Al-Biqa'iYusuf · 12:78–85

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:78–85

12:78Page 244

قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبٗا شَيۡخٗا كَبِيرٗا فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٧٨

They said, "O ʿAzeez,1 indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ عَلى فُحْشِهِ لَيْسَ مُغْنِيًا عَنْهم ولا عَنْ أبِيهِمْ شَيْئًا، فَهَلِ اقْتَصَرُوا عَلَيْهِ؟ فَقِيلَ: لا، بَلْ ﴿قالُوا﴾ التِماسًا لِما يُغْنِيهِمْ: ﴿يا أيُّها العَزِيزُ﴾ فَخاطَبُوهُ بِما يَلِيقُ بِالأكابِرِ لِيَرِقَّ لَهم ﴿إنَّ لَهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي وجَدَ الصُّواعَ في رَحْلِهِ ﴿أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ في سِنِّهِ وقَدَرِهِ وهو مُغْرَمٌ بِهِ، لا يَقْدِرُ عَلى فِراقِهِ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ وأحْسَنَ إلى أبِيهِ بِإرْسالِهِ إلَيْهِ ﴿إنّا نَراكَ﴾ أيْ نَعْلَمُكَ عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ أوْ بِحَسَبِ ما رَأيْناهُ ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في صِفَةِ الإحْسانِ، فَأجْرِ في أمْرِنا عَلى عادَةِ إحْسانِكَ،

12:79Page 245

قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّظَٰلِمُونَ ٧٩

He said, "[I seek] the refuge of Allāh [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما أجابَهُمْ؟ قِيلَ: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ﴾ أيْ نَعُوذُ بِالَّذِي لا مِثْلَ مُعاذًا عَظِيمًا ﴿أنْ نَأْخُذَ﴾ أيْ لِأجْلِ هَذا الأمْرِ ﴿إلا مَن﴾ أيِ الشَّخْصِ الَّذِي ﴿وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: سَرَقَ مَتاعَنا، لِأنَّهُ - كَما أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ في الصُّواعِ فِعْلَ السّارِقِ - لَمْ يَقَعْ مِنهُ قَبْلَ ذَلِكَ ما يُصَحِّحُ إطْلاقَ الوَصْفِ عَلَيْهِ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا﴾ أيْ إذا أخَذْنا أحَدًا مَكانَهُ ﴿لَظالِمُونَ﴾ أيْ عَرِيقُونَ في الظُّلْمِ في دِينِكُمْ، (p-١٨١)فَلِمَ تَطْلُبُونَ ما هو ظُلْمٌ عِنْدِكم.

ذَكَرَ بَعْدَ ما سَلَفَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ

قالَ: وكانَ القَهَمُ - وفي نُسْخَةٍ: الجُوعُ - والإرْجافُ عَلى جَمِيعِ وجْهِ الأرْضِ، فَفَتَحَ يُوسُفُ الأهْراءَ، وأقْبَلَ يَبِيعُ المِصْرِيِّينَ، واشْتَدَّ الجُوعُ بِأرْضِ مِصْرَ، وأقْبَلَ جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ يَأْتُونَ لِلِامْتِيارِ مِن يُوسُفَ.

فَبَلَغَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ بِمِصْرَ طَعامُ مِيرَةَ، فَقالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِبَنِيهِ: لا خَوْفَ عَلَيْكُمْ، لِأنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أنَّ بِمِصْرَ مِيرَةً فاهْبِطُوا إلى هُناكَ، فامْتارُوا لَنا فُنْحِيِي ولا نَمُوتُ. فَهَبَطَ بَنُو يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [العَشْرَةُ لِيَمْتارُوا مِيرَةً مِن مِصْرَ، فَأمّا بِنْيامِينُ أخُو يُوسُفَ فَلَمْ يُرْسِلْهُ يَعْقُوبُ ] مَعَ إخْوَتِهِ، لِأنَّهُ قالَ: لَعَلَّهُ أنْ يَعْرِضَ لَهُ عارِضٌ، فَأتى بَنُو إسْرائِيلَ لِيَمْتارُوا مَعَ الَّذِينَ كانُوا يَنْطَلِقُونَ، لِأنَّ الجُوعَ اشْتَدَّ في أرْضِ كَنْعانَ، وكانَ يُوسُفُ هو المُسَلَّطُ عَلى الأرْضِ، وكانَ يُمَيِّزُ جَمِيعَ شَعْبِ الأرْضِ، فَأتى إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ (p-١٨٢)الصَّلاةُ والسَّلامُ فَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا عَلى الأرْضِ، فَرَأى يُوسُفُ إخْوَتَهُ فَأثْبَتَهم وتَناكَرَ عَلَيْهِمْ وكَلَّمَهم بِفَظاظَةٍ وقَساوَةٍ، وقالَ لَهُمْ: مَن أيْنَ أنْتُمْ؟ فَقالُوا: أتَيْنا مِن أرْضِ كَنْعانَ لِنَمْتارَ مِيرَةً، فَذَكَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرُّؤْيا الَّتِي قَصَّها عَلَيْهِمْ وقالَ لَهُمْ: إنَّكم جَواسِيسُ، وإنَّما أتَيْتُمْ لِتَفْحَصُوا وتَطَّلِعُوا الأرْضَ. فَقالُوا: كَلّا يا سَيِّدَنا! إنَّ عَبِيدَكَ إنَّما أتَوْا لِيَمْتارُوا، نَحْنُ أجْمَعُونَ بَنُو رَجُلٍ واحِدٍ، ونَحْنُ أبْرِياءُ، ولَيْسَ عَبِيدُكَ بِطَلائِعَ، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: [لَيْسَ] الأمْرُ كَما تَقُولُونَ، بَلْ إنَّما أتَيْتُمْ لَتَجَسَّسُوا أرْضَنا. فَقالُوا لَهُ: نَحْنُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا إخْوَةُ عَبِيدِكَ بَنُو رَجُلٍ واحِدٍ بِأرْضِ كَنْعانَ، والآخِرُ هو عِنْدَ أبِينا يَوْمُنا هَذا، والآخَرُ فَقَدْناهُ، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: إنِّي إنَّما قُلْتُ لَكُمْ: إنَّكم جَواسِيسُ، مِن أجْلِ هَذا بِهَذِهِ تُمْتَحَنُونَ، وحَقُّ فِرْعَوْنَ! لا أُخْرِجَنَّكم مِن هاهُنا حَتّى يَأْتِيَ أخُوكُمُ الأصْغَرُ إلى (p-١٨٣)هاهُنا. فَنَفْحَصُ عَنْ أقاوِيلِكم إنْ كُنْتُمْ نَطَقْتُمْ بِالحَقِّ والقِسْطِ، وإلّا وحَقُّ فِرْعَوْنَ! إنَّكم طَلائِعُ، فَقَذَفَهم في الحَبْسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ودَعا بِهِمْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في اليَوْمِ الثّالِثِ، وقالَ لَهُمُ: افْعَلُوا ما آمُرُكم بِهِ فَتُحَيُّوا، فَإنِّي أُراقِبُ اللَّهَ فِيكُمْ، إنْ كُنْتُمْ أبْرِياءَ فَلْيَحْبِسْ أحَدُكم في مَحْبِسِكم وانْطَلِقُوا أنْتُمْ بِالمِيرَةِ لِلْجُوعِ الَّذِي في بُيُوتِكُمْ، فائْتُونِي بِأخِيكُمُ الأصْغَرِ فَأصَّدَّقَ قَوْلَكم ولا تَمُوتُوا، فَفَعَلُوا كَما أمَرَهُمْ، فَقالَ كُلُّ امْرِئٍ [مِنهُمْ] لِصاحِبِهِ: حَقًّا إنّا قَدِ اسْتَوْجَبْنا السَّجْنَ عَلى أخِينا إذْ رَأيْنا كَرْبَ نَفْسِهِ إذا كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْنا فَلَمْ نَرْحَمْهُ ولَمْ نَتَراءَفْ عَلَيْهِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ نَزَلَتْ بِنا هَذِهِ البَلِيَّةُ والشَّرُّ، فَأجابَ رُوبَيْلُ وقالَ لَهُمْ: ألَمْ أقُلْ لَكُمْ: لا تَأْثَمُوا بِالغُلامِ، فَلَمْ تَقْبَلُوا، وهو ذا الآنَ نَحْنُ مُطالَبُونَ بِدَمِهِ. ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ يُوسُفَ يَفْهَمُ كَلامَهُمْ، لِأنَّهُ أوْقَفَ تُرْجُمانًا بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، فَتَنَحّى عَنْهم فَبَكى، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ يُكَلِّمُهُمْ، ثُمَّ أخَذَ مِنهم شَمْعُونُ فَأوْثَقَهُ تُجاهَهم.

وأمَرَ يُوسُفُ بِمَلْءِ أوْعِيَتِهِمْ مِيرَةً، وأمَرَ بَرَدِّ ورِقِ كُلِّ امْرِئٍ مِنهم في وِعائِهِ، وأنْ يُزَوِّدُوا زادًا لِلطَّرِيقِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ كَما أمَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحَمَلُوا مِيرَتَهم عَلى حَمِيرِهِمْ وانْطَلَقُوا، فَفَتَحَ بَعْضُهم وِعاءَهُ (p-١٨٤)لِيُلْقِيَ قَضِيمًا لِحِمارِهِ في مَبِيتِهِمْ. فَرَأى ورَقَهُ مَوْضُوعًا عَلى طَرَفِ حُمُولَتِهِ. فَقالَ لِإخْوَتِهِ: ورِقِي رَدُّ إلَيَّ وهو ذا عَلى طَرَفِ حُمُولَتِي، فارْتَجَفَتْ قُلُوبُهم وفَزِعَتْ نُفُوسُهُمْ، وتَعَجُّبَ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ، فَقالُوا: يا لَيْتَ شِعْرِي ما هَذا الَّذِي صَنَعَهُ اللَّهُ بِنا! فَأتَوْا يَعْقُوبَ أباهم إلى أرْضِ كَنْعانَ، فَأخْبَرُوهُ بِجَمِيعِ ما عَرَضَ لَهم وقالُوا: إنَّ الرَّجُلَ سَيِّدُ الأرْضِ كَلَّمَنا بِفَظاظَةٍ وقَساوَةٍ. وحَسِبْنا بِمَنزِلَةِ الجَواسِيسِ أتَيْنا لِنُطالِعَ الأرْضَ، فَقُلْنا: إنّا أبْرِياءُ عُدُولٌ، فَلَسْنا بِطَلائِعَ، فَنَحْنُ اثْنا عَشَرَ أخًا بَنُو أبٍ واحِدٍ، فَقَدَ واحِدٌ مِنّا والآخَرُ عِنْدَ أبِينا يَوْمِنا هَذا بِأرْضِ كَنْعانَ، فَقالَ لَنا الرَّجُلُ سَيِّدُ الأرْضِ ورَئِيسُها: بِهَذا أعْلَمُ أنَّكم أبْرارٌ عُدُولٌ، خَلَّفُوا عِنْدِي أحَدَ إخْوَتِكُمْ، واحْمِلُوا مِيرَةً لِلْجُوعِ الَّذِي في بُيُوتِكم. وانْصَرِفُوا فائْتُونِي بِأخِيكُمُ الأصْغَرِ مَعَكُمْ، فَأعْلَمُ حِينَئِذٍ أنَّكم لَسْتُمْ بِطَلائِعَ، بَلْ أنْتُمْ أبْرِياءُ عُدُولٌ، وآمُرُ بِدَفْعِ أخِيكم إلَيْكُمْ، وتَتَّجِرُونَ في الأرْضِ، فَبَيْنَما هم يُفْرِغُونَ أوْعِيَتَهم فَإذا هم بِصُرَّةِ كُلِّ امْرِئٍ مِنهم عَلى طَرَفِ وِعائِهِ فَرَأوْا ورِقَهم مَصُرُورًا فَفَزِعُوا هم وأبُوهم. فَقالَ لَهم أبُوهُمْ: إنَّكم قَدْ أثْكَلْتُمُونِي ولَدِي وأفْقَدْتُمُونِي إيّاهُما، لِأنْ يُوسُفَ فَقَدَتْهُ. وشَمْعانُ مَحْبُوسٌ، (p-١٨٥)وتَنْطَلِقُونَ بِبِنْيامِينَ أيْضًا وقَدْ كَمُلَتْ عَلَيَّ المَصائِبُ كُلُّها، فَقالَ رُوبِيلُ لِأبِيهِ: ثَكَلْتُ بَنِيَّ جَمِيعًا إنْ لَمْ آتِكَ بِهِ! ادْفَعْهُ إلَيَّ وأنا أرُدُّهُ إلَيْكَ، فَقالَ: لا يَهْبِطُ ابْنِي مَعَكُمْ، لِأنَّ أخاهُ يُوسُفَ تُوَفِّيَ وهو وحْدُهُ الباقِيَ لِأُمِّهِ، فَتَعَرَّضَ لَهُ آفَةٌ في الطَّرِيقِ الَّذِي تَسْلُكُونَهُ فَتَنْزِلُونَ [شَيْبَتِي] إلى الجَدَثِ بِالشَّقاءِ والشَّحَبِ.

فاشْتَدَّ الجُوعُ عَلى الأرْضِ، فَلَمّا أكَلُوا الَّذِي أتَوْا بِهِ مِن مِصْرَ وأفْنَوْهُ قالَ لَهم يَعْقُوبُ أبُوهم عَلَيْهِ السَّلامُ: اهْبِطُوا فامْتارُوا لَنا شَيْئًا مِن قَمْحٍ، فَقالَ [لَهُ] يَهُوذا: إنَّ الرَّجُلَ أنْذَرَنا وتَقَدَّمَ إلَيْنا وقالَ: لا تُعايِنُوا وجْهِي إلّا وأخُوكم مَعَكُمْ، فَإنْ أنْتَ أرْسَلْتَ أخانا مَعَنا فَإنّا نَهْبِطُ فَنَمْتارُ، وإنْ لَمْ تَبْعَثْهُ لَمْ نَنْطَلِقْ، فَقالَ لَهم أبُوهُمْ: ولِمَ أسَأْتُمْ إلَيَّ فَأخْبَرْتُمُ الرَّجُلَ أنَّ لَكم أخًا؟ فَقالُوا: الرَّجُلُ سَألَ عَنّا وعَنْ رَهْطِنا وقالَ: إنَّ أباكم في الحَياةِ بَعْدُ؟ وهَلْ لَكَمَ أخٌ؟ فَأخْبَرْناهُ مِن أجْلِ هَذا الكَلامِ، أكُنّا نَعْلَمُ أنَّهُ يَقُولُ: اهْبِطُوا مَعَكم بِأخِيكُمْ؟ وقالَ يَهُوذا لِإسْرائِيلَ أبِيهِ: سَرِّحِ الغُلامَ فَنَنْطَلِقَ فَنَحْيى ولا نَمُوتُ [نَحْنُ] وأنْتَ أيْضًا وحَشَمُنا، أنا أكْفُلُ بِهِ. فَإنْ لَمْ آتِكَ بِهِ فَأُقِيمُهُ بَيْنَ يَدَيْكَ فَأنا مُخْطِئٌ (p-١٨٦)بَيْنَ يَدَيْ أبِي جَمِيعِ الأيّامِ.

فَقالَ أبُوهم إسْرائِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ هَكَذا فافْعَلُوا ما آمُرُكم بِهِ: احْمِلُوا في أوْعِيَتِكم مِن ثِمارِ هَذِهِ الأرْضِ شَيْئًا مِن صَنَوْبَرَ وعَسَلٍ وعَلَّكَ البُطْمِ وخَرُّوبٍ وحُبِّ السَّرْوِ وبُطْمٍ ولَوْزٍ، وخُذُوا مِنَ الوَرِقِ ضِعْفُ الَّذِي في أوْعِيَتِكُمْ، لَعَلَّ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ وهْمًا مِنهُمْ، وانْطَلِقُوا بِأخِيكم إلى الرَّجُلِ، وارْجِعُوا إلَيَّ كُلُّكُمْ، وإلَهُ المَواعِيدِ يُظْفِرُكم مِنَ الرَّجُلِ بِرَحْمَةٍ ورَأْفَةٍ، فَيُرْسِلُ بِأخِيكُمُ الآخَرِ مَعَكم وبِنْيامِينَ أيْضًا، فَأخَذَ القَوْمُ هَذِهِ الهَدِيَّةَ وضَعْفًا مِنَ الفِضَّةِ، وانْطَلَقُوا مَعَهم بِبِنْيامِينَ وأتَوْا يُوسُفَ فَوَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ. فَرَأى يُوسُفُ بِنْيامِينَ مَعَهم فَقالَ لِحاجِبِهِ: أدْخِلِ القَوْمَ إلى المَنزِلِ، واذْبَحْ ذَبِيحًا، وهِيِّئِ الغَداءَ، لِأنَّ القَوْمَ يَتَغَدَّوْنَ مَعِي ظُهْرًا، فَفَعَلَ العَبْدُ كَما أمَرَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأدْخَلَ القَوْمُ إلى مَنزِلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالُوا: إنَّهم إنَّما يُدْخِلُونَنا لِسَبَبِ الوَرِقِ الَّذِي وجَدْنا في أعْدالِنا مِن قَبْلُ، فَيُرِيدُونَ أنْ يَتَطاوَلُوا عَلَيْنا ويَمْكُرُوا بِنا، فَيَجْعَلُونا عَبِيدًا ودَوابُّنا مِلْكًا، فَدَنَوْا مِنَ الرَّجُلِ حاجِبٌ - وفي نُسْخَةٍ: خازِنٌ - يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَكَلَّمُوهُ عَلى بابِ المَنزِلِ، وقالُوا لَهُ: إنّا نَطْلُبُ إلَيْكَ يا سَيِّدَنا أنّا هَبَطْنا أوَّلًا إلى هاهُنا فامْتَرْنا قَمْحًا، فَلَمّا (p-١٨٧)طَلَعْنا وصِرْنا في البَيْتِ إذا نَحْنُ بِوَرِقِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا في عَدْلِهِ، فَقَدْ رَدَدْنا أوْراقَنا بِوَزْنِها مَعَنا وأتَيْنا مَعَها بِأوْراقٍ أُخَرَ لِنَمْتارَ بِها، ولا نَعْلَمُ مِنَ الَّذِي صَيَّرَ أوْراقَنا في أوْعِيَتِنا؟ فَقالَ لَهُمُ: السَّلامُ لَكُمْ، لا تَخافُوا ولا تَسْتَوْفِضُوا، إلَهُكم إلَهُ المَواعِيدِ إلَهُ أبِيكم ذُخْرٌ لَكم هَذِهِ الذَّخِيرَةُ في أوْعِيَتِكُمْ، لِأنَّ ورِقَكم قَدْ صارَ في قَبْضَتِي، وأخْرَجَ إلَيْهِمْ شَمْعُونَ، فَأدْخَلَ العَبْدُ القَوْمَ إلى مَنزِلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأتاهم بِماءٍ فَغَسَلُوا أيْدِيَهم وأقْدامَهُمْ، وألْقى قَضْمِيا لِدَوابِّهِمْ، فَأعَدَّ القَوْمُ هَدِيَّتَهم قَبْلَ دُخُولِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقْتَ القائِلَةِ لِأنَّهُ بَلَّغَهم أنَّ غَداءَهم يَكُونُ هُناكَ، فَدَخَلَ يُوسُفُ إلى مَنزِلِهِ، فَأدْخَلُوا هَدِيَّتَهم فَوَضَعُوها بَيْنَ يَدَيْهِ في مَنزِلِهِ، وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا عَلى الأرْضِ، فَسَألَهم عَنْ سَلامَتِهِمْ وقالَ: أسالِمُ هُوَ؟ أبُوكُمُ الَّذِي أخْبَرْتُمُونِي عَنْهُ أنَّهُ الحَياةُ هو بَعْدُ؟ فَقالُوا: إنَّ أبانا عَبَدَكَ سالِمٌ، ثُمَّ جَثَوْا فَسَجَدُوا فَرَفَعَ بَصَرَهُ فَأبْصَرَ بِنْيامِينَ أخاهُ ابْنُ أُمِّهِ فَقالَ لَهُمْ: هَذا أخُوكُمُ الَّذِي أخْبَرْتُمُونِي عَنْهُ؟ فَقالُوا: نَعَمْ؟ فَقالَ لَهُ: اللَّهُ يَتَرَأَّفُ عَلَيْكم يا بَنِيَّ، فاسْتَعْجَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ (p-١٨٨)السَّلامَ لِأنَّهُ رَقَّ لَهُ وتَحَنَنَّ عَلَيْهِ فَأرادَ البُكاءَ، فَدَخَلَ [إلى] مَكانِهِ فَبَكى هُناكَ، ثُمَّ غَسَلَ وجْهَهُ وخَرَجَ فَصَبَرَ نَفْسَهُ، فَأمَرَ أنْ يَأْتُوهم بِالغَداءِ، فَوَضَعُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وحْدَهُ، وقَرُبُوا إلَيْهِمْ وحْدَهُمْ، لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أهْلَ مِصْرَ أنْ يَأْكُلُوا مَعَ العِبْرانِيِّينَ، لِأنَّ هَذِهِ نَجاسَةٌ عِنْدَ المِصْرِيِّينَ، فَأمَرَ فاتَّكَأ الأكْبَرُ عَلى قَدْرِ سِنِّهِ والأصْغَرُ عَلى قَدْرِ سِنِّهِ، فَتَعَجَّبَ القَوْمُ ومَكَثُوا مُحَيَّرِينَ مَشْدُوهِينَ، فَأعْطى كُلَّ واحِدٍ مِنهم مِن بَيْنَ يَدَيْهِ جُزْءًا، وأعْطى بِنْيامِينُ أكْثَرَ مِنهُمْ: خَمْسَةُ أنْصِبَةٍ، فَشَرِبُوا.

فَأمَرَ خازِنَهُ وقالَ لَهُ: أوْقِرُ أوْعِيَةَ القَوْمِ مِنَ البَرِّ ما أمْكَنَهم حَمْلَهُ، وصَيَّرَ ورِقَ كُلِّ امْرِئٍ مِنهم عَلى طَرَفِ وِعائِهِ، وخُذْ طاسِي [طاسَ] الفِضَّةِ وصَيِّرْهُ في وِعاءِ الأصْغَرِ مَعَ ورِقِ مِيرَتِهِ، فَفَعَلَ العَبْدُ كَما أمَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ سَرَّحُ القَوْمُ لِيَنْطَلِقُوا [هم وحَمِيرُهُمْ]، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ، وقَبْلَ أنْ يَخْرُجُوا مِنها قالَ يُوسُفُ لِخازِنِهِ: قُمْ فامْضِ في طَلَبِ القَوْمِ وألْحَقُهم وقُلْ لَهُمْ: لِمَ كافَيْتُمُ الشَّرَّ بَدَلَ الخَيْرِ، فَأخَذْتُمُ الطّاسَ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ سَيِّدِي ويَعْتافُ فِيهِ اعْتِيافًا، فَأسَأْتُمْ فِيما جاءَ مِنكُمْ، فَلَحِقَهم وقالَ لَهم هَذِهِ الأقاوِيلَ، فَقالُوا لَهُ: (p-١٨٩)لا تَقُولَنَّ يا سَيِّدَنا هَذِهِ الأقاوِيلَ، مَعاذَ اللَّهُ أنْ يَفْعَلَ عَبِيدُكَ هَذِهِ الفِعالَ! نَحْنُ رَدَدْنا أوْراقَنا الَّتِي وجَدْنا في أوْعِيَتِنا مِن أرْضِ كَنْعانَ، فَكَيْفَ نَسْرِقُ مِن بَيْتِ سَيِّدِكَ ذَهَبًا أوْ فِضَّةً، مَن وجَدَ عِنْدَهُ مِن عَبِيدِكَ فَلْيَمُتْ ونَكُنْ نَحْنُ عَبِيدًا لِسَيِّدِنا! قالَ لَهُمْ: هو عَلى ما تَقُولُونَ، مِن وجَدَ عِنْدَهُ فَهو يَكُونُ لِي عَبْدًا، وأنْتُمْ تَكُونُونَ فَلِحِينَ طاهِينَ، فاسْتَعْجَلَ كُلٌّ مِنهم وِعاءَهُ، فَفَتَّشُوا ابْتِداءً بِالأكْبَرِ وانْتِهاءً إلى الأصْغَرِ، فَوَجَدُوا الطّاسَ في وِعاءِ بِنْيامِينَ، فَمَزَّقُوا ثِيابَهم وخَرَقُوها. وحَمَلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم وِعاءَهُ عَلى حِمارِهِ، ورَجَعُوا إلى القَرْيَةِ، فَدَخَلَ يَهُوذا وإخْوَتُهُ عَلى يُوسُفَ وكانَ في مَنزِلِهِ بَعْدُ، فَخَرَجُوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى الأرْضِ، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: ما هَذا الفِعْلُ الَّذِي جاءَ مِنكُمْ؟ أما تَعْلَمُونَ أنَّ رَجُلًا مِثْلِي يَعْتافُ - وفي نُسْخَةٍ: يَمْتَحِنُ - بِكَأْسٍ اعْتِيافًا؟ لِمَ تَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِ وتَأْخُذُونَهُ؟ فَقالَ يَهُوذا: بِماذا نُكَلِّمُ سَيِّدَنا! وبِماذا نَنْطِقُ! وبِماذا نَفْلَحُ - وفي نُسْخَةٍ: نَحْتَجُّ - مِن عِنْدِ اللَّهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الخَطِيئَةُ بِعَبِيدِكَ، هُوذا نَحْنُ عَبِيدٌ لِسَيِّدِنا نَحْنُ ومَن أُصِيبَ الكَأْسُ عِنْدَهُ، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ (p-١٩٠)أنْ أفْعَلَ هَذا! بَلِ الرَّجُلُ الَّذِي وجَدَ الكَأْسَ عِنْدَهُ يَكُونُ لِي عَبْدًا، وأنْتُمْ فاصْعَدُوا بِسَلامٍ إلى أبِيكم.

فَدَنا مِنهُ يَهُوذا فَقالَ: أنا أطْلُبُ إلَيْكَ يا سَيِّدِي أنْ تَأْذَنَ لِعَبْدِكَ بِالكَلامِ بَيْنَ يَدَيْكَ، يا سَيِّدِ! ولا تُشْعِلْ غَضَبَكَ عَلى عَبِيدِكَ، لِأنَّكَ مِثْلَ فِرْعَوْنَ، سَألَ سَيِّدِي عَبِيدَهُ فَقالَ لَهُمْ: هَلْ لَكم أبٌ أوْ أخٌ؟ فَقُلْنا لِسَيِّدِنا: إنَّ لَنا أبًا شَيْخًا وابْنًا لَهُ صَغِيرًا وُلِدَ عَلى كِبَرِ سِنِّهِ، وإنَّ أخاهُ ماتَ، وهو الباقِي وحْدَهُ لِأُمِّهِ، وأبُوهُ يُحِبُّهُ، وأمَرْتُ عَبِيدَكَ وقُلْتَ: اهْبِطُوا بِهِ إلَيَّ حَتّى أعْرِفَهُ وأُعايِنَهُ، فَقُلْنا لِسَيِّدِنا: لا يَقْدِرُ الغُلامُ عَلى مُفارَقَةِ أبِيهِ، لِأنَّهُ إنْ فارَقَهُ أبُوهُ تُوُفِّيَ، فَقُلْتُ لِعَبِيدِكَ: إنَّهُ لَمْ يَهْبِطْ أخُوكُمُ الأصْغَرُ مَعَكم فَلا تُعَوِّدُوا أنْ تُعايِنُوا وجْهِي، فَلَمّا صَعِدْنا إلى عَبْدِكَ أبِينا أخْبَرْناهُ بِقَوْلِ سَيِّدِنا فَقالَ لَنا عَبْدُكَ أبُونا: ارْجِعُوا فامْتارُوا شَيْئًا [مِن بُرٍّ]، فَقُلْنا لِأبِينا: لا نَقْدِرُ عَلى الهُبُوطِ إلى أنْ [نَهْبِطُ] بِأخِينا الأصْغَرِ مَعَنا، لِأنّا لا نَقْدِرُ عَلى مُعايَنَةِ وجْهِ الرَّجُلِ إنْ لَمْ يَكُنْ أخُونا مَعَنا، فَقالَ [لَنا] عَبَدُكَ أبُونا: أنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ امْرَأتِي ولَدَتْ لِيَ ابْنَيْنِ، فَخَرَجَ واحِدٌ مِن عِنْدِي فَقُلْتُمْ: إنَّهُ قُتِلَ قَتْلًا، فَلَمْ أُعايِنْهُ إلى يَوْمِ النّاسِ هَذا، فَتَحْمِلُونَ أيْضًا هَذا مِن عِنْدِي فَيَعْرِضُ لَهُ صَيْدٌ (p-١٩١)فَتَهْبِطُونَ بِشَيْخُوخَتِي بِحُزْنٍ وشَرِّ القَبْرِ، والآنَ إذا نَحْنُ انْطَلَقْنا إلى عَبْدِكَ أبِينا ولَيْسَ الغُلامُ مَعَنا ونَفْسُهُ حَبِيبَةٌ إلَيْهِ، فَإذا عَلِمَ أنَّ الغُلامَ لَيْسَ هو مَعَنا يَمُوتُ فَيَهْبِطُ عَبْدُكَ شَيْبَةُ أبِينا بِالشَّقاءِ والتَّشْحِيبِ، لِأنَّ عَبْدَكَ ضَمِنَ الغُلامَ لِأبِينا، وقُلْتُ: إنِّي إذا لَمْ آتِكَ بِهِ أُخْطِئُ باقِي جَمِيعِ الأيّامِ، والآنَ فَلْيَبْقَ عَبْدُكَ بَدَلُ الغُلامِ عَبْدًا لِسَيِّدِي، ولِيَصْعَدِ الغُلامُ مَعَ إخْوَتِهِ، لِأنِّي أُفَكِّرُ كَيْفَ أصْعَدُ إلى أبِي ولَيْسَ الغُلامُ مَعِي كَيْلا أُعايِنَ الشَّرَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِأبِي.

12:80Page 245

فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٠

So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allāh and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allāh decides for me,1 and He is the best of judges.

ولَمّا أياسَهم بِما قالَ عَنْ إطْلاقِ بِنْيامِينَ، حَكى اللَّهُ تَعالى ما أثْمَرَ لَهم ذَلِكَ مِنَ الرَّأْيِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا﴾ دالًّا بِالفاءِ عَلى قُرْبِ زَمَنِ تِلْكَ المُراجَعاتِ ﴿اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ أيْ تَحَوَّلَ رَجاؤُهم لِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِ لِما رَأوْا مِن إحْسانِهِ ولُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ يَأْسًا شَدِيدًا بِما رَأوْا مِن ثَباتِهِ عَلى أخْذِهِ بِعَيْنِهِ وعَدَمِ اسْتِبْدالِهِ ﴿خَلَصُوا﴾ أيِ انْفَرِدُوا مِن غَيْرِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿نَجِيًّا﴾ أيْ ذَوِي نَجْوى يُناجِي بَعْضُهم بَعْضًا، مِنَ المُناجاةِ وهي رَفْعُ المَعْنى مِن كُلِّ واحِدٍ إلى صاحِبِهِ في خَفاءٍ، مِنَ النَّجْوِ وهو الِارْتِفاعُ [مِنَ الأرْضِ] - قالَهُ الرُّمّانِيُّ، أوْ تَمَحَّضُوا تَناجِيًا لِإفاضَتِهِمْ فِيهِ (p-١٩٢)بِجِدٍّ كَأنَّهم صُورَةُ التَّناجِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾ مُقَرَّرًا لَهم بِما يَعْرِفُونَهُ مَعَ قُرْبِ الزَّمانِ لِيَشْتَدَّ تَوَجُّهُهم في بَذْلِ الجُهْدِ في الخَلاصِ مِن غَضَبِ أبِيهِمْ ﴿أنَّ أباكُمْ﴾ أيِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ الَّذِي فَجَعْتُمُوهُ في أحَبِّ ولَدِهِ إلَيْهِ.

ولَمّا كانَ المَقامُ بِالتَّقْرِيرِ ومَعْرِفَةِ صُورَةِ الحالِ لِتَوَقُّعِ ما يَأْتِي مِنَ الكَلامِ، قالَ: ﴿قَدْ أخَذَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ قَبْلَ أنْ يُعْطِيَكم هَذا الوَلَدَ الآخَرَ ﴿مَوْثِقًا﴾ ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي شَرَعَهُ - كَما مَضى - كانَ كَأنَّهُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ أيْمانُ المَلِكِ الأعْظَمِ: لَتَأْتُنَّهُ بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكم ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ هَذا ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾ أيْ قَصَّرْتُمْ بِتَرْكِ التَّقَدُّمِ بِما يَحِقُّ لَكم في ظَنِّ أبِيكم أوْ فِيما ادَّعَيْتُمْ لِأبِيكم تَفْرِيطًا عَظِيمًا، فَإنَّ زِيادَةَ ”ما“ تَدُلُّ عَلى إرادَتِهِ لِذَلِكَ ”فِي“ ضَياعِ ﴿يُوسُفَ﴾ فَلا يُصَدِّقُكم أبُوكم أصْلًا، بَلْ يَضُمُّ هَذِهِ إلى تِلْكَ فَيَعْلَمُ بِها خِيانَتَكم قَطْعًا، وأصْلُ مَعْنى التَّفْرِيطِ،: التَّقَدُّمُ، مِن قَوْلِهِ ﷺ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» .

ولَمّا كانَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ التَّأسُّفِ والتَّفَجُّعِ والتَّلَهُّفِ، أكَّدَهُ بِـ ”ما“ النّافِيَةِ لِنَقِيضِ المُثْبِتِ كَما سَلَفَ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ أنَّ فِعْلَكم في يُوسُفَ ما كانَ إلّا تَفْرِيطًا لا شَكَّ فِيهِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ﴾ أيْ أُفارِقَ هَذِهِ (p-١٩٣)﴿الأرْضَ﴾ بِسَبَبِ هَذا، وإيصالُهُ الفِعْلَ بِدُونِ حَرْفٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ صارَ شَدِيدَ الِالتِصاقِ بِها ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ في الذَّهابِ مِنها ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ووَثِقْنا بِهِ ”لِي“ بِخَلاصِ أخِي أوْ بِالذَّهابِ مِنها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي يَعْلَمُها ويَقْدِرُ عَلى التَّسَبُّبِ لَها ﴿وهُوَ﴾ أيْ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ إذا أرادَ أمْرًا بَلَّغَهُ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ، وجَعْلِهِ عَلى أحْسَنِ الوُجُودِ وأتْقَنِها،

12:81Page 245

ٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُمۡ فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبۡنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَيۡبِ حَٰفِظِينَ ٨١

Return to your father and say, 'O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen.1

فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَذا ما رَأى أنْ يَفْعَلَ في نَفْسِهِ، فَماذا رَأى لِإخْوَتِهِ؟ فَقِيلَ: أمَرَهم بِالرُّجُوعِ لِيَعْلَمُوا أباهم لِإمْكانِ أنْ يُرِيدَ القُدُومَ إلى مِصْرَ لِيَرى ابْنَهُ أوْ يَكُونُ عِنْدَهُ رَأْيٌ فِيهِ فَرَجٌ، فَقالَ: ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكُمْ﴾ أيْ دُونِي ”فَقُولُوا“ أيْ لَهُ مُتَلَطِّفِينَ في خِطابِكم ﴿يا أبانا﴾ وأكَّدُوا مَقالَتَكم فَإنَّهُ يُنْكِرُها [لَكُمْ] فَقُولُوا: ﴿إنَّ ابْنَكَ﴾ أيْ شَقِيقُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي هو أكْمَلُنا في البُنُوَّةِ عِنْدَكَ ﴿سَرَقَ﴾

ولَمّا كانُوا في غايَةِ الثِّقَةِ مِن أنَّ أحَدًا مِنهم لا يُلِمُّ بِمِثْلِ ذَلِكَ، أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما شَهِدْنا﴾ أيْ في ذَلِكَ ﴿إلا بِما عَلِمْنا﴾ ظاهِرًا مِن رُؤْيَتِنا الصُّواعُ يَخْرُجُ مِن وِعائِهِ؛ والشَّهادَةُ: الخَبَرُ عَنْ إحْساسِ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وتَجُوزُ الشَّهادَةُ بِما أدّى إلَيْهِ الدَّلِيلُ القَطْعِيُّ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ﴾ أيِ الأمْرُ الَّذِي غابَ عَنّا ﴿حافِظِينَ﴾ فَلَعَلَّ حِيلَةً دُبِّرَتْ في ذَلِكَ غابَ (p-١٩٤)عَنّا عِلْمُها كَما صَنَعَ في رَدِّ بِضاعَتِنا

12:82Page 245

وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلۡعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقۡبَلۡنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٨٢

And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful.'"

﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ أيْ أهْلَها وجُدْرانَها إنْ كانَتْ تَنْطِقُ ﴿الَّتِي كُنّا فِيها﴾ وهي مِصْرُ، عَمّا أخْبَرْناكَ بِهِ يُخْبِرُوكَ بِصِدْقِنا، فَإنَّ الأمْرَ قَدِ اشْتَهَرَ عِنْدَهم ”و“ اسْألِ ”العِيرَ“ أيْ أصْحابَها وهم قَوْمٌ مِن كَنْعانَ جِيرانُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ والسُّؤالُ: طَلَبُ الإخْبارِ بِأداتِهِ مِنَ الهَمْزَةِ وهَلْ ونَحْوُهُما، والقَرْيَةُ: الأرْضُ الجامِعَةُ لِحُدُودٍ فاصِلَةٍ، وأصْلُها مَن قَرَيْتُ الماءَ، أيْ جَمَعْتُهُ، وسَيَأْتِي شَرْحُ لَفْظِها آخِرَ السُّورَةِ، والعِيرُ: قافِلَةُ الحَمِيرِ، مِنَ العِيرِ - بِالفَتْحِ، وهو الحِمارُ، هَذا الأصْلُ - كَما تَقَدَّمَ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في غَيْرِ الحَمِيرِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ جَدِيرًا بِالإنْكارِ لِما يَتَحَقَّقُ مِن كَرَمِ أخِيهِمْ، أكَّدُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا﴾ أيْ واللَّهِ ﴿لَصادِقُونَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَرَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وقالُوا ما قالَ لَهم كَبِيرُهُمْ،

12:83Page 245

قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٨٣

[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allāh will bring them to me all together. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ بَلْ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَمْ تَصِحَّ نِسْبَةُ ابْنِي إلى السَّرِقَةِ ظاهِرًا ولا باطِنًا، أيْ [لَمْ] يَأْخُذُ شَيْئًا مِن صاحِبِهِ في خَفاءٍ بَلْ ﴿سَوَّلَتْ﴾ أيْ زَيَّنَتْ تَزْيِينًا فِيهِ غَيٌّ ﴿لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ حَدَّثْتُكم بِأمْرٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، والأمْرُ: الشَّيْءُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ تَأْمُرَ (p-١٩٥)النَّفْسُ بِهِ، وكِلا الأمْرَيْنِ صَحِيحٌ، أمّا النَّفْيُ فَواضِحٌ، لِأنَّ بِنْيامِينَ لَمْ يَسْرِقِ الصُّواعَ ولا هَمَّ بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسُبُهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا مُنادِيهِ إلى ذَلِكَ بِمُفْرَدِهِ، وأمّا الإثْباتُ فَأوْضَحُ، لِأنَّهُ لَوْلا فِعْلُهم بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَما سَوَّلَتْ لَهم فِيهِ أنْفُسُهم لَمْ يَقَعْ هَذا الأمْرُ لِبِنْيامِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ مِنِّي، لِأنَّ ظَنِّي في اللَّهِ جَمِيلٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ﴾ أيْ بِيُوسُفَ وشَقِيقِهِ بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ ﴿جَمِيعًا﴾ ما يَدُلُّ الفَطِنُ عَلى أنَّهُ تَفَرَّسَ أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ نَشَأتْ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ الأمْرَ إلى سَلامَةٍ واجْتِماعٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ البَلِيغُ العِلْمِ بِما خَفِيَ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ، فَيَعْلَمُ أسْبابَهُ المُوصِلَةَ إلى المَقاصِدِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ البَلِيغُ في إحْكامِ الأُمُورِ في تَرْتِيبِ الأسْبابِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِ ما أبْرَمَهُ مِنها، وتَرْتِيبِ الوَصْفَيْنِ عَلى غايَةِ الإحْكامِ - كَما تَرى - لِأنَّ الحالَ داعٍ إلى العِلْمِ بِما غابَ مِنَ الأسْبابِ أكْثَرُ مِن دُعائِهِ إلى مَعْرِفَةِ حِكْمَتِها؛ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ

12:84Page 245

وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ ٨٤

And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white1 from grief, for he was [of that] a suppressor.2

﴿وتَوَلّى﴾ أيِ انْصَرَفَ بِوَجْهِهِ ﴿عَنْهُمْ﴾ لِما تَفاقَمَ عَلَيْهِ مِنَ الحُزْنِ، وبَلَغَ بِهِ مِنَ الجُهْدِ، وهاجَ [بِهِ] (p-١٩٦)بِاجْتِماعِ حُزْنٍ إلى حُزْنٍ مِنَ الحَرْقِ [كَراهِيَةً] لِما جاءُوا بِهِ وإقْبالًا عَلى مَن إلَيْهِ الأمْرُ ﴿وقالَ﴾ مُشْتَكِيًا إلى اللَّهِ لا غَيْرِهِ، فَهو تَعْرِيضٌ بِأشَدِّ التَّصْرِيحِ والدُّعاءِ: ﴿يا أسَفى﴾ أيْ يا أشَدَّ حُزْنِي، والألِفُ بَدَلٌ عَنْ ياءِ الإضافَةِ لِتَدُلَّ عَلى بُلُوغِ الأسَفِ إلى ما لا حَدَّ لَهُ، وجِناسُ ”الأسَفِ“ مَعَ ”يُوسُفَ“ مِمّا لَمْ يُتَعَمَّدْ، فَيَكُونُ مَطْبُوعًا، فَيْصَلُ إلى نِهايَةِ الإبْداعِ، وأمْثالُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ ﴿عَلى يُوسُفَ﴾ هَذا أوانُكَ الَّذِي مَلَأنِي بِكَ فَنادِمْنِي كَما أُنادِمُكَ /، وخَصَّهُ لِأنَّهُ قاعِدَةُ إخْوانِهِ، انْبَنى عَلَيْها وتَفَرَّعَ مِنها ما بَعْدَها ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُهُما إلى حالِ البَياضِ كَثْرَةَ الِاسْتِعْبارِ، فَعَمى البَصَرُ ﴿مِنَ الحُزْنِ﴾ الَّذِي هو سَبَبُ البُكاءِ الدّائِمِ الَّذِي هو سَبَبُ البَياضِ، فَذَكَرَ السَّبَبَ الأوَّلَ، يُقالُ: بَلَغَ حُزْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حُزْنَ سَبْعِينَ ثَكْلى وما ساءَ ظَنُّهُ قَطُّ.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ﴾ أيْ بِسَبَبِ الحُزْنِ ﴿كَظِيمٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الكَظْمِ لِامْتِلائِهِ مِنَ الكَرْبِ، مانِعٌ نَفْسَهُ مِن عَمَلِ ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ مِنَ الرَّعُوناتِ بِما آتاهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ، وذَلِكَ أشَدُّ ما يَكُونُ عَلى النَّفْسِ وأقْوى ما يَكُونُ لِلْحُزْنِ، فَهو فَعِيلٌ ”بِمَعْنى مَفْعُولٌ“، وهو (p-١٩٧)أبْلَغُ مِنهُ، مِن كَظْمِ السِّقاءِ - إذا شَدَّهُ عَلى مَلَئِهِ.

ومادَّةُ ”كَظَمَ“ تَدُورُ عَلى المَنعِ مِنَ الإظْهارِ، يَلْزَمُهُ الكَرْبُ - لِأنَّهُ مِن شَأْنِ المَمْنُوعِ مِمّا قَدِ امْتَلَأ مِنهُ، ويَلْزَمُهُ الِامْتِلاءُ، لِأنَّ ما دَوَّنَهُ لَيْسَ فِيهِ قُوَّةُ الظُّهُورِ، كَظَمَ غَيْظَهُ -إذا سَكَتَ بَعْدَ امْتِلائِهِ مِنهُ، وكَظَمَتِ السِّقاءُ - إذا مَلَأْتَهُ وسَدَدْتَهُ، وكَظَمَ البَعِيرُ جَرَّتَهُ - إذا رَدَّها وكَفَّ، والكَظْمُ: مَخْرَجُ النَّفْسِ، لِأنَّهُ بِهِ يَمْنَعُ مِنَ الجَرْيِ في هَواهُ؛ والكَظامَةُ: حَبَلٌ يُشَدُّ بِهِ خُرْطُومُ البَعِيرِ، لِمَنعِهِ مِمّا يُرِيدُ، وأيْضًا يُوصِلُ بِوَتَرِ القَوْسِ العَرَبِيَّةِ ثُمَّ يُدارُ بِطَرَفِ السِّيَةِ العُلْيا، مَنعًا لَهُ مِنَ الِانْحِلالِ وأيْضًا قَناةٌ في باطِنِ الأرْضِ يَجْرِي فِيهِما الماءُ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ الماءَ مِن أنْ يَأْخُذَ في هَواهُ فَيَرْتَفِعَ في مَوْضِعِ النَّبْعِ فَيَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وخَرْقٌ يَجْرِي فِيهِ الماءُ مِن بِئْرٍ إلى بِئْرٍ، لِأنَّهُ لا يَصْنَعُ إلّا عِنْدَ ضِعْفِ إحْدى البِئْرَيْنِ، فَلَوْلاهُ لَفاضَتِ القَوِيَّةُ، فَهو تَصْرِيفٌ لِمائِها في غَيْرِ وجْهِهِ، وكَظامَةُ المِيزانِ: المِسْمارُ الَّذِي يَدُورُ فِيهِ اللِّسانُ، لِأنَّهُ يَرْبُطُهُ فَيَمْنَعُهُ (p-١٩٨)مِنَ الِانْفِكاكِ، ويُقالُ: ما زِلْتُ كاظِمًا يَوْمِي كُلِّهِ، أيْ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ وقَدِ امْتَلَأتْ جُوعًا، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ المَنبَعِ، [ومِنهُ] كاظِمَةٌ - لِقَرْيَةٍ عَلى شاطِئِ البَحْرِ، لِأنَّ البَحْرَ قَدْ كَظَمَها عَنِ الِانْفِساحِ وكَذا هي مَنعَتُهُ عَنِ الِانْسِياحِ.

12:85Page 245

قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ ٨٥

They said, "By Allāh, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."

فَلَمّا رَأوْا أنَّهُ قَدْ فاتَهم ما ظَنُّوا أنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ ذَهابِ يُوسُفَ مِن صَلاحِ الحالِ مَعَ أبِيهِمْ بِقَصْرِ الإقْبالِ عَلَيْهِمْ، ووَقَعَ لِأبِيهِمْ هَذا الفادِحُ العَظِيمُ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى قَوْلِهِمْ لَهُ، فاسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ”قالُوا“ أيْ حَنَقًا مِن ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ، يَمِينًا فِيها تَعَجُّبٌ ﴿تَفْتَأُ﴾ أيْ ما تَزالُ ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ حَرِيصًا عَلى ذِكْرِهِ قَوِيًّا عَلَيْهِ حِرْصَ الفَتى الشّابِّ الجِلْدِ الصَّبُورِ عَلى مُرادِهِ ”حَتّى“ أيْ إلى أنْ ﴿تَكُونَ حَرَضًا﴾ أيْ حاضِرُ الهَلاكِ مُشْرِفًا عَلَيْهِ مُتَهِيِّئًا لَهُ بِدَنَفِ الجِسْمِ وخَبَلِ العَقْلِ - كَما مَضى بَيانُهُ في الأنْفالِ عِنْدَ ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ﴿أوْ تَكُونَ﴾ أيْ كَوْنًا لازِمًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿مِنَ الهالِكِينَ﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском