Al-Biqa'iYusuf · 12:68–77

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:68–77

12:68Page 243

وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَهُمۡ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغۡنِي عَنۡهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍ إِلَّا حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَاۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلۡمٖ لِّمَا عَلَّمۡنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦٨

And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allāh at all except [it was] a need [i.e., concern] within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ صَدَقَ يَعْقُوبَ فِيما قالَ، مُؤَكِّدًا لِما أشارَ إلى اعْتِقادِهِ، فَقالَ: ﴿ولَمّا﴾ وعَطْفُهُ بِالواوِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما أسْرَعُوا الكَرَّةَ في هَذِهِ المَرَّةِ خَوْفًا مِن أنْ يَقُولَ لَهُمْ: لَمْ يَفْرَغْ ما عِنْدَكم حَتّى تَضْطَرُّوا إلى الِاسْتِبْدالِ بِهِ، والزَّمانُ زَمانُ رِفْقٍ، لا زَمانُ تَبَسُّطٍ ﴿دَخَلُوا﴾ أيْ أُخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ وُصُولِهِمْ إلى مِصْرَ ﴿مِن حَيْثُ أمَرَهُمْ﴾ أيْ بِهِ ﴿أبُوهُمْ﴾ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قالُوا: وكانَ لِمِصْرَ أرْبَعَةُ أبْوابٍ ﴿ما كانَ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ ”يُغْنِي“ أيْ يَدْفَعَ ويَجْزِي ﴿عَنْهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا رادَّ لِأمْرِهِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ كَما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”إلّا حاجَةً“ أيْ شَيْئًا غَيْرَ أتَمِّ حاجَةٍ ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾ وهو الدُّخُولُ عَلى ما أمَرَ بِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ ”قَضاها“ يَعْقُوبُ، وأبْرَزَها مِن نَفْسِهِ إلى أوْلادِهِ، فَعَمِلُوا فِيها بِمُرادِهِ فَأغْنى عَنْهم ذَلِكَ الإخْلاصُ مِن عُقُوقِ أبِيهِمْ فَقَطْ، [فَإنَّهُمُ ابْتُلُوا في هَذِهِ السُّفْرَةِ بِأمْرٍ عَظِيمٍ لَمْ يَجِدُوا مِنهُ خَلاصًا، وهو نَسَبُهم إلى السَّرِقَةِ، وأسْرُ أخِيهِمْ مِنهُمْ]، قالَ أبُو حَيّانَ: وفِيهِ حُجَّةٌ لِمَن زَعَمَ أنَّ ”لَمّا“ حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ، لا ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى ”حِينَ“، إذًا (p-١٦٣)لَوْ كانَ ظَرْفَ زَمانٍ ما جازَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما ”بَعْدَ“ ما النّافِيَةِ - انْتَهى.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في الِاحْتِياطِ، أشارَ تَعالى إلى رَدِّهِ بِمَدْحِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَثًّا عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ في التَّسَبُّبِ مَعَ اعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [مَعَ] أمْرِهِ لِبَنِيهِ بِذَلِكَ ﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ أيْ مَعْرِفَةٍ بِالحُكْمَيْنِ: حُكْمُ التَّكْلِيفِ، وحُكْمُ التَّقْدِيرِ، واطِّلاعٌ عَلى الكَوْنَيْنِ عَظِيمٌ ”لِما“ أيْ لِلَّذِي ﴿عَلَّمْناهُ﴾ إيّاهُ مِن أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَذُو عِلْمٍ لِأجْلِ تَعْلِيمِنا أيّاهُ.

فاقْتَدَوْا بِهِ في الِاحْتِياطِ في تَعاطِي الأسْبابِ، مَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ لا أثَرَ لَها إلّا أنْ أمْضاها الواحِدُ القَهّارُ، فَبِهَذا التَّقْدِيرِ يَتَبَيَّنُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وفائِدَةُ إبْرازِهِ - في صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَ مَن جَعَلَهُ مُنْقَطِعًا - الإشارَةُ إلى تَعْظِيمِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يَكُونَ ما يَأْمُرُ بِهِ مُغْنِيًا، لِأنَّهُ مِن أمْرِ اللَّهِ، فَلَوْ كانَ كُلُّ شَيْءٍ يُغْنِي مِن قَدَرِ اللَّهِ لَأغْنى ما أشارَ بِهِ، وإنَّما فُسِّرَتْ ”يُغْنِي“ بِـ ”يَدْفَعُ“ لِأنَّ مادَّةَ ”غَنِيَ“ - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى الإقامَةِ، فَيَكُونُ أغْنى لِلسَّلْبِ، وهو مَعْنى لِلدَّفْعِ، بَيانُهُ أنَّ غِنًى بِمَعْنى أقامَ، وعاشَ، ولَقِيَ، ومَغْنى الدّارِ: مَوْضِعُ الحُلُولِ، ويَلْزَمُ مِنَ الإقامَةِ الكِفايَةُ والتَّمَوُّلُ، (p-١٦٤)لِأنَّ الفَقِيرَ مُنْزَعِجٌ مُضْطَرِبٌ، والغَنِيُّ - كَإلى: التَّزَوُّجُ، وإذا فَتَحَ مَدَّ، والِاسْمُ الغَنِيَّةُ - بِالضَّمِّ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّزَوُّجَ لازِمُ الإقامَةِ، والغانِيَةُ: المَرْأةُ تُطْلَبُ ولا تَطْلُبُ، أوِ الغَنِيَّةُ بِحُسْنِها عَنِ الزِّينَةِ، أوِ الشّابَّةِ المُتَزَوِّجَةِ، أوِ الشّابَّةِ العَفِيفَةِ ذاتِ زَوْجٍ كانَتْ أمْ لا، ومِثْلُها يَلْزَمُ المَنزِلَ ويَقْصُرُ في الخِيامِ، وأغْنى عَنْهُ غِناءَ فُلانٍ: نابَ عَنْهُ مَنابَهُ وأجْزَأ مَجْزَأهُ، وحَقِيقَتُهُ جَعَلَ إقامَةَ كَذا مُتَجاوِزَةً عَنْهُ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، فَإذا قالَ مَثَلًا: فُلانٌ أغْنى عَنِّي في الحَرْبِ، كانَ المَعْنى: أغْنى عَنِّي ضَرْبَ الأبْطالِ أوْ شِدَّةَ الحَرْبِ، [أيْ] أزالَ إقامَةَ ذَلِكَ عَنِّي فَجَعَلَهُ مُتَجاوِزًا، ولا شَكَّ أنَّ مَعْنى ذَلِكَ: دَفْعُهُ عَنِّي، وكَذا كُلُّ ما كانَ مِن ذَلِكَ، وما فِيهِ غِناءُ ذاكَ، أيْ إقامَتُهُ والِاضْطِلاعُ بِهِ، ويَلْزَمُ أيْضًا - مِنَ الإقامَةِ الَّتِي هي المَدارُ والكِفايَةُ الَّتِي هي سَبَبُها - الغِناءُ - بِالكَسْرِ والمَدِّ، وهو التَّطْرِيبُ بِالصَّوْتِ، والغِناءُ أيْضًا: الرَّمْلُ - لِإقامَتِهِ، وغَنِيَ بِالمَرْأةِ: تَغَزَّلَ، أيْ نَظَمَ فِيها الغَزَلَ، وغَنِيَ بِزَيْدٍ: مَدَحَهُ أوْ هَجاهُ - مِن لَوازِمِ الإقامَةِ والكِفايَةِ، ومِنهُ غِنى الحَمامِ: صَوْتٌ؛ ونَغى - كَرَمى: تَكَلَّمَ (p-١٦٥)بِكَلامٍ يُفْهَمُ - لِأنَّ ذَلِكَ يَسْكُنُ الخاطِرَ عَنِ القَلَقِ، ومِنهُ المُناغاةُ - وهي تَكْلِيمُ الصَّبِيِّ بِما يَهْوِي، ونَغَيْتُ إلَيْهِ نَغْيَةً، أيْ ألْقَيْتُ إلَيْهِ كَلِمَةً، والنَّغْيَةُ - كالنَّغْمَةِ: أوَّلُ الخَبَرِ قَبْلَ أنْ تَسْتَثْبِتَهُ، مِن تَسْمِيَةِ الجُزْءِ بِاسْمِ الكُلِّ، وناغاهُ: داناهُ، ومِنهُ المَوْجُ يُناغِي السَّماءَ - إذا ارْتَفَعَ، وناغاهُ: باراهُ أيْ عارَضَهُ، والمَرْأةُ: غازَلَها، أيْ حادَثَها - كُلُّ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ الإقامَةِ؛ والغَيْنُ: حَرْفُ هِجاءٍ مَجْهُورٌ مُسْتَعْلٍ - كَأنَّها لِقُوَّتِها مُقِيمَةٌ في مَخْرَجِها غَيْرِ مُتَزَعْزِعَةٍ عَنْهُ كالرّاءِ والحُرُوفِ الهَوائِيَّةِ وغَيْرِها، والغَيْنُ: العَطَشُ - لِأنَّهُ الأصْلُ لِاقْتِضاءِ الحَرارَةِ لَهُ والرِّيِّ حادِثٌ، والغَيْنُ: الغَيْمُ - لِإقامَتِهِ في الهَواءِ، والغَيْنَةُ: أرْضٌ - لِأنَّها مَوْضِعُ الإقامَةِ، والأشْجارِ المُلْتَفَّةِ بِلا ماءٍ، هي أيْضًا مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، لِأنَّها ظَلِيلَةٌ ولا ماءَ بِأرْضِها يَمْنَعُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِشَيْءٍ مِن ظِلِّها، والغَيْناءُ: الخَضْراءُ مِنَ الشَّجَرِ، وبِئْرٍ، وبِالقَصْرِ: قُنَّةُ ثَبِيرِ مِنَ الأثْبَرَةِ السَّبْعَةِ - لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَوْضِعٌ (p-١٦٦)لِلْإقامَةِ، ولَعَلَّ قُنَّةَ هَذا الجَبَلِ كَثِيرَةُ الشَّجَرِ فَتَرْجِعُ إلى الشَّجَرَةِ، والأغْيَنُ: الطَّوِيلُ - إمّا تَشْبِيهٌ بِقُنَّةِ الجَبَلِ، أوْ بِالشَّجَرَةِ، والغانَةُ: حَلْقَةُ رَأْسِ الوَتَرِ في القَوْسِ، وغَيْنٌ عَلى قَلْبِهِ: غَطّى عَلَيْهِ أيْ أقامَ عَلَيْهِ ساتِرًا لَهُ فَصارَ كالسَّماءِ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْمِ، ومِنهُ غَيْنٌ عَلَيْهِ - إذا تَغَشَتْهُ الشَّهْوَةُ وألْبَسَ أوْ غَشِيَ عَلَيْهِ، أوْ أحاطَ بِهِ الرَّيْنُ وهو الطَّبْعُ والدَّنَسُ، والغِينَةُ - بِالكَسْرِ: الصَّدِيدُ وما سَلَّ مِنَ المَيِّتِ - كَأنَّهُ مِن سَلْبِ الإقامَةِ، وكَذا الغِينُ بِالكَسْرِ - لِمَوْضِعٍ كَثِيرِ الحُمّى، [و] غانَتْ نَفْسِي تَغِينُ: غَثَّتْ، والإبِلُ: غامَتْ، أيْ حَصَلَ لَها داءٌ كالقَلّابِ غَيْرَ أنَّهُ لا يَقْتُلُ - انْتَهى.

ولَمّا كانَ قَدْ يَظُنُّ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَكُونُ كَذَلِكَ، أيْ يَعْلَمُ ما [عَلِمَهُ]، نَفى ذَلِكَ سُبْحانَهُ [بِقَوْلِهِ]: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيْ لِأجْلِ ما لَهم مِنَ الِاضْطِرابِ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا بِذَوِي عِلْمٍ [لِما عَلَّمْناهُمْ] لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ واسْتَفْرَغَ قُواهم في الِاهْتِمامِ بِما وقَعَ (p-١٦٧)التَّكَفُّلُ لَهم بِهِ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، ومُغالَبَةِ فِطَرِهِمُ القَوِيمَةِ السَّلِيمَةِ بِرَدِّها إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الحُظُوظُ والشَّهَواتُ حَتّى لا يَكُونَ فِيها طِبُّ مَخْلُوقٍ.

12:69Page 243

وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَخَاهُۖ قَالَ إِنِّيٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٩

And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْ دُخُولِهِمْ إلى البَلَدِ، أخْبَرَ عَنْ دُخُولِهِمْ لِحاجَتِهِمْ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقاتَلَ: ﴿ولَمّا دَخَلُوا﴾ أيْ بَنُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿عَلى يُوسُفَ﴾ في هَذِهِ القَدْمَةِ الثّانِيَةِ ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ شَقِيقُهُ بِنْيامِينَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: هَذا أخُونا الَّذِي أمَرْتَنا بِهِ قَدْ أحْضَرْناهُ، فَقالَ: أصَبْتُمْ، وسَتَجِدُونَ ذَلِكَ عِنْدِي؛ والإيواءُ: ضَمُّ النَّفْسِ بِالتَّصْيِيرِ إلى مَوْضِعِ الرّاحَةِ، وسَبَبِ إيوائِهِ إلَيْهِ أنَّهُ أمْرُ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنهم أنْ يَأْكُلُوا عَلى حِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ بِلا ثانٍ، فَقالَ: هَذا يَأْكُلُ مَعِي، ثُمَّ قالَ لَيًّا: [و] كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم في بَيْتٍ مِن خَمْسَةِ أبْياتٍ أفْرَدَها لَهُمْ، وهَذا الوَحِيدُ يَكُونُ مَعِي في بَيْتِي، وهَذا التَّفْرِيقُ مُوافِقٌ لِما أمَرَهم بِهِ أبُوهم في تَفْرِيقِ الدُّخُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُ، هَلْ أعْلَمَهُ بِنَفَسِهِ أوْ كَتَمَ ذَلِكَ عَنْهُ كَما فَعَلَ بِسائِرِ إخْوَتِهِ؟ فَقِيلَ: بَلْ ﴿قالَ﴾ مُعْلِمًا لَهُ، لِأنَّهُ لا سَبَبَ يَقْتَضِي الكَتْمَ [عَنْهُ ]- كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ، مُؤَكِّدًا لِما لِلْأخِ مِن إنْكارِهِ لِطُولِ غَيْبَتِهِ وتَغَيُّرِ أحْوالِهِ وقَطْعِ (p-١٦٨)الرَّجاءِ مِنهُ: ﴿إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ: ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ تَجْتَلِبُ البُؤْسَ. وهو الكَراهَةُ والحُزْنُ ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ سائِرُ الإخْوَةِ، كَوْنًا هم راسِخُونَ فِيهِ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مِمّا يَسُوءُنا وإنْ زَعَمُوا أنَّهم بَنَوْا ذَلِكَ العَمَلَ عَلى عِلْمٍ، وقَدْ جَمَعْنا لَهُ خَيْرَ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الِاجْتِماعُ، ولا تُعْلِمُهم بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ مَلَأ لَهم أوْعِيَتَهم كَما أرادُوا.

12:70Page 244

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ إِنَّكُمۡ لَسَٰرِقُونَ ٧٠

So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."

وكَأنَّهُ في المَرَّةِ الأوْلى أيْضًا في تَجْهِيزِهِمْ لِيَتَعَرَّفَ أخْبارَهم في طُولِ المُدَّةِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَعْطِفْ بِالفاءِ، وأسْرَعَ في تَجْهِيزِهِمْ في هَذِهِ المَرَّةِ قَصْدًا إلى انْفِرادِهِ بِأخِيهِ مِن غَيْرِ رَقِيبٍ بِالحِيلَةِ الَّتِي دَبَّرَها. فَلِذَلِكَ أتَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ﴾ أيْ أعْجَلُ جِهازٍ وأحْسَنُهُ ﴿بِجَهازِهِمْ﴾ ويُؤَيِّدُهُ ”فِلْمًا جاءَ أمْرنا“ في قِصَّتَيْ صالِحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما مَضى في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿جَعَلَ﴾ أيْ بِنَفْسِهِ أوْ بِمَن أمَرَهُ ﴿السِّقايَةَ﴾ الَّتِي لَهُ. وهي إناءٌ يَسْقِي بِهِ ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ شَقِيقِهِ، لِيَحْتالَ بِذَلِكَ عَلى إبْقائِهِ عِنْدَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ البَصِيرَ لا يَقْضِي بِسَرِقَتِهِ بِذَلِكَ، مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الصُّواعُ دُسَّ في رَحْلِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَما فَعَلَ بِبِضاعَتِهِمْ في المَرَّةِ الأُولى، وأمّا غَيْرُ البَصِيرِ فَضَرَرُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في ذِهْنِهِ مُفْتَقِرٌ لِأنَّهُ يَسِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَتَرَتَّبُ (p-١٦٩)عَلَيْهِ مِنَ النَّفْعِ مَن أُلْفِ إخْوَتِهِ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وزَوالُ وحْشَتِهِمْ مِنهُ بِإقامَتِهِ عِنْدَهُ - كَما سَيَأْتِي مَعَ مَزِيدِ بَيانٍ - هَذا مَعَ تَحَقُّقِ البَراءَةِ عَنْ قُرْبٍ، فَهو مِن بابِ ارْتِكابِ أخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، ثُمَّ أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا، ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِمْ فَحُبِسُوا ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ انْطِلاقِهِمْ وإمْعانِهِمْ في السَّيْرِ ﴿أذَّنَ﴾ أيْ أعْلَمَ فِيهِمْ بِالنِّداءِ ﴿مُؤَذِّنٌ﴾ قائِلًا بِرَفِيعِ صَوْتِهِ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُرْبِ مِنهُ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ إسْقاطُ الأداةِ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ أيْ أهْلُها، وأكَّدَ لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ أيْ ثابِتٌ لَكم ذَلِكَ لا مَحالَةَ حَقِيقَةً بِما فَعَلْتُمْ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ مَجازًا بِأنَّكم فاعِلُونَ فِعْلَ السّارِقِ - كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ آنِفًا، مَعَ أنَّ هَذا النِّداءَ لَيْسَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونُ بِأمْرِهِ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَصْحِيحِهِ، بَلْ يَكُونُ قائِلُهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَواعِي مَعَ الرَّكْبِ، أوْ كَأنَّهم أخَذُوا صَواعِي فاذْهَبْ فَآتِنِي بِهِ أوْ بِهِمْ - ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا هو حُقٌّ في نَفْسِهِ؛ والعِيرُ: القافِلَةُ الَّتِي فِيها الأحْمالُ، والأصْلُ فِيها الحَمِيرُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى أطْلَقَ عَلى كُلِّ قافِلَةٍ تَشْبِيهًا بِها، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ البَيانَ عَمّا يُوجِبُهُ التَّلَطُّفُ في بُلُوغِ المُرادِ مِن إيقاعِ الأسْبابِ الَّتِي تُؤَدِّي إلَيْهِ وتَبْعَثُ عَلَيْهِ بِظاهِرٍ جَمِيلٍ وباطِنٍ حَقٍّ مِمّا يَخْفى عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ مَوْقِعُهُ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ وجْهُهُ، لِأنَّهُ أنْفَذُ لَهُ وأنْجَحُ لِلْمَطْلُوبِ مِنهُ،

12:71Page 244

قَالُواْ وَأَقۡبَلُواْ عَلَيۡهِم مَّاذَا تَفۡقِدُونَ ٧١

They said while approaching them, "What is it you are missing?"

(p-١٧٠)فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ لَتُهْمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَما قالُوا في جَوابِها؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ في جَوابِ الَّذِينَ لَحِقُوهم ”و“ الحالُ أنَّ آلَ إسْرائِيلَ ”أقْبَلُوا“ ودَلَّ - عَلى أنَّ الَّذِينَ لَحِقُوهم كانُوا جَماعَةَ المُؤَذِّنِ أحَدُهُمْ، كَما هو شَأْنُ ذَوِي الرِّئاسَةِ إذا أُرْسِلُوا في مُهِمٍّ - بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى جَماعَةِ المَلِكِ: المُنادِي وغَيْرِهِ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ مِمّا يُمْكِنُنا أخْذُهُ

12:72Page 244

قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ ٧٢

They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."

﴿قالُوا نَفْقِدُ﴾ وكَأنَّ السِّقايَةَ كانَ لَها اسْمانِ، فَعَبَّرُوا هُنا بِقَوْلِهِمْ: ﴿صُواعَ المَلِكِ﴾ والصُّواعُ: الجامُ يُشْرَبُ فِيهِ ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ﴾ أيْ أظْهَرَهُ ورَدَّهُ مِن غَيْرِ تَفْتِيشٍ ولا عَناءٍ ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وهو بِالكَسْرِ: قِدْرٌ مِنَ المَتاعِ مُهَيَّأٌ لِأنْ يُحْمَلَ عَلى الظَّهْرِ، وأمّا الحِمْلُ في البَطْنِ فَبِالفَتْحِ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أيْ ضامِنٌ وكَفِيلٌ أُودِيهِ إلَيْهِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ تارَةً وجَمْعُهُ أُخْرى دَلِيلٌ عَلى أنَّ القاتِلَ واحِدٌ، وأنَّهُ نُسِبَ إلى الكُلِّ لِرِضاهم بِهِ، وفي الآيَةِ البَيانُ عَمّا يُوجِبُهُ حالُ بَهْتِ الإنْسانِ لِلتَّثَبُّتِ في الأمْرِ وتَرْكِ الإسْراعِ إلى ما [لا] يَجُوزُ مِنَ القَوْلِ،

12:73Page 244

قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ٧٣

They said, "By Allāh, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ إخْوَةُ يُوسُفَ ؟ قِيلَ: ﴿قالُوا﴾ قَوْلُ البَرِيءِ ﴿تاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ فَأقْسَمُوا قَسَمًا مَقْرُونًا بِالتّاءِ، لِأنَّها يَكُونُ فِيها التَّعَجُّبُ غالِبًا، قالَ الرُّمّانِيُّ: لِأنَّها لَمّا كانَتْ نادِرَةً في أدَواتِ القَسَمِ جُعِلَتْ لِلنّادِرِ مِنَ المَعانِي، [و النّادِرُ مِنَ المَعانِي] يَتَعَجَّبُ مِنهُ، وقالَ: إنَّها بَدَلٌ مِنَ الواوِ، (p-١٧١)و[الواوُ] بَدَلٌ مِنَ الباءِ، فَهي بَدَلٌ مِن بَدَلٍ، فَلِذَلِكَ ضَعُفَتْ عَنِ التَّصْرِيفِ في سائِرِ الأسْماءِ، ثُمَّ أكَّدُوا بَراءَتَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ أيْ بِما جَرَّبْتُمْ مِن أمانَتِنا قَبْلَ هَذا في كَرَّتَيْ مَجِيئِنا ﴿ما جِئْنا﴾ وأكَّدُوا النَّفْيَ بِاللّامِ فَقالُوا: ”لِنُفْسِدَ“ أيْ نُوقِعَ الفَسادَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ ”و“ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ”ما كُنّا“ [أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ] ﴿سارِقِينَ﴾ أيْ مَوْصُوفِينَ بِهَذا الوَصْفِ قَطُّ، بِما رَأيْتُمْ مِن أحْوالِنا: مَن رَدَّنا بِضاعَتَنا الَّتِي وجَدْناها في رِحالِنا وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا عايَنْتُمْ مِن شَرَفِ فِعالِنا مَعَ عِلْمِنا بِأنَّها خَلْقٌ لَنا لا تُصْنَعَ يَظْهَرُ لِبَعْضِ الأذْكِياءِ بِأدْنى تَأمُّلٍ،

12:74Page 244

قَالُواْ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمۡ كَٰذِبِينَ ٧٤

They [the accusers] said, "Then what would be its recompense1 if you should be liars?"

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ الَّذِينَ مِن جِهَةِ العَزِيزِ؟ قِيلَ: ”قالُوا“ قَوْلٌ واثِقٌ بِأنَّهُ في رِحالِهِمْ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ أيِ الصُّواعُ ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ في تَبَرُّئِكم مِنَ السَّرِقَةِ؛ والجَزاءُ: مُقابَلَةُ العَمَلِ بِما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ

12:75Page 244

قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٥

[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense.1 Thus do we recompense the wrongdoers."

﴿قالُوا﴾ وُثُوقًا مِنهم بِالبَراءَةِ وإخْبارًا بِالحُكْمِ عِنْدَهم ”جَزاؤُهُ“ أيِ الصُّواعُ ”مِن“. ولَمّا كانَ العِبْرَةُ بِنَفْسِ الوِجْدانِ، بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُمْ: ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ ولِتَحَقُّقِهِمُ البَراءَةَ عَلَّقُوا الحُكْمَ عَلى مُجَرَّدِ الوِجْدانِ لا السَّرِقَةِ؛ ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ أيْ لَيْسَ غَيْرُ، (p-١٧٢)فَكَأنَّهُ قِيلَ: [هَلْ] هَذا أمْرٌ أحْدَثْتُمُوهُ الآنَ أوْ هو مَشْرُوعٌ لَكُمْ؟ فَقالُوا: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ [بَلْ] هو سُنَّةٌ لَنا، مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الشَّدِيدِ ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ بِالظُّلْمِ دائِمًا، نُرَقِّهِ في سَرِقَتِهِ؛

12:76Page 244

فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ ٧٦

So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion [i.e., law] of the king except that Allāh willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.1

فَحِينَئِذٍ فَتَّشَ أوْعِيَتَهم ﴿فَبَدَأ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ بَدَأ المُؤَذِّنُ أوْ غَيْرُهُ مِمَّنْ أمَرَ بِذَلِكَ ﴿بِأوْعِيَتِهِمْ﴾

ولَمّا لَمْ يَكُنْ - بَيْنَ فَتْحِ أوْعِيَتِهِمْ وفَتْحِ وِعاءِ أخِيهِ - فاصِلٌ يُعَدُّ فاصِلًا، فَكانَتْ بُداءَتُهُ بِأوْعِيَتِهِمْ مُسْتَغْرِقَةً لِما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ، لَمْ يَأْتِ بِجارٍ، فَقالَ ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ أخِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَقِيقُهُ، إبْعادًا عَنِ التُّهْمَةِ ”ثُمَّ“ [أيْ بَعْدَ تَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ والتَّأنِّي في ذَلِكَ] ﴿اسْتَخْرَجَها﴾ أيْ أوْجَدَ إخْراجَ السِّقايَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ أنَّهُ جَعَلَها في وِعاءِ أخِيهِ ﴿مِن وِعاءِ أخِيهِ﴾

ولَمّا كانَ هَذا كَيْدًا عَظِيمًا في أخْذِ أخِيهِ بِحُكْمِهِمْ، مَعَ ما تَوَثَّقَ مِنهم أبُوهُمْ، عَظَّمَهُ تَعالى بِالإشارَةِ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ والإسْنادِ إلَيْهِ [فَقالَ]: ”كَذَلِكَ“ أيْ مِثْلِ هَذا الكَيْدِ العَظِيمِ ﴿كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ خاصَّةً بِأنْ عَلَّمْناهُ إيّاهُ جَزاءً لَهم عَلى كَيْدِهِمْ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِذَلِكَ صَنَعْنا جَمِيعَ الصَّنائِعِ الَّتِي أعْلَتْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وألْجَأتْ (p-١٧٣)إخْوَتُهُ الَّذِينَ كادُوهُ بِما ظَنُّوا أنَّهُ أبْطَلَ أمْرَهُ إلى المَجِيءِ إلَيْهِ إلى أنْ كانَ آخِرُها حُكْمَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما حَكَمُوا، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ﴾ أوْ هو اسْتِئْنافُ تَفْسِيرٍ لِلْكَيْدِ، و[أكَّدَ] النَّفْيَ بِاللّامِ فَقالَ: ﴿لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾

ولَمّا كانَ الأخْذُ عَلى جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي دِينِ المَلِكِ﴾ يَعْنِي مَلِكُ مِصْرَ، عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ، لِأنَّ جَزاءَ السّارِقِ عِنْدَهم غَيْرُ هَذا ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُقِيمُهُ كَهَذا السَّبَبِ الَّذِي هو حُكْمُ السّارِقِ وأهْلُهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَلا يَكُونُ حِينَئِذٍ مِنَ المَلِكِ إلّا تَخْلِيَتُهم وما حَكَمُوا بِهِ عَلى نُفُوسِهِمْ.

ومادَّةُ ”سَرَقَ“ بِتَراكِيبِها الأرْبَعَةِ: سَرَقَ، وسَقَرَ، وقَسَرَ، وقَرَسَ - تَدُورُ عَلى الغَلَبَةِ المُحْرِقَةِ والمُوجِعَةِ، وتارَةً تَكُونُ بِحَرٍّ، وتارَةً بِبَرْدٍ، وتارَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ، وتَلازُمِها القُوَّةُ والضَّعْفُ والكَثْرَةُ والقِلَّةُ والمُخادَعَةُ، فَيَأْتِي الخَفاءُ واللَّيْلُ، فَمِن مُطْلَقِ الغَلَبَةِ: القَسْرُ، وهو الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: القَسْرُ: الأخْذُ بِالغَلَبَةِ والِاضْطِهادِ، والقَسْوَرَةُ: الأسَدُ، والعَزِيزُ كالقَسْوَرِ، والرُّماةِ مِنَ الصَّيّادِينَ، واحِدُهُ قَسْوَرٌ، (p-١٧٤)ونَباتٌ سَهْلِيٌّ - كَأنَّهُ يَكْثُرُ فِيهِ الصَّيْدُ، فَتَنْتابُهُ القَساوِرَةُ، وقَسْوَرُ النَّبْتِ: كَثُرُ، ورَكَزُ النّاسِ، أيْ صَوْتِهِمُ الخَفِيِّ وحِسِّهِمْ - لِأنَّ الصَّيّادِينَ يَتَخافَتُونَ؛ والسَّقَرُ لُغَةً في الصَّقْرِ - لِطَيْرٍ يَصِيدُ؛ وقَسْرُ: جَبَلُ السَّراةِ - كَأنَّهُ مَوْضِعُ الصَّيْدِ والقَسْرِ والغَلَبَةِ، والقَيْسَرِيُّ: الكَثِيرُ - لِأنَّهُ مَلْزُومٌ لِلْغَلَبَةِ، وضَرْبٌ مِنَ الجُعْلانِ - كَأنَّهُ سُمِّيَ لِمُطْلَقِ الكَثْرَةِ ولِأذاهُ بِما يُعانِيهِ مِنَ النَّجاساتِ، والقَيْسَرِيُّ - أيْضًا مِنَ الإبِلِ: العَظِيمُ أوِ الصُّلْبُ أوِ الضَّخْمُ الشَّدِيدُ؛ وجَمَلٌ قُراسِيَةٌ - بِالضَّمِّ وتَخْفِيفِ الياءِ: ضَخْمٌ، والقِرْسُ - بِالكَسْرِ: صِغارُ البَعُوضِ؛ والقَسْوَرَةُ أيْضًا مِنَ الغِلْمانِ: الشّابُّ القَوِيُّ، والرّامِي - لِأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يَغْلِبَ، ولِقَسْوَرٍ أيْضًا: الصَّيّادُ مُطْلَقًا؛ ويَلْزَمُهُ المُخادَعَةُ والِاسْتِخْفاءُ، ومِنهُ القَسْوَرَةُ: نِصْفُ اللَّيْلِ أوْ أوَّلُهُ أوْ مُعْظَمُهُ - لِأنَّهُ مَحَلُّ الِاسْتِخْفاءِ والمَقاهَرَةِ؛ ومِنهُ السَّرَقُ، وهو الأخْذُ في خُفْيَةٍ، وعِبارَةُ القَزّازِ: في خَتْلٍ وغَفْلَةٍ، وسَرَقَ - كَفَرِحَ: خَفِيَ، والسَّوارِقُ: الزَّوائِدُ في فِراشِ القُفْلِ - لِغَرابَتِها وخَفاءِ (p-١٧٥)أمْرِها، أوْ لِسَلْبِها السَّرِقَةَ بِمَنعِها السّارِقَ مِن فَتْحِ القُفْلِ، والمُسْتَرِقُ: المُسْتَمِعُ مُخْتَفِيًا، وانْسَرَقَ عَنْهُمْ: خَنِسَ لِيَذْهَبَ، ويَلْزَمُ المُخادَعَةَ والِاخْتِفاءَ نَوْعُ ضَعْفٍ، ومِنهُ: سُرِقَتْ مَفاصِلُهُ - كَفَرِحَ: ضَعُفَتْ، والمُسْتَرِقُ: النّاقِصُ الضَّعِيفُ الخَلْقِ؛ وانْسَرَقَ: فَتَرَ وضَعُفَ - إمّا مِنهُ وإمّا مِنَ السَّلْبِ، لِأنَّ مَن فَتَرَ أوْ ضَعُفَ يَكُفُّ عَنِ السَّرِقَةِ والأذى؛ وقُسُورُ الرَّجُلِ: أسِنَ، وكانَ مِنهُ القارِسُ والقَرِيسُ أيِ القَدِيمُ، ومُسْتَرِقُ العُنُقِ: قَصِيرُها - كَأنَّهُ سُرِقَ مِنها شَيْءٌ، وهو يُسارِقُ النَّظَرَ إلَيْهِ، أيْ يَطْلُبُ غَفْلَتَهُ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ، وتَسْرِقُ: [سَرَقَ] شَيْئًا فَشَيْئًا، وسَرَّقَ - كَسَكَّرَ - كانَ اسْمُهُ الحَبّابُ فابْتاعَ مِن بَدَوِيٍّ راحِلَتَيْنِ، ثُمَّ أجْلَسَهُ عَلى بابِ دارٍ لِيَخْرُجَ إلَيْهِ بِثَمَنِهِما فَخَرَجَ مِنَ البابِ الآخَرِ فَهَرَبَ بِهِما، فَسَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَرِقًا، وكانَ لا يُحِبُّ أنْ يُسَمّى بِغَيْرِهِ، والسَّرَقُ - مُحَرَّكًا: أجْوَدُ الحَرِيرِ [أوِ الحَرِيرُ] الأبْيَضُ، أوِ الحَرِيرُ عامَّةً، فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ أصْلُهُ سِرُّهُ، قالَ القَزّازُ: ومَعْناهُ: جَيِّدٌ، لِأنَّهُ (p-١٧٦)أهْلٌ لِأنْ يَقْصِدَ بِالسَّرِقَةِ لِخِفَّةٍ مَحْمِلِهِ وكَثْرَةِ تَمَنِهِ، والسِّرْقِينَ مُعَرَّبُ سِرْكِينَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الضَّعْفِ، ولَعَلَّ المُعَرَّبَ يَكُونُ خارِجًا عَنْ أصْلِ المادَّةِ، لِأنَّهُ لا أصْلَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ؛ ومِنَ الأذى بِالحَرِّ السَّفَرُ: حَرُّ الشَّمْسِ وأذاهُ، يُقالُ: سَقَرَتْهُ الشَّمْسُ - بِالسِّينِ والصّادِ - إذا آلَمَتْ دِماغَهُ، ومِنهُ اشْتِقاقُ سَقَرَ، وهو اسْمُ إحْدى طَبَقاتِ النّارِ، والسَّقَرُ: القِيادَةُ عَلى الحَرَمِ، والسَّقَرُ: ما يَسِيلُ مِنَ الرُّطَبِ - مِنَ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ السَّبَبِ، لِأنَّ الحَرَّ سَبَّبَهُ، والقَوْسَرَةُ: القَوْصَرَةُ - ويُخَفَّفانِ - لِأنَّهُ يُوضَعُ فِيهِ التَّمْرُ الَّذِي قَدْ يَكُونُ مِنهُ السَّقَرُ، والسّاقِرُ: الكافِرُ واللَّعّانُ لِغَيْرِ المُسْتَحِقِّينَ - لِكَثْرَةِ الأذى، أوْ لِاسْتِحْقاقِ الكَوْنِ في سَقَرَ، والسّاقُورُ: الحُرُّ والحَدِيدَةُ يُكْوى بِها الحِمارُ؛ ومِنَ الأذى بِالبَرْدِ: القَرْسُ - وهو البَرْدُ الشَّدِيدُ والبارِدُ، والقَرْسُ - ويُحَرِّكُ: أبْرَدُ الصَّقِيعِ وأكْثَفُهُ، والقَرَسُ - بِالتَّحْرِيكِ: الجامِدُ، وأقْرَسَ العُودَ جَمَّدَ ماءَهُ، ومِنهُ القَرِيسُ - لِسَمَكٍ طُبِخَ وتُرِكَ حَتّى جَمُدَ، وقَرَسَ الماءُ: جَمُدَ، والبَرْدُ: اشْتَدَّ كَقَرِسَ كَفَرِحَ، وآلَ قَرايِسَ ويُقالُ: نَباتٌ قَراسٌ - (p-١٧٧)كَسَحابٍ: أجُبِلَ بارِدَةٌ أوْ هِضابٌ بِناحِيَةِ السَّراةِ، وقَرَسْنا الماءَ: بَرَدْناهُ.

إذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَتَصْحِيحُ قَوْلِ المُؤَذِّنِ ”إنَّكم لَسارِقُونَ“ إنْ نَظَرَ إلى الغَلَبَةِ في خَفاءٍ فَلا شَكَّ أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِذَلِكَ لِأخْذِهِمْ يُوسُفَ مِن أبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وإنْ نَظَرَ إلى مُطْلَقِ الأخْذِ في [خَفاءٍ] فَيَكُونُ إطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَجازًا، لِأنَّ مَعَهم - في حالِ نِدائِهِ لَهم وهم سائِرُونَ - شَيْئًا لَيْسَ هو لَهم هم ذاهِبُونَ بِهِ في خَفاءٍ، أيْ أنْتُمْ في هَذِهِ الحالَةِ فاعِلُونَ فِعْلَ السّارِقِ، ويُقَوِّي إرادَةَ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] كَما سَيَأْتِي.

ولَمّا كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وتَمَكُّنِهِ ورِفْعَتِهِ، بَعْدَ ما كانَ فِيهِ عِنْدَهم مِنَ الصَّغارِ، كانَ ذَلِكَ مَحَلُّ عَجَبٍ، فَقالَ تَعالى - التِفاتًا إلى مَقامِ التَّكَلُّمِ تَقْوِيَةً لِلْكَلامِ بِمَقامِ الغَيْبَةَ والتَّكَلُّمِ، وزادَهُ إشْعارًا بِعَظَمَةِ، هَذا الفِعْلِ بِصَوْغِهِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ مُنَبِّهًا لِمَن قَدْ يَغْفُلُ: ﴿نَرْفَعُ﴾ أيْ لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وكانَ الأصْلُ: دَرَجاتِهِ، ولَكِنَّهُ عَمَّمَ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى العَظَمَةِ، فَكانَ ألْيَقَ بِمَظْهَرِها (p-١٧٨)فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ كانَ حَصَلَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الهَضْمِ ما ظَنَّ كَما ظَنَّ أنَّهُ لا يَرْتَفِعُ بَعْدَهُ: ﴿دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ أيْ بِالعِلْمِ.

ولَمّا كانَ سَبَبُ الرِّفْعَةِ هو الأعْلَمِيَّةُ بِالأسْبابِ، وذَلِكَ أنَّ الخَلْقَ لَوِ اجْتَهَدُوا في خَفْضِ أحَدٍ فَنَصَبُوا لَهُ كُلَّ سَبَبٍ عَلِمُوهُ وقَدِرُوا عَلَيْهِ، وأرادَ اللَّهُ ضِدَّ ذَلِكَ، لَقَيَّضَ بِعِلْمِهِ سَبَبًا واحِدًا إنْ شاءَ فَأبْطَلَ جَمِيعَ تِلْكَ الأسْبابِ وقَضى بِرِفْعَتِهِ، نَبَّهْ تَعالى عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ أيْ مِنَ الخَلْقِ ”عَلِيمٌ“ عَظِيمُ العِلْمِ، لا تَكْتَنِهُ عَظَمَةَ عِلْمِهِ العُقُولُ، ولا تَتَخَيَّلُها الفُهُومُ، فَهو يُسَبِّبُ مِنَ الأسْبابِ ما تَطِيحُ لَهُ أسْبابُ العُلَماءِ وتَحَيَّرَ لَهُ ألْبابُ العُقَلاءِ البُصَراءِ، وهو اللَّهُ تَعالى - كَما نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحُسْنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ.

12:77Page 244

۞ قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ٧٧

They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them.1 He said, "You are worse in position, and Allāh is most knowing of what you describe."

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ انْتِزاعَ أخِيهِمْ مِنهم - بَعْدَ تِلْكَ المَواثِيقِ الَّتِي أكَّدُوها لِأبِيهِمْ - لِداهِيَةٍ تَطِيشُ لَها الحُلُومُ، فَماذا كانَ فِعْلُهم عِنْدَها؟ فَقِيلَ: ”قالُوا“ تَسْلِيَةً لِأنْفُسِهِمْ ودَفْعًا لِلْعارِ عَنْ خاصَّتِهِمْ ﴿إنْ يَسْرِقْ﴾ فَلَمْ يَجْزِمُوا بِسَرِقَتِهِ، لِعِلْمِهِمْ بِأمانَتِهِ، وظَنِّهِمْ هَذا الصُّواعَ دَسَّ في رَحْلِهِ وهو لا يَشْعُرُ، كَما دَسَّتْ بِضاعَتُهم في رِحالِهِمْ (p-١٧٩)وإنَّما أوْهى ظَنَّهم هَذا سُكُوتُ أخِيهِمْ عَنِ الِاعْتِذارِ بِهِ، عَلى أنَّهُ قَدْ ورَدَ أنَّهم لامُوهُ فَقالَ لَهُمْ: وضَعَهُ في رَحْلَيِ الَّذِي وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِهِمْ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ﴾ أيْ شَقِيقٌ ﴿لَهُ﴾ ولَمّا كانَ ما ظَنُّوهُ كَذَلِكَ في زَمَنٍ يَسِيرٍ، أدْخَلُوا الجارَ فَقالُوا: ﴿مِن قَبْلُ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ عَمَّتَهُ كانَتْ لا تَصْبِرُ عَنْهُ، وكانَ أبُوهُ لا يَسْمَحُ بِمُكْثِهِ عِنْدَها، لِأنَّهُ لا يَصْبِرُ عَنْهُ، فَحَزَمَتْهُ مِن تَحْتِ ثِيابِهِ بِمِنطَقَةِ أبِيها إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ عِنْدَها، ثُمَّ قالَتْ: فَقَدْتُ مِنطِقَةَ أبِي، فاكْشِفُوا أهْلَ البَيْتِ، فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَسَمَحَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَئِذٍ لَها بِبَقائِهِ عِنْدَها ﴿فَأسَرَّها﴾ أيْ إجابَتُهم عَنْ هَذِهِ القَوْلَةِ القَبِيحَةِ ﴿يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ عَلى تَمَكُّنِهِ مِمّا يُرِيدُ بِهِمْ مِنَ الِانْتِقامِ.

ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّهُ بَكَتْهم بِها بَعْدَ ذَلِكَ، نَفى هَذا الظَّنُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يُبْدِها﴾ أيْ أصْلًا ﴿لَهُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قَوْلَتُهُ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، لِأنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِما مِنَ الشَّرِّ إنَّما هو ظاهِرًا لِأمْرِ خَيْرٍ اقْتَضاهُ، وأمّا أنْتُمْ فَفِعْلَتُكم بِيُوسُفَ شَرُّ مَقْصُودٍ مِنكم ظاهِرًا وباطِنًا، ونِسْبَةُ الشَّرِّ إلى (p-١٨٠)مَكانِهِمْ أعْظَمَ مِن نِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ، وإنَّما قَدَّمَ الإخْبارَ بِالإسْرارِ مَعَ اقْتِرانِهِ بِالإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ، لِئَلّا يَظُنُّ بادِئَ بَدْءٍ أنَّهم سَمِعُوا ما وصَفَهم بِهِ مِنَ الشَّرِّ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنكُمْ، وأنَّهُ لَيْسَ كَما قُلْتُمْ؛ والوَصْفُ: كَلِمَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن أصْلِ [مِنَ] الأُصُولِ لِتَجْرِيَ عَلى مَذْكُورٍ فَتَفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ النَّقِيضِ كالفَرْقِ بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ ونَحْوِهِما،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском