Al-Biqa'iHud · 11:106–115

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Hud 11:106–115

11:106–107Page 233

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ ١٠٦

As for those who were [destined to be] wretched, they will be in the Fire. For them therein is [violent] exhaling and inhaling.1

خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ١٠٧

[They will be] abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will. Indeed, your Lord is an effecter of what He intends.

ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ هالِكًا مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ تَهْدِيدٍ وتَهْوِيلٍ، بَدَأ تَعالى بِالأشْقِياءِ تَرْتِيبًا لِلنَّشْرِ عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ أيْ: أدْرَكَهُمُ العُسْرُ والشِّدَّةُ ﴿فَفِي النّارِ﴾ أيْ: مَحْكُومٌ لَهم بِأنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ الَّتِي هي النّارُ لَوْ عَلِمْتُمْ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ جِدًّا ﴿وشَهِيقٌ﴾ مِن زَفَرَ - إذا أخْرَجَ نَفَسَهُ بَعْدَ مَدِّهِ إيّاهُ، وشَهِيقٌ - إذا تَرَدَّدَ البُكاءُ في صَدْرِهِ - قالَهُ في القامُوسِ؛ وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ (p-٣٨٢)سُورَةِ الأنْبِياءِ: الزَّفِيرُ خُرُوجُ أنْفاسِهِمْ، والشَّهِيقُ: وُلُوجُ أنْفاسِهِمْ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الزَّفِيرُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، والشَّهِيقُ: الصَّوْتُ الضَّعِيفُ، وعَنِ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ: الزَّفِيرُ أوَّلُ نَهِيقِ الحِمارِ، والشَّهِيقُ آخِرُهُ حِينَ يَفْرَغُ مِن صَوْتِهِ إذا رَدَّهُ في جَوْفِهِ، وسَيَأْتِي كَلامُ الرُّمّانِيِّ في ذَلِكَ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: بِلا انْقِطاعٍ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ جَرْيًا عَلى أسالِيبِ العَرَبِ: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾

ولَمّا كانَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ لا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ وهو قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ما شاءَ﴾ [أيْ مُدَّةً شاءَها؛ فَإنَّهُ لا يَحْكُمُ لَهم بِذَلِكَ فِيها فَلا يَدْخُلُونَها].

ولَمّا كانَ الحالُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُقْتَضِيًا - كَما تَقَدَّمَ - لِتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَمّا أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] - الآيَةَ. مِن ضِيقِ صَدْرِهِ، ولِذَلِكَ أتى بِهَذِهِ القِصَصِ كَما مَضى بَيانُ ذَلِكَ، عَبَّرَ بِاسْمِ الرَّبِّ إشارَةً إلى أنَّهُ يَحْسُنُ إلَيْهِ بِكُلِّ ما يَسُرُّ قَلْبَهُ ويَشْرَحُ صَدْرَهُ فَقالَ: ﴿رَبُّكَ﴾ وقَدْ جَرى النّاسُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ عَلى ظاهِرِهِ ثُمَّ أطالُوا الِاخْتِلافَ في تَعْيِينِ المُدَّةِ المُسْتَثْناةِ، والَّذِي ظَهَرَ لِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لَمّا تَكَرَّرَ الجَزْمُ بِالخُلُودِ في الدّارَيْنِ وأنَّ الشِّرْكَ لا يُغْفَرُ والإيمانَ مُوجِبٌ لِلْجَنَّةِ فَكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ لا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ كَما ظَنَّهُ المُعْتَزِلَةُ لا سِيَّما إذا تُؤَمِّلُ القَطْعُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] مَعَ تَقْيِيدِ غَيْرِهِ بِالمَشِيئَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (p-٣٨٣)جاءَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُعْلِمًا أنَّ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى كَغَيْرِهِ مِنَ الأُمُورِ، لَهُ أنْ يَفْعَلَ في كُلِّها ما يَشاءُ وإنْ جَزَمَ القَوْلَ فِيهِ، لَكِنَّهُ لا يَقَعُ غَيْرُ ما أخْبَرَ بِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: اسْكُنْ هَذِهِ الدّارَ عُمْرَكَ إلّا ما شاءَ زَيْدٌ، وقَدْ لا يَشاءُ زَيْدٌ شَيْئًا، فَكَما أنَّ التَّعْلِيقَ بِدَوامِ السَّماواتِ والأرْضِ غَيْرُ مُرادِ الظّاهِرِ كَذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ لا يَشاءُ اللَّهُ قَطْعَ الخُلُودِ لِأحَدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وسَوْقُهُ هَكَذا أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وأعْظَمُ في تَقْلِيدِ المِنَّةِ، ثُمَّ رَأيْتُ الإمامَ أبا أحْمَدَ البَغَوِيَّ قَدْ ذَكَرَ مَعْنى هَذا آخِرَ ما أوْرَدَهُ في تَفْسِيرِهِ مِنَ الأقْوالِ في الآيَةِ وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومَثَّلَهُ بِأنْ تَقُولَ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّكَ إلّا إنْ أرى، وعَزِيمَتُكُ أنْ تَضْرِبَهُ، وعَزاهُ الطَّحاوِيُّ في بَيانِ المُشْكِلِ إلى أهْلِ اللُّغَةِ مِنهُمُ الفَرّاءُ.

ولَمّا كانَ تَخْلِيدُ الكُفّارِ مِنَ الحُكْمِ بِالقِسْطِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لِأنَّهُ مِن أكْبَرَ تَنْعِيمِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عادَوْهم في اللَّهِ كَما تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ أوَّلَ سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ [يونس: ٤] كانَ رُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَوْ أُخِذَ عَلى ظاهِرِهِ لَمْ يَكُنْ إخْراجُهم مِنَ النّارِ حِينًا، نَفى هَذا التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْكَ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أيْ: لا يَجُوزُ عَلَيْهِ البَدْءُ بِالرُّجُوعِ عَمّا أرادَ ولا المَنعُ عَنْ مُرادِهِ ولا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ مَعَ كَثْرَةِ المُراداتِ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ولا يَلْزَمُهُ لِأحَدٍ شَيْءٌ، بَلْ لَهُ أنْ يُخَلِّدَ العاصِينَ في الجَنَّةِ ويُخَلِّدَ (p-٣٨٤)الطّائِعِينَ في النّارِ، ولَكِنَّهُ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ لِيُعْتَقَدَ لِكَوْنِهِ مِن صِفَةِ الكَمالِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ سُبْحانَهُ ولا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ أيْضًا مَعَ أنَّ في خَتْمِ الآيَةِ بِذَلِكَ تَرْجِيَةٌ لِأهْلِ النّارِ في إخْراجِهِمْ مِنها زِيادَةً في عَذابِهِمْ.

11:108Page 233

۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ ١٠٨

And as for those who were [destined to be] prosperous, they will be in Paradise, abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will - a bestowal uninterrupted.

ولَمّا تَمَّ أمْرُ الأشْقِياءِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَسِيمَهم فَقالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ أيْ: فازُوا بِمَطالِبِهِمْ وتَيَسَّرَ أمْرُهم ﴿فَفِي الجَنَّةِ﴾ أيِ الَّتِي صارَتْ مَعْلُومَةً مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ دائِمًا أبَدًا ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ العَرَبِ في إرادَةِ التَّأْبِيدِ بِلا آخِرَ بِمِثْلِ هَذا ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ما قُلْتُ في الِاسْتِثْناءِ قَوْلُهُ: ﴿عَطاءً﴾ هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أيْ: مَقْطُوعٍ [ولا مَكْسُورٍ ولا مَفْصُولٍ - لِعَطاءٍ مِنَ الأُعْطِيَّةِ ولا مُفَرَّقٍ ولا مُسْتَهانٍ بِهِ]: لِأنَّهم لَوِ انْفَكُّوا مِنَ النَّعِيمِ حَقِيقَةً أوْ مَعْنًى ولَوْ لَحْظَةً لَكانَ مَقْطُوعًا [أوْ مَنقُوصًا]؛ وفي الخَتْمِ بِذَلِكَ مِنَ الجَزْمِ بِالدَّوامِ طُمَأْنِينَةٌ لِأهْلِ الجَنَّةِ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ عَكْسَ ما كانَ لِأهْلِ النّارِ؛ قالَ أبُو الحَسَنِ الرُّمّانِيُّ: والزَّفِيرُ: تَرْدِيدُ النَّفَسِ مَعَ الصَّوْتِ حَتّى تَنْتَفِخَ الضُّلُوعُ، وأصْلُهُ الشِّدَّةُ مِنَ المَزْفُورِ الخَلْقِ، والزَّفْرُ: الحَمْلُ عَلى الظَّهْرِ، لِشِدَّتِهِ، والزَّفْرُ: السَّيِّدُ لِأنَّهُ يُطِيقُ حَمْلَ الشَّدائِدِ، وزَفَرَتِ النّارُ - إذا سَمِعْتَ لَها صَوْتًا في شِدَّةِ تَوَقُّدِها، والشَّهِيقُ: صَوْتٌ فَظِيعٌ يَخْرُجُ مِنَ الجَوْفِ بِمَدِّ النَّفَسِ، وأصْلُهُ الطُّولُ المُفْرِطُ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ (p-٣٨٥)أيْ مُمْتَنِعٌ طُولًا؛ والخالِدُ: الكائِنُ في الشَّيْءِ أبَدًا، والدّائِمُ: الباقِي أبَدًا، ولِهَذا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِالدّائِمِ دُونَ الخالِدِ.

11:109Page 234

فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّمَّا يَعۡبُدُ هَٰٓؤُلَآءِۚ مَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبۡلُۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمۡ نَصِيبَهُمۡ غَيۡرَ مَنقُوصٖ ١٠٩

So do not be in doubt, [O Muḥammad], as to what these [polytheists] are worshipping. They worship not except as their fathers worshipped before. And indeed, We will give them their share undiminished.

ولَمّا أخْبَرَهُ تَعالى بِوُقُوعِ القَضاءِ بِتَمْيِيزِ النّاسِ في اليَوْمِ المَشْهُودِ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى الحُكْمِ المَشْرُوحِ مُرَهِّبًا ومُرَغِّبًا، كانَ ذَلِكَ كافِيًا في الثَّباتِ عَلى أمْرِ اللَّهِ والمُضِيِّ لِإنْفاذِ جَمِيعِ ما أُرْسِلَ بِهِ وإنْ شَقَّ اعْتِمادًا عَلى النُّصْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِحَضْرَةِ تِلْكَ الجُمُوعِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلنَّهْيِ عَنِ القَلَقِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وإنْ جَلَّ وقْعُهُ وتَعاظَمَ خَطْبُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَلا﴾ ولَمّا كانَ ما تَضَمَّنَهُ هَذا التَّقْسِيمُ أمْرًا عَظِيمًا وخَطْبًا جَسِيمًا، اقْتَضى عَظِيمَ تَشَوُّفِ النَّفْسِ وشَدِيدَ شَوْقِها لِعِلْمِ ما سُبِّبَ عَنْهُ، فاقْتَضى ذَلِكَ حَذْفَ النُّونِ مِن ”كانَ“ إيجازًا في الكَلامِ لِلْإسْراعِ بِالإيقافِ عَلى المُرادِ [والإبْلاغِ في نَفْيِ الكَوْنِ عَلى أعْلى الوُجُوهِ] فَقالَ: ﴿تَكُ﴾ [أيْ في حالَةٍ مِنَ الأحْوالِ] ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ والمِرْيَةُ: الشَّكُّ مَعَ ظُهُورِ الدَّلالَةِ لِلتُّهْمَةِ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: لا تَفْعَلْ فِعْلَ مَن هو في مِرْيَةٍ بِأنْ تَضْطَرِبَ مِن أجْلِ ما يَعْبُدُونَ مُواظِبِينَ عَلى عِبادَتِهِمْ مُجَدِّدِينَ ذَلِكَ [فِي] كُلِّ حَيٍّ فَتُنْجِعَ نَفْسَكَ في إرادَةِ مُبادَرَتِهِمْ إلى امْتِثالِ الأوامِرِ في النُّزُوعِ عَنْ ذَلِكَ بِالكَفِّ عَنْ مُكاشَفَتِهِمْ بِغائِظِ الإنْذارِ (p-٣٨٦)والطَّلَبِ لِإجابَةِ مُقْتَرَحاتِهِمْ رَجاءَ الِازْدِجارِ كَما مَضى \ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] - الآيَةَ. وذَلِكَ أنَّ مادَّةَ مَرى - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى الِاضْطِرابِ، وقَدْ يَلْزَمُهُ الطَّرْحُ والفَصْلُ: رَمى يَرْمِي رَمْيًا، والمِرْماةُ: ظِلْفُ الشّاةِ لِأنَّهُ يُطْرَحُ، والرَّمْيُ: قِطَعٌ مِنَ السَّحابِ رِقاقٌ؛ والرِّيمُ: البَراحُ، ما يَرِيمُ يَفْعَلُ كَذا: ما يَزالُ، والرِّيمُ: الدُّرْجُ لِلِاضْطِرابِ فِيها، والقَبْرُ لِنَبْذِهِ في جانِبٍ مِنَ الأرْضِ وطَرْحُ المَيِّتِ فِيهِ، ورِيمَ فُلانٌ بِالمَكانِ: أقامَ بِهِ مُجاوِزًا لِغَيْرِهِ مُنْفَصِلًا عَنْهُ كَأنَّهُ رَمى بِنَفْسِهِ فِيهِ، ورَيَّمَتِ السَّحابَةُ - إذا دامَتْ فَلَمْ تُقْلِعْ، لِأنَّ مِن شَأْنِها رَمْيَ القَطْرِ، ومَرى الضَّرْعَ: مَسَحَهُ لِلْحَلْبِ، والرِّيحُ تُمْرِي السَّحابَ، والمَرْيُ: المَعِدَةُ لِقَذْفِها ما فِيها، والمِرْيَةُ: الشَّكُّ، أيْ تَزَلْزُلُ الِاعْتِقادِ، والمِيرَةُ: جَلْبُ الطَّعامِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَعالى خَبَرًا هو بِمَنزِلَةِ العِلَّةِ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ أيْ: يُوقِعُونَ العِبادَةَ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ ﴿إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ ولَمّا كانَتْ عِبادَتُهم في قَلِيلٍ مِنَ الزَّمَنِ الماضِي أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: أنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ إذا كُشِفَ عَنْها القِناعُ رَجَعُوا، بَلْ لِمَحْضِ تَقْلِيدِ الآباءِ مَعَ اسْتِحْضارِهِمْ لِتَلَبُّسِهِمْ بِالعِبادَةِ كَأنَّهم حاضِرُونَ لَدَيْهِمْ يُشاهِدُونَهم مَعَ العَمى عَنِ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ والحُجَجِ كَما كانَ مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ أخْبارَهم مِنَ الأُمَمِ في تَقْلِيدِ الآباءِ سَواءٌ بِسَواءٍ مَعَ عَظِيمِ شَكِيمَتِهِمْ وشِدَّةِ عَصَبَتِهِمْ لِلْأجانِبِ (p-٣٨٧)فَكَيْفَ بِالأقارِبِ! فَكَيْفَ بِالآباءِ! فَأقِمْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ بِإبْلاغِ جَمِيعِ ما نَأْمُرُكَ بِهِ كَما فَعَلَ مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ أنْباءَهم مِن إخْوانِكَ مِنَ الرُّسُلِ غَيْرَ مُخْطِرٍ في البالِ شَيْئًا مِمّا قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلى أنْ يَنْفُذَ ما نُرِيدُ مِن أوامِرِنا كَما سَبَقَ في العِلْمِ فَلا تَسْتَعْجِلْ فَإنّا نُدَبِّرُ الأمْرَ في سُفُولِ شَأْنِهِمْ وعُلُوِّ شَأْنِكَ كَما نُرِيدُ.

﴿وإنّا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ مِنَ الآجالِ وغَيْرِها وما هو ثابِتٌ ثَباتًا لا يُفارَقُ أصْلًا؛ ولَمّا كانَتِ التَّوْفِيَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى مُجَرَّدِ الإعْطاءِ وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى التَّقْرِيبِ، نَفى هَذا الِاحْتِمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ والنَّصِيبُ: القِسْمُ المَجْعُولُ لِصاحِبِهِ كالحَظِّ؛ والمَنقُوصُ: المِقْدارُ المَأْخُوذُ جُزْءٌ مِنهُ؛ والنَّقْصُ: أخْذُ جُزْءٍ مِنَ المِقْدارِ.

11:110Page 234

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١١٠

And We had certainly given Moses the Scripture, but it came under disagreement. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them. And indeed they are, concerning it [i.e., the Qur’ān], in disquieting doubt.

ولَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ إعْراضَهم عَنِ الإتْباعِ مَعَ ما أتى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ وأُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الكِتابِ، سَلّاهُ بِأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ الحالَ إذا عَمَّ خَفَّ، وابْتَدَأ ذِكْرَهُ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ بِما دَعا إلى تَوَقُّعِهِ مِن قُرْبِ ذِكْرِهِ مَعَ فِرْعَوْنَ مَعَ ذِكْرِ كِتابِهِ أوَّلَ السُّورَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ [أيْ] بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ الجامِعَةَ لِلْخَيْرِ.

ولَمّا كانَ الضّارُّ والمُسَلِّي نَفْسَ الِاخْتِلافِ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ وكَفَرَ بِهِ آخَرُونَ مَعَ أنَّهُ إمامٌ ورَحْمَةٌ (p-٣٨٨)وكَتَبَ سُبْحانَهُ لَهُ فِيهِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وكانَ مُعْجِبًا لِأهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ [كَما اخْتُلِفَ في كِتابِكَ مَعَ إعْجابِهِ لِأهْلِ هَذا الزَّمانِ] وبَيانِهِ لِلْهُدى أتَمَّ بَيانٍ، إشارَةً إلى أنَّ الخَلْقَ مَهْما جاءَهم عَنِ اللَّهِ، وهو لا يَكُونُ إلّا مَصْحُوبًا بِالأدِلَّةِ القاطِعَةِ نَأوْا عَنْهُ واخْتَلَفُوا فِيهِ، ومَهْما تَلَقَّفُوهُ عَنْ آبائِهِمْ تَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ وناضَلُوا عَنْهُ وسَمَحُوا فِيهِ بِالمُهَجِ وإنْ كانَ مُنابِذًا لِلْعُقُولِ، فَكانَ قَوْمُ مُوسى بِاخْتِلافِهِمْ في الكِتابِ كُلَّ قَلِيلٍ يَأْبى فَرِيقٌ مِنهم بَعْضَ أحْكامِهِ ويُرِيدُونَ نَقْضَ إبْرامِهِ كَما سَلَفَ بَيانُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ وسِفْرِ يُوشَعَ إلى أنْ آلَ أمْرُهُمُ الآنَ إلى أنْ صارُوا ثَلاثَ فِرَقٍ: رَبّانِيِّينَ، وقَرابِينَ، وسامِرَةً؛ يُضَلِّلُ بَعْضُهم بَعْضًا، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُعاجِلْهم بِالأخْذِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ كَما فُعِلَ بِمَن قُصَّ أمْرُهُ مِنَ الأُمَمِ لِما سَبَقَ مِن حُكْمِهِ بِتَأْخِيرِهِمْ إلى الأجَلِ المَعْدُودِ، وفَصَلَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ مَعَ ما دَعا إلى تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ أوْقَعَ في التَّسْلِيَةِ وأبْلَغَ في التَّعْزِيَةِ والتَّأْسِيَةِ كَما هو شَأْنُ \ كُلِّ ما أُلْقِيَ إلى المُحْتاجِ شَيْئًا فَشَيْئًا ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ: عَظِيمَةٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُها لِأنَّها مِن كَلامِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ [أيْ] المُحْسِنِ إلَيْكَ وإلَيْهِمْ بِإرْسالِكَ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ ﴿لَقُضِيَ﴾ أيْ: لَوَقَعَ القَضاءُ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ مَنِ اخْتَلَفَ في (p-٣٨٩)كِتابِ مُوسى عاجِلًا، ولَكِنْ سَبَقَتِ الكَلِمَةُ أنَّ القَضاءَ الكامِلَ إنَّما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ في سُورَةِ يُونُسَ ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [يونس: ٩٣] - الآيَةَ.

ولَمّا كانَ الِاخْتِلافُ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ الكُفْرِ بَيَّنَ أنَّهُ بِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ تُنْكِرُ شَكَّها فِيهِ وفِعْلُها فِعْلُ الشّاكِّ: ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ﴾ أيْ: عَظِيمٍ مُحِيطٍ بِهِمْ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القَضاءِ أوِ الكِتابِ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ: مُوقِعٍ في الرَّيْبِ والتُّهْمَةِ والِاضْطِرابِ مَعَ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ الَّتِي مِنها سَماعُ كَلامِ اللَّهِ ورُؤْيَةُ ما كانَ يَتَجَلّى في جَبَلِ الطُّورِ مِنَ الجَلالِ ويَتَبَدّى لَهم في قُبَّةِ الزَّمانِ مِن خارِقِ الأحْوالِ

11:111Page 234

وَإِنَّ كُلّٗا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ رَبُّكَ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١١

And indeed, each [of the believers and disbelievers] - your Lord will fully compensate them for their deeds. Indeed, He is Aware of what they do.

﴿وإنَّ كُلا﴾ مِنَ المُخْتَلِفِينَ في الحَقِّ مِن قَوْمِ مُوسى وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هو عَلى الحَقِّ ومِمَّنْ هو عَلى الباطِلِ؛ و”إنَّ“ عِنْدَ نافِعٍ وابْنٍ كَثِيرٍ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ عامِلَةٌ مَعَ [تَخْفِيفِها] مِنَ الثَّقِيلَةِ في قِراءَةِ غَيْرِهِمُ اعْتِبارًا بِأصْلِها ”لَمّا“ هي في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وعاصِمٍ بِالتَّشْدِيدِ الجازِمَةُ حُذِفَ فِعْلُها - قالَ ابْنُ الحاجِبِ: وهو شائِعٌ فَصِيحٌ، وفي قِراءَةِ غَيْرِهِمْ بِالتَّخْفِيفِ مُرَكَّبَةٌ مِن لامِ الِابْتِداءِ و”ما“ المُؤَكَّدَةِ بِنَفْيِ نَقِيضِ ما أثْبَتَهُ الكَلامُ لِيَكُونَ ثُبُوتُهُ مَعَ نَفْيِ نَقِيضِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ.

ولَمّا كانَ الشَّرْطُ في حَذْفِ الفِعْلِ بَعْدَ ”لَمّا“ الجازِمَةِ أنْ يَكُونَ مِمّا يُتَوَقَّعُ بِوُقُوعِ فِعْلٍ قَبْلَها يَدُلُّ عَلَيْهِ، كانَ التَّقْدِيرُ: يَقْضِ بَيْنَهُمْ، وسَيَقْضِي (p-٣٩٠)وهُوَ مَعْنى ما قُرِنَ بَعْدَها بِلامِ القَسَمِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِإقامَتِكَ عَلى المِنهاجِ الأعْدَلِ والفَضْلِ مِنَ العِبادِ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ لا يَدْعُ مِنها شَيْئًا لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، والسِّياقُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ”ما“ في ”لَمّا“ في قِراءَةِ التَّخْفِيفِ لِلتَّأْكِيدِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ النّافِيَ إذا زِيدَ في سِياقِ الإثْباتِ كانَ كَأنَّهُ نَفْيُ النَّقِيضِ تَأْكِيدًا لِمُثْبَتٍ.

﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ﴾ قَدَّمَ الظَّرْفَ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ ﴿خَبِيرٌ﴾

11:112Page 234

فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢

So remain on a right course as you have been commanded, [you] and those who have turned back with you [to Allāh], and do not transgress. Indeed, He is Seeing of what you do.

فَإذا عَلِمَتْ أنَّ شَأْنَكَ في أُمَّتِكَ شَأْنُ الرُّسُلِ في أُمَمِهِمْ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِاخْتِلافِ في شَأْنِ الرَّسُولِ والكِتابِ كَما جَرَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ وأنَّ الجَزاءَ بِالأعْمالِ كُلِّها لا بُدَّ مِنهُ ﴿فاسْتَقِمْ﴾ أيْ: أوْجِدِ القَوْمَ بِغايَةِ جُهْدِكَ بِسَبَبِ أنَّكَ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وأنَّ الَّذِي أرْسَلَكَ لا يَغْفُلُ عَنْ شَيْءٍ، ومَنِ اسْتَقامَ اسْتُقِيمَ لَهُ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَقْطُوعِ بِهِ أنَّ الآمِرَ لَهُ ﷺ مَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أيْ: كَما اسْتَقامَ إخْوانُكَ مِنَ الأنْبِياءِ في جَمِيعِ الأُصُولِ والفُرُوعِ سَواءٌ كانَ في نَفْسِكَ أوْ في تَبْلِيغِ غَيْرِكَ مُعْتَدِلًا بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ ولا يَضِيقُ صَدْرُكَ مِنَ اسْتِهْزائِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ واقْتِراحِهِمْ لِلْآياتِ وإرادَتِهِمْ أنْ تَتْرُكَ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ مِنَ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ والعَيْبِ لِدِينِهِمْ بَلْ صارِحْهم بِالأمْرِ واتْرُكْهم وأهْواءَهُمْ، نَحْنُ نُدَبِّرُ الأمْرَ كَما نُرِيدُ عَلى حَسَبِ ما نَعْلَمُ.

(p-٣٩١)ولَمّا كانَ الفاصِلُ بَيْنَ [المَعْطُوفِ و] المَعْطُوفِ عَلَيْهِ يَقُومُ مَقامَ تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن﴾ أيْ: ولْيَسْتَقِمْ أيْضًا مَن ﴿تابَ﴾ عَنِ الكُفْرِ مُؤْمِنًا ﴿مَعَكَ﴾ عَلى ما أُمِرُوا تارِكِينَ القَلَقَ مِنَ اسْتِبْطائِهِمْ لِلنُّصْرَةِ كَما رَوى البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ خِبابِ بْنِ الأرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «شَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً في ظِلِّ الكَعْبَةِ وقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْنا: ألا تَدْعُو اللَّهَ لَنا، فَقَعَدَ وهو مُحْمَرٌّ وجْهُهُ فَقالَ: كانَ الرَّجُلُ فِيمَن كانَ قَبْلَكم يُحْفَرُ لَهُ في الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجاءُ بِالمِنشارِ فَيُوضَعُ فَوْقَ رَأْسِهِ فَيَشُقُّ بِاثْنَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ [ويُمْشَطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِن عَظْمٍ أوْ عَصَبٍ وما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ] واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذا الأمْرَ حَتّى يَسِيرَ الرّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخافُ إلّا اللَّهَ والذِّئْبَ عَلى غَنَمِهِ ولَكِنَّكم تَسْتَعْجِلُونَ»؛ «وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ آيَةٌ أشَدُّ ولا أشَقُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ». والِاسْتِقامَةُ: الِاسْتِمْرارُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ.

ولَمّا كانَتْ وسَطًا بَيْنَ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ وكانَ التَّفْرِيطُ لا يَكادُ يَسْلَمُ مِنهُ إلّا الفَرْدُ النّادِرُ، وهو في الأغْلَبِ يُورِثُ انْكِسارَ النَّفْسِ واحْتِقارَها والخَوْفَ مِنَ اللَّهِ، وكانَ الإفْراطُ يُورِثُ إعْجابًا، ورُبَّما (p-٣٩٢)أفْضى بِالإنْسانِ إلى ظَنِّ أنَّهُ شارِعٌ فَيَنْسَلِخُ لِذَلِكَ مِنَ الدِّينِ، طَوى التَّفْرِيطَ ونَهى عَنِ الإفْراطِ فَقالَ: ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ أيْ: تَتَجاوَزُوا الحَدَّ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ أوْ نُهِيتُمْ عَنْهُ بِالزِّيادَةِ إفْراطًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أمَرَكم ونَهاكم لِتَهْذِيبِ نُفُوسِكم لا لِحاجَتِهِ إلى ذَلِكَ ولَنْ تُطِيقُوا أنْ تَقْدِرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. والدِّينُ مَتِينٌ لَنْ يُشادَّهُ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ، فَقَدْ رَضِيَ مِنكم سُبْحانَهُ الِاقْتِصادَ في العَمَلِ مَعَ حُسْنِ المَقاصِدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا تُبْطِرْكُمُ النِّعْمَةُ فَتُخْرِجْكم عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ يُمْنَةً أوْ يُسْرَةً.

11:113Page 234

وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣

And do not incline toward those who do wrong, lest you be touched by the Fire, and you would not have other than Allāh any protectors; then you would not be helped.

ولَمّا نَهى عَنِ الإفْراطِ وهو الزِّيادَةُ تَصْرِيحًا، فَأفْهَمَ النَّهْيَ عَنِ التَّفْرِيطِ، وهو النَّقْصُ عَنِ المَأْمُورِ تَلْوِيحًا مِن بابِ الأوْلى، عَلى ذَلِكَ مُؤَكَّدًا تَنْزِيلًا لِمَن يُفَرِّطُ أوْ يُفْرِطُ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١١٢] قَدَّمَ الظَّرْفَ لِما تَقَدَّمَ مِن تَأْكِيدِ الإبْصارِ ﴿بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] ومادَّةُ ”طَغى“ واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى مُجاوَزَةِ الحَدِّ مَعَ العُلُوِّ، فالغِطاءُ: ما سُتِرَ بِهِ الشَّيْءُ عالِيًا عَلَيْهِ، ولا يَكُونُ ساتِرًا لِجَمِيعِهِ إلّا إذا فَضَلَ عَنْهُ فَتَجاوَزَ حَدَّهُ، وغَطّى اللَّيْلُ - إذا غَشى، وكُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَعَ فَهو غاطٍ. وطَغى السَّيْلُ - إذا جاءَ بِماءٍ كَثِيرٍ، والبَحْرُ: هاجَتْ أمْواجُهُ، (p-٣٩٣)والطُّغْيانُ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ في العِصْيانِ، والغائِطُ والغَيْطُ: المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ ما كانَ كَذَلِكَ وكانَتْ أرْضُهُ طَيِّبَةً كانَتْ لا تَزالُ رَيًّا فَيَعْلُو ما نَبَتَ فِيها ويَخْصُبُ فَيَتَجاوَزُ الحَدَّ في ذَلِكَ، ومِنهُ الغُوطَةُ - لِمَوْضِعٍ بِالشّامِ كَثِيرِ الماءِ والشَّجَرِ.

ولَمّا نَهى عَنِ الإفْراطِ في الدِّينِ، أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنِ التَّفْرِيطِ بِالتَّقْصِيرِ فِيهِ بِسُفُولِ الهِمَمِ [عَلى وجْهٍ عامٍّ، وكانَ الحُبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ مِنهُ أوْثَقَ عُرى الإيمانِ، إشارَةً إلى ضِدِّهِ الَّذِي هو أوْثَقُ عُرى الشَّيْطانِ] فَقالَ: ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾ أيْ: شَيْئًا مِن رُكُونٍ، وقالَ: ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: وُجِدَ مِنهُمُ الظُّلْمُ ولَمْ يَقُلِ الظّالِمِينَ، أيْ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ بِأنْ تَثاقَلَ أنْفُسُكم نَحْوَهم لِلْمَيْلِ إلى أعْمالِهِمْ ولَوْ بِالرِّضى بِهِ والتَّشَبُّهِ بِهِمْ والتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ، وحاصِلُ الآيَتَيْنِ: لا تَظْلِمُوا بِأنْفُسِكم ولا تَسْتَحْسِنُوا أفْعالَ الظّالِمِينَ، وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الرُّكُونَ بِالمَيْلِ اليَسِيرِ، وهو حَسَنٌ مِن جِهَةِ المَعْنى لَكِنِّي لَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وقالَ الرُّمّانِيُّ - وهو أقْرَبُ-: الرُّكُونُ: السُّكُونُ إلى الشَّيْءِ بِالمَحَبَّةِ والِانْصِبابُ إلَيْهِ، ونَقِيضُهُ النُّفُورُ عَنْهُ. وهو عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي في ﴿تَطْغَوْا﴾ [هود: ١١٢] مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، والآيَةُ مُلْتَفِتَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] (p-٣٩٤)﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ رُكُونِكم إلَيْهِمْ مَسُّها لَكم فَلا تَقْدِرُوا عَلى التَّخَلُّصِ مِنها بِنَوْعِ حِيلَةٍ مِن أنْفُسِكُمْ؛ [و] مِن إجْلالِ النَّبِيِّ ﷺ إفْرادُهُ بِالخِطابِ في الأمْرِ بِأفْعالِ الخَيْرِ، والإتْيانُ بِضَمِيرِ الجَمْعِ في النَّهْيِ عَنْ أفْعالِ الشَّرِّ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الإمامُ أبُو حَيّانَ.

ولَمّا كانَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ في قَهْرِهِ وتَحْتَ أمْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وما لَكُمْ﴾ ولَمّا كانَ دُونَ رُتْبَتِهِ تَعالى مِنَ الرُّتَبِ والذَّواتِ ما لا يُحْصِيهِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، أدْخَلَ الجارَّ تَبْعِيضًا فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: يُخَلِّصُونَكم مِن عَذابِهِ لِما تَقَرَّرَ أنَّ ﴿دُونِ﴾ مِنَ الأدْوَنِ وهو الأقْرَبُ إلى جِهَةِ السُّفْلِ؛ والوَلِيُّ: المُخْتَصُّ بِأنَّ مِن شَأْنِهِ تَوَلِّي \ المَعُونَةِ عِنْدَ الحاجَةِ، وأشارَ إلى أنَّ نَصْرَ مَن لا ناصِرَ لَهُ مِنَ اللَّهِ مُحالٌ بِأداةِ البُعْدِ وبِناءٍ لِلْمَفْعُولِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ إذا فاتَكم هَذا وذاكَ فَما أبْعَدَكم مِنَ النُّصْرَةِ!

11:114Page 234

وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤

And establish prayer at the two ends of the day and at the approach of the night. Indeed, good deeds do away with misdeeds. That is a reminder for those who remember.

ولَمّا كانَ العِلْمُ حاصِلًا بِما سَبَقَ مِنَ الحُكْمِ مِن أنَّ الآدَمِيَّ مَحَلُّ العَجْزِ والتَّقْصِيرِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأعْلى مُكَفِّرٍ لِما يُوجِبُهُ العَجْزُ ويَقْضِي بِهِ الفُتُورُ والوَهْنُ مِنَ الصَّغائِرِ وأعَمِّهِ وأجْلَبِهِ لِلِاسْتِقامَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها بَعْدَ الإيمانِ أفْضَلُ العِباداتِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ (p-٣٩٥)أيِ اعْمَلْها عَلى اسْتِواءٍ ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ بِالصُّبْحِ والعَصْرِ كَما كانَ مَفْرُوضًا بِمَكَّةَ في أوَّلِ الأمْرِ قَبْلَ الإسْراءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مَعَ ذَلِكَ الظُّهْرُ لِأنَّها مِنَ الطَّرَفِ الثّانِي ﴿وزُلَفًا﴾ أيْ: طَوائِفَ ودَرَجاتٍ وأوْقاتٍ، جَمْعُ زُلْفَةٍ ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ التَّهَجُّدَ، فَقَدْ كانَ مَفْرُوضًا في أوَّلِ الإسْلامِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ المَغْرِبُ والعِشاءُ مَعَ الوَتْرِ أوِ التَّهَجُّدِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ﴾ أيِ الطّاعاتِ كُلَّها الصَّلاةَ وغَيْرَها المَبْنِيَّةَ عَلى أساسِ الإيمانِ ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الصَّغائِرَ، وأمّا الكَبائِرُ [الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِالفَواحِشِ ونَحْوِهِ] فَقَدْ تَقَدَّمَ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٩٠] أنَّهُ لا يُكَفِّرُها إلّا التَّوْبَةُ لِما فِيها مِنَ الإشْعارِ بِالتَّهاوُنِ بِالدِّينِ، واجْتِنابُها لا يُكَفِّرُ إلّا إذا كانَ عَنْ نِيَّةٍ صالِحَةٍ كَما أفْهَمُهُ صِيغَةُ الِافْتِعالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا﴾ [النساء: ٣١] رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا أصابَ مِنَ امْرَأةٍ قُبْلَةً، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ - الآيَةَ. قالَ الرَّجُلُ: ألِي هَذِهِ؟ قالَ: لِمَن عَمِلَ بِها مِن أُمَّتِي». وهَذا الحَدِيثُ يُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ المَكِّيَّةِ المَدَنِيَّةِ.

ولَمّا تَمَّ هَذا عَلى هَذا الوَجْهِ الأعْلى والتَّرْتِيبِ الأوْلى، قالَ تَعالى (p-٣٩٦)مادِحًا لَهُ لِيُعْرَفَ مِقْدارُهُ فَيُلْزَمَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي الرُّتْبَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والتَّسْلِيَةِ وتَعْلِيمِ الدّاءِ والدَّواءِ لِلْخَلاصِ مِنَ الشَّقاءِ ﴿ذِكْرى﴾ أيْ: ذِكْرٌ عَظِيمٌ ﴿لِلذّاكِرِينَ﴾ أيْ: لِمَن فِيهِ أهْلِيَّةُ الذِّكْرِ والِانْتِباهِ بِهِ بِحُضُورِ القَلْبِ وصَفاءِ الفِكْرِ ونُفُوذِ الفَهْمِ.

11:115Page 234

وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٥

And be patient, for indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good.

ولَمّا كانَ الصَّبْرُ لِلَّهِ عَلى المَكارِهِ أعْلى الطّاعَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿واصْبِرْ﴾ أيْ: لِيَكُنْ مِنكَ صَبْرٌ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي ولا تَتْرُكْ إنْذارَهم بِما أُمِرْتَ بِهِ مَهْما كانَ ولا تَخَفْهُمْ، فَإنَّ العاقِبَةَ لَكَ إذا فَعَلْتَ؛ ولَمّا كانَ مَقامُ الصَّبْرِ صَعْبًا والِاسْتِقامَةُ عَلى المَحْمُودِ مِنهُ خاصَّةً خَطَرًا، وكانَتِ النَّفْسُ - لِما لَها مِنَ الجَزَعِ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْوالِ - كالمُنْكَرَةِ، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ﴾ الصَّبْرَ هو الإحْسانُ كُلَّ الإحْسانِ وإنَّ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لا يُضِيعُ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في وصْفِ الإحْسانِ بِحَيْثُ إنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ كَأنَّهم يَرَوْنَهُ، فَلِذَلِكَ يَهُونُ عَلَيْهِمُ الصَّبْرُ، ولِذَلِكَ لِأنَّ الطّاعَةَ كُلْفَةٌ فَلا تَكُونُ إلّا بِالصَّبْرِ، وكُلُّ ما عَداها فَهو هَوى النَّفْسِ لا صَبْرَ فِيهِ، فالدِّينُ كُلُّهُ صَبْرٌ «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ والنّارُ بِالشَّهَواتِ» ولِذا فُضِّلَ ثَوابُ الصّابِرِ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] والصَّبْرُ المَحْمُودُ: حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ (p-٣٩٧)الخُرُوجِ إلى ما لا يَجُوزُ مِن تَرْكِ الحَقِّ، ونَقِيضُهُ الجَزَعُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎إنْ تَصْبِرا فالصَّبْرُ خَيْرٌ مَغَبَّةً وإنْ تَجْزَعا فالأمْرُ ما تَرَيانِ

وهُوَ مِنَ الصَّبْرِ الَّذِي هو المُرُّ المَعْرُوفُ لِأنَّهُ تَجَرُّعُ مَرارَةِ الحَقِّ بِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الخُرُوجِ إلى المُشْتَهى مَعَ الزّاجِرِ المُعْتَبَرِ مِنَ الشَّرْعِ والعَقْلِ، فَهو أكْرَهُ شَيْءٍ إلى النَّفْسِ، والمُعِينُ عَلَيْهِ ما في اسْتِشْعارِ لُزُومِ الحَقِّ مِنَ العِزِّ والأجْرِ بِالطّاعَةِ والعِلْمِ بِما يَعْقُبُ مِنَ الخَيْرِ في كُلِّ وجْهٍ وعادَةِ النَّفْسِ لَهُ، وقَدْ غَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى الحَقِّ حَتّى لا يَجُوزَ إطْلاقُهُ إلّا فِيهِ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском