Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Hud 11:96–105
11:96Page 232
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٩٦
And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1
ولَمّا كانَ شُعَيْبٌ خَتَنَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، كانَ ذِكْرُ قِصَّتِهِ هُنا (p-٣٦٨)مُتَوَقَّعًا مَعَ ما حَرَّكَ إلى تَوَقُّعِها مِن ذِكْرِ كِتابِهِ أوَّلَ السُّورَةِ وما في عَصا مُوسى مِن مُناسَبَةِ ناقَةِ مَن خُتِمَ بِالتَّشْبِيهِ بِحالِهِمْ، فَذَكَرَها بَعْدَها مُفْتَتِحًا لَها بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ فَقالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ فَعَلَ فِعْلَ قُرَيْشٍ في الإدْبارِ عَنِ الآياتِ العَظِيمَةِ ولَمْ يَتْرُكْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْئًا مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ مِن إنْذارِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أعادَ الفِعْلَ وأبْرَزَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى باهِرِ مُعْجِزاتِهِ ﴿مُوسى بِآياتِنا﴾ أيِ المُعْجِزاتِ الَّتِي أظْهَرَها ﴿وسُلْطانٍ﴾ أيْ: أمْرٍ قاهِرٍ لِلْقِبْطِ، والظّاهِرُ أنَّهُ حِكايَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ عَلى ما كانَ لَهُ مِنَ السَّطْوَةِ والتَّحَرُّقِ عَلَيْهِ ﴿مُبِينٍ﴾ أيْ: بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ، وهو في قُوَّةِ بَيانِهِ كَأنَّهُ مُبِينٌ لِغَيْرِهِ ما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ، والآيَةُ تَعُمُّ الأمارَةَ والدَّلِيلَ القاطِعَ، والسُّلْطانُ يَخُصُّ القاطِعَ، والمُبِينُ [يَخُصُّ] ما فِيهِ جَلاءٌ
11:97Page 232
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ فِرۡعَوۡنَۖ وَمَآ أَمۡرُ فِرۡعَوۡنَ بِرَشِيدٖ ٩٧
To Pharaoh and his establishment, but they followed the command of Pharaoh, and the command of Pharaoh was not [at all] discerning.
﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ طاغِيَةِ القِبْطِ ﴿ومَلَئِهِ﴾ أيْ: أشْرافِ قَوْمِهِ الَّذِينَ تَتَبَّعَهُمُ الأذْنابُ، لِأنَّ القَصْدَ الأكْبَرَ رَفْعُ أيْدِيهِمْ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ.
ولَمّا كانَ النّاصِحُ لِنَفْسِهِ مَن لا يَتْبَعُ أحَدًا إلّا فِيما يَعْلَمُ أنَّهُ صَوابٌ، قالَ مُعَجِّبًا مِنَ المَلَأِ مُشِيرًا إلى سُرْعَةِ تَكْذِيبِهِمْ بِالبَيِّناتِ واتِّباعِهِمْ فِيما ضَلالُهُ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ مُسْكَةٌ: ﴿فاتَّبَعُوا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الأمْرِ الباهِرِ أنْ عَصى فِرْعَوْنُ وحَمَلَ مَلْؤُهُ أنْفُسَهم عَلى أنْ تَبِعُوا لِإرادَتِنا ذَلِكَ (p-٣٦٩)مِنهم ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ [أيْ: كُلَّ ما يَفْهَمُونَ عَنْهُ أنَّهُ يَهْواهُ ويَأْمُرُهُ بِهِ] وتَبِعَهُمُ السَّفَلَةُ فَأطْبَقُوا عَلى المُنابَذَةِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ \ أيْ: سَدِيدٍ، مَعَ أنَّ في هَذا التَّعْقِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ ثَمُودَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِآيَتَيِ النّاقَةِ والعَصا إشارَةً إلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ المَذْكُورِ أوَّلَ السُّورَةِ المُوجِبِ خَوْفُهُ لِكُلِّ خَيْرٍ كَما أنَّ ذَلِكَ أيْضًا كانَ مِن فَوائِدِ تَعْقِيبِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ لِقِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، واقْتَصَرَ هُنا عَلى ذِكْرِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ القِصَصِ - كَما تَقَدَّمَ - التَّثْبِيتُ في المُكافَحَةِ بِإبْلاغِ الإنْذارِ وإنِ اشْتَدَّتْ كَراهِيَةُ المُبَلِّغِينَ وقَلَّ المُتَّبِعُ مِنهُمْ، وأنْ لا يُتْرَكَ شَيْءٌ مِنهُ خَوْفَ إصْرارِهِمْ أوْ إدْبارِهِمْ ولا رَجاءَ إقْبالِهِمْ وكَثْرَةِ مُؤْمِنِيهِمْ، وهَذِهِ حالُ آلِ فِرْعَوْنَ، وأمّا بَنُو إسْرائِيلَ فَإنَّهم لَمْ يَتَوَقَّفُوا إلّا خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ أطْبَقَ كُلُّهم عَلى الإتْباعِ، ثُمَّ صارُوا بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ قَلِيلٍ يُبَدِّلُونَ لا كَراهِيَةً لِلْإنْذارِ بَلْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ وعَجائِبِ المَقْدُورِ كَما بُيِّنَ في قَصَصِهِمْ؛ والمَلَأُ: الأشْرافُ الَّذِينَ تَمْلَأُ الصُّدُورَ هَيْبَتُهم عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ؛ والِاتِّباعُ: طَلَبُ الثّانِي لِلتَّصَرُّفِ بِتَصَرُّفِ الأوَّلِ في أيِّ جِهَةِ أخْذٍ، وقَدْ يَكُونُ عَنْ كُرْهٍ بِخِلافِ الطّاعَةِ؛ والأمْرُ: الإيجابُ بِصِيغَةِ ”افْعَلْ“ وهو يَتَضَمَّنُ إرادَةَ المَأْمُورِ بِهِ في الجُمْلَةِ، وقَدْ لا يُرادُ امْتِثالُ عَيْنِ (p-٣٧٠)المَأْمُورِ؛ والرَّشِيدُ: القائِدُ إلى الخَيْرِ الهادِي إلَيْهِ.
11:98Page 233
يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ ٩٨
He will precede his people on the Day of Resurrection and lead them into the Fire; and wretched is the place to which they are led.
ثُمَّ أوْضَحَ عَدَمَ رُشْدِ أمْرِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ أيِ الَّذِينَ كانَ لَهم قُوَّةُ المُدافَعَةِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ويَكُونُونَ لَهُ تَبَعًا كَما كانُوا في الدُّنْيا، وأشارَ بِإيرادِ ما حَقُّهُ المُضارِعُ ماضِيًا إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ تَحَقُّقَ ما وقَعَ ومَضى فَقالَ: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ أيْ: كَما أوْرَدَهم في الدُّنْيا غِطاءَها وهو البَحْرُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَبِئْسَ الوارِدُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ بَيانَ الفِعْلِ والمَفْعُولِ فَقالَ: ﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ كَما كانَ البَحْرُ إذْ ورَدُوهُ أقْبَحَ وِرْدٍ ورَدَهُ إنْسانٌ، لِأنَّ الوِرْدَ يُرادُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، وهَذا يُفِيدُ ضِدَّ ذاكَ.
11:99Page 233
وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ ٩٩
And they were followed in this [world] with a curse and on the Day of Resurrection. And wretched is the gift1 which is given.
ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ مَوْصُوفًا بِعِظَمِ الحالِ وكَثْرَةِ الجُنُودِ والأمْوالِ وضَخامَةِ المَمْلَكَةِ، حَقَّرَ تَعالى دُنْياهُ بِتَحْقِيرِ جَمِيعِ الدُّنْيا الَّتِي هي مِنها بِإسْقاطِها في الذِّكْرِ اكْتِفاءً بِالإشارَةِ إلَيْها ولَمْ يُثْبِتْها كَما في قِصَّةِ عادٍ فَقالَ: ﴿وأُتْبِعُوا﴾ بِبِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَنكِيَّ الفِعْلُ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿فِي هَذِهِ﴾ أيِ الحَياةِ الخَسِيسَةِ ﴿لَعْنَةً﴾ فَهم يُلْعَنُونَ فِيها مِن كُلِّ لاعِنٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ مَن أهْلِ المِلَلِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى مَن حَسَّنَ حالَهم وارْتَضى ضَلالَهم لِإضْلالِ العِبادِ مِن أهْلِ الإلْحادِ بِفِتْنَةِ الِاتِّحادِ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْضًا يَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ، حَتّى أهْلُ الِاتِّحادِ الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما يَحِقُّ أنْ يَقُولَهُ سامِعُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ أيِ التَّبَعُ المَتْبُوعُ والعَوْنُ (p-٣٧١)المُعانُ، فَإنَّ اللَّعْنَةَ تابِعَةٌ لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا ومَتْبُوعَةٌ [بِاللَّعْنَةِ] في الآخِرَةِ والعَذابُ رِفْدٌ لَها وهي رِفْدٌ لَهُ، ومادَّةُ ”رَفَدَ“ تَدُورُ عَلى التَّبَعِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ لَعْنَهم لا يَزالُ مُتَرادِفًا تابِعًا بَعْضُهُ لِبَعْضٍ، فَكُلُّ لَعْنَةٍ تابِعَةٍ لِشَيْءٍ مِنَ الخِزْيِ: عَذابٌ أوْ لَعْنٌ، مَتْبُوعَةٌ بِلَعْنَةٍ مُضافَةٍ إلَيْها، وسُمِّيَ ذَلِكَ رِفْدًا وهو حَقِيقَةُ العَوْنِ مِن بابِ قَوْلِهِمْ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ.
ومَعْنى ﴿يَقْدُمُ﴾ [هود: ٩٨] أنَّهُ يَكُونُ قُدّامَهم [غَيْرَ] سائِقٍ لَهُمْ، بَلْ هم عَلى أثَرِهِ مُتَلاحِقِينَ، فَيَكُونُ دُخُولُهم إلى النّارِ مَعًا؛ والقِيامَةُ: القَوْمَةُ مِنَ المَوْتِ لِلْحِسابِ؛ والإتْباعُ: طَلَبُ الثّانِي لِلَّحاقِ بِالأوَّلِ كَيْفَ تَصَرَّفَ؛ واللَّعْنُ مِنَ اللَّهِ: الإبْعادُ مِنَ الرَّحْمَةِ بِالحُكْمِ بِذَلِكَ، ومِنَ العِبادِ: الدُّعاءُ بِهِ.
11:100Page 233
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ ١٠٠
That is from the news of the cities, which We relate to you; of them, some are [still] standing and some are [as] a harvest [mowed down].1
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأخْبارُ عَلى غايَةٍ مِنَ التَّحْذِيرِ، لا يَعْرِفُهُ إلّا بالِغٌ في العِلْمِ، كانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْتِ بِها إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِلْعِلْمِ المُشاهَدِ بِأنَّهُ لَمْ يُعانِ عِلْمًا ولا ألَمَّ بِعالِمٍ يَوْمًا، هَذا [مَعَ] ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن أنْواعِ البَلاغَةِ وتَضَمَّنَتْهُ مِن أنْحاءِ الفَصاحَةِ وأوْمَأتْ إلَيْهِ \ بِحُسْنِ سِياقاتِها مِن صُرُوفِ الحِكَمِ وإفادَةِ تَفْصِيلِها مِن فُنُونِ المَعارِفِ، فَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّتْ أنْ يُشارَ إلَيْها بِأداةِ البُعْدِ إيماءً إلى بُعْدِ المَرْتَبَةِ وعُلُوِّ الأمْرِ فَقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ النَّبَأُ العَظِيمُ والخَطْبُ الجَسِيمُ ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ (p-٣٧٢)وأكَّدَ هَذا المَعْنى بِلَفْظِ النَّبَأِ لِأنَّهُ الخَبَرُ فِيهِ عَظِيمُ الشَّأْنِ، ومِنهُ النَّبِيُّ، وأشارَ بِالتَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ إلى أنّا كَما قَصَصْناها عَلَيْكَ في هَذا الحالِ لِلْمَقْصِدِ المُتَقَدِّمِ سَنَقُصُّها عَلَيْكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأغْراضِ في فُنُونِ البَلاغَةِ وتَصارِيفِ الحُكْمِ كَما سَتَرى عِنْدَ قَصِّهِ؛ ثُمَّ أشارَ - بِما أخْبَرَ مِن حَلِّها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنها﴾ أيِ القُرى ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ - إلى أنَّكَ مِثْلَ ما سَمِعْتَ ما قَصَصْنا [عَلَيْكَ] مِن أمْرِها بِأُذُنِكَ ووَعَيْتَهُ بِقَلْبِكَ تُحِسُّها بِعَيْنِكَ بِمُشاهَدَةِ أبْنِيَتِها وآثارِها قائِمَةً ومُسْتَحْصَدَةً، أيْ مُتَهَدِّمَةً لَمْ يَبْقَ مِن بُنْيانِها إلّا بَعْضُ جُدْرانِها.
11:101Page 233
وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ ١٠١
And We did not wrong them, but they wronged themselves. And they were not availed at all by their gods which they invoked other than Allāh when there came the command of your Lord. And they did not increase them in other than ruin.
ولَمّا كانَ فِيما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ القِصَصِ أشَدُّ تَهْدِيدٍ وأعْظَمُ وعِيدٍ لِمَن لَهُ تَبْصِرَةٌ، صَرَّحَ لِغَلِيظِي الأكْبادِ بِأنَّ المُوجِبَ لِلْإيقاعِ بِهِمْ إنَّما هو الظُّلْمُ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى نَحْوِ أنْ يُقالَ: فَعَلْنا بِهِمْ وأنْبَأْناكَ بِهِ: ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ في شَيْءٍ مِنهُ ﴿ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ واعْتَمَدُوا عَلى أنْدادِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنْ جَنابِنا آمَنِينَ مِن عَذابِنا فَأخَذْناهم ﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنِ اعْتِمادِهِمْ عَلى غَيْرِنا أنَّهُ ما ﴿أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي﴾ وصَوَّرَ حالَهُمُ الماضِيَةَ فَقالَ: ﴿يَدْعُونَ﴾ أيْ: دَعَوْها واسْتَمَرُّوا عَلى دُعائِهِمْ لَها إلى حِينِ الأخْذِ، [وبَيَّنَ خِسَّةَ رُتْبَتِها فَقالَ]: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ (p-٣٧٣)صِفاتِ الكَمالِ؛ وذَكَرَ مَفْعُولَ ”أغْنَتْ“ مُعَرَّقًا في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: وإنْ قَلَّ ﴿لَمّا جاءَ أمْرُ﴾ أيْ: عَذابُ ﴿رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِتَأْخِيرِ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ عَنْ أُمَّتِكَ وجَعَلَكَ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ ﴿وما زادُوهُمْ﴾ في أحْوالِهِمُ الَّتِي كانَتْ لَهم قَبْلَ عِبادَتِهِمْ إيّاها ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أيْ: إهْلاكٍ وتَخْسِيرٍ، فَإنَّهم كانُوا في عِدادِ مَن يُرْجى فَلاحُهُ، فَلَمّا تَوَرَّطُوا في عِبادَتِها ونَشِبُوا في غَوايَتِها وبَعُدُوا عَنِ الِاسْتِقامَةِ بِضَلالَتِها خَسِرُوا أنْفُسَهُمُ الَّتِي هي رَأْسُ المالِ فَكَيْفَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالأرْباحِ؛ والقَصُّ: إتْباعُ الأثَرِ، فَهو هُنا الإخْبارُ بِالأُمُورِ الَّتِي يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا؛ والدُّعاءُ: طَلَبُ الطّالِبِ الفِعْلَ مِن غَيْرِهِ، ونِداءُ الشَّيْءِ [بِاسْمِهِ] بِحَرْفِ النِّداءِ، وكِلا الأمْرَيْنِ مُرادانِ؛ و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِن مَنزِلَةٍ أدْنى مِن مَنزِلَةِ عِبادَةِ اللَّهِ لِأنَّهُ مِنَ الأدْوَنِ، وهو الأقْرَبُ إلى جِهَةِ السُّفْلِ؛ والتَّبُّ: الهَلَكُ والخُسْرُ.
11:102Page 233
وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ ١٠٢
And thus is the seizure of your Lord when He seizes the cities while they are committing wrong. Indeed, His seizure is painful and severe.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ رَمْيَ قُلُوبِ العَرَبِ بِما فِيهِ مِن سِهامِ التَّهْدِيدِ لِيُقْلِعُوا عَمّا تَمَكَّنُوا فِيهِ مِن عَمى التَّقْلِيدِ، قالَ تَعالى مُعْلِمًا بِأنَّ الَّذِي أوْقَعَ بِأُولَئِكَ لِظُلْمِهِمْ [و] هو لِكُلِّ ظالِمٍ بِالمِرْصادِ سَواءٌ ظَلَمَ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ العَظِيمِ ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ (p-٣٧٤)ذَكَرَهُ بِوَصْفِ الإحْسانِ ما لَهُ إلَيْهِ مِنَ البِرِّ لِئَلّا يَخافَ عَلى قَوْمِهِ مِن مِثْلِ هَذا الأخْذِ ﴿إذا أخَذَ القُرى﴾ أيْ: أهْلَها وإنْ كانُوا غَيْرَ مَن تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهم وإنْ عَظُمُوا وكَثُرُوا، ولَكِنَّ الإخْبارَ عَنْها أهْوَلُ لِأنَّهُ يُفْهِمُ أنَّهُ رُبَّما يَعُمُّها الهَلاكُ لِأجْلِهِمْ بِشِدَّةِ الغَضَبِ مِن فِعْلِهِمْ كَقُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ».
ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذا الآخِذِ لا يُدانِيهِ مَخْلُوقٌ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَلَكٌ، حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ إتْباعُ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ قاطِعٌ لِلْآمالِ مالِئُ البَدَنِ والرُّوحِ والنَّفْسِ بِالنَّكالِ ﴿شَدِيدٌ﴾ أيْ: صَعْبٌ مُفَتِّتٌ لِلْقُوى، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ هَنا باسِمِ الرَّبِّ \ مُضِيفًا لَهُ إلى المُنَبَّأِ بِهَذِهِ الأنْباءِ مُكَرِّرًا لِذَلِكَ في هَذا المَقامِ الَّذِي رُبَّما سَبَقَ فِيهِ الوَهْمُ إلى أنَّهُ بِاسْمِ الجَبّارِ والمُنْتَقِمِ مَثَلًا ألْيَقُ، إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُرَبِّيكَ أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ في إظْهارِكَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وانْقِيادِ العُظَماءِ لِأمْرِكَ وذُلِّ الأعِزَّةِ لِسَطْوَتِكَ وخَفْضِ الرُّؤُوسِ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ، فَلا تَتَكَلَّفْ أنْتَ شَيْئًا مِن قَصْدِ إجابَتِهِمْ إلى إنْزالِ آيَةٍ أوْ تَرْكِ ما يَغِيظُ مِن إنْذارٍ ونَحْوِ ذَلِكَ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.
11:103Page 233
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ ١٠٣
Indeed in that is a sign for those who fear the punishment of the Hereafter. That is a Day for which the people will be collected, and that is a Day [which will be] witnessed.
ولَمّا كانَ مِمّا جَرَّ هَذِهِ القِصَصَ وهَذِهِ المَواعِظَ تَكْذِيبُهم لِما يُوعَدُونَ (p-٣٧٥)مِنَ العَذابِ النّاشِئِ عَنْ إنْكارِ البَعْثِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ﴾ [هود: ٧] - الآياتِ. أشارَ تَعالى إلى تَحَقُّقِ أمْرِ الآخِرَةِ وأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِهِ رَدًّا لِلْمَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ، وإعْلامًا بِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما تَحَقَّقَ إيقاعُهُ مِن عَذابِ هَذِهِ الأُمَمِ في القُدْرَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِأجْلِ جُحُودِهِمْ أنْ يَكُونَ في شَيْءٍ مِمّا مَضى دَلالَةٌ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ النَّبَأِ العَظِيمِ والقَصَصِ والوَعْظِ بِما يُذْكَرُ ﴿لآيَةً﴾ أيْ: لَعَلامَةً عَظِيمَةً ودَلالَةً بَتَّةً. ولَمّا كانَ وُجُودُ الشَّيْءِ عَدَمًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما لا نَفْعَ لَهُ بِهِ، قالَ: ﴿لِمَن خافَ عَذابَ﴾ يَوْمِ الحَياةِ ﴿الآخِرَةِ﴾ لِأنَّهُ نَفْعٌ خاصٌّ بِهِ، وإنَّما كانَ آيَةً لَهُ لِأنَّهُ إذا نَظَرَ إلى إهْلاكِهِ لِلظّالِمِينَ إهْلاكًا عامًّا بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وإنْجائِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، عَلِمَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُجازِيَ كُلًّا بِما فَعَلَ، فَإذا رَأى أنَّ ظُلْمَهُ كَثِيرِينَ يَمُوتُونَ بِغَيْرِ انْتِقامٍ عَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن يَوْمٍ يُجازِيهِمْ فِيهِ، وهو اليَوْمُ الَّذِي أخْبَرَتْ بِهِ عَنْهُ رُسُلُهُ، وزادَ في الإشارَةِ إلى تَهْوِيلِهِ بِإعادَةِ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ اليَوْمُ العَظِيمُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَذابُ الآخِرَةِ ﴿يَوْمٌ﴾ وأشارَ - إلى يُسْرِ البَعْثِ وسُهُولَتِهِ عَلَيْهِ وأنَّهُ [أمْرٌ ثابِتٌ] لا بُدَّ مِنهُ - بِاسْمِ المَفْعُولِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ﴾ أيْ: لِإظْهارِ العَدْلِ فِيهِ (p-٣٧٦)والفَضْلِ ﴿النّاسُ﴾ أيْ: كُلُّ مَن فِيهِ أهْلِيَّةُ التَّحَرُّكِ والِاضْطِرابِ، وما ثَمَّ يَوْمٌ غَيْرُهُ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أصْلًا.
ولَمّا لَمْ يَسْبِقُهُ يَوْمٌ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ الخَلْقِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ وجَمِيعُ الحَيَواناتِ أحْياءً، وكانَ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِأنْ تُعَدَّ شَهادَةُ غَيْرِهِ عَدَمًا فَقالَ تَعالى: ﴿وذَلِكَ﴾ أيِ اليَوْمُ العَظِيمُ ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أيْ: هو نَفْسُهُ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، فَيَكُونُ تَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ بِدَلالَةِ المَقامِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُشْهَدَ، وتَتَوَفَّرَ الدَّواعِي عَلى حُضُورِهِ لِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الأُمُورِ والأهْوالِ العِظامِ والمَواقِفِ الصَّعْبَةِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ شُغْلٌ إلّا نَظَرُ ما فِيهِ والإحاطَةُ بِحَوادِثِهِ خَوْفَ التَّلافِ ورَجاءَ الخَلاصِ؛ والآيَةُ: العَلامَةُ العَظِيمَةُ لِما فِيها مِنَ البَيانِ عَنِ الأمْرِ الكَبِيرِ؛ والخَوْفُ: انْزِعاجُ النَّفْسِ بِتَوَقُّعِ الشَّرِّ، وضِدُّهُ الأمْنُ وهو سُكُونُ النَّفْسِ بِتَوَقُّعِ الخَيْرِ؛ والعَذابُ: اسْتِمْرارُ الألَمِ.
11:104Page 233
وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٖ مَّعۡدُودٖ ١٠٤
And We do not delay it except for a limited term.
ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهم ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] كانَ كَأنَّهُ قِيلَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: نَحْنُ قادِرُونَ عَلى تَعْجِيلِهِ، وهو - كَما أشَرْنا إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ - عِنْدَنا مَتى شِئْنا في غايَةِ السُّهُولَةِ: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيِ اليَوْمَ أوِ الجَزاءَ مَعَ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى إيجادِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا لأجَلٍ﴾ أيْ: لِأجْلِ انْتِهاءِ أجَلٍ ﴿مَعْدُودٍ﴾ سَبَقَ في الأزَلِ تَقْدِيرُهُ مِمَّنْ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ وكُلُّ شَيْءٍ في حُكْمِهِ، فَهو لا يَخْشى الفَوْتَ؛ ومادَّةُ ”أجَلَ“ بِتَراكِيبِها الأرْبَعَةِ: أجَلَ وجَألَ وجَلَأ ولَجَأ تَدُورُ عَلى المُدَّةِ المَضْرُوبَةِ لِلشَّيْءِ، فالأجَلُ - مُحَرَّكَةً: مُدَّةُ الشَّيْءِ وغايَةُ الوَقْتِ في المَوْتِ وحُلُولِ الدَّيْنِ (p-٣٧٧)مِن تَسْمِيَةِ الجُزْءِ بِاسْمِ الكُلِّ، والتَّأْجِيلُ: تَحْدِيدُ الأجَلِ، ويَلْزَمُهُ التَّأْخِيرُ، ومِنهُ أجِلَ الشَّيْءُ كَفَرِحَ - إذا تَأخَّرَ، والآجِلَةُ: الآخِرَةُ، وأجَلَ الشَّيْءَ - بِالفَتْحِ: حَبْسَهُ ومَنَعَهُ، لِأنَّ الأجَلَ حابِسٌ ومانِعٌ لِلْمُؤَجَّلِ، ومِنهُ أجْلى كَجَمَزى، وهو مَرْعًى لَهم مَعْرُوفٌ كَأنَّهُ لِحُسْنِهِ يُحْبَسُ الرّاعِي فِيهِ، وأجَلَ الشَّرَّ عَلَيْهِمْ: حَناهُ وأثارَهُ وهَيَّجَهُ، ولِأهْلِهِ: كَسَبَ وجَمَعَ واحْتالَ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن لَوازِمِ ذِي الأجَلِ، أوِ المَعْنى أنَّهُ أوْجَدَ أجَلَ ذَلِكَ، وكَمَقْعَدٍ ومُعْظَمٍ: مُسْتَنْقَعُ الماءِ، لِأنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ إحاطَةَ الأجَلِ بِالمُؤَجَّلِ، وأجَلَّهُ فِيهِ تَأْجِيلًا: جَمَعَهُ فَتَأجَّلَ، والمَأْجَلُ: الحَوْضُ يُحْبَسُ فِيهِ الماءُ، وأجَّلُوا ما لَهُمْ: حَبَسُوهُ في المَرْعى، والأجِلُ - بِالكَسْرِ: قَطِيعٌ مِن بَقَرِ الوَحْشِ، تَشْبِيهًا لَهُ في اجْتِماعِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أحْصَنُ لَهُ بِالأجَلِ لِأنَّهُ - كَما قِيلَ - حِصْنٌ حَصِينٌ، والأجِلُ - بِالكَسْرِ أيْضًا: وجَعٌ في العُنُقِ، لِأنَّهُ مِن أسْبابِ حُلُولِ الأجَلِ، وأجَلَهُ: داواهُ مِنهُ، وبِالضَّمِّ جَمْعُ أجِيلٍ لِلْمُتَأخِّرِ ولِلْمُجْتَمِعِ مِنَ الطِّينِ يُجْعَلُ حَوْلَ النَّخْلَةِ، لِإحاطَتِهِ بِها إحاطَةَ الأجَلِ وتَحْصِينَهُ لَها، وتَأجَّلَ القَوْمُ: تَجَمَّعُوا، لِأنَّ التَّجَمُّعَ أحْصَنُ لَهُمْ، وأجَلْ - بِفَتْحَتَيْنِ ثُمَّ سُكُونٍ: جَوابٌ كَنَعَمْ وزْنًا ومَعْنًى إلّا أنَّهُ أحْسَنُ مِنهُ في التَّصْدِيقِ، ونَعَمْ مِنهُ في الِاسْتِفْهامِ، وحَقِيقَةُ ذَلِكَ الإخْبارِ بِأنَّ أجَلَ - أيْ وقْتَ - ذَلِكَ الفِعْلِ المُوجِبِ أوِ المُسْتَفْهَمِ (p-٣٧٨)عَنْهُ قَدْ حَضَرَ، وفَعَلْتُ ذَلِكَ أجْلَكَ - مِن غَيْرِ ”مِن“ - ومِن أجْلِكَ، ومِن أجْلاكَ [ومِن أجَلالِكَ] ويُكْسَرُ في الكُلِّ، أيْ مِن جَلَلِكَ - قالَهُ في القامُوسِ، وقالَ في فَصْلِ الجِيمِ: وفَعَلْتُهُ مِن جُلِّكَ - بِالضَّمِّ - وجَلالِكَ وجَلَلِكَ - مُحَرَّكَةً - وتَجِلَّتِكَ وإجْلالِكَ - بِالكَسْرِ، ومِن أجْلِ إجْلالِكَ ومِن أجْلِكَ بِمَعْنًى - انْتَهى.
وحَقِيقَتُهُ أنْ فَعَلِي مُبْتَدَأٌ مِن أجَلِكَ - بِالتَّحْرِيكِ، أوْ تَكُونُ ”مِن“ سَبَبِيَّةً، أيْ أجَلُكَ سَبَبٌ فِيهِ، ولَوْلا وُجُودُكَ ما فَعَلْتُهُ فَهو لِتَعْظِيمِكَ؛ والمَلْجَأُ واللَّجَأُ - مُحَرَّكَةً: المَعْقِلُ والمَلاذُ، كَأنَّهُ شُبِّهَ بِالأجَلِ، ومِنهُ لَجَأ إلَيْهِ - كَمَنَعَ وفَرَحَ: لاذَ، وألْجَأ أمْرَهُ إلى اللَّهِ: أسْنَدَهُ، وألْجَأ فُلانًا إلى كَذا: اضْطَرَّهُ، والتَّلْجِئَةُ: الإكْراهُ، واللَّجَأُ - مُحَرَّكًا: الضُّفْدَعُ، لِالتِجائِها إلى الماءِ؛ ومِن ذَلِكَ الجَيْألُ - كَصَيْقَلٍ، وجَيْألُ وجَيْألَةُ مَمْنُوعَيْنِ، وجِيلَ بِلا هَمْزِ كُلُّهُ اسْمُ الضَّبْعِ لِكَثْرَةِ لَجائِها إلى وِجارِها، ومِنهُ جَئِلَ - كَفَرِحَ - جَألانًا: عَرِجَ، كَأنَّهُ تَشْبِيهٌ بِمِشْيَتِها، لِأنَّ مِن أسْمائِها العَرْجاءَ، أوْ تَشْبِيهٌ بِمِشْيَةِ الرّاقِي في دُرْجِ المَلْجَأِ، أيِ الحِصْنِ، وكَذا الأُجَّلُ - كَقِنَّبٍ وقُبَّرٍ - وهو ذَكَرُ الأوْعالِ، لِأنَّ قُرُونَهُ كالحِصْنِ لَهُ، وجَيْألَةُ الجُرْحِ: غَثِيثُهُ، وهو مَرْيُهُ، لِأنَّهُ مِن أسْبابِ قُرْبِ الأجَلِ، وكَذا الِاجْئِلالُ - أيِ الفَزَعُ - رُبَّما كانَ سَبَبًا (p-٣٧٩)لِذَلِكَ، ورُبَّما كانَ سَبَبًا لِلْمُبادَرَةِ إلى الحِصْنِ، وجَألَ - كَمَنَعَ: ذَهَبَ وجاءَ، والصُّوفُ: جَمَعَهُ واجْتَمَعَ - لازِمٌ مُتَعَدٍّ، كُلُّهُ مِن لَوازِمِ الأجَلِ بِمَعْنى المُدَّةِ، وجَلَأ بِالرَّجُلِ - كَمَنَعَ: صَرَعَهُ، وبِثَوْبِهِ: رَماهُ، كَأنَّهُ جَعَلَهُ في قُوَّةٍ مَن حَضَرَ أجَلُهُ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ في ضَبْطِ ذَلِكَ: إنَّ المادَّةَ - مَعَ دَوَرانِها عَلى المُدَّةِ - تارَةً تَنْظُرُ إلى نَفْسِ المُدَّةِ، وتارَةً إلى آخِرِها، وتارَةً [إلى] امْتِدادِها وتَأخُّرِها، وتارَةً إلى ما يُدْنِي مِنهُ، وتارَةً إلى مَنفَعَتِها، وتارَةً إلى ما يَلْزَمُ فِيها، فَمِنَ النَّظَرِ إلى نَفْسِ المَدَّةِ: التَّأْجِيلُ بِمَعْنى تَحْدِيدِ الأجَلِ، وهو مُدَّةُ الشَّيْءِ، وفَعَلْتُ هَذا مِن أجْلِكَ، أيْ لَوْلا وُجُودُكَ ما فَعَلْتُهُ، وأجَلْ بِمَعْنى نَعَمْ، أيْ حَضَرَتْ مُدَّةُ الفِعْلِ، ومِنَ النَّظَرِ إلى الآخِرِ: دَنا الأجَلُ - في المَوْتِ والدَّيْنِ، ومِنَ النَّظَرِ إلى التَّأخُّرِ: أجِلَ الشَّيْءُ - إذا تَأخَّرَ، والآجِلَةُ: الآخِرَةُ، ومِنَ النَّظَرِ إلى السَّبَبِ المُدْنِي: الأجِلُ - بِالكَسْرِ - لِوَجَعٍ في العُنُقِ، وجَيْألَةُ الجُرْحِ - لِغَثِيثِهِ أيْ مَرْيِهِ، وجَلَأ بِالرَّجُلِ: صَرَعَهُ وبِثَوْبِهِ: رَماهُ، وأجَلَ الشَّرَّ عَلَيْهِمْ: جَناهُ، أوْ أثارَهُ وهَيَّجَهُ، والِاجْئِلالُ: الفَزَعُ، ومِنَ النَّظَرِ إلى المَنفَعَةِ وهي أنَّ التَّأْجِيلَ الَّذِي هو تَحْدِيدُ الأجَلِ لِلشَّيْءِ مانِعٌ مِن أخْذِهِ دُونَ ما ضُرِبَ لَهُ مِنَ المُدَّةِ: الأجِلُ - بِالكَسْرِ - لِلْقَطِيعِ مِن بَقَرِ الوَحْشِ، وأجَّلَ الشَّيْءَ: حَبَسَهُ ومَنَعَهُ، وأجَلى كَجَمْزى: مَرْعًى (p-٣٨٠)لَهم مَعْرُوفٌ، وتَأجَّلَ القَوْمُ: تَجَمَّعُوا، وجَألَ الصُّوفَ جَمَعَهُ، واللَّجاءُ والمَلْجَأُ: المَعْقِلُ والمَلاذُ، والضُّفْدَعُ لِلُزُومِها مَلْجَأها مِنَ الماءِ، والجَيْألُ لِلضَّبْعِ لِلُزُومِها وِجارَها، ولِذَلِكَ تُسَمّى أُمَّ عامِرٍ، وجَئِلَ - كَفَرِحَ: عَرِجَ، كَأنَّهُ شُبِّهَ بِمِشْيَتِها لِأنَّها تُسَمّى العَرْجاءَ، والأُجَّلُ كَقِنَّبٍ وقُبَّرٍ - لِذَكَرِ الأوْعالِ، لِتَحَصُّنِهِ بِقُرُونِهِ، والأُجُلُ - بِالضَّمِّ: المُجْتَمِعُ مِنَ الطِّينِ يُجْعَلُ حَوْلَ النَّخْلَةِ، والمَآجِلُ: الحَوْضُ يُحْبَسُ فِيهِ الماءُ، ومُسْتَنْقَعُ الماءِ مُطْلَقًا، وأجَّلَهُ تَأْجِيلًا: جَمَعَهُ، ومِنَ النَّظَرِ إلى ما يَلْزَمُ في المُدَّةِ: أجَّلَ لِأهْلِهِ: كَسِبَ وجَمَعَ وجَلَبَ واحْتالَ، وجَألَ - كَمَنَعَ: جاءَ وذَهَبَ؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالأجَلِ هُنا الحِينُ.
11:105Page 233
يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ ١٠٥
The Day it comes no soul will speak except by His permission. And among them will be the wretched and the prosperous.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: يا لَيْتَ شِعْرِي ماذا يَكُونُ حالُ النّاسِ إذا أتى ذَلِكَ الأجَلُ وفِيها الجَبابِرَةُ والرُّؤَساءُ وذَوُو العَظَمَةِ والكُبَراءُ! أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الأجَلُ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِامْتِناعِ بَلْ ولا عَلى مُطْلَقِ الكَلامِ، وحَذَفَ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ الياءَ اجْتِزاءً عَنْها بِالكَسْرَةِ كَما هو فاشٍ في لُغَةِ هُذَيْلٍ، وكانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ شِدَّةَ هَوْلِهِ تَمْنَعُ أهْلَ المَوْقِفِ الكَلامَ أصْلًا في مِقْدارِ ثُلُثَيْهِ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهم في الكَلامِ في الثُّلْثِ الآخَرِ بِدَلالَةِ المَحْذُوفِ وقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ العادَةَ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى أقَلَّ مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ ﴿لا تَكَلَّمُ﴾ ولَوْ أقَلَّ كَلامٍ بِدَلالَةِ حَذْفِ التّاءِ ﴿نَفْسٌ﴾ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ (p-٣٨١)الَّذِي هو يَوْمُ الآخِرَةِ، وهو ظَرْفُ هَذا الأجَلِ وهو يَوْمٌ طَوِيلٌ جِدًّا ذُو ألْوانٍ وفُنُونٍ وأهْوالٍ وشُؤُونٍ، تارَةً يُؤْذَنُ فِيهِ في الكَلامِ، وتارَةً يَكُونُ عَلى الأفْواهِ الخِتامُ، وتارَةً يُسْكِتُهُمُ الخَوْفُ والحَسْرَةُ والآلامُ، وتارَةً يُنْطِقُهُمُ الجِدالُ والخِصامُ ﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِإذْنِ رَبِّكَ المُكَرَّرِ ذِكْرُهُ في هَذِهِ الآياتِ إشارَةً إلى حُسْنِ التَّرْبِيَةِ وإحْكامِ التَّدْبِيرِ.
ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ يَوْمُ عَظَمَةٍ وقَهْرٍ، سُبِّبَ عَنْ تِلْكَ العَظَمَةِ تَقْسِيمُ الحاضِرِينَ فَقالَ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيِ الخَلائِقِ الحاضِرِينَ لِأمْرِهِ ﴿شَقِيٌّ﴾ ثَبَتَتْ لَهُ الشَّقاوَةُ فَيُسِّرَ في الدُّنْيا لِأعْمالِها ﴿وسَعِيدٌ﴾ ثَبَتَتْ لَهُ السَّعادَةُ فَمَشى عَلى مِنوالِها؛ والتَّأْخِيرُ: الإذْهابُ عَنْ جِهَةِ الشَّيْءِ بِالإبْعادِ مِنهُ، وضِدُّهُ التَّقْدِيمُ؛ والأجَلُ: الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِوُقُوعِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ؛ واللّامُ تَدُلُّ عَلى العِلَّةِ والغَرَضِ والحِكْمَةِ بِخِلافِ ”إلى“؛ والشَّقاءُ: قُوَّةُ أسْبابِ البَلاءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences