْصُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْفِيَ ما (p-١٠٨)يَظُنُّ نَفْيَهُ، ونَحْنُ لَمْ نَعْلَمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.

10:29Page 212

فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ إِن كُنَّا عَنۡ عِبَادَتِكُمۡ لَغَٰفِلِينَ ٢٩

And sufficient is Allāh as a witness between us and you that we were of your worship unaware."

ولَمّا نَفَوْا ذَلِكَ عَطَفُوا عَلَيْهِ مُسَبِّبِينَ عَنْهُ قَوْلَهُمْ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿شَهِيدًا﴾ أيْ: هو يَكْفِينا كِفايَةً عَظِيمَةً جِدًّا مِن جِهَةِ الشَّهادَةِ الَّتِي \ لا غَيْبَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ ولا مَيْلَ أصْلًا ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ في ذَلِكَ يَشْهَدُ لَنا وعَلَيْنا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا خَبَرًا يُصَحِّحُ نَفْيَهم فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ عِلْمَهُمْ: ﴿إنْ﴾ أيْ: إنّا ﴿كُنّا﴾ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَنا ﴿عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾ لَنا أوْ لِغَيْرِنا مُخْلَصَةً أوْ مَشُوبَةً؛ ولَمّا كانَتْ ”إنْ“ هي المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ تُلِقِّيَتْ بِاللّامِ الفارِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ فَقِيلَ: ﴿لَغافِلِينَ﴾ لِأنَّهُ لا أرْواحَ فِينا، فَلَمْ تَكُنْ بِحَيْثُ نَأْمُرُ بِالعِبادَةِ ونَرْضاها فاللَّوْمُ عَلَيْكم دُونَنا، وذَلِكَ افْتِداءٌ مِن مَوْقِفِ الذُّلِّ أوْ أنَّهم لَمّا تَخَيَّلُوا في الشُّرَكاءِ صِفاتٍ عَبَدُوها لِأجْلِها وكانَتْ خالِيَةً عَنْها صَحَّ النَّفْيُ لِأنَّهم عَبَدُوا ذَواتٍ مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ لا وُجُودَ لَها في الأعْيانِ، وأيْضًا فَإنَّهم ما عَبَدُوا إلّا الشَّياطِينَ الَّتِي كانَتْ تُزَيِّنُ لَهم ذَلِكَ وتُغْوِيهِمْ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] أيْ: مَنَعْناهم مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ التَّواصُلِ والتَّوادِّ المُقْتَضِي لِلتَّناصُرِ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَقالَ المُشْرِكُونَ لِشُرَكائِهِمْ لَمّا أبْطَأ عَنْهم نَصْرُهُمْ: إنّا كُنّا نَعْبُدُكم مِن دُونِ اللَّهِ فَأغْنُوا عَنّا كَما كُنّا نَذُبُّ عَنْكم ونَنْصُرُ دِينَكم ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] (p-١٠٩)أيْ كُشِفَ لَنا اليَوْمَ بِتَفْهِيمِ اللَّهِ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ وأنَّكم لَمْ تَخُصُّونا بِالعِبادَةِ حَتّى يَلْزَمَنا مَنعُكم عَلى أنَّكم لَوْ خَصَصْتُمُونا ما قَدَرْنا عَلى ذَلِكَ كَما قالَ الشَّيْطانُ: ﴿ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] ﴿فَكَفى﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ نَفْيِنا لِذَلِكَ عَلى ما كُشِفَ لَنا مِنَ العِلْمِ أنْ نَقُولَ: كَفى ﴿بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ في ذَلِكَ، يَشْهَدُ أنَّكم لَمْ تَخُصُّوا أحَدًا مِنهُ ومِنّا بِعِبادَةٍ بَلْ كُنْتُمْ مُذَبْذَبِينَ، وهَذا كُلُّهُ إشارَةً إلى أنَّ العِبادَةَ المَشُوبَةَ لا اعْتِدادَ بِها ولا يَرْضاها جَمادٌ لَوْ نَطَقَ، وإنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ العِبادَةَ اسْتَحَقَّ الإخْلاصَ فِيها وأنْ لا يُشْرَكَ بِهِ أحَدٌ، وأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إلّا القادِرُ عَلى كَشْفِ الكَرْبِ والمَنعِ مِن أنْ يَقْطَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُتَوَلِّيهِ وعابِدِهِ قاطِعٌ؛ ولَمّا كانَتْ فائِدَةُ الشّاهِدِ ضَبْطَ ما قَدْ يَنْساهُ المُتَشاهِدانِ، عَلَّلُوا اكْتِفاءَهم بِشَهادَةِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾ في تِلْكَ الأزْمانِ ﴿لَغافِلِينَ﴾ فَأقَرُّوا لَهم بِما هو الحَقُّ مِمّا كانَ يَعْلَمُهُ كُلُّ مَن لَهُ تَأمُّلٌ صَحِيحٌ أنَّهم لَمْ يَشْعُرُوا بِعِبادَتِهِمْ ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ قَبْلَ ساعَتِهِمْ هَذِهِ، فَهم أجْدَرُ الخَلْقِ بِالِاكْتِفاءِ بِشَهادَةِ الشَّهِيدِ لِأنَّهم أسْوَأُ حالًا مِمَّنْ يَعْلَمُ المَشْهُودُ بِهِ ويَخْشى النِّسْيانَ، أوْ يُقالُ: فَقالَ المُشْرِكُونَ لِشُرَكائِهِمْ: إنّا كُنّا نَعْبُدُكم فَهَلْ أنْتُمْ ناصِرُونا أوْ شافِعُونَ لَنا فَنَجُّونا مِمّا وقَعْنا فِيهِ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا﴾ [يونس: ٢٨] (p-١١٠)وحْدَنا ﴿تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] أيْ: ما كُنْتُمْ تُخْلِصُونَ لَنا العِبادَةَ حَتّى يَلْزَمَنا أنْ نُخَلِّصَكم كَما أعْلَمَنا بِذَلِكَ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴿فَكَفى﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ كَفى ﴿بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ في ذَلِكَ، فَكَأنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: قَدْ تَضَمَّنَ كَلامُكم أنّا عَبَدْناكم عَلى غَيْرِ مَنهَجِ الإخْلاصِ، أفَلَيْسَ قَدْ عَبَدْناكُمْ؟ أفَلا تُغْنُونَ عَنّا شَيْئًا؟ فَأجابَ الشُّرَكاءُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾ خالِصَةً كانَتْ أوْ مَشُوبَةً ﴿لَغافِلِينَ﴾ فَلا نَقُرُّ لَكم بِعِبادَةٍ أصْلًا وإنْ تَيَقَّنّا الإخْلاصَ لِسَلْبِ العِلْمِ عَنّا بِما كُنّا فِيهِ مِنَ الجَمادِيَّةِ فَضْلًا عَنْ أنْ نَأْمُرَكم أوْ نَرْضى بِعِبادَتِكم عَلى أنَّهُ لا غِناءَ عِنْدِنا عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ؛ أوْ يُقالُ - وهو أحْسَنُ مِمّا مَضى -: ﴿وقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] لَمّا تَحَقَّقُوا العَذابَ طَلَبًا لِأنْ يُخَفَّفَ عَنْهم مِنهُ بِتَوْزِيعِهِ عَلَيْهِمْ وعَلى كُلِّ مَن عَبَدُوهُ مِن غَيْرِهِمْ ﴿ما كُنْتُمْ﴾ [يونس: ٢٨] أيُّها العابِدُونَ لَنا ﴿إيّانا﴾ [يونس: ٢٨] أيْ: خاصَّةً ﴿تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] بَلْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أيْضًا غَيْرَنا، وهَذا يَعُمُّ واللَّهِ كُلَّ مَن يُرائِيهِ غَيْرُهُ بِعَمَلٍ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ يُرائِيهِ فَيُقِرُّهُ ولا يُنْكِرُهُ عَلَيْهِ؛ ولَمّا أفْهَمُوا بِنَفْيِ العِبادَةِ بِقَيْدِ الخُصُوصِ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ مَعَهم غَيْرَهُمْ، وكانَ المَخْلُوقُ قاصِرَ العِلْمِ غَيْرَ مُحِيطِهِ بِوَجْهٍ بِأحْوالِ نَفْسِهِ فَكَيْفَ \ يَعْبُدُونَ بِأحْوالِ غَيْرِهِ، سَبَّبُوا عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُمْ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ﴾ أيْ: في أنّا ﴿كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾ أيْ: في الجُمْلَةِ ﴿لَغافِلِينَ﴾ والحاصِلُ أنَّ هَذا تَرْجَمَةُ كَلامِ الكُفّارِ وهو ناشِئٌ مِنهم عَنْ مَحْضِ غَلَبَةٍ ودَهْشٍ وفَرْطِ غَمٍّ ونَدَمٍ وقَلَقٍ، (p-١١١)فَلا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ عَلى الوَجْهِ الأسَدِّ والطَّرِيقِ الأبْلَغِ، فالإعْجازُ في نَظْمِهِ، ومُرادُهم بِهِ أنْ يُخَفَّفَ عَنْهم مِنَ العَذابِ ولَوْ بِمُشارَكَةِ مَن كانُوا يَعْبُدُونَهم مَعَهُمْ، فَهو مِن وادِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] ونَحْوَهُ: ﴿فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ﴾ [الأعراف: ٣٩] - واللَّهُ أعْلَمُ.

10:30Page 212

هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٣٠

There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allāh, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ حالِ المُشْرِكِينَ، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى الِاطِّلاعِ عَلى حالِ غَيْرِهِمْ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا مُخْبِرًا عَنْ كِلا الفَرِيقَيْنِ: ﴿هُنالِكَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَوْقِفِ مِنَ المَكانِ والزَّمانِ العَظِيمِ الأهْوالِ المُتَوالِي الزِّلْزالِ ﴿تَبْلُو﴾ أيْ: تُخْبِرُ وتُخالِطُ مُخالَطَةً مُمِيلَةً مُحِيلَةً ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ طائِعَةً وعاصِيَةً ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ أيْ: قَدَّمَتْ مِنَ العَمَلِ فَيَعْرِفُ هَلْ كانَ خَيْرًا أوْ شَرًّا وهَلْ [كانَ] يُؤَدِّي إلى سَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ.

ولَمّا كانَ مُطْلَقُ الرَّدِّ - وهو صَرْفُ الشَّيْءِ إلى المَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَأ مِنهُ - كافِيًا في الرَّهْبَةِ لِمَن لَهُ لُبٌّ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿ورُدُّوا﴾ أيْ: بِالبَعْثِ بِالإحْياءِ كَما كانُوا أوَّلًا ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فَلَمْ يَكُنْ لَهم قُدْرَةٌ عَلى قَصْدِ غَيْرِهِ ولا الِالتِفاتِ إلى سِواهُ مِن تِلْكَ الأباطِيلِ، بَلِ انْقَطَعَ رَجاؤُهم مَن كُلِّ ما كانُوا يَدْعُونَهُ (p-١١٢)فِي الدُّنْيا، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: بَطَلَ وذَهَبَ وضاعَ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَهم ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ مِن أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ شُرَكاءُ، وتَيَقَّنُوا في ذَلِكَ المَقامِ أنَّ تَوَلِّيَهم لِغَيْرِ اللَّهِ كانَ باطِلًا غَيْرَ حَقٍّ؛ والتَّزْيِيلُ: تَفْرِيقٌ يَزُولُ بِهِ كُلُّ واحِدٍ عَنْ مَكانِهِ، وهو مِن تَفْرِيقِ الجُثَثِ، ولَيْسَ مِنَ الواوِيِّ، بَلْ مِنَ اليائِيِّ، يُقالُ: زِلْتُهُ عَنِ الشَّيْءِ أُزِيلُهُ - إذا فَرَّقْتَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ؛ والكِفايَةُ: بُلُوغُ مِقْدارِ الحاجَةِ في دَفْعِ الأذِيَّةِ أوْ حُصُولِ المَنفَعَةِ؛ والإسْلافُ: تَقْدِيمُ أمْرٍ لِما بَعْدَهُ؛ والرَّدُّ: الذَّهابُ إلى الشَّيْءِ بَعْدَ الذَّهابِ عَنْهُ كالرَّجْعِ؛ والمَوْلى: مَن يَمْلِكُ تَوَلِّيَ أمْرِ مَوْلاهُ.

10:31Page 212

قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣١

Say, "Who provides for you from the heaven and the earth? Or who controls hearing and sight and who brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and who arranges [every] matter?" They will say, "Allāh," so say, "Then will you not fear Him?"

ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ أنَّ شُرَكاءَهم مَرْبُوبُونَ مَقْهُورُونَ، لا قُدْرَةَ لَهم إلّا عَلى ما يُقْدِرُهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وأنَّهُ وحْدَهُ المَوْلى الحَقُّ، وبانَتْ بِذَلِكَ فَضائِحُهُمْ، أتْبَعَهُ ذِكْرَ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ مَذْهَبِهِمْ، فَوَبَّخَهم بِأنَّ وجْهَ السُّؤالِ إلَيْهِمْ عَمّا هم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ ويَدُلُّ قَطْعًا عَلى تَفَرُّدِهِ بِجَمِيعِ الأمْرِ المُوجِبِ مِن غَيْرِ وقْفَةٍ لِاعْتِقادِ تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ [أيْ يا أكْرَمَ خَلْقِنا وأرْفَقَهم بِالعِبادِ] ﴿مَن يَرْزُقُكُمْ﴾ [أيْ يَجْلِبُ لَكُمُ الخَيْراتِ] أيُّها المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ المُدَّعُونَ لِلشَّرِكَةِ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ [أيْ] بِالمَطَرِ وغَيْرِهِ مِنَ المَنافِعِ ﴿والأرْضِ﴾ بِالنَّباتِ وغَيْرِهِ لِتَعِيشُوا ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ﴾ [أيْ] الَّذِي تَسْمَعُونَ بِهِ الآياتِ، ووَحَّدَهُ لِلتَّساوِي فِيهِ في الغالِبِ (p-١١٣)﴿والأبْصارَ﴾ الَّتِي تُبْصِرُونَ بِها ما أنْعَمَ عَلَيْكم بِهِ في خَلْقِها ثُمَّ حَفِظَها في المُدَدِ الطِّوالِ عَلى كَثْرَةِ الآفاتِ فَيَفِيضُها عَلَيْكم لِتَكْمُلَ حَياتُكُمُ الحِسِّيَّةُ بِبَقاءِ الرُّوحِ، والمَعْنَوِيَّةُ بِوُجُودِ العِلْمِ؛ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: سُبْحانَ مَن بَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأسْمَعَ بِعَظْمٍ، وأنْطَقَ بِلَحْمٍ.

فَلَمّا سَألَهم عَنْ أوْضَحِ ما هم فِيهِ وأقْرَبِهِ، نَبَّهَهم عَلى ما قَبْلَهُ مِن بَدْءِ الخَلْقِ فَقالَ: ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ﴾ مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ ﴿مِنَ المَيِّتِ﴾ أيْ: مِنَ النُّطْفَةِ ونَحْوِها ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ﴾ أيْ: [مِنَ] النُّطْفَةِ ونَحْوِها مِمّا لا يَنْمُو ﴿مِنَ الحَيِّ﴾ [أيْ فَيُنْقَلُ مِنَ النَّقْصِ إلى الكَمالِ]؛ ثُمَّ عَمَّ فَقالَ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ: كُلَّهُ التَّدْبِيرَ العامَّ.

ولَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِالرِّزْقِ وما مَعَهُ مِنَ الخَلْقِ والتَّدْبِيرِ أخْبَرَ عَنْ جَوابِهِمْ إذا سُئِلُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: مُسَمّى هَذا الِاسْمِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ بِالحَياةِ والقَيُّومِيَّةِ بِخِلافِ ما سَيَأْتِي مِنَ الإعادَةِ والهِدايَةِ ﴿فَقُلْ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنّا نَقُولُ لَكَ: قُلْ لَهم مُسَبَّبًا عَنْ جَوابِهِمْ هَذا الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في عَدَمِ التَّقْوى: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ: تَجْعَلُونَ وِقايَةً بَيْنَكم وبَيْنَ عِقابِهِ عَلى اعْتِرافِكم بِتَوَحُّدِهِ في رُبُوبِيَّتِهِ وإشْراكِكم غَيْرَهُ في إلَهِيَّتِهِ.

10:32Page 212

فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ٣٢

For that is Allāh, your Lord, the Truth. And what can be beyond truth except error? So how are you averted?

ثُمَّ عَلَّلَ إنْكارَ عَدَمِ تَقْواهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَلِكُمُ﴾ أيِ العَظِيمُ الشَّأْنِ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ، فَكانَتْ هَذِهِ قُدْرَتُهُ وأفْعالُهُ ﴿رَبُّكُمُ﴾ أيِ المُوجِدُ لَكُمُ، المُدَبِّرُ لِأُمُورِكُمُ الَّذِي لا إحْسانَ (p-١١٤)عِنْدَكم لِغَيْرِهِ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الثّابِتَةُ رُبُوبِيَّتُهُ ثَباتًا لا رَيْبَ فِيهِ [لِاجْتِماعِ الصِّفاتِ الماضِيَةِ لَهُ لا لِغَيْرِهِ لِأنَّهُ لا تَكُونُ الرُّبُوبِيَّةُ حَقِيقَةً لِمَن لَمْ تَجْتَمِعْ لَهُ تِلْكَ الصِّفاتُ] ”فَما“ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ يُقالَ لَكُمْ: ما ”ذا بَعْدَ الحَقِّ“ أيِ الَّذِي لَهُ أكْمَلُ الثَّباتِ ﴿إلا الضَّلالُ﴾ فَإنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما - بِما أنْبَأ عَنْهُ إسْقاطُ الجارِّ، ولا يَعْدِلُ عاقِلٌ عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ فَأنّى تُصْرَفُونَ أنْتُمْ عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأنّى﴾ أيْ: فَكَيْفَ ومِن أيِّ جِهَةٍ ﴿تُصْرَفُونَ﴾ [أيْ] أنْتُمْ مِن صارِفٍ ما كائِنًا ما كانَ، عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ.

10:33Page 212

كَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓاْ أَنَّهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٣

Thus the word [i.e., decree] of your Lord has come into effect upon those who defiantly disobeyed - that they will not believe.

ولَمّا كانُوا جَدِيرِينَ عِنْدَ تَقْرِيرِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ وإقْرارِهِمْ بِمَضْمُونِها بِأنْ يَقُولُوا: سَلَّمْنا فَأسْلَمْنا ولا نُصْرَفُ عَنِ الحَقِّ أبَدًا، فَلَمْ يَقُولُوا، كانُوا حَقِيقِينَ بِأنْ يُقالَ [لَهُمْ]: حَقَّتْ عَلَيْكم كَلِمَةُ اللَّهِ لِفِسْقِكم وزَوَغانِكم عَنِ الحَقِّ. فَقِيلَ: هَلْ خُصُّوا بِذَلِكَ؟ فَقِيلَ: بَلْ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الحُقُوقِ العَظِيمِ ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإهْلاكِ أعْدائِكَ: الكَلِمَةُ الواحِدَةُ النّافِذَةُ الَّتِي لا تَرَدُّدَ فِيها، ومَعْنى الجَمْعِ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ أنَّهُ لا شَيْءَ مِن كَلِماتِهِ يُناقِضُ الكَلِمَةَ الَّتِي أوْجَبَتْ عَذابَهُمْ، بَلْ كُلُّها تُوافِقُها فالمُرادُ واحِدٌ، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ أنَّ عَذابَهم دائِمٌ فَإنَّ كَلِماتِهِ لا تَنْفُذُ ﴿عَلى﴾ كُلِّ ﴿الَّذِينَ﴾ فَعَلُوا فِعْلَهم لِأنَّهم ﴿فَسَقُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا [التَّرْكَ لِأمْرِ اللَّهِ وأوْجَدُوا عِصْيانَهُ وفَعَلُوا الخُرُوجَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ و] الخُرُوجَ عَنْ دائِرَةِ الصَّلاحِ، [وهُوَ كَوْنُهم أُمَّةً واحِدَةً إلى دِينِ أبِيهِمْ آدَمَ صَفِيِّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ]؛ (p-١١٥)ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ الحُقُوقَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ مِنهم إيمانٌ أصْلًا، [وعَبَّرَ بِالفِسْقِ المُرادِ بِهِ الكُفْرُ لِأنَّ السِّياقَ لِلْخُرُوجِ عَنْ دائِرَةِ الدِّينِ الحَقِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] وهَذا المَعْنى أحَقُّ بِالتَّعْبِيرِ لِلْفِسْقِ الَّذِي أصْلُهُ الخُرُوجُ عَنْ مُحِيطٍ في قَوْلِهِمْ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عَنْ قِشْرِها - أيْ خَرَجَتْ]، أوْ يَكُونُ المَعْنى: حَقَّتِ الرُّبُوبِيَّةُ لَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا اللَّيْلِ، وهو فِعْلُ هَذِهِ الأُمُورِ المُخْتَتَمَةِ بِالتَّدْبِيرِ المُقْتَضِي لِلْوَحْدانِيَّةِ [لَهُ سُبْحانَهُ] قَطْعًا لِأنَّهُ لَوْ كانَ قادِرٌ يُساوِيهِ في مَقْدُورِهِ لَأمْكَنَ أنْ يُمانِعَهُ، وبَطَلَ أنْ يَكُونَ قادِرًا، وحَقَّ أنَّ مَن زاغَ عَنِ الحَقِّ كانَ في الضَّلالِ كَما حَقَّ هَذا ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ [أيْ ثَبَتَتْ ثَباتًا عَظِيمًا] ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى﴾ كُلِّ ﴿الَّذِينَ﴾ قَضى بِفِسْقِهِمْ مِنهم. [و] ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ تَفْسِيرٌ لِكَلِمَتِهِ الَّتِي حَقَّتْ؛ والرِّزْقُ: جَعْلُ العَطاءِ الجارِي.

10:34Page 213

قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣٤

Say, "Are there of your 'partners' any who begins creation and then repeats it?" Say, "Allāh begins creation and then repeats it, so how are you deluded?"

ولَمّا عُلِمَ أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأمْرِ الهِدايَةِ وما يَتْبَعُها مِنَ الرِّزْقِ والتَّدْبِيرِ أعادَ سُبْحانَهُ السُّؤالَ عَنْها مَقْرُونَةً بِالإعادَةِ تَنْبِيهًا لَهم عَلى ما يَتَعارَفُونَهُ مِن أنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ، فَإنْكارُها مَعَ ذَلِكَ إمّا جُمُودٌ أوْ عِنادٌ، وإنْكارُ المُسَلَّماتِ كُلِّها هَكَذا، وسَوْقُهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ [أبْلَغُ وأوْقَعُ في القَلْبِ] فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ [أيْ] عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ (p-١١٦)والتَّوْبِيخِ لَهم ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ [أيْ] الَّذِينَ زَعَمْتُمُوهم شُرَكاءَ لِي وأشْرَكْتُمُوهم في أمْوالِكم مِن أنْعامِكم وزُرُوعِكم ﴿مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ كَما بَدَأْتُهُ لِيَصِحَّ لَهم ما ادَّعَيْتُمْ مِنَ الشَّرِكَةِ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾

ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ: لَيْسَ فِيهِمْ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وكانَ لِجاجُهم في إنْكارِ الإعادَةِ وعِنادِهِمْ لا يَدْعُهُمُ أنْ يُجِيبُوا بِالحَقِّ، أمَرَهُ بِجَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ: مَهْما أرادَ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وأتى هُنا بِجُزْئَيْ الِاسْتِفْهامِ وكَذا ما يَأْتِي في السُّؤالِ عَنِ الهِدايَةِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ بِخِلافِ ما اعْتَرَفُوا بِهِ، فَإنَّهُ اكْتَفى فِيهِ بِأحَدِ الجُزْأيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] ولَمْ يَقُلْ: يَرْزُقُنا - إلى آخِرِهِ؛ ثُمَّ زادَ في تَبْكِيتِهِمْ عَلى عَدَمِ الإذْعانِ لِذَلِكَ بِالتَّعْجِيبِ مِنهم في قَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: كَيْفَ ومِن أيِّ جِهَةٍ تُصْرَفُونَ بِأقْبَحِ الكَذِبِ عَنْ وجْهِ الصَّوابِ مِن صارِفٍ ما، وقَدِ اسْتَنارَتْ جَمِيعُ الجِهاتِ، ورَتَّبَ هَذِهِ الجُمَلَ أحْسَنَ تَرْتِيبٍ، وذَلِكَ أنَّهُ سَألَهم أوَّلًا عَنْ سَبَبِ دَوامِ حَياتِهِمْ وكَمالِها بِالرِّزْقِ والسَّمْعِ والبَصَرِ وعَنْ بَدْءِ الخَلْقِ في إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وما بَعْدَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى النَّظَرِ في أحْوالِ أنْفُسِهِمْ مُرَتَّبًا عَلى الأوْضَحِ [فالأوْضَحِ.

10:35Page 213

قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٥

Say, "Are there of your 'partners' any who guides to the truth?" Say, "Allāh guides to the truth. So is He who guides to the truth more worthy to be followed or he who guides not unless he is guided? Then what is [wrong] with you - how do you judge?"

فَلَمّا اعْتَرَفُوا بِهِ كُلِّهِ أعادَ السُّؤالَ عَنْ بَدْءِ الخَلْقِ لِيَقْرِنَ بِهِ الإعادَةَ] تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَلَمّا فَرَغَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ (p-١١٧)الجَسَدِ أمَرَهُ أنْ يَسْألَهم عَنْ غايَةِ ذَلِكَ والمَقْصُودِ مِنهُ مِن أحْوالِ الرُّوحِ في الهِدايَةِ الَّتِي في سَبَبِ السَّعادَةِ إمْعانًا في الِاسْتِدْلالِ بِالمَصْنُوعِ عَلى الصّانِعِ عَلى وجْهٍ مُشِيرٍ إلى التَّفْضِيلِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ [أيْ] يا أفْهَمَ العِبادِ وأعْرَفَهم بِالمَعْبُودِ ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ، فَلَمْ تَكُنْ شَرِكَتُهم إلّا لَكم لِأنَّكم جَعَلْتُمْ لَهم حَظًّا مِن أمْوالِكم وأوْلادِكم ﴿مَن يَهْدِي﴾ أيْ: بِالبَيانِ أوِ التَّوْفِيقِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ ﴿إلى الحَقِّ﴾ [فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ لِلْحَقِّ عَلى أقْرَبِ ما يَكُونُ مِنَ الوُجُودِ إعْلامًا].

ولَمّا كانُوا جاهِلِينَ بِالجَوابِ الحَقِّ في ذَلِكَ أوْ مُعانِدِينَ، أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم مُعْرِضًا عَنِ انْتِظارِ جَوابِهِمْ آتِيًا بِجُزْئَيْ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿يَهْدِي﴾ ولَمّا كانَ قادِرًا عَلى غايَةِ الإسْراعِ، عَبَّرَ بِاللّامِ فَقالَ: ﴿لِلْحَقِّ﴾ [إنْ أرادَ، ويَهْدِي إلى الحَقِّ مَن يَشاءُ]، لا أحَدَ مِمَّنْ زَعَمُوهم شُرَكاءَ، فالِاشْتِغالُ بِشَيْءٍ مِنها بِعِبادَةٍ أوْ غَيْرِهِا جَهْلٌ مَحْضٌ واخْتِلالٌ في المِزاجِ كَبِيرٌ، [فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ؛ ذَكَرَ ﴿إلى الحَقِّ﴾ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، و﴿لِلْحَقِّ﴾ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا]، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ إنْكارُ أتْباعِهِمْ لَهم فَقالَ: ﴿أفَمَن يَهْدِي﴾ أيْ: مُنْتَهِيًا في هُداهُ ولَوْ عَلى بُعْدٍ ﴿إلى الحَقِّ﴾ أيِ الكامِلِ الَّذِي لا زَيْغَ فِيهِ بِوَجْهٍ [ولَوْ عَلى أبْعَدِ الوُجُوهِ] (p-١١٨)﴿أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ﴾ أيْ: بِغايَةِ الجُهْدِ ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ أيْ: يَهْتَدِي فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِيَ غَيْرَهُ إلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أصْلًا ورَأْسًا؛ وإدْغامُ تاءِ الِافْتِعالِ لِلْإيماءِ إلى انْتِفاءِ جَمِيعِ أسْبابِ الهِدايَةِ حَتّى أدانِيها، فَإنَّ التّاءَ عِنْدَ أرْبابِ القُلُوبِ مَعْناها انْتِهاءُ التَّسَبُّبِ إلى أدْناهُ ﴿إلا أنْ يُهْدى﴾ أيْ: يَهْدِيَهُ هادٍ غَيْرُهُ كائِنًا مَن كانَ، وهَذا يَعُمُّ كُلَّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مَن يَعْقِلُ ومِمَّنْ لا يَعْقِلُ؛ فَلَمّا أتَمَّ ذَلِكَ عَلى هَذا النَّهْجِ القَوِيمِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أتُجِيبُونَ أمْ تَسْكُتُونَ؟ وإذا أجَبْتُمْ أتُؤْثِرُونَ الحَقَّ فَتَرْجِعُوا عَنِ الضَّلالِ أمْ تُعانِدُونَ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ سُؤالُهم عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ ﴿لَكُمْ﴾ في فِعْلِ غَيْرِ الحَقِّ مِن كَلامٍ أوْ سُكُوتٍ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَبْكِيتًا آخَرَ فَقالَ: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ فِيما سَألْناكم عَنْهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْفى عَلى عاقِلٍ، أبِالباطِلِ أمْ بِالحَقِّ؟ فَقَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ؛ والبَدْءُ: العَقْلُ الأوَّلُ؛ والإعادَةُ: إيجادُ الشَّيْءِ ثانِيًا؛ والهِدايَةُ: التَّعْرِيفُ بِطَرِيقِ الرُّشْدِ مِنَ الغَيِّ.

10:36Page 213

وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّاۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٣٦

And most of them follow not except assumption. Indeed, assumption avails not against the truth at all. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.

ولَمّا أخْبَرَ بِإقْرارِهِمْ عَنْ بَعْضِ ما يَسْألُونَ عَنْهُ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِما لَوَّحَ إلى إنْكارِهِمْ أوْ سُكُوتِهِمْ عَنْ بَعْضِهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِشُرَكائِهِمْ، عَطَفَ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ [يونس: ٣١] وما لَوَّحَ إلَيْهِ مِن ”فَسَيُنْكِرُونَ“ أوْ ”فَسَيَسْكُتُونَ“ قَوْلَهُ: ﴿وما يَتَّبِعُ﴾ أيْ: بِغايَةِ الجُهْدِ ﴿أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: في نُطْقِهِ أوْ سُكُوتِهِ في عِبادَتِهِ لِلْأصْنامِ وقَوْلِهِ: إنَّها شُفَعاءُ، وغَيْرِ ذَلِكَ (p-١١٩)﴿إلا ظَنًّا﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم إنَّما هم مُقَلِّدُونَ وتابِعُونَ لِلْأهْواءِ.

ولَمّا كانَ الظَّنُّ لا يُنْكَرُ اسْتِعْمالُهُ في الشَّرائِعِ، نَبَّهَ عَلى أنَّ مَحَلَّهُ إنَّما هو حَيْثُ لا يُوجَدُ نَصٌّ عَلى المَقْصُودِ، فَيُقاسُ حِينَئِذٍ عَلى النُّصُوصِ بِطَرِيقِهِ، وأمّا إذا وُجِدَ القاطِعُ في حُكْمٍ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَقالَ تَعالى في جَوابِ مَن يَقُولُ: أوَلَيْسَ الظَّنُّ مُسْتَعْمَلًا في كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ؟: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي﴾ أيْ: أصْلًا ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ أيِ الكامِلِ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: بَدَلَهُ، ويَكُونُ بَدَلَ الحَقِّ إلّا إذا كانَ تابِعُهُ مُخالِفًا فِيهِ لِقاطِعٍ يَعْمَلُهُ.

ولَمّا صارَ ظُهُورُ الفَرْقِ ضَرُورِيًّا، أوْقَعَ تَهْدِيدَ المُتَمادِي في غَيِّهِ في جَوابٍ «مَن» كَأنَّهُ قالَ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ خَفِيٍّ عَنْهم ولَكِنَّهم يَسْتَكْبِرُونَ فَلا يَرْجِعُونَ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ العِلْمِ ﴿بِما يَفْعَلُونَ﴾ فاصْبِرْ فَلَسَوْفَ يَعْمَلُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском