Al-Biqa'iYusuf · 12:61–67

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:61–67

12:61Page 242

قَالُواْ سَنُرَٰوِدُ عَنۡهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ ٦١

They said, "We will attempt to dissuade his father from [keeping] him, and indeed, we will do [it]."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا سَنُراوِدُ﴾ أيْ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ حِينَ نَصِلَ ﴿عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ نُكَلِّمُهُ فِيهِ ونُنازِعُهُ الكَلامَ ونَحْتالُ عَلَيْهِ فِيهِ، ونَتَلَطَّفُ في ذَلِكَ، ولا نَدْعُ جُهْدًا؛ ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ - بَعْدَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُصَدِّرَةِ بِالسِّينِ - بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ، فَقالُوا: ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ أيْ ما أمَرَتْنا بِهِ والتَزْمَناهُ، وقَدْ مَضى عِنْدَ ﴿وراوَدَتْهُ﴾ [يوسف: ٢٣] أنَّ المادَّةَ - يائِيَّةٌ وواوِيَّةٌ بِهَمْزٍ وبِغَيْرِ هَمْزٍ - تَدُورُ عَلى الدَّوَرانِ، ومِن لَوازِمِهِ القَصْدُ والإقْبالُ والإدْبارُ والرِّفْقُ والمُهْلَةُ، وقَدْ مَضى بَيانُ غَيْرُ المَهْمُوزِ، وأمّا المَهْمُوزُ فَمِنهُ دَرَأهُ، أيْ دَفْعَهُ - لِأنَّ المَدْفُوعَ يَرُدُّ إلى المَوْضِعِ الَّذِي أتى مِنهُ، [والمُدارَأةُ]: المُدافَعَةُ والمُنازَعَةُ مُطْلَقًا، أيْ سَواءٌ كانَتْ بِرِفْقٍ أوْ بِعُنْفٍ، ثُمَّ كَثُرَتْ فَقَصَرَتْ (p-١٤٨)عَلى المُلايَنَةِ، ويَلْزَمُ مِنَ الدَّفْعِ حُلُولُ المَدْفُوعِ في مَوْضِعٍ لا يُرِيدُهُ بَغْتَةً، ومِنهُ: دَرَأ عَلَيْنا، أيْ خَرَجَ مُفاجَأةً، قالَ القَزّازُ: وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: جاءَ السَّيْلُ دَرَأً، أيْ يَدْرَأُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وهو الَّذِي يَأْتِي مِن مَكانٍ لا يَعْلَمُ بِهِ، وانْدَرَأ فُلانٌ عَلَيْنا بِالشَّرِّ - إذا أتى بِهِ مِن حَيْثُ لَمْ نَدْرِ، والدَّرْءُ: النُّشُوزُ، وهو مِنَ الدَّفْعِ، وكَوْكَبُ دُرِّئٌ: مُتَوَقِّدٌ مُتَلَأْلِئٌ - كانَ نُورُهُ يَدْفَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ومِنهُ دَرَأتِ النّارُ: أضاءَتْ، وانْدَرَأ الحَرِيقُ: انْتَشَرَ، ودَرَأ الشَّيْءُ: بَسَطَهُ - لِأنَّ المَبْسُوطَ لا يَخْلُو عَنْ دَفْعٍ، وتَدارَءُوا: تَدافَعُوا في الخُصُومَةِ. ودَرَأ البَعِيرُ: أغْدُ، ومَعَ الغُدَّةِ ورَمٌ في ظَهْرِهِ، وناقَةٌ دارِئٌ: مَغْدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الغُدَّةَ مَلْزُومَةٌ لِلدَّفْعِ، لا تَنْفَكُّ عَنْهُ بِالقَتْبِ والرَّكْبِ وغَيْرِهِما، وكُلُّ ناتِئٍ في الجَسَدِ هَذا شَأْنُهُ، ومِنهُ الدَّرْءُ: لِقِطْعَةٍ مِنَ ”الجَبَلِ مُشْرِقَةٍ“، وناقَةٌ مُدْرِئٌ: أنْزَلَتِ اللَّبَنَ وأرْخَتْ ضَرْعَها عِنْدَ النِّتاجِ - كَأنَّها دَفَعَتْهُما، وادَّرَأتْ (p-١٤٩)الصَّيْدَ - عَلى ”افْتَعَلَتْ“: اتَّخَذَتْ لَهُ دُرِّيئَةً، [وقَدْ تَقَدَّمَتْ ”الدُّرِّيَّةُ“ في الواوِيِّ، ومِنهُ: ادَّرَأْتُ فُلانًا - ذا اعْتَمَدَتْهُ، والدَّرْءُ:] المَيْلُ والعِوَجُ - لِأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُدْفَعَ لِيَقُومَ، وطَرِيقٌ ذُو دُرُوءٍ، أيْ كُورٍ وأخاقِيقَ أيْ شُقُوقٍ - فَكَأنَّها تَدْفَعُ صاحِبَها عَنِ القَصْدِ، وتَدَرُّؤًا عَلَيْهِمْ: تَطاوَلُوا - لِأنَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ مُدافَعَةٍ كالنُّشُوزِ، ويَلْزَمُ الدَّفْعُ القُوَّةَ، ومِنهُ رَجُلُ ذُو تَدِرَّأٍ، أيْ مَنعَةٍ وقُوَّةٍ، ورادَّتْهُ بِكَذا - بِتَقْدِيمِ الرّاءِ: جَعَلَتْهُ قُوَّةً لَهُ وعِمادًا يُدافِعُ عَنْهُ، والرَّدْءُ: العَوْنُ والمادَّةُ والعَدْلُ الثَّقِيلُ - لِأنَّهُ يُدافِعُ لِيَعْتَدِلَ، ورَدَأ الحائِطَ: دَعَمَهُ، ورَدَأهُ بِحَجَرٍ: رَماهُ [بِهِ]، لِأنَّهُ إذا أصابَهُ دَفَعَهُ، والإبِلُ: أحْسَنُ القِيامِ عَلَيْها، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِمُدافَعَةٍ، وأرْدَأ السِّتْرَ: أرْخاهُ، بِدَفْعِهِ لَهُ مِنَ المَكانِ الَّذِي كانَ بِهِ، وأرْدَأ الوَلَدَ: سَكَنَهُ وأنِسَهُ، فَدَفَعَ الهَمَّ عَنْهُ، وأرْدَأ الشَّيْءَ: أقَرَّهُ - كَأنَّهُ لِسَلْبِ الدَّفْعِ، (p-١٥٠)وكَذا أرْدَأهُ أيْ أفْسَدَهُ، إمّا بِأنَّهُ لَمْ يُدافِعْهُ بِإحْسانِ القِيامِ عَلَيْهِ فَأفْسَدَهُ، أوْ أنَّهُ زادَ في الدَّفْعِ حَتّى فَسَدَ، ومِن ذَلِكَ أرْدَأ - إذا فَعَلَ رَدِيئًا، أيْ فَعَلا فاسِدًا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وكَأنَّ مِن ذَلِكَ الأُدْرَةَ - بِالضَّمِّ ساكِنَةً وتُحَرَّكُ - وهي عِظَمُ الخِصْيَتَيْنِ في النّاسِ والخَيْلِ؛ [و] مِنَ التَّدافُعِ: تَرَأَّدَتِ الحَيَّةُ: اهْتَزَّتْ في انْسِيابِها ورَفَعَتْ رَأْسَها، والرِّيحُ: اضْطَرَبَتْ - فَكَأنَّ بَعْضَها يَدْفَعُ بَعْضًا، ومِنهُ رَأْدُ الضُّحى: ارْتِفاعُهُ، وتَرَأَّدَ الضُّحى: ارْتَفَعَ، وكَذَلِكَ الجارِيَةُ الرَّأْدَةُ والرُّؤْدُ - بِالضَّمِّ، أيِ النّاعِمَةِ، وقالَ القَزّازُ: السَّرِيعَةُ الشَّبابِ مَعَ حُسْنِ غِذاءٍ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: جارِيَةٌ رَأْدَةٌ - غَيْرُ مَهْمُوزٍ: كَثِيرَةُ المَجِيءِ والذَّهابِ، فَإذا قُلْتَ: جارِيَةٌ رُؤْدَةٌ فَهي النّاعِمَةُ. فَإذا فُسِّرَتْ بِالذَّهابِ والمَجِيءِ فَهو مِنَ الدَّوَرانِ الَّذِي هو المَدارُ، وإذا فُسِّرَتْ بِالنّاعِمَةِ فَهو مِنَ الِاضْطِرابِ اللّازِمِ لَهُ، وغُصْنُ رُؤْدٍ - بِالضَّمِّ: رَطْبٍ - مِن ذَلِكَ، قالَ القَزّازُ: وأحْسَبُ الجارِيَةَ النّاعِمَةَ إنَّما سُمِّيَتْ رُؤْدًا مِن هَذا، وتَرَأَّدَ: اهْتَزَّ نِعْمَةً، وزَيْدٌ: قامَ فَأخَذَتْهُ رِعْدَةٌ، والغُصْنُ: تَفَيَّأ، والعُنُقُ: التَوى - كُلُّهُ (p-١٥١)مِنَ الدَّوْرانِ وما يَلْزَمُهُ مِنَ الِاضْطِرابِ، ورِئْدُ الإنْسانِ: صَدِيقُهُ، لِأنَّهُ يُراوِدُهُ ويُداوِرُهُ، والرَّأْدَةُ: أصْلُ اللِّحى، وهو أصُولُ مَنبَتِ الأسْنانِ، وهو العَظَمُ الَّذِي يَدُورُ فِيهِ طَرَفا اللِّحْيَيْنِ مِمّا يَلِي الصُّدْغَيْنِ؛ ومِنَ الرِّفْقِ والمُهْلَةِ: الرُّؤْدَةُ - بِالضَّمِّ، وهي التُّؤَدَةُ.

12:62Page 242

وَقَالَ لِفِتۡيَٰنِهِ ٱجۡعَلُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ فِي رِحَالِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَعۡرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٦٢

And [Joseph] said to his servants, "Put their merchandise1 into their saddlebags so they might recognize it when they have gone back to their people that perhaps they will [again] return."

ولَمّا أعْلَمَنا سُبْحانَهُ أنَّهُ رَغَّبَهم في شَأْنِ أخِيهِ، ورَهَّبَهم بِالقَوْلِ، أعْلَمَنا بِأنَّهُ رَغَّبَهم فِيهِ بِالفِعْلِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ الماضِي لَهُمْ: ”وقالَ“ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَفَقَةً عَلى إخْوَتِهِ وإرادَةً لِنُصْحِهِمْ فِيما سَألَهم فِيهِ: ﴿لِفِتْيانِهِ﴾ أيْ غِلْمانِهِ، وأصْلُ الفَتى: الشّابُّ القَوِيُّ، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ﴾ أيْ ما بَضَعُوهُ أيْ قَطَعُوهُ مِن مالِهِمْ لِلتِّجارَةِ وأخَذْناهُ مِنهم ثَمَنًا لِطَعامِهِمُ الَّذِي دَفَعْناهُ لَهم ﴿فِي رِحالِهِمْ﴾ أيْ عُدُولِهِمْ؛ والرَّحْلُ: ما أُعِدَّ لِلرَّحِيلِ مِن وِعاءٍ أوْ مَرْكِبٍ ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ أيْ بِضاعَتَهُمْ؛ وعَبَّرَ بِأداةِ التَّحَقُّقِ تَفاؤُلًا لَهم بِالسَّلامَةِ، أوْ ظَنًّا، أوْ عِلْمًا بِالوَحْيِ، فَقالَ: ﴿إذا انْقَلَبُوا﴾ راجِعِينَ ﴿إلى أهْلِهِمْ﴾ أيْ يَعْرِفُونَ أنَّها هي بِعَيْنِها، رَدَدْتُها (p-١٥٢)عَلَيْهِمْ إحْسانًا [إلَيْهِمْ]، ويَجْزِمُونَ بِذَلِكَ، ولا يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ أخْلَفَ عَلَيْهِمْ مِثْلَها نَظَرًا إلى حالِهِمْ وكَرامَةً لِأبِيهِمْ، ويَعْرِفُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ لِي ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم وحالُ مَن يَرْجِعُ إلَيْنا إذا عَرَفُوها، لِرَدِّها تَوَرُّعًا، أوْ لِلْمِيرَةِ بِها إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم غَيْرُها، أوْ طَمَعًا في مِثْلِ هَذا، وإنَّما لَمْ يُبادِرْ إلى تَعْرِيفِهِمْ بِنَفْسِهِ والتَّعْجِيلِ بِإدْخالِ السُّرُورِ عَلى أبِيهِ، لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ عادَةً - لِما يَأْتِي مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ والتَّدْبِيرِ المَتِينِ، ودَلَّ عَلى إسْراعِهِمْ في الرُّجُوعِ بِالفاءِ فَقالَ:

12:63Page 242

فَلَمَّا رَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيهِمۡ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلۡكَيۡلُ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَآ أَخَانَا نَكۡتَلۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٦٣

So when they returned to their father, they said, "O our father, [further] measure has been denied to us, so send with us our brother [that] we will be given measure. And indeed, we will be his guardians."

﴿فَلَمّا رَجَعُوا﴾ أيْ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿إلى أبِيهِمْ﴾ حَمَلَهم ما رَأوْا - مِن إحْسانِ الصَّدِيقِ وحاجَتِهِمْ إلَيْهِ وتَبْرِئَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونُوا جَواسِيسَ - عَلى أنْ ﴿قالُوا يا أبانا﴾

ولَمّا كانَ المَضارُّ لَهم مُطْلَقُ المَنعِ، بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُمْ: ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ لِأخِينا بِنْيامِينَ عَلى بَعِيرِهِ لِغَيْبَتِهِ، ولَنا كُلُّنا بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ إنْ لَمْ نَذْهَبْ بِهِ مَعَنا لِيَظْهَرَ صِدْقُنا؛ والمَنعُ: إيجادُ ما يَتَعَذَّرُ بِهِ عَلى القادِرِ الفِعْلِ.

وضِدُّهُ: التَّسْلِيطُ، وأمّا العَجْزُ فَضِدُّهُ القُدْرَةُ ”فَأرْسَلَ“ أيْ بِسَبَبِ إزالَةِ هَذا المَنعِ ﴿مَعَنا أخانا﴾ إنَّكَ إنْ تُرْسِلْهُ مَعَنا ”نَكْتَلْ“ أيْ لِنَفْسِهِ كَما يَكْتالُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا لِنَفْسِهِ - هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ (p-١٥٣)بالتَّحْتانِيَّةِ، ولِنُؤَوِّلَهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالنُّونِ - مِنَ المِيرَةِ ما وظَّفَهُ العَزِيزُ، وهو لِكُلِّ واحِدٍ حَمْلٌ، وأكَّدُوا لِما تَقَدَّمَ مِن فِعْلِهِمْ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا يُوجِبُ الِارْتِيابَ بِهِمْ، فَقالُوا: ﴿وإنّا لَهُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿لَحافِظُونَ﴾ أيْ عَنْ أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ حَتّى نَرُدَّهُ إلَيْكَ، عَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلَ في هَذا بَعْدَ ما فَعَلُوا إذْ أرْسَلَ مَعَهم يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ قِيلَ: عَزَمَ عَلى إرْسالِهِ مَعَهُمْ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ اللِّجاءَ إلى اللَّهِ تَعالى في أمْرِهِ غَيْرَ قانِعٍ بِوَعْدِهِمُ المُؤَكَّدِ في حِفْظِهِ، لِما سَبَقَ مِنهم مِن مِثْلِهِ في يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ

12:64Page 243

قَالَ هَلۡ ءَامَنُكُمۡ عَلَيۡهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمۡ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبۡلُ فَٱللَّهُ خَيۡرٌ حَٰفِظٗاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٦٤

He said, "Should I entrust you with him except [under coercion] as I entrusted you with his brother before? But Allāh is the best guardian, and He is the most merciful of the merciful."

﴿قالَ هَلْ آمَنُكُمْ﴾ أيْ أقْبَلُ مِنكُمُ الآنَ وفي مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ تَأْمِينُكم لِي فِيهِ مِمّا يَسُوءُنِي تَأْمِينًا مُسْتَعْلِيًا ”عَلَيْهِ“ أيْ بِنْيامِينُ ﴿إلا كَما أمِنتُكُمْ﴾ أيْ في الماضِي ﴿عَلى أخِيهِ﴾ أيْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا كانَ لَمْ يَطْلُعْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى خِيانَةٍ قَبْلَ ما فَعَلُوا بِهِ، وكانَ ائْتِمانُهُ لَهم عَلَيْهِ إنَّما هو زَمانٌ يَسِيرٌ، أثْبَتَ الجارُّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ فَإنَّكم أكَّدْتُمْ غايَةَ التَّأْكِيدِ فَلَمْ تَحْفَظُوهُ لِي ولَمْ تَرُدُّوهُ إلَيَّ - والأمْنُ: اطْمِئْنانُ القَلْبِ إلى سَلامَةِ النَّفْسِ - فَأنا في هَذا لا آمِنٌ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ ﴿فاللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿خَيْرٌ حافِظًا﴾ مِنكم ومِن كُلِّ أحَدٍ ”وهُوَ“ أيْ باطِنًا وظاهِرًا ﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (p-١٥٤)فَهُوَ أرْحَمُ بِي مِن أنْ يُفْجِعَنِي بِهِ بَعْدَ مُصِيبَتِي بِأخِيهِ؛

12:65Page 243

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ ٦٥

And when they opened their baggage, they found their merchandise returned to them. They said, "O our father, what [more] could we desire? This is our merchandise returned to us. And we will obtain supplies [i.e., food] for our family and protect our brother and obtain an increase of a camel's load; that is an easy measurement."1

فَأرادُوا تَفْرِيغَ ما قَدِمُوا بِهِ مِنَ المِيرَةِ ﴿ولَمّا فَتَحُوا﴾ أيْ أوْلادُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مَتاعَهُمْ﴾ أيْ أوْعِيَتَهُمُ الَّتِي حَمَلُوها مِن مِصْرَ ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهُمْ﴾ أيْ ما كانَ مَعَهم مِن كَنْعانَ بِشِراءِ القُوتِ.

ولَمّا كانَ المُفْرِحُ مُطْلَقَ الرَّدِّ. بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ والوِجْدانُ: ظُهُورُ الشَّيْءِ لِلنَّفْسِ بِحاسَّةٍ أوْ ما يُغْنِي عَنْها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا؟ فَقِيلَ: ”قالُوا“ أيْ لِأبِيهِمْ ﴿يا أبانا ما﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ ﴿نَبْغِي﴾ أيْ نُرِيدُ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُمْ: ما الخَبَرُ؟ فَقالُوا بَيانًا لِذَلِكَ وتَأْكِيدًا لِلسُّؤالِ في اسْتِصْحابِ أخِيهِمْ: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا﴾ ثُمَّ بَيَّنُوا مَضْمُونَ الإشارَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رُدَّتْ إلَيْنا﴾ هَلْ فَوْقَ هَذا مِن إكْرامٍ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَنَرْجِعُ بِها إلَيْهِ بِأخِينا، فَيَظْهَرُ لَهُ نُصْحُنا وصِدْقُنا، [بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ]: ﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾ أيْ نَجْلِبُ إلَيْهِمُ المِيرَةَ بِرُجُوعِنا إلَيْهِ؛ والمِيرَةُ: الأطْعِمَةُ الَّتِي تُحْمَلُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ فَلا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِمّا يَخْشى عَلَيْهِ، تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِحِفْظِهِ وبَيانًا لِعَدَمِ ضَرَرٍ في سَفَرِهِ، ويَدُلُّ عَلى ما في التَّوْراةِ - مِن أنَّهُ كانَ سِجْنَ أحَدِهِمْ لِيَأْتُوا بِأخِيهِمُ الأصْغَرَ - قَوْلُهُ: ﴿ونَـزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ فَيَكُونُ جُمْلَةَ ما نَأْتِي بِهِ (p-١٥٥)بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ اثْنَيْ عَشَرَ حَمْلًا، لِكُلٍّ مِنّا حِمْلٌ، ولِلْمَسْجُونِ حِمْلانِ - لِكَرَّتِهِ الأُولى والثّانِيَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ لا يُعْطِي إلّا حِمْلًا لِكُلِّ رَأْسٍ، فَكَأنَّهُ ما أعْطاهم لِما جَهَّزَهم غَيْرَ تِسْعَةِ أحْمالٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهَلْ يُجِيبُكم إلى ذَلِكَ في هَذِهِ الأزْمَةِ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، لِأنَّ ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى ما رَأيْنا مِن كَرَمِ شَمائِلِهِ وضَخامَةِ مُلْكِهِ وفَخامَةِ هِمَّتِهِ،

12:66Page 243

قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ فَلَمَّآ ءَاتَوۡهُ مَوۡثِقَهُمۡ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٦٦

[Jacob] said, "Never will I send him with you until you give me a promise [i.e., oath] by Allāh that you will bring him [back] to me, unless you should be surrounded [i.e., overcome by enemies]." And when they had given their promise, he said, "Allāh, over what we say, is Entrusted."1

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ﴾ أيْ بِنْيامِينَ كائِنًا ﴿مَعَكُمْ﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿حَتّى تُؤْتُونِ﴾ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ، أيْ إيصالُ الشَّيْءِ إلى الأخْذِ ﴿مَوْثِقًا﴾ وهو العَقْدُ المُؤَكَّدُ.

ولَمّا كانَ مُرادُهُ مُوَثَّقًا رَبّانِيًّا، وكانَ المُوَثِّقُ الرَّبّانِيُّ - وهو ما كانَ بِأسْمائِهِ تَعالى لِكَوْنِهِ أذِنَ سُبْحانَهُ فِيهِ وأمَرَ بِالوُثُوقِ بِهِ - كَأنَّهُ مِنهُ، قالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ بِأيْمانٍ عَظِيمَةٍ: واللَّهِ ”لِتَأْتُنَّنِي“ كُلُّكم ”بِهِ“ مِنَ الإيتانِ، وهو المَجِيءُ في كُلِّ حالٍ ﴿إلا﴾ في حالِ ﴿أنْ يُحاطَ﴾ أيْ تَحْصُلَ الإحاطَةُ بِمُصِيبَةٍ مِنَ المَصائِبِ، لا طاقَةَ لَكم بِها ﴿بِكُمْ﴾ فَتَهْلَكُوا مِن عِنْدِ آخِرِكُمْ، كُلُّ ذَلِكَ زِيادَةٌ في التَّوْثِيقِ، لِما حَصَلَ لَهُ مِنَ المُصِيبَةِ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ كانَ الِاعْتِمادُ في حِفْظِهِ إنَّما هو عَلى اللَّهِ، وهَذا مِن بابِ ”اعْقِلْها وتَوَكَّلْ“ فَأجابُوهُ إلى (p-١٥٦)جَمِيعِ ما سَألَ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ﴾ أيْ أعْطاهُ بَنُوهُ ﴿مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ هو القادِرُ عَلى الوَفاءِ بِهِ المَرْجُوُّ لِلتَّصَرُّفِ فِيهِ بِالغِبْطَةِ، لا أنْتُمْ.

12:67Page 243

وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدۡخُلُواْ مِنۢ بَابٖ وَٰحِدٖ وَٱدۡخُلُواْ مِنۡ أَبۡوَٰبٖ مُّتَفَرِّقَةٖۖ وَمَآ أُغۡنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَيۡهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٦٧

And he said, "O my sons, do not enter from one gate but enter from different gates; and I cannot avail you against [the decree of] Allāh at all. The decision is only for Allāh; upon Him I have relied, and upon Him let those who would rely [indeed] rely."

ولَمّا سُمِحَ لَهم بِخُرُوجِهِ مَعَهُمْ، أتْبَعَ تَعالى ذَلِكَ الخَبَرَ عَنْ أمْرِهِ لَهم بِالِاحْتِياطِ مِنَ المَصائِبِ لِأنَّهم أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا إخْوَةُ أهْلِ جَمالٍ وبَسْطَةٍ، وكانُوا قَدْ شُهِرُوا عِنْدَ المِصْرِيِّينَ بَعْضَ الشُّهْرَةِ، بِسَبَبِ ما دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الكَلامِ في المَرَّةِ الأوْلى، فَكانُوا مَظِنَّةً لِأنْ تَرْمُقَهُمُ الأبْصارُ ويُشارُ إلَيْهِمْ بِالأصابِعِ، فَيُصابُوا بِالعَيْنِ، ولَمْ يُوصِهِمْ في المَرَّةِ الأُولى، لِأنَّهم كانُوا مَجْهُولِينَ، مَعَ شَغْلِ النّاسِ بِما هم فِيهِ مِنَ القَحْطِ، فَقالَ حِكايَةً عَنْهُ: ”وقالَ“ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِبَنِيهِ عِنْدَما أرادُوا السَّفَرَ: ﴿يا بَنِيَّ﴾ مُحَذِّرًا لَهم مِن شَرِّ الحَسَدِ والعَيْنِ - ﴿لا تَدْخُلُوا﴾ إذا قَدِمْتُمْ إلى مِصْرَ ﴿مِن بابٍ واحِدٍ﴾ مِن أبْوابِها؛ والواحِدُ عَلى الإطْلاقِ: الَّذِي لا يَنْقَسِمُ، وأمّا المُقَيَّدُ بِإجْرائِهِ عَلى مَوْصُوفٍ كَبابٍ واحِدٍ، فَهو ما لا يَنْقَسِمُ في مَعْنى ذَلِكَ المَوْصُوفِ ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ﴾ واحْتَرِزْ مِن أنْ (p-١٥٧)تَكُونَ مُتَلاصِقَةً أوْ مُتَقارِبَةً جِدًّا، فَقالَ: ﴿مُتَفَرِّقَةٍ﴾ أيْ تَفَرُّقًا كَبِيرًا، وهَذا حُكْمُ التَّكْلِيفِ لِئَلّا يُصابُوا بِالعَيْنِ - كَما نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنِ وقَتادَةَ والضِّحاكِ والسُّدِّيِّ، فَإنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وهي مِن قَدَرِ اللَّهِ، وقَدْ ورَدَ شَرْعُنا بِذَلِكَ، فَفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ”العَيْنُ حَقٌّ»“ وفي رِوايَةٍ عِنْدَ أحْمَدَ وابْنِ ماجَةَ: «يَحْضُرُها الشَّيْطانُ وحَسَدُ ابْنِ آدَمَ» ولِمُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ والنِّسائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «العَيْنُ حَقٌّ، ولَوْ شَيْءٌ سابَقَ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ، وإذا اسْتَغْسَلْتُمْ فاغْسِلُوا» ولِأبِي نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: «إنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الجُمَلَ القِدْرَ والرَّجُلَ القَبْرَ» ولِأبِي داوُدَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «وإنَّما لِتُدْرِكَ الفارِسَ فَتُدَعْثِرَهُ» (p-١٥٨)ولِأحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَوْ كانَ شَيْءٌ سابَقٌ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ» قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: ومَنشَأُ إصابَةِ العَيْنِ تَوَهُّمُ النَّفْسِ الخَبِيثَةِ هَلاكَ مَن تُصِيبُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ذَلِكَ في رِوايَةِ أحْمَدَ وابْنِ ماجَةَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَعَ انْضِمامِ حُضُورِ الشَّيْطانِ، وهَذا الِاحْتِياطُ مِن بابِ الأخْذِ بِالأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، لِأنَّها مِنَ القَدَرِ، لا مِن بابِ التَّحَرُّزِ مِنَ القَدَرِ، كَما رَوى مُسْلِمٌ وأحْمَدُ وابْنُ ماجَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ الضَّعِيفِ، وفي كُلِّ خَيْرٍ احْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللَّهِ ولا تَعْجَزْ، وإنْ أصابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا وكَذا، ولَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ، فَإنَّ ”لَوْ“ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ»

مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ: افْعَلْ فِعْلَ الأقْوِياءِ، ولا تَفْعَلْ فِعْلَ العَجَزَةِ، وذَلِكَ بِأنَّ تُنْعِمَ النَّظَرَ، تُمْعِنُ في التَّأمُّلِ وتَتَأنّى، حَتّى تَعْلَمَ المَصادِرَ والمَوارِدَ، فَلا تَدْعُ شَيْئًا يُحْتَمَلُ أنْ يَنْفَعَكَ في الأمْرِ الَّذِي أنْتَ مُقْبِلٌ (p-١٥٩)عَلَيْهِ ولا يَضُرُّكَ إلّا فِعْلَتُهُ، ولا تَدَعْ أمْرًا يُمْكِنُ أنْ يَضُرَّكَ إلّا تَرَكْتَهُ واحْتَرَزْتَ مِنهُ جُهْدَكَ، فَإنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ [وأتى أمْرٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِخِلافِ مُرادِكَ كُنْتَ جَدِيرًا بِأنْ لا تَقُولَ في نَفْسِكَ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا]، فَإنَّكَ لَمْ تَتْرُكْ شَيْئًا، وأمّا إذا فَعَلْتَ فِعْلَ العَجَزَةِ، وتَرَكْتَ الجَزْمَ فَما أوْشَكَ أنْ تُؤْتى مِن قِبَلِ تَرْكِ الأسْبابِ، فَما أقْرَبَكَ إلى أنْ تَقُولَ ما يَفْتَحُ عَمَلُ الشَّيْطانِ مِن ”لَوْ“ .

ولَمّا خافَ أنْ يَسْبِقَ مِن أمْرِهِ هَذا إلى بَعْضِ الأوْهامِ أنَّ الحَذَرَ يُغْنِي مِنَ القَدَرِ، نَفى ذَلِكَ مُبَيِّنًا أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ غَيْرَ تَعاطِي الأسْبابِ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ وأنَّ الأمْرَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَيْهِ: إنْ شاءَ سَبَّبَ عَنِ الأسْبابِ مُسَبِّباتَها، وإنْ شاءَ أبْطَلَ تِلْكَ الأسْبابَ وأقامَ أسْبابًا تُضادَّها ويَتَأثَّرُ عَنْها المَحْذُورُ، فَقالَ: ﴿وما أُغْنِي﴾ أيْ أجْزِي وأسُدُّ وأنُوبُ ﴿عَنْكم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ بَعْضِ أمْرِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وعَمَّمَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ إنْ أرادَ بِكُمْ، سَواءٌ كُنْتُمْ مُفْتَرِقِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ، وهَذا حُكْمُ التَّقْدِيرِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ﴾ أيْ ما ﴿الحُكْمُ﴾ وهو (p-١٦٠)فَصْلُ الأمْرِ بِما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ ”إلّا الله“ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ سِواهُ عَلى التَّقَصِّي عَنْ شَيْءٍ مِن مُرادِهِ والفِرارِ مِن شَيْءٍ مِن قَدَرِهِ، ولِهَذا المَعْنى - وهو أنَّهُ لا يَنْفَعُ أصْلًا سَبَبٌ إلّا بِاللَّهِ - أنْزَلَ اللَّهُ التَّسْمِيَةَ مَقْرُونَةً بِهاءِ السَّبَبِ أوَّلَ كِتابِهِ، وأمَرَ بِها أوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ؛ ورَوى أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ في تَرْجَمَةِ إمامِنا الشّافِعِيِّ بِسَنَدِهِ إلَيْهِ ثُمَّ إلى عَلَيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ خَطَبَ النّاسَ يَوْمًا فَقالَ في خُطْبَتِهِ: وأعْجَبُ ما في الإنْسانِ قَلْبُهُ، ولَهُ مَوادٌّ مِنَ الحِكْمَةِ وأضْدادٌ مِن خِلافِها، فَإنْ سَنَحَ لَهُ الرَّجاءُ أوْلَهَهُ الطَّمَعُ. وإنْ هاجَ بِهِ الطَّمَعُ أهْلَكَهُ الحِرْصُ، وإنْ مَلَكَهُ اليَأْسُ قَتَلَهُ الأسَفُ، وإنْ عَرَضَ لَهُ الغَضَبُ اشْتَدَّ بِهِ الغَيْظُ، وإنْ أسْعَدَ بِالرِّضى نَسِيَ التَّحَفُّظَ وإنْ نالَهُ الخَوْفُ شَغَلَهُ الحُزْنُ، وإنْ أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ قَصَمَهُ الجَزَعُ، وإنْ أفادَ مالًا أطْغاهُ الغِنى، وإنْ عَضَّتْهُ فاقَةٌ شَغَلَهُ البَلاءُ، وإنْ أجْهَدَهُ الجُوعُ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ، وإنْ أفْرَطَ بِهِ الشِّبَعُ كَظَّتْهُ البِطْنَةُ، فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرٌّ. وكُلُّ إفْراطٍ [لَهُ] مُفْسِدٌ. قالَ: فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ شَهِدَ مَعَهُ الجُمَلَ، فَقالَ: (p-١٦١)يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟ أخْبِرْنا عَنِ القَدَرِ، فَقالَ: [بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلا تَلِجْهُ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! أخْبِرْنا عَنِ القَدَرِ، فَقالَ بَيْتٌ مُظْلِمٌ فَلا تَدْخُلْهُ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! أخْبِرْنا عَنِ القَدَرِ، فَقالَ]: سِرُّ اللَّهِ فَلا تَتَكَلَّفُهُ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! أخْبِرْنا عَنِ القَدَرِ، فَقالَ: أمّا إذا أبَيْتَ فَإنَّهُ أمِرٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، لا جَبْرَ ولا تَفْوِيضَ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! إنَّ فُلانًا يَقُولُ بِالِاسْتِطاعَةِ وهو حاضِرُكَ، فَقالَ: عَلَيَّ بِهِ! فَأقامُوهُ، فَلَمّا رَآهُ سَلَّ مِن سَيْفِهِ قَدْرَ أرْبَعِ أصابِعَ فَقالَ: الِاسْتِطاعَةُ تَمْلِكُها مَعَ اللَّهِ أوْ مِن دُونِ اللَّهِ؟ وإيّاكَ أنْ تَقُولَ أحَدُهُما فَتَرْتَدَّ فَأضْرِبُ عُنُقَكَ! فَقالَ: فَما أقُولُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟ قالَ: قُلْ: أمْلِكُها بِاللَّهِ الَّذِي إنْ شاءَ مَلَّكَنِيها.

وسَيَأْتِي إنْ شاءَ [اللَّهُ تَعالى] في [سُورَةِ الحَجِّ] عِنْدَ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [الحج: ١٨] ما يَتَّصِلُ بِهَذا.

ولَمّا قَصَرَ الأمْرُ كُلُّهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وجَبَ رَدُّ كُلِّ أمْرٍ إلَيْهِ، وقَصَرَ النَّظَرَ عَلَيْهِ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى اللَّهِ وحْدَهُ الَّذِي لَيْسَ الحُكْمُ (p-١٦٢)إلّا لَهُ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ أيْ جَعَلْتُهُ وكِيلِي فَرَضِيتُ بِكُلِّ ما يَفْعَلُهُ ﴿وعَلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أيِ الثّابِتُونَ في بابِ التَّوَكُّلِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الواجِباتِ، مَن فَعَلَهُ فازَ، ومَن أغْفَلَهُ خابَ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском