Al-Biqa'iYusuf · 12:86–99

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:86–99

12:86Page 245

قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٦

He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allāh, and I know from Allāh that which you do not know.

(p-١٩٩)ولَمّا تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما كانَ عَنْهُ بَعْدَ ما رَأى مِن غَلْطَةِ بَنِيهِ، شَفى عِيَّها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّما﴾ أيْ نَعَمْ لا أزالُ كَذَلِكَ لِأنَّهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ لِلْإنْسانِ، لِدَلالَتِهِ عَلى الرِّقَّةِ والوَفاءِ، وإنَّما يَكُونُ مَذْمُومًا إذا كانَ عَلى وجْهِ الشِّكايَةَ إلى الخَلْقِ وأنا لا أشْكُو إلى مَخْلُوقٍ، إنَّما ﴿أشْكُو بَثِّي﴾ والبَثُّ أشَدُّ الحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مِن صُعُوبَتِهِ لا يُطاقُ حَمْلُهُ فَيُباحُ بِهِ ويُنْشَرُ ﴿وحُزْنِي﴾ مُطْلَقًا وإنْ كانَ سَبَبُهُ خَفِيفًا يَقْدِرُ الخُلُقُ عَلى إزالَتِهِ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً تَعَرُّضًا لِنَفَحاتِ كَرَمِهِ، لا إلى أحَدٍ غَيْرِهِ، وهَذا - الَّذِي سَمِعْتُوهُ مِنِّي فَقَلِقْتُمْ لَهُ - قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ.

ولَمّا كانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا صادِقِينَ في أنَّهم لَمْ يَجِدُوا إلّا قَمِيصَ يُوسُفَ مُلَطَّخًا دَمًا، وأنْ يَكُونَ قَطْعُهم بِأكْلِ الذِّئْبِ لَهُ مُسْتَنِدًا إلى ذَلِكَ، وكانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيٌّ ويُظَنُّ في اللَّهِ أنْ يَجْمَعَ شَمْلَهُ بِهِ، قالَ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى مِنَ اللُّطْفِ بِنا أهْلَ هَذا البَيْتِ ومِنَ التَّفْرِيجِ عَنِ المَكْرُوبِينَ والتَّفْرِيحِ لِلْمَغْمُومِينَ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (p-٢٠٠)ومادَّةُ ”فَتا“ يائِيَّةٌ وواوِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ ومَهْمُوزَةٍ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ وهي فَتَأ، وفَأتْ وتَفَأ وأفَتَ، وفَتى وفَوَتَ وتَوَفَ [وتَفَوُ] تَدُورُ عَلى الشَّبابِ، وتَلْزَمُهُ القُوَّةُ وشِدَّةُ العَزِيمَةِ وسَلامَةُ الِانْقِيادِ: ما فَتَأ يَفْعَلُ كَذا - مُثَلَّثَةَ العَيْنِ: ما زالَ كَما أفَتا، أيْ إنَّهُ ما زالَ فاعِلًا في ذَلِكَ فِعْلَ الشّابِّ الجَلْدِ الماضِي العَزْمِ، وما فَتِئَ أنْ فَعَلَ، ما بَرِحَ أيْ أنَّهُ بادَرَ إلى ذَلِكَ بِسُهُولَةِ انْقِيادٍ وشِدَّةِ عَزِيمَةٍ، وحَقِيقَتُهُ: ما فَتِئَ عَنْ فِعْلِ كَذا، أيْ ما تَجاوَزَهُ إلى غَيْرِهِ وما نَسِيَهُ بَلْ قَصَرَ فِتاءَهُ وهِمَّتَهُ وجَلْدَهُ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ مالِكٍ في جَمْعِ اللُّغاتِ المُشَكَّلَةِ وعَزاهُ لِلْفَرّاءِ - وصَحَّحَهُ في القامُوسِ: فَتَأ - كَمَنَعَ: كَسَرَ وأطْفَأ، وهو واضِحٌ في القُوَّةِ، وفَتِئَ عَنْهُ - كَسَمِعَ: نَسِيَهُ وانْقَذَعَ عَنْهُ، أيِ انْكَفَّ أوْ خاصَّ بِالجَحْدِ، أيْ بِأنْ يَكُونَ قَبْلَهُ حَرْفُ نَفْيٍ، ومَعْناهُ أنَّ قُوَّتَهُ تَجاوَزَتْهُ فَلَمْ تُخالِطْهُ؛ ومِن يائِيِّهِ: الفِتاءُ - كَسَماءٍ: الشَّبابُ، وكَأنَّهُ (p-٢٠١)أصْلُ المادَّةِ، والفَتِيُّ - بِالقَصْرِ؛ السَّخِيُّ والكَرِيمُ، أيِ الجَوادُ الشَّرِيفُ النَّفْسِ، والفَتى: السَّيِّدُ الشُّجاعُ - لِأنَّ ذَلِكَ يُلْزِمُ الشَّبابَ غالِبًا، والفَتى: المَمْلُوكُ وإنْ كانَ بَخِيلًا أوْ شَيْخًا - لِأنَّهُ غالِبًا لا يَشْتَرِي إلّا الشَّبابَ، والفَتى: التِّلْمِيذُ، والتّابِعُ كَذَلِكَ، والفَتى - كَغِنى: الشّابِّ أيْضًا، والفُتُوَّةُ: الكَرَمُ، وقَدْ تُفْتى وتَفاتى، وفُتُوَّتُهُمْ: غَلَبَتْهم فِيها، وأفْتاهُ في الأمْرِ: أبانَهُ لَهُ، والفُتْيا - بِالضَّمِّ والفَتْوى - ويَفْتَحُ: ما أفْتى بِهِ الفَقِيهُ، وهو يَرْجِعُ إلى الجُودِ وحُسْنِ الخُلُقِ، والفَتَيانِ: اللَّيْلُ والنَّهارُ، ولِذَلِكَ يُسَمَّيانِ الجَدِيدَيْنِ، وفَتِيَتِ البِنْتُ تَفْتِيَةً: مَنَعَتِ اللَّعِبَ مَعَ الصِّبْيانِ، فَهو مِن سَلْبِ الشَّبابِ، أيْ فِعْلِهِ ومِن مَقْلُوبِهِ مَهْمُوزًا: افْتَأتَ عَلَيَّ الباطِلَ: اخْتَلَقَهُ، وبِرَأْيِهِ: اسْتَبَدَّ، وكِلاهُما يَدُلُّ عَلى جُرْأةٍ وطَيْشٍ، وهو بِالشّابِّ الَّذِي لَمْ يُحَنِّكْهُ الدَّهْرُ أجْدَرُ، وافْتُئِتَ - عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ: ماتَ فَجْأةً - كَأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ المَوْتِ؛ ومِن واوِيَّةٍ: فاتَ الشَّيْءُ فَوْتًا وفَواتًا: ذَهَبَ فَسَبَقَ فَلَمْ يُدْرِكْ، وفاتَهُ وافْتاتَهُ: ذَهَبَ عَنْهُ فَسَبَقَهُ، (p-٢٠٢)وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ السّابِقِ، وبَيْنَهُما فَوْتٌ، أيْ بَوْنٌ - كَأنَّ كُلًّا مِنهُما سابِقٌ لِلْآخَرِ، وتَفاوَتَ الشَّيْئانِ وتَفَوَّتا: تَباعَدَ ما بَيْنَهُما، ويَلْزَمُ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ والِاضْطِرابُ، ويَلْزَمُهُ العَيْبُ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] مِن عَيْبٍ، يَقُولُ النّاظِرُ: لَوْ كانَ كَذا كانَ أحْسَنَ، ومَوْتُ الفَواتِ: الفَجْأةُ، وهو فَوْتُ رُمْحِهِ ويَدِهِ، أيْ حَيْثُ يَراهُ ولا يَصِلُ إلَيْهِ، والفَوْتُ: الفُرْجَةُ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ، وافْتَأتَ عَلَيْهِ بِرَأْيِهِ: سَبَقَهُ بِهِ، وفاتَهُ بِهِ وعَلَيْهِ: غَلَّبَهُ، [ولا يَفْتاتُ عَلَيْهِ] أيْ لا يَعْمَلُ دُونَ أمْرِهِ، أيْ لا أحَدَ أشَدُّ مِنهُ فَيَسْبِقُهُ، وافْتاتَ الكَلامَ: ابْتَدَعَهُ - كَما تَقَدَّمَ في المَهْمُوزِ، وافْتاتَ عَلَيْهِ: حَكَمَ - لِقُوَّتِهِ، والفُوَيْتُ - كَزُبَيْرٍ: المُنْفَرِدُ بِرَأْيِهِ - لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وذَلِكَ لِعِدَّةِ نَفْسِهِ شَدِيدًا، وتُفُوِّتَ عَلَيْهِ في مالِهِ: فاتَهُ بِهِ؛ ومِن مَقْلُوبِهِ مَهْمُوزًا: تَفِئَ كَفَرِحَ: احْتَدَّ وغَضِبَ - وذَلِكَ لِشِدَّتِهِ، وتَفِيئَةُ الشَّيْءِ: حِينُهُ وزَمانُهُ، وذَلِكَ أحْسَنُ أحْوالِهِ، ودَخَلَ عَلى تَفِيئَتِهِ أيْ أثَرِهِ أيْ لَمْ يَسْبِقْهُ بِكَثِيرٍ، وذَلِكَ أشَدُّ لَهُ؛ (p-٢٠٣)ومِن واوِيَّةٍ: التُّفَةُ كَقُفُةُ: عِناقُ الأرْضِ وهي تَصِيدُ، وفِيها خِلافٌ يُبَيَّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] مِن سُورَةِ سُبْحانَ؛ ومِن مَقْلُوبِهِ واوِيًّا: تافَ بَصَرُهُ يَتُوفُ: تاهَ - كَأنَّهُ لِسَلْبِ الشِّدَّةِ أوِ المَعْنى أنَّهُ وقَعَ في تَوَقَةٍ، أيْ شِدَّةٍ، وما فِيهِ تُوفَةٌ - بِالضَّمِّ - ولا تافَةٌ: عَيْبٌ أوْ مَزِيدٌ أوْ حاجَةٌ وأبْطَأ وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شِدَّتِهِ، وطَلَبَ عَلَيَّ تَوْفَةٌ- بِالفَتْحِ،: عَثْرَةٌ وذَنْبًا - مِن ذَلِكَ لِأنَّ العَثْرَةَ والذَّنْبَ لا يُصِيبانِ شَيْئًا إلّا عَنْ شِدَّتِهِما وضَعْفِهِ؛ ومِن مَقْلُوبِهِ مَهْمُوزًا: الأفَتُ - بِالفَتْحِ: النّافَّةُ الَّتِي عِنْدَها مِنَ الصَّبْرِ والبَقاءِ ما لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِها، والسَّرِيعُ الَّذِي يَغْلِبُ الإبِلَ عَلى السَّيْرِ، والكَرِيمُ مِنَ الإبِلِ - ويَكْسِرُ - والدّاهِيَةُ والعَجَبُ، وكُلُّ ذَلِكَ واضِحٌ في القُوَّةِ، والإفِتُ - بِالكَسْرِ: الأوَّلُ - لِأنَّهُ أصْلُ كُلِّ مَعْدُودٍ، وأُفْتُهُ عَنْ ”كَذا: صَرَفَهُ“.

12:87Page 246

يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٧

O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allāh. Indeed, no one despairs of relief from Allāh except the disbelieving people."

ولَمّا أخْبَرَهم عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ عِلْمَهُ فَوْقَ عِلْمِهِمْ، أتْبَعَهُ اسْتِئْنافًا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ [هَذا] الذَّهابِ (p-٢٠٤)وعَقَّبَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾ أيْ بِجَمِيعِ جُهْدِكم ﴿مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أيِ اطْلُبُوا مِن أخْبارِهِما بِحَواسِّكم لَعَلَّكم تَظْفَرُونَ بِهِما، وهَذا يُؤَكِّدُ ما تَقَدَّمَ مِنَ احْتِمالِ ظَنِّهِ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَيُوسُفُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ما عِنْدَهُ، قالَ: ﴿ولا تَيْأسُوا﴾ أيْ تَقْنَطُوا ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ والرُّوحُ - قالَ الرُّمّانِيُّ - يَقَعُ بِرِيحٍ تَلَذُّ، وكَأنَّ هَذا أصْلُهُ فالمُرادُ: مِن رَحْمَتِهِ وفَرَجِهِ وتَيْسِيرِهِ ولُطْفِهِ في جَمْعِ الشَّتاتِ وتَيْسِيرِ المُرادِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ﴾ أيْ لا يَقْنَطُ ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿إلا القَوْمُ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم قُوَّةُ المُحاوَلَةِ ﴿الكافِرُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الكُفْرِ،

12:88Page 246

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ ٨٨

So when they entered upon him [i.e., Joseph], they said, "O ʿAzeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allāh rewards the charitable."

فَأجابُوهُ إلى ما أرادَ.

فَتَوَجَّهُوا إلى مِصْرَ لِذَلِكَ ولِقَصْدِ المِيرَةِ لَمّا كانَ اشْتَدَّ بِهِمْ مِنَ القَحْطِ، وقَصَدُوا العَزِيزَ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِالفاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أسْرَعُوا الكَرَّةَ في هَذِهِ المَرَّةِ ”قالُوا“ مُنادِينَ بِالأداةِ الَّتِي تُنَبِّهُ عَلى أنَّ ما بَعْدَها لَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ ﴿يا أيُّها العَزِيزُ﴾

ولَمّا تَلَطَّفُوا بِتَعْظِيمِهِ، تَرَقَّقُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَسَّنا﴾ أيْ أيَّتُها العِصابَةُ الَّتِي تَراها ﴿وأهْلَنا﴾ أيِ الَّذِينَ تَرَكْناهم في بِلادِنا ﴿الضُّرُّ﴾ أيْ لابَسَنا (p-٢٠٥)مُلابَسَةً نُحِسُّها ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ أيْ تافِهَةً غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيها بِوَجْهٍ، ثُمَّ سَبَّبُوا عَنْ هَذا الِاعْتِرافِ - لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى رَحْمَةِ أهْلِ الكَرَمِ - قَوْلُهُمْ: ﴿فَأوْفِ لَنا﴾ أيْ شَفَقَةً عَلَيْنا بِسَبَبِ ضَعْفِنا ﴿الكَيْلَ وتَصَدَّقْ﴾ أيْ تَفْضِيلُ ﴿عَلَيْنا﴾ زِيادَةٌ عَلى الوَفاءِ كَما عَوَّدْتَنا بِفَضْلٍ تَرْجُو ثَوابَهُ.

ولَمّا رَأوْا أفْعالَهُ تَدُلُّ عَلى تَمَسُّكِهِ بِدِينِ اللَّهِ، عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ أيْ مُطْلَقًا وإنْ أظْهَرْتَ - بِما أفادَ الإظْهارَ - وإنْ كانَتْ عَلى غَنِيٍّ قَوِيٍّ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ عَلى أهْلِ الحاجَةِ والضَّعْفِ.

12:89Page 246

قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ ٨٩

He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"

فَلَمّا رَأى أنَّ الأمْرَ بَلَغَ الغايَةَ ولَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَتَخَوَّفُهُ، عَرَّفَهم بِنَفْسِهِ فاسْتَأْنَفَ تَعالى الإخْبارَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ حِكايَةً: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ مُقَرَّرًا لَهم بَعْدَ أنِ اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ واسْتَأْنَسُوا بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا كانَ بِغَيْرِ تُرْجُمانِ ”ما“ أيْ قُبْحِ الَّذِي ﴿فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ أيْ أخِيكُمُ الَّذِي حِلْتُمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ ﴿وأخِيهِ﴾ في جَعْلِكم إيّاهُ فَرِيدًا مِنهُ ذَلِيلًا بَيْنَكُمْ، ثُمَّ [فِي] قَوْلِكم لَهُ لَمّا وجَدُوا الصُّواعَ في رَحْلِهِ: لا يَزالُ يَأْتِينا البَلاءُ (p-٢٠٦)مِن قَبْلِكم يا بَنِي راحِيلَ! وأعْلَمَهم بِأنَّ ظَنَّهُ فِيهِمُ الآنَ جَمِيلٌ تَسْكِينًا لَهم فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أيْ فاعِلُونَ فِعْلَهم - تَلْوِيحًا [لَهُمْ] إلى مَعْرِفَتِهِ وتَذْكِيرًا بِالذَّنْبِ لِيَتُوبُوا، [و] تَلَطُّفًا مَعَهم في ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي يَتَنَفَّسُ فِيهِ المَكْرُوبُ، ويَنْفُثُ فِيهِ المَصْدُورُ، ويَشْتَفِي فِيهِ المُغِيظُ المُحْنَقُ، ويُدْرِكُ ثَأْرَهُ المَوْتُورُ، بِتَخْصِيصِ جَهْلِهِمْ - بِمُقْتَضى ”إذا“ - بِذَلِكَ الزَّمانِ إفْهامًا لَهم أنَّهُمُ الآنَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ،

12:90Page 246

قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٠

They said, "Are you indeed Joseph?" He said, "I am Joseph, and this is my brother. Allāh has certainly favored us. Indeed, he who fears Allāh and is patient, then indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ قَدْ قَرَّبَ لَهُمُ الكَشْفَ عَنْ أمْرِهِ، لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ مَلِكٌ مِثْلُهُ - لَمْ يَنْشَأْ بَيْنَهم ولا تَتْبَّعَ أحْوالَهم ولَيْسَ مِنهم - هَذا الِاسْتِفْهامُ ولا سِيَّما وقَدْ رَوى أنَّهُ لَمّا قالَ هَذا تَبَسَّمَ، وكانَ في تَبَسُّمِهِ أمْرٌ مِنَ الحُسْنِ لا يَجْهَلُهُ مَعَهُ مَن رَآهُ ولَوْ مَرَّةً واحِدَةً، فَهَلْ عَرَفُوهُ؟ فَقِيلَ: ظَنُّوهُ ظَنًّا غالِبًا، ولِذَلِكَ ﴿قالُوا﴾ مُسْتَفْهِمِينَ ﴿أإنَّكَ﴾ وأكَّدُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿لأنْتَ يُوسُفُ﴾

ولَمّا كانَ المُتَوَقَّعُ مِن مِثْلِهِ فِيما هو فِيهِ مِنَ العَظَمَةِ أنْ يُجازِيَهم عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ إلَيْهِ، اسْتَأْنَفَ بَيانَ كَرَمِهِ فَقالَ: ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ وزادَهم قَوْلَهُ: ﴿وهَذا أخِي﴾ أيْ بِنْيامِينَ شَقِيقِي لِذِكْرِهِ لَهم في قَوْلِهِ ﴿وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩] ولِيَزِيدَهم ذَلِكَ مَعْرِفَةً لَهُ، وثْبَتَها في أمْرِهِ بِتَصْدِيقِهِ لَهُ مَعَ (p-٢٠٧)مُكْثِهِ عِنْدَهُ مُدَّةَ ذَهابِهِمْ وإيابِهِمْ، ولِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿عَلَيْنا﴾ بِأنْ جَمَعَ بَيْنِنا عَلى خَيْرٍ حالَ تَكُونُ؛ ثُمَّ تَعْلِيلِيَّةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ وهو مَجْزُومٌ لِأنَّهُ فِعْلُ الشَّرْطِ، وأثْبَتَ قَنْبَلٌ - بِخِلافِهِ عَنْهُ - ياءَهُ في الحالَيْنِ مُعامِلًا لَهُ مُعامَلَةً الصَّحِيحِ إشارَةً إلى وصْفِ التَّقْوى بِالصِّحَّةِ الكامِلَةِ والمُكْنَةِ الزّائِدَةِ والمُلازِمَةِ لَها في كُلِّ حالٍ ﴿ويَصْبِرْ﴾ أيْ يُوفِهِ اللَّهُ أجَرَهُ لِإحْسانِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿لا يُضِيعُ﴾ أيْ أدْنى إضاعَةً - أجْرَهُ، هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِما يَعْرِفُ أنَّ التَّقْوى والصَّبْرَ مِنَ الإحْسانِ، فَقالَ: ﴿أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ والتَّقْوى: دَفْعُ البَلاءِ بِسُلُوكِ طَرِيقِ الهُدى؛ والصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ بِتَجَرُّعِ مَرارَةِ المَنعِ عَمّا يَشْتَهِي، ولَعَلَّهُ إنَّما سَتَرَ أمْرَهُ عَنْهم إلى هَذا الحَدِّ لِأنَّهُ لَوْ أرْسَلَ إلى أبِيهِ يُخْبِرُهُ قَبْلَ المَلِكِ لَمْ يَأْمَن كَيْدَ إخْوَتِهِ، ولَوْ تَعَرَّفَ إلَيْهِمْ بَعْدَهُ أوْ أوَّلَ (p-٢٠٨)ما رَآهم لَمْ يَأْمَن مِن أنْ تَقْطَعَ أفْئِدَتُهم عِنْدَ مُفاجَأتِهِمْ بِانْكِشافِ الأمْرِ وهو فِيما هو [فِيهِ] مِنَ العِزِّ، فَإنَّهم فَعَلُوا بِهِ فِعْلَ القاتِلِ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ قَدَّمَهُ إلَيْهِمْ، فَهم لا يَشُكُّونَ في أنَّهُ إذا قَدَرَ عَلَيْهِمْ يُهْلِكُهم لِما تَقَدَّمَ لَهم إلَيْهِ مِن سُوءِ الصَّنِيعَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ سَلامَتِهِمْ لا يَأْمَنُونَهُ وإنَّ بالِغَ في إكْرامِهِمْ، فَإنَّ الأُمُورَ العِظامَ - إنْ لَمْ تَكُنْ بِالتَّدْرِيجِ - عَظُمَ خَطَرُها، وتَعَدّى ضَرَرُها، فَإنْ أرْسَلَهم لِيَأْتُوا بِأبِيهِمْ خِيفَ أنْ يَخْتَلُوا أباهُما مِن مَلِكِ مِصْرَ ويُحْسِنُوا لَهُ الإبْعادَ عَنْ بِلادِهِ، فَيَذْهَبُوا إلى حَيْثُ لا يَعْلَمُهُ، وإنْ أرْسَلَ مَعَهم ثِقاتٍ مِن عِنْدِهِ لَمْ يُؤْمَن أنْ يَكُونَ بَيْنَهم شَرٌّ، وإنْ سَجَنَهم وأرْسَلَ إلى أبِيهِ مَن يَأْتِي بِهِ لَمْ يَحْسُنْ مَوْقِعُ ذَلِكَ مِن أبِيهِ، ويَحْصُلْ لَهُ وحْشَةٌ بِحَبْسِ أوْلادِهِ، وتَعْظُمُ القالَةُ بَيْنَ النّاسِ مِن أهْلِ مِصْرَ وغَيْرِهِمْ في ذَلِكَ، فَفَعَلَ مَعَهم ما تَقَدَّمَ لِيَظْهَرَ لَهم إحْسانُهُ وعَدْلُهُ ودِينُهُ وخَيْرُهُ، وكَفُّهُ عَنْهم وعَفْوُهُ عَنْ فِعْلِهِمْ بِالتَّدْرِيجِ، ويَقِفُوا عَلى ذَلِكَ مِنهُ قَوْلًا وفِعْلًا مِن أخِيهِ الَّذِي رَبّى مَعَهم وهم بِهِ آنِسُونَ ولَهُ ألِفُونِ، فَتَسْكُنُ رَوْعَتُهُمْ، وتَهُونُ زَلَّتُهُمْ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا انْتَفى عَنْ أخِيهِ بِنْيامِينَ ما اتَّصَفُوا بِهِ مِمّا ذَكَرَ، تَعَرَّفَ إلَيْهِ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ ونَهاهُ أنْ يُخْبِرَهم بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، وشَرَعَ يَمُدُّ في ذَلِكَ لِتَسْتَحْكِمَ الأسْبابُ الَّتِي (p-٢٠٩)أرادَها، فَلَمّا ظَنَّ أنَّ الأمْرَ قَدْ بَلَغَ مَداهُ، لَوَّحَ لَهم فَعَرَفُوهُ وقَدْ أنْسَهم حُسْنَ عَقْلِهِ وبَدِيعَ جِمالِهِ وشَكْلِهِ ورائِعَ قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، فَكانَ مَوْضِعَ الوَجَلِ والخَجَلِ، ومَوْضِعَ اليَأْسِ الرَّجاءُ، فَحَصَلَ المُرادُ عَلى وفْقِ السَّدادِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِمَن قِيلَ لَهم أوَّلُ السُّورَةِ

﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] عَلى الِاقْتِداءِ بِأفْعالِ الهُداةِ المَهْدِيِّينَ في التَّأنِّي والِاتِّئادِ وتَفْوِيضِ الأُمُورِ إلى الحَكِيمِ، وأنْ لا يَسْتَعْجِلُوهُ في أمْرٍ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ سُنَّتَهُ الإلَهِيَّةَ جَرَتْ بِأنَّ الأُمُورَ الصِّعابَ لا تُنَفَّذُ إلّا بِالمُطاوَلَةِ لِتُرَتِّبَ الأسْبابَ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلى وجْهِ الإحْكامِ، وفي ذَلِكَ فَوائِدُ مِن أجْلِها امْتِحانُ أُولى الطّاعَةِ والعِصْيانِ - كَما سَتَأْتِي الإشارَةُ إلَيْهِ آخِرَ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ؛ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] الآيَةُ واللَّهُ أعْلَمُ.

12:91Page 246

قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ٩١

They said, "By Allāh, certainly has Allāh preferred you over us, and indeed, we have been sinners."

ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَقَدْ أتاهم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ [مُتَعَجِّبِينَ غايَةَ التَّعَجُّبِ. ولِذَلِكَ أقْسَمُوا بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ: ﴿تاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ] ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿عَلَيْنا﴾ أيْ جَعَلَ لَكَ أثَرًا يُغَطِّي آثارَنا بِعُلُوِّهِ فالمَعْنى: فَضَّلَكَ عَلَيْنا أيْ بِالعِلْمِ والعَقْلِ والحِكَمِ والحُسْنِ والمُلْكِ والتَّقْوى (p-٢١٠)وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وإنْ﴾ خَفَّفُوها مِنَ الثَّقِيلَةِ تَأْكِيدًا بِالإيجازِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاهْتِمامِ بِالإبْلاغِ في الِاعْتِذارِ في أسْرَعِ وقْتٍ ﴿كُنّا﴾ أيْ كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَنا ﴿لَخاطِئِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في الخَطَأِ، وهو تَعَمُّدُ الإثْمِ،

12:92Page 246

قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٩٢

He said, "No blame will there be upon you today. May Allāh forgive you; and He is the most merciful of the merciful.

فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالَ لَهم عَلى قُدْرَتِهِ وتَمَكُّنِهِ مَعَ ما سَلَفَ مِن إساءَتِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ قَوْلُ الكِرامِ اقْتِداءً بِإخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ لا لَوْمَ ولا تَعْنِيفَ ولا هَلاكَ ﴿عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ وإنْ كانَ هَذا الوَقْتُ مَظِنَّةَ اللَّوْمِ والتَّأْنِيبِ، فَإذا انْتَفى ذَلِكَ فِيهِ فَما الظَّنُّ بِما بَعْدَهُ!

ومادَّةُ ”ثَرَبَ“ تَدُورُ عَلى البَرْثِ - بِتَقْدِيمِ المُوَحِّدَةِ، وهو أسْهَلُ الأرْضِ وأحْسَنُها؛ ولِثَبْرَةَ - بِتَقْدِيمِ المُثَلَّثَةِ: أرْضٌ ذاتُ حِجارَةٍ بِيضٍ، فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ الإخْلادُ، والدَّعَةُ، ومِنهُ: ثابَرَ عَلى الأمْرِ: دَوامَ، والمُثَبَّرُ - كَمَنزِلٍ: لِمَسْقَطِ الوَلَدِ أيْ مَوْضِعِ وِلادَتِهِ، والمَقْطَعُ والمَفْصِلُ، فَيَأْتِي الكَسَلُ واللِّينُ فَيَأْتِي الفَسادُ، ومِنهُ الثُّبُورُ لِلْهَلاكِ، [والبَثَرُ] بِتَقْدِيمِ المُوَحِّدَةِ: خَراجٌ مَعْرُوفٌ: والماءُ البَثْرُ: الَّذِي بَقى مِنهُ عَلى الأرْضِ شَيْءٌ قَلِيلٌ؛ والرَّبْثُ - بِتَقْدِيمِ المُوَحِّدَةِ أيْضًا: حَبْسُ الإنْسانِ، (p-٢١١)وهُوَ يَرْجِعُ إلى الإقامَةِ والدَّوامِ أيْضًا؛ والتَّثْرِيبِ: التَّقْرِيرُ بِالذَّنْبِ، فَهو إزالَةُ ما عَلى الإنْسانِ مِن ساتِرِ العَفْوِ، مِنَ الثَّرْبِ وهو شَحْمٌ يَغْشى الكَرِشَ والأمْعاءَ ويَسْتُرُهُما، وهو مِن لَوازِمِ الأرْضِ السَّهْلَةِ لِما يَلْزَمُ مَن خَصْبِها، فالتَّثْرِيبُ إزالَتُهُ، وذَلِكَ لِلْقَحْطِ النّاشِئِ عَنْهُ الهَلاكُ، فَأغْلَبُ مَدارِ المادَّةِ الهَلاكُ.

ولَمّا أعْفاهم مِنَ التَّرْثِيبِ، كانُوا في مَظِنَّةِ السُّؤالِ عَنْ كَمالِ العَفْوِ المُزِيلِ لِلْعِقابِ مِنَ اللَّهِ، فَأتْبَعَهُ الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ بِالدُّعاءِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ”لَكُمْ“ أيْ ما فَرَّطَ مِنكم وما لَعَلَّهُ يَكُونُ بَعْدَ هَذا؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ في هَذا الدُّعاءِ بِالمُضارِعِ إرْشادًا لَهم إلى إخْلاصِ التَّوْبَةِ، ورَغَّبَهم في ذَلِكَ ورَجّاهم بِالصِّفَةِ الَّتِي هي سَبَبُ الغُفْرانِ، فَقالَ: ”وهُوَ“ أيْ وحْدُهُ ﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أيْ لِجَمِيعِ العِبادِ ولا سِيَّما التّائِبُ، فَهو جَدِيرٌ بِإدْرارِ النِّعَمِ بَعْدَ الإعاذَةِ مِنَ النِّقَمِ، ورَوى أنَّهم أرْسَلُوا إلَيْهِ أنَّكَ لَتَدْعُوَنا إلى طَعامِكَ وكَرامَتِكَ بُكْرَةً وعَشِيًّا ونَحْنُ نَسْتَحِي لِما فَرَّطَ مِنّا، فَقالَ: إنَّ أهِلَ مِصْرَ يَنْظُرُونَنِي - وإنْ مَلَكْتُ فِيهِمْ - بِعَيْنِ العُبُودِيَّةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَغَ عَبْدًا [بِيعَ] بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ، ولَقَدْ شُرِّفْتُ الآنَ (p-٢١٢)بِكَمٍّ وعُظِّمْتُ في العُيُونِ حَيْثُ عَلِمَ النّاسُ أنَّكم إخْوَتِي، وأنِّي مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

12:93Page 246

ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٣

Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."

ولَمّا أقَرَّ أعْيُنَهم بَعْدَ اجْتِماعٍ شَمِلَهم بِإزالَةِ ما يَخْشَوْنَهُ دُنْيا وأُخْرى، بَقِيَ ما يَخُصُّ أباهم مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ وقَعَ السُّؤالُ عَنْهُ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي﴾ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ هَذا رُبَّما أوْقَعَ في أفْهامِهِمْ قَمِيصَهُ الَّذِي سَلَبُوهُ إيّاهُ، احْتَرَزَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا فَألْقُوهُ﴾ أيْ عَقِبَ وُصُولِكم ﴿عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ﴾ أيْ يَرْجِعُ إلى ما كانَ ﴿بَصِيرًا﴾ أوْ يَأْتِ إلى حالَةِ كَوْنِهِ بَصِيرًا، فَإنَّهُ إذا رَدَّ إلَيْهِ بَصَرَهُ وعَلِمَ مَكانِي لَمْ يَصْبِرْ عَنِ القَصْدِ إلَيَّ لِما عِنْدَهُ مِن وُفُورِ المَحَبَّةِ وعَظِيمِ الشَّوْقِ، وكَوْنِهِ قَمِيصًا مِن مَلابِسِ يُوسُفَ المُعْتادَةِ أدْخَلُ في الغَرابَةِ وأدَلُّ عَلى الكَرامَةِ؛ والقَمِيصُ ألْصَقُ الثِّيابِ بِالجِسْمِ، فَإظْهارُ الكَرامَةِ بِهِ أدَلُّ عَلى كَمالِ دِينِ صاحِبِهِ وعَراقَتِهِ في أُمُورِ الإيمانِ، وهو يُؤَوَّلُ في المَنامِ بِالدِّينِ، وذَلِكَ أدْخَلُ في كَمالِ السُّرُورِ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وأْتُونِي﴾ أيْ بِأبِي وأنْتُمْ ﴿بِأهْلِكُمْ﴾ أيْ مُصاحِبِينَ لَهم ﴿أجْمَعِينَ﴾ لا يَتَخَلَّفُ مِنهم أحَدٌ، فَرَجَعُوا بِالقَمِيصِ لِهَذا القَصْدِ، قِيلَ: كانَ يَهُوذا هو الَّذِي حَمَلَ قَمِيصَهُ لَمّا لَطَّخُوهُ بِالدَّمِ، فَقالَ: لا يَحْمِلُ هَذا غَيْرِي (p-٢١٣)لِأُفْرِحَهُ كَما أحْزَنْتُهُ، فَحَمَلَهُ وهو حافٍ حاسِرٌ مِن مِصْرَ إلى كَنْعانَ وبَيْنَهُما ثَمانُونَ فَرْسَخًا

12:94Page 246

وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ٩٤

And when the caravan departed [from Egypt], their father said,1 "Indeed, I find the smell of Joseph [and would say that he was alive] if you did not think me weakened in mind."

﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ مِنَ العَرِيشِ آخِرَ بِلادِ مِصْرَ إلى بِلادِ الشّامِ ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ لِوَلَدِ ولَدِهِ ومَن حَوْلَهُ مِن أهْلِهِ، مُؤَكِّدًا لِعِلْمِهِ أنَّهم يُنْكِرُونَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لأجِدُ﴾ أيْ لِأقُولَ: إنِّي لَأجِدُ ﴿رِيحَ يُوسُفَ﴾ وصَدَّهم عَنْ مُواجَهَتِهِ بِالإنْكارِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [أيْ] لَقُلْتُ غَيْرَ مُسْتَحٍ ولا مُتَوَقِّفٍ، لِأنَّ التَّفْنِيدَ لا يَمْنَعُ الوِجْدانَ، وهو كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: لَوْلا أنْ تَنْسِبَنِي إلى الخِفَّةِ لَقُلْتُ كَذا، أيْ إنِّي قائِلٌ بِهِ مَعَ عِلْمِي بِأنَّكَ لا تُوافِقُنِي عَلَيْهِ، ”وفَصْلٌ“ هُنا لازِمٌ يُقالُ: فَصَلَ مِنَ البَلَدِ يَفْصِلُ فُصُولًا، والفَصْلُ: القَطْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِحاجِزٍ، والوِجْدانُ: ظُهُورٌ مِن جِهَةِ إدْراكٍ يَسْتَحِيلُ مَعَهُ انْتِفاءُ الشَّيْءِ، والرِّيحُ: عَرَضٌ يُدْرَكُ بِحاسَّةِ الأنْفِ أيِ الشَّمِّ، والتَّفْنِيدِ: تَضْعِيفُ الرَّأْيِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَنَدِ، وهو الخَوْفُ وإنْكارُ العَقْلِ مِن هَرِمَ، يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنِّدٌ، ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفَنِّدَةٌ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتَ رَأْيٍ فَيُفَنِّدُها كِبْرُها؛

12:95Page 246

قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ ٩٥

They said, "By Allāh, indeed you are in your [same] old error."

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ حِكايَةَ جَوابِهِمْ فَقالَ: ﴿قالُوا﴾ أيِ السّامِعُونَ لَهُ ما ظَنَّهُ بِهِمْ، مُقْسِمِينَ بِما دَلَّ عَلى تَعَجُّبِهِمْ، وهو ﴿تاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وأكَّدُوا لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ يُنْكِرُ كَلامَهم وكَذا كُلُّ مَن يَعْرِفُ كَمالَهُ ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ﴾ أيْ بِحَيْثُ صارَ ظَرْفًا لَكَ (p-٢١٤)﴿القَدِيمِ﴾ أيْ خَطَئُكَ في ظَنِّ حَياةِ يُوسُفَ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: والضَّلالُ: الذَّهابُ عَنْ جِهَةِ الصَّوابِ.

12:96Page 247

فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٩٦

And when the bearer of good tidings1 arrived, he cast it over his face, and he returned [once again] seeing. He said, "Did I not tell you that I know from Allāh that which you do not know?"

فَصَحَّحَ اللَّهُ قَوْلَهُ وحَقَّقَ وِجْدانَهُ، وعَجَّلُوا إلَيْهِ بَشِيرًا فَأسْرَعَ بَعْدَ الفُصُولِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالفاءِ في ﴿فَلَمّا﴾ وزِيدَتْ ”أنَّ“ لِتَأْكِيدِ مَجِيئِهِ عَلى تِلْكَ الحالِ وزِيادَتُها قِياسٌ مُطَّرِدٌ ﴿جاءَ البَشِيرُ﴾ وهو يَهُوذا بِذَلِكَ، مَعَهُ القَمِيصُ ﴿ألْقاهُ﴾ أيِ القَمِيصُ حِينَ وصَلَ إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن غَيْرِ فاصِلٍ ما بَيْنَ أوَّلِ المَجِيءِ وبَيْنَهُ كَما أفادَتْهُ زِيادَةُ ”أنَّ“ لِتَأْكِيدِ ما تُفِيدُهُ ”لَمّا“ مِن وُقُوعِ الفَصْلِ الثّانِي وهو هُنا الإلْقاءُ عَقِبَ الأوَّلِ وتَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ وهو هُنا المَجِيءُ ﴿عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فارْتَدَّ﴾ مِن حِينِهِ ﴿بَصِيرًا﴾ والِارْتِدادُ: انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ كانَ عَلَيْها، فالتَفَتَ الخاطِرُ إلى حالِهِ مَعَ فَنْدِهِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ”قالَ“ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ إنِّي أجِدُ رِيحَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذا التَّقْرِيرَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ قَوْلَهم قَوْلُ مَن يُنْكِرُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لِما خَصَّنِي بِهِ تَعالى مِن أنْواعِ المَواهِبِ، وهو عامٌّ لِأخْبارِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِها، وهو مِنَ التَّحْدِيثِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.

12:97Page 247

قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ٩٧

They said, "O our father, ask for us forgiveness of our sins; indeed, we have been sinners."

(p-٢١٥)ولَمّا كانَ ذَلِكَ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى عِلْمِ ما يَقَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أوْلادِهِ في ذَلِكَ، فَدَفَعَ عَنْها هَذا العَناءَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا يا أبانا﴾ مُنادِينَ بِالأداةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ العَظِيمِ بِما بَعْدَها لِما لَهُ مِن عَظِيمِ الوَقْعِ: ﴿اسْتَغْفِرْ﴾ أيِ اطْلُبْ مِنَ اللَّهِ أنْ يَغْفِرَ ﴿لَنا ذُنُوبَنا﴾ ورَدَّ كُلَّ ضَمِيرٍ مِن هَذِهِ الضَّمائِرِ إلى صاحِبِهِ في غايَةِ الوُضُوحِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُصَرِّحْ بِصاحِبِهِ.

ولَمّا سَألُوهُ الِاسْتِغْفارَ لِذُنُوبِهِمْ، عَلَّلُوهُ بِالِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ، لِأنَّ الِاعْتِرافَ شَرْطُ التَّوْبَةِ - كَما قالَ ﷺ: «إنَّ العَبْدَ إذا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ تَحْقِيقًا لِلْإخْلاصِ في التَّوْبَةِ: ﴿إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ أيْ مُتَعَمِّدِينَ لِلْإثْمِ بِما ارْتَكَبْنا في أمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛

12:98Page 247

قَالَ سَوۡفَ أَسۡتَغۡفِرُ لَكُمۡ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٩٨

He said, "I will ask forgiveness for you from my Lord. Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

ثُمَّ حَكى جَوابَهُ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالَ﴾ أيْ أبُوهم عَلَيْهِ السَّلامُ مُؤَكِّدًا لِكَلامِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ﴾ أيْ أطْلُبُ أنْ يَغْفِرَ ﴿لَكم رَبِّي﴾ [أيِ] الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُحْسِنُ إلَيَّ ويُرَبِّينِي أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ، فَهو الجَدِيرُ بِأنْ يَغْفِرَ لِبَنِيَّ حَتّى لا يُفَرِّقَ بَيْنِي وبَيْنَهم في دارِ البَقاءِ؛ والرُّبُوبِيَّةُ: مُلْكٌ هو أتَمُّ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ، وهو مُلْكُ اللَّهِ تَعالى لِإنْشاءِ الأنْفُسِ بِاخْتِراعِها وتَصْرِيفِها أتَمَّ التَّصْرِيفِ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ والتَّقْلِيبِ مِن حالٍ إلى حالٍ في جَمِيعِ الأُمُورِ مِن غَيْرِ تَعَبٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ كُلُّ (p-٢١٦)ذَلِكَ تَسْكِينًا لِقُلُوبِهِمْ وتَصْحِيحًا لِرَجائِهِمْ لِيَقْوى أمَلُهُمْ، فَيَكُونُ تَعالى عِنْدَ ظَنِّهِمْ بِتَحْقِيقِ الإجابَةِ وتَنْجِيزًا لِطَلَبِهِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِـ ”سَوْفَ“ لِتَقْدِيمِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ عَلى المَسْألَةِ لِما ذَكَرَتْهُ مِنَ الأغْراضِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أخَّرَ الدُّعاءَ إلى صَلاةِ اللَّيْلِ، وقِيلَ: إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ؛ وقِيلَ: يُؤْخَذُ مِنها أنَّ طَلَبَ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنهُ إلى الشُّيُوخِ.

12:99Page 247

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَبَوَيۡهِ وَقَالَ ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ٩٩

And when they entered upon Joseph, he took his parents to himself [i.e., embraced them] and said, "Enter Egypt, Allāh willing, safe [and secure]."

ولَمّا وقَعَ ما ذَكَرَ، وكانَ قَدْ أرْسَلَ مَعَهم مِنَ الدَّوابِّ والمالِ والآلاتِ ما يَتَجَهَّزُونَ بِهِ، أقْبَلُوا عَلى التَّجْهِيزِ كَما أمَرَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، [ثُمَّ] قَدِمُوا مِصْرَ وهُمُ اثْنانِ وسَبْعُونَ نَفْسًا مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ، وكَأنَّهم أسْرَعُوا في ذَلِكَ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلَمّا﴾ بِالفاءِ ﴿دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ في المَكانِ الَّذِي تَلْقّاهم إلَيْهِ في وُجُوهِ أهْلِ مِصْرَ وضَرَبَ بِهِ مَضارِبَهُ ﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ إكْرامًا لَهُما بِما يَتَمَيَّزانِ بِهِ، قِيلَ: هو المُعانَقَةُ، والظّاهِرُ أنَّها أُمُّهُ حَقِيقَةً، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ - كَما نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ وأبُو حَيّانَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها خالَتُهُ، وغَلَبَ الأبُ في هَذِهِ التَّثْنِيَةِ لِذُكُورَتِهِ كَما غَلَبَ ما هو مُفْرَدٌ في أصْلِهِ عَلى المُضافِ في العُمْرَيْنِ ﴿وقالَ﴾ مُكْرِمًا لِلْكُلِّ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ (p-٢١٧)أيِ البَلَدَ المَعْرُوفَ، وأتى بِالشَّرْطِ لِلْأمْنِ لا لِلدُّخُولِ، فَقالَ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿آمِنِينَ﴾ مِن جَمِيعِ ما يَنُوبُ حَتّى مِمّا فَرَطْتُمُوهُ في حَقِّي وحَقِّ أخِي.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском