Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:17–25
13:17Page 251
أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ ١٧
He sends down from the sky, rain, and valleys flow according to their capacity, and the torrent carries a rising foam. And from that [ore] which they heat in the fire, desiring adornments and utensils, is a foam like it. Thus Allāh presents [the example of] truth and falsehood. As for the foam, it vanishes, [being] cast off; but as for that which benefits the people, it remains on the earth. Thus does Allāh present examples.
ولَمّا [ كانَ - ] حَمْلُ الماءِ في العُلُوِّ لا يُمْكِنُ إلّا عَنْ قَهْرٍ، وإنْزالُهُ في وقْتٍ دُونَ غَيْرِهِ [ كَذَلِكَ- ]، أتْبَعَ هَذا الخَتْمَ قَوْلَهُ دَلِيلًا مُشاهِدًا عَلَيْهِ: ﴿أنْـزَلَ﴾ ولَمّا كانَ الإنْزالُ قَدْ يَتَجَوَّزُ بِهِ عَنْ إيجادِ ما يَعْظُمُ إيجادُهُ، حَقَّقَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ ولَمّا كانَ المُنَزَّلُ مِنها أنْواعًا شَتّى قالَ: ﴿ماءً فَسالَتْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ إنْزالِهِ لِكَثْرَتِهِ (p-٣١٥)أنْ سالَتْ ﴿أوْدِيَةٌ﴾ أيْ مِياهُها مِنها الكَبِيرُ والصَّغِيرُ؛ والوادِي: سَفْحُ الجَبَلِ العَظِيمِ الَّذِي يُقابِلُهُ جَبَلٌ أوْ تَلٌّ فَيَجْتَمِعُ فِيهِ المَطَرُ، فَيَجْرِي في فَضائِهِ، ومِنهُ أُخِذَتِ الدِّيَةُ - لِجَمْعِ المالِ العَظِيمِ الَّذِي يُؤَدّى عَنِ القَتْلِ ﴿بِقَدَرِها﴾ والقَدْرُ: اتِّزانُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، فالمَعْنى أنَّ المِياهَ مَلَأتِ الأوْدِيَةَ مَعَ ما ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفَرُّدِ بِالرُّبُوبِيَّةِ مِمّا هو مِثالٌ لِلْحَقِّ والباطِلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فاحْتَمَلَ﴾ والِاحْتِمالُ: رَفْعُ الشَّيْءِ عَلى الظَّهْرِ بِقُوَّةِ الحامِلِ لَهُ ﴿السَّيْلُ﴾ وهو ماءُ المَطَرِ الجارِي مِنَ الوادِي بِعَظْمٍ ﴿زَبَدًا رابِيًا﴾ أيْ عالِيًا بِانْتِفاخِهِ: والزُّبْدُ: الرَّغْوَةُ الَّتِي تَعْلُو الماءَ، ومَدارُ المادَّةِ عَلى الخِفَّةِ، ويَلْزَمُها العُلُوُّ، ومِنهُ زَبَدُ البَحْرِ والبَعِيرِ - لِلرَّغْوَةِ الخارِجَةِ مِن شِدْقِهِ، والغَضْبانِ، وزَبَدَتِ المَرْأةُ القُطْنَ - إذا نَفَشَتْهُ، والزَّبادُ - كَرُمّانٍ: ضَرْبٌ مِنَ النَّبْتِ تَنْفَرِشُ أفْنانُهُ، وشاةٌ مُزْبِدَةٌ أيْ سَمِينَةٌ، ومِنهُ الزَّبادُ - لِلطِّيبِ المَعْرُوفِ وهو وسَخٌ يُشْبِهُ الرَّغْوَةَ يَجْتَمِعُ تَحْتَ ذَنَبِ نَوْعٍ مِنَ السَّنانِيرِ، (p-٣١٦)ومِنهُ الزُّبَدُ - بِضَمٍّ وسُكُونٍ - لِخالِصِ [ اللَّبَنِ - ] فَإنَّهُ أخَفُّهُ، يُقالُ مِنهُ: زَبَدْتُ فُلانًا أزَبْدُهُ - إذا أطْعَمْتُهُ الزَّبَدَ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ حَتّى قِيلَ لِمُطْلَقِ العَطِيَّةِ، ومِنهُ: «”نَهْيُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ عَنْ زَبَدِ المُشْرِكِينَ“؛» ومِنهُ الزِّدْبُ - بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ، وهو النَّصِيبُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن زُبْدِ اللَّبَنِ الزَّبادُ لِلنَّبْتِ، فَإنَّهُ مَرْعى ناجِعٌ، كَأنَّهُ شُبِّهَ بِهِ أوْ لِأنَّهُ سَبَبُهُ، وكَذا شاةٌ مُزْبَدَةٌ [أيْ - ] سَمِينَةٌ ويَلْزَمُ الخِفَّةَ الإسْراعُ، يُقالُ: تُزْبِدُ اليَمِينَ - إذا أسْرَعَ إلَيْها، أوْ إنَّها شُبِّهَتْ بِالزُّبْدِ في سُهُولَةِ التِقامِهِ.
ولَمّا الزَّبَدُ أحْسَنُ مَثَلٍ لِمَعْبُوداتِهِمْ، وكانَ لا يَخْتَصُّ بِالماءِ الَّذِي هو مائِعٌ بِطَبْعِهِ بِجَمْعِ الأوْضارِ والأقْذارِ بِجَرْيِهِ، ذَكَرَ مَعَهُ ما يُشْبِهُهُ في النَّفْعِ مِنَ الجَوامِدِ الصَّلْبَةِ الَّتِي تُزْبِدُ عِنْدَ الإذابَةِ مَعَ كَوْنِها في حالِ الجُمُودِ في غايَةِ الصَّفاءِ والخُلُوصِ عَنِ الشَّوائِبِ عَلى ما يَظْهَرُ، فَقالَ: ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ﴾ أيْ إيقادًا مُسْتَعْلِيًا ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ لِلْإذابَةِ ﴿فِي النّارِ﴾ مِنَ المَعادِنِ ﴿ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ تَتَحَلَّوْنَ بِها مِنَ الأساوِرِ والحِلَقِ ونَحْوِها ﴿أوْ﴾ ابْتِغاءَ ﴿مَتاعٍ﴾ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ والسُّيُوفِ (p-٣١٧)والأوانِي [ ونَحْوُها- ]، وأصْلُ المَتاعِ: التَّمَتُّعُ الحاضِرُ، فَهَذا تَقْسِيمٌ حاصِرٌ لِأنْواعِ الفِلِزِّ المُنَوَّهِ إلَيْها مَعَ إظْهارِ التَّهاوُنِ بِهِ وإنْ تَنافَسَ النّاسُ فِيهِ [كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ يُظْهِرُونَ المَجْدَ والفَخارَ بِالِاسْتِهانَةِ بِما يَتَنافَسُ النّاسُ فِيهِ] ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أيْ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ يَكْشِطُ عَنْ وجْهِهِ أوْ يُعَلِّقُ بِأطْرافِ الإناءِ فَيَذْهَبُ ويَبْقى ذَلِكَ الجَوْهَرُ خالِصًا كالحَقِّ إذا زالَتْ عَنْهُ الشُّكُوكُ وانْزاحَتِ الشُّبَهُ.
ولَمّا كانَ هَذا في غايَةِ الحُسْنِ والِانْطِباقِ عَلى المَقْصُودِ، كانَ سامِعُهُ جَدِيرًا بِأنْ يَهْتَزَّ فَيَقُولُ: هَذا مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى سَوْقِهِ هَكَذا إلّا اللَّهُ تَعالى، فَيا لَهُ مِن مَثَلٍ! فَأُجِيبُ قَوْلَهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الضَّرْبِ، العَلِيِّ الرُّتَبِ، الغَرِيبِ العَجَبِ، المَتِينِ السَّبَبِ ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿الحَقَّ والباطِلَ﴾ [ أيْ - ] مِثْلَهُما؛ وضَرْبُ المَثَلِ: تَسْيِيرُهُ في البِلادِ يَتَمَثَّلُ بِهِ النّاسُ.
ولَمّا نَبَّهَ بِهَذا الفَصْلِ عَلى عُلُوِّ رُتَبِهِ هَذا المَثَلَ، شَرَعَ في شَرْحِهِ، فَقالَ مُبْتَدِئًا بِما هو الأهَمُّ في هَذا المَقامِ، وهو إبْطالُ الباطِلِ الَّذِي أضَلَّهُمْ، (p-٣١٨)وهُوَ في تَقْسِيمِهِ عَلى طَرِيقِ النَّشْرِ المُشَوَّشِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا الزَّبَدُ﴾ أيِ الَّذِي [ هو - ] مَثَلٌ لِلْباطِلِ المُطْلَقِ ﴿فَيَذْهَبُ﴾ مُتَعَلِّقًا بِالأشْجارِ وجَوانِبِ الأوْدِيَةِ لِأنَّهُ يَطْفُو بِخِفَّتِهِ ويُعَلِّقُ بِالأشْياءِ الكَثِيفَةِ بِكَثافَتِهِ ﴿جُفاءً﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: أيْ مُضْمَحِلًّا مُتَلاشِيًا لا مَنفَعَةَ فِيهِ ولا بَقاءَ لَهُ؛ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مُتَفَرِّقًا، مَن جَفَأتِ الرِّيحُ الغَيْمَ - إذا قَطَعَتْهُ، وجَفَأتِ الرَّجُلَ: صَرَعَتْهُ - انْتَهى. فَهَذا مَثَلُ الباطِلِ مِنَ الشُّكُوكِ والشُّبَهِ وما أثارَهُ أهْلُ العِنادِ، لا بَقاءَ لَهُ وإنْ جالَ جَوْلَةً - يَمْتَحِنُ اللَّهُ [بِها] عِبادَهُ لِيَظْهَرَ الثّابِتُ مِنَ المُزَلْزَلِ - ثُمَّ يَنْمَحِقُ سَرِيعًا؛ وقالَ الرُّمّانِيُّ: والجَفاءُ: بُنُوُّ مَكانِ الشَّيْءِ بِهِ حَتّى يَهْلَكَ ﴿وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ مِنَ الماءِ والفِلِزِّ الَّذِي هو مِثْلُ الحَقِّ ﴿فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ يَنْتَفِعُ النّاسُ بِالماءِ الَّذِي بِهِ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ، والفِلِزُّ الَّذِي بِهِ التَّمامُ، فالماءُ والمَعْدِنُ مِثْلُ القُرْآنِ لِما فِيهِ مِن حَياةِ القُلُوبِ وبَقاءِ الشَّرْعِ كَما أنَّ الماءَ يُحْيِي الأراضِي المَيْتَةَ، والمَعادِنَ تُحْيِي مَواتِ العَيْشِ وتُنَظِّمُ المُعامَلاتِ المُقْتَضِيَةَ لِاخْتِلاطِ (p-٣١٩)بَعْضِ النّاسِ بِبَعْضٍ وائْتِلافِهِمْ بِالحاجَةِ، والأوْدِيَةِ والأوانِي مِثْلَ القُلُوبِ يُثْبِتُ مِنهُ فِيها ما تَحْتَمِلُهُ عَلى قَدْرِ سِعَةِ القَلْبِ وضِيقِهِ بِحَسَبِ الطَّهارَةِ وقُوَّةِ الفاهِمَةِ.
ولَمّا انْقَضى هَذا المَثَلُ عَلى هَذا البَيانِ الَّذِي يَعْجَزُ دُونَهُ الثَّقَلانِ، لِأنَّهُ أحْسَنُ شَيْءٍ مَعْنًى بِأوْجَرِ عِبارَةٍ وأوْضَحِ دَلالَةٍ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يَبِينُ كُلُّ شَيْءٍ هَذا البَيانَ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ،
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿الأمْثالَ﴾ فَيَجْعَلُها في غايَةِ الوُضُوحِ وإنْ كانَتْ في غايَةِ الغُمُوضِ.
ومادَّةُ ”جَفا“ - واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ، وهي جَفَأ جَأْفَ فَجَأ، جَفَيَ جِيَفَ فَيَجَ، جَفَوَ جَوَفَ فَوَجَ، فَجَوَ وجَفَ - تَدُورُ عَلى الطَّرْحِ: جَفَأ الوادِي والقَدَرِ: رَمْيًا بِالجَفاءِ [أيِ الزَّبَدِ] وجَفَأ القَدَرُ والوادِي: مَسَحَ غُثاءَهُ أيْ فَطَرْحَهُ - وجَفْأهُ: صَرَعَهُ، والبَرِمَةُ في القَصْعَةِ: كَفاها - أيْ طَرْحُ ما فِيها - والبابُ: أغْلَقَهُ وفَتَحَهُ - ضِدٌّ، لِأنَّهُ في كِلَيْهِما كالمَرْمِيِّ بِهِ، والبَقْلُ: قَلْعُهُ مِن أصْلِهِ، (p-٣٢٠)والجَفاءُ - كَعُزابُ: الباطِلُ، لِأنَّهُ أهْلٌ لِلْقَذْفِ بِهِ والطَّرْحِ، والسَّفِينَةُ الخالِيَةُ، لِأنّا بِمَعْرِضِ قَذْفِ الماءِ لَها.
وأجَفا ماشِيَتَهُ: أتْعَبَها بِالسَّيْرِ ولَمْ يَعْلِفْها أيْ سَيَّرَها سَيْرًا كَأنَّها يَقْذِفُ بِها، وجَفَأ بِهِ: طَرَحَهُ، وجَفاتُ البِلادِ: ذَهَبَ خَيْرُها، فَكانَتْ طَرْحَتُهُ أوْ صارَتْ هي أهْلًا لِأنْ تَطْرَحَ وتَبْعُدَ، والعامُ جَفَأتْ إبِلُنا، وهو أنْ يَنْتِجَ أكْثَرُها، لِأنَّها طَرَحَتْ أجِنَّتَها.
ومِن يائِيِّهِ: جَفَيْتُهُ أُجْفِيهِ: صَرَعْتُهُ، والجُفايَةُ - بِالضَّمِّ: السَّفِينَةُ الفارِغَةُ، والمُجْفِي: المَجْفُوُّ.
ومِن واوِيِّهِ: جَفا الشَّيْءُ يَجْفُو - إذا لَمْ يَلْزَمْ مَكانَهُ، كَأنَّهُ فُصِلَ مِن مَكانِهِ فَطَرَحَ بِهِ، والجَفاءُ والجَفْوَةُ: تَرَكَ الصِّلَةَ، واجْتَفَيْتُهُ: أزَلْتُهُ عَنْ مَكانِهِ، وجَفا عَلَيْهِ كَذا: ثَقُلَ، فَصارَ أهْلًا لِطَرْحِهِ والِانْفِصالِ مِنهُ، ورَجُلٌ جافِي الخِلْقَةِ والخُلُقِ: كَزٌّ غَلِيظٌ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا غِلُظَ لَمْ يَلْتَصِقِ التِصاقَ اللَّطِيفِ، وأجْفى الماشِيَةَ: أتْبَعَها ولَمْ يَدَعْها تَأْكُلُ، (p-٣٢١)وفِيهِ جَفْوَةٌ أيْ هو جافٍ، فَإنْ كانَ مَجْفُوًّا قِيلَ: بِهِ جَفْوَةٌ.
ومِن مَقْلُوبِهِ مَهْمُوزًا: جافَّةٌ: صَرَعَهُ وذَعَرَهُ أيْ قَذَفَ في قَلْبِهِ رُعْبًا: والشَّجَرَةُ: قَلَعَها مِن أصْلِها، والجَآفُ - كَشَدّادٍ: الصِّياحُ، كَأنَّهُ يَقْذِفُ بِصَوْتِهِ، ورَجُلٌ مُجَأَّفٌ: لا ثَباتَ [لَهُ] كَأنَّهُ يَقْذِفُ بِهِ مِن مَكانِهِ، والمَجْؤُوفُ: الجائِعُ والمَذْعُورُ، كَأنَّهُ مِنَ الجَوْفِ، وإنَّما هَمَزَتْ واوُهُ الأُولى لِانْضِمامِها مَعَ أنَّهُ يُمْكِنُ تَنْزِيلُهُ عَلى أنَّهُ قُذِفَ فِيهِ ذَلِكَ.
ومِن يائِيِّهِ: الجِيفَةُ: جُثَّةُ المَيِّتِ وقَدْ أراحَ، والجِيافُ - كَشِدادٍ: النَّبّاشُ، وجافَتْ تَجِيفُ: أنْتَنَتْ فَصارَتْ مُتَهَيِّئَةً لِلطَّرْحِ والتَّغْيِيبِ، وجَيَّفَهُ: ضَرَبَهُ، لِما رَآهُ أهْلًا لِلْبُعْدِ، وجَيَّفَ فُلانٌ في كَذا وجُيِّفَ أيْ فَزَعَ وأفْزَعَ أيْ طَرَحَ في قَلْبِهِ رُعْبٌ، فَصارَ لا تَسَعُهُ أرْضٌ، بَلْ يَقْذِفُ بِنَفْسِهِ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ.
ومِن واوِيِّهِ: الجَوْفُ: المُطَمْئِنُّ [مِنَ الأرْضِ]، لِأنَّهُ يَسَعُ (p-٣٢٢)ما يَطْرَحُ فِيهِ ويُمْسِكُهُ، ومَهْما طَرَحَ مِنَ الجِبالِ مِن شَيْءٍ اسْتَقَرَّ بِهِ، والجَوْفُ مِنكَ: بَطْنُكَ، لِافْتِقارِهِ إلى طَرْحِ الغِذاءِ فِيهِ، وأهْلُ الأغْوارِ يُسَمَّوْنَ فَساطِيطَ عُمّالِهِمُ الأجْوافَ - لِطَرْحِ أنْفُسِهِمْ وأمْتِعَتِهِمْ فِيها - وجَوْفُ اللَّيْلِ: وسَطُهُ - تَشْبِيهٌ بِالجَوْفِ، والأجْوَفانِ: البَطْنُ والفَرْجُ، والجَوْفُ - مُحَرِّكَةُ السِّعَةِ، والجَوْفاءُ مِنَ الدِّلاءِ: الواسِعَةُ، ومِنَ القَنا والشَّجَرِ: الفارِغَةُ، والجائِفَةُ: جِراحَةٌ تَبْلُغُ الجَوْفَ، وتَلْعُهُ جائِفَةٌ: قَعِيرَةٌ - لِأنَّها لِقَعْرِها بِالجَوْفِ أشْبَهُ مِنها بِالجَبَلِ، وجَوائِفُ النَّفْسِ: ما تَقَعَّرَ مِنَ الجَوْفِ في مُقارِّ الرُّوحِ، والمُجَوَّفُ - كَمُعَظَّمٍ: مَن لا قَلْبَ لَهُ - كَأنَّ قَلْبَهُ طَرَحَ مِن جَوْفِهِ فَصارَ خالِيًا. والجُوفانُ - بِالضَّمِّ: أيْرُ الحِمارِ - لِسِعَةِ جَوْفِهِ، وأجَفْتُ البابَ: رَدَدْتُهُ - كَأنَّهُ مِنَ السَّلْبِ، لِأنَّكَ سَدَدْتَ جَوْفَ البَيْتِ، أوْ أنَّهُ شَبَّهَ الإغْلاقَ بِطَرْحِ البابِ.
ومِن مَقْلُوبِهِ مَهْمُوزًا: فَجِئْهُ الأمْرُ - كَسَمْعِهِ ومَنعِهِ: هَجَمَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ، كَأنَّهُ قَذَفَ بِهِ إلَيْهِ، وفُجِئَتِ النّاقَةُ - كَفَرِحَ: عَظُمَ (p-٣٢٣)بَطْنُها، كَأنَّهُ قَذَفَ فِيهِ بِشَيْءٍ، وفَجَأ - كَمَنَعَ: جامَعَ، لِأنَّهُ طَرَحَها وطَرَحَ نَفْسَهُ عَلَيْها، والمُفاجِئُ: الأسَدُ، لِأنَّهُ يَخْرُجُ بَغْتَةً فَيَثِبُ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ.
ومِن مَقْلُوبِهِ واوِيًّا: الفَجْوَةُ: المُتَّسَعُ مِنَ الأرْضِ والفُرْجَةُ - لِتَهَيُّئِها لِما يَطْرَحُ فِيها، والفَجْوَةُ - أيْضًا: ساحَةُ الدّارِ وما بَيْنَ حَوافِي الحَوافِرِ، أيْ مَيامِنِها ومَياسِرِها، وفَجًّا قَوْسَهُ: رَفَعَ وتَرَها عَنْ كَبِدِها فَهي فَجْواءُ، وفَجًّا بابَهُ: فَتَحَهُ، فَصارَ كالجَوْفِ، والفَجا: تَباعُدُ ما بَيْنَ الرُّكْبَتَيْنِ أوِ الفَخْذَيْنِ أوِ السّاقَيْنِ أوْ عُرْقُوبَيِ البَعِيرِ؛ فَجِيَ - كَرَضِيَ فَهو أفْجى، وعِظَمُ بَطْنِ النّاقَةِ، والفِعْلُ كالفِعْلِ، والتَّفْجِيَةِ: الكَشْفُ، لِأنَّكَ طَرَحْتَ الغِطاءَ، والتَّفْجِيَةُ - أيْضًا: التَّنْحِيَةُ، وهي واضِحَةٌ في الطَّرْحِ، وأفْجى: وسَّعَ النَّفَقَةَ عَلى عِيالِهِ - كَأنَّهُ يَقْذِفُ بِها قَذْفًا.
ومِن مَقْلُوبِهِ يائِيًّا: أفاجَ الرَّجُلُ - إذا أسْرَعَ، ومِنهُ الفَيْجُ - لِرَسُولِ السُّلْطانِ عَلى رِجْلَيْهِ - كَأنَّهُ لِسُرْعَتِهِ يَطْرَحُ بِهِ في الأرْضِ - هَذا (p-٣٢٤)هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي صَحَّحَهُ صاحِبُ العُبابِ، لِأنَّهُ مُعَرَّبٌ بِيكَ، وقِيلَ: إنَّهُ واوِيٌّ، أصْلُهُ: فَيَوَجُّ، ثُمَّ قِيلَ: فَيَجَ - كَكَيَسَ، ثُمَّ خُفِّفَ، وجَمْعُهُ [الفُيُوجُ]، وقِيلَ: الفُيُوجُ: الَّذِينَ يَدْخُلُونَ السِّجْنَ ويَخْرُجُونَ ويَحْرُسُونَ، وأفاجَ في الأرْضِ: ذَهَبَ، والقَوْمُ: ذَهَبُوا وانْتَشَرُوا - كَأنَّهُ قَذَفَ بِهِمْ، والفَيْجُ: الوَهْدُ المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرْضِ، لِأنَّهُ مَوْضِعٌ لِطَرْحِ ما في الأعالِي.
ومِن مَقْلُوبِهِ واوِيًّا: الفَوْجُ: الجَماعَةُ، كَأنَّهُمُ اقْتَطَعُوا مِنَ الجُمْهُورِ فَقَذَفَ بِهِمْ، وفاجَ المِسْكُ: فاحَ وسَطَعَ، أيِ انْتَشَرَتْ رائِحَتُهُ، والنَّهارُ: بَرْدٌ، إمّا بِمَعْنى طَرَحَ بَرْدَهُ عَلى ما فِيهِ، وإمّا لِإحْواجِهِ الحَيَوانَ إلى أنْ يَطْرَحَ عَلَيْهِ ما يُدْفِئُهُ، وأفاجَ: أسْرَعَ وعَدا وأرْسَلَ الإبِلَ عَلى الحَوْضِ قِطْعَةً [قِطْعَةً]، والفاتِجُ: البِساطُ الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، لِتُهَيِّئَهُ لِما يَطْرَحُ فِيهِ، مِن تَسْمِيَةِ المَحَلِّ بِاسْمِ الحالِ، وأفاجَ في عَدْوِهِ: أبْطَأ. فَهو لِلسَّلْبِ، وفاجَتِ النّاقَةُ بِرَجِيلِها: نَفَحَتْ بِهِما مِن خَلْفِها، والفائِجَةُ: مُتَّسَعُ ما بَيْنَ كُلِّ مُرْتَفَعَيْنِ، كَأنَّهُ مَحَلُّ طَرْحِ ما يَنْزِلُ مِنهُما.
ومِن مَقْلُوبِهِ: وجَفَ يَجِفُ وجِيفًا: اضْطَرَبَ، والوَجْفُ ضَرْبٌ مِن سَيْرِ الإبِلِ والخَيْلِ، وجَفَ يَجِفُ وأوْجَفْتُهُ واسْتَوْجَفَ الحُبُّ فُؤادُهُ: ذَهَبَ بِهِ، كَأنَّهُ طَرَحَهُ مِنهُ.
13:18Page 251
لِلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُۥ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡحِسَابِ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٨
For those who have responded to their Lord is the best [reward], but those who did not respond to Him - if they had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby. Those will have the worst account, and their refuge is Hell, and wretched is the resting place.
(p-٣٢٥)ولِما تَمَّ ما لِلْحَقِّ والباطِلِ في أنْفُسِهِمْ مِنَ الثَّباتِ والِاضْطِرابِ، ذَكَرَ ما لِأهْلِهِما مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: [ما] لِمَن تَدَبَّرَ هَذِهِ الأمْثالَ، وأبْعَدَ عَمّا أشارَتْ إلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، أوْ حادَ عَمّا دَعَتْ إلَيْهِ ومالَ؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ أيْ طَلَبُوا مِن أنْفُسِهِمُ الإجابَةَ وأوْجَدُوها ﴿لِرَبِّهِمُ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ شُكْرًا لَهُ، الحالَةُ ﴿الحُسْنى﴾ أيِ العَظِيمَةُ في الحُسْنِ، وهي القَرارُ في الجَنَّةِ فَهو جَزاؤُهُمْ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وذَلِكَ هو النَّصْرُ في الدُّنْيا وما اخْتَصُّوا بِهِ مِن نِعَمِهِ تَعالى ودُخُولِ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ - انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ في [سُورَةِ يُونُسَ ] عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهم يُزادُونَ ما لا يَعْلَمُ قَدْرَهُ إلّا الَّذِي فَعَلُوا ذَلِكَ خَوْفَ عِقابِهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ ما لِلطّائِعِينَ، أتْبَعُهُ جَزاءَ العاصِينَ، فَقالَ مُبْتَدِئًا: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ أيْ يَرْغَبُوا في إيجادِ الإجابَةِ ”لَهُ“ وأخْبَرَ عَنْ هَذا الِابْتِداءِ قَوْلُهُ مُعْلِمًا بِأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ بِاسْتِعْجالِهِمْ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ جَراءَةً مِنهم ناشِئَةً عَنْ جَهْلٍ صِرْفٍ تَزُولُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ عَذابَهُ سُبْحانَهُ، فَيُبَلِّغُونَ حِينَئِذٍ بِالِافْتِداءِ غايَةَ الذُّلِّ فَلا يُقْبَلُ مِنهم -: ﴿لَوْ أنَّ لَهُمْ﴾ (p-٣٢٦)أيْ [ في - ] مِلْكِهِمْ وتَحْتَ قُدْرَتِهِمْ ﴿ما في الأرْضِ﴾ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا ومِثْلَهُ﴾ وأوْضَحَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ أيْ جَعَلُوا فِكاكَ أنْفُسِهِمْ بِغايَةِ جُهْدِهِمْ، وأكَّدَهُ لِادِّعاءِ الكَفَرَةِ أنَّهم لا يَذِلُّونَ لِشَيْءٍ ولا يُوهِنُ قُواهم شَيْءٌ، والِافْتِداءُ: جَعْلُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ بَدَلًا مِنَ الآخَرِ عَلى جِهَةِ الِاتِّقاءِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي دَهاهم حَتّى كانَ هَذا حالَهُمْ؟ فَقِيلَ - دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنهُمُ الفِداءَ ولَوْ عَظُمَ -: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾ والحِسابُ: إحْصاءُ ما عَلى العَبْدِ ولَهُ، وسُوءُ المُؤاخَذَةِ، وعَدَمُ العَفْوِ عَنْ شَيْءٍ ﴿ومَأْواهُمْ﴾ أيْ مُسْتَقَرَّهم ﴿جَهَنَّمُ﴾ أيِ الطَّبَقَةُ الَّتِي تَلْقى داخِلَها بِالتَّجَهُّمِ والعَبُوسَةَ. ولَمّا كانَ المَأْوى إنَّما يَأْوِي إلَيْهِ صاحِبُهُ لِلرّاحَةِ فِيهِ بِالِاتِّكاءِ عَلى فَرْشٍ ونَحْوِهِ، قالَ مُعَبِّرًا بِمَجْمَعِ المَذامِّ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾
13:19Page 252
۞ أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩
Then is he who knows that what has been revealed to you from your Lord is the truth like one who is blind? They will only be reminded who are people of understanding -
ولَمّا افْتَرَقَ حالُ ما أجابَ ومَن أعْرَضَ في الجَزاءِ، وكانَ ما مَضى مُسْتَوْفِيًا طَرَقَ البَيانَ بِإيضاحِ الأمْرِ بِالجُزَيْئاتِ والأمْثِلَةِ مَعَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. فَكانَ جَدِيرًا بِتَرْتِيبِ الأثَرِ عَلَيْهِ، تَسَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارُ عَلى (p-٣٢٧)مِن سَوّى بَيْنَ العالِمِ العامِلِ وغَيْرِهِ التِفاتًا إلى قَوْلِهِ ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [الرعد: ١٦] وسَوّى بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ التِفاتًا إلى قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ [الرعد: ١٧] فَحَسُنَ قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن﴾ بِفاءِ السَّبَبِ ﴿يَعْلَمُ﴾ عِلْمًا نافِعًا هو عامِلٌ بِهِ ﴿إنَّما﴾ أيِ الَّذِي ﴿أُنْـزِلَ﴾ أيْ وجَدَ إنْزالَهُ وفَرَغَ مِنهُ ﴿إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِأحْسَنِ التَّدْبِيرِ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلِ في الحَقِّيَّةِ، فَهو نَيِّرُ العَيْنِ لِلْبَصَرِ والقَلْبِ لِلِاسْتِبْصارِ والِاعْتِبارِ، يَهْتَدِي بِما يَعْلَمُ إلى طَرِيقِ الرُّشْدِ فَيَسْلُكُها، وإلى طَرِيقِ الغَيِّ فَيَتْرُكُها، ويَفْهَمُ الأُشاراتِ، ويَنْتَفِعُ بِالأمْثالِ السّائِراتِ، كَما يُبَصِّرُ بِالبَصَرِ طَرِيقَ النَّجاةِ مِن طَرِيقِ الهَلاكِ ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ لا بَصَرَ لَهُ ولا بَصِيرَةَ، لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ وإنْ كانَ عالِمًا، فَهو لا يَنْتَفِعُ بِالأمْثالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أصْلًا، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الإنْكارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما﴾ أيْ لِأنَّهُ إنَّما يَعْلَمُ ذَلِكَ بِالتَّذَكُّرِ، وإنَّما ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ أيْ يَطْلُبُ الذِّكْرُ طَلَبًا عَظِيمًا فَيَعْمَلُ ﴿أُولُو﴾ أيْ أصْحابُ ﴿الألْبابِ﴾ أيِ العُقُولِ الصّافِيَةِ الخالِصَةِ القابِلَةِ لِلتَّذَكُّرِ بِالتَّفَكُّرِ في أنَّ ما أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثابِتُ الأرْكانِ [راسِي القَواعِدِ، لا قَدَرَ لِأحَدٍ عَلى إزالَةِ مَعْنًى مِن مَعانِيهِ ولا هَدْمَ شَيْءٍ مِن مَبانِيهِ] (p-٣٢٨)و[ أنَّ - ] ما عَداهُ هَلْهَلُ النَّسْجِ رَثُّ القُوى، مُخَلْخَلُ الأرْكانِ، دارِسُ الرَّسْمِ، مُنْطَمِسُ الأعْلامِ، مَجْهُولُ المَسالِكِ، مُظْلِمُ الأرْجاءِ، جَمُّ المَهالِكِ، وأمّا القَلْبُ الَّذِي لا يَرْجِعُ عَنْ غَيِّهِ لِمِثْلِ هَذا البَيانِ فَكَأنَّهُ غَيْرُ قابِلٍ لِلذِّكْرى، فاسْتَحَقَّ أنْ يَعِدَ عَدَمًا، وأنْ يَخُصَّ التَّذَكُّرَ بِالقَلْبِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَسْتَوِي مَن لَهُ لُبٌّ [ومَن لا لُبَّ لَهُ]؛ واللُّبُّ والقَلْبُ: أجَلُّ ما في الشَّيْءِ وأخْلَصُهُ وأجْوَدُهُ.
13:20Page 252
ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ ٢٠
Those who fulfill the covenant of Allāh and do not break the contract,
ولَمّا مَنَحَ سُبْحانَهُ مِن فِيهِمْ أهْلِيَّةَ التَّذَكُّرِ بِالعُقُولِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ والِانْقِيادِ لِأوامِرِهِ، كانَ كَأنَّهُ عَهْدٌ في ذَلِكَ، فَقالَ يَصِفُ المُتَذَكِّرِينَ بِما يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّهُ لا لُبَّ لِسِواهُمْ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ الوَفاءَ لِكُلِّ شَيْءٍ ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ [بِسَبَبِ] العَقْدِ المُؤَكَّدِ مِنَ المَلِكِ الأعْلى بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، فَيَفْعَلُونَ كُلّا مِنهُما كَما رَسَمَهُ لَهم ولا يُوقِعُونَ شَيْئًا مِنهُما مَكانَ الآخَرِ؛ والعُهَدُ: العَقْدُ المُتَقَدِّمُ عَلى الأمْرِ بِما يَفْعَلُ أوْ يَجْتَنِبُ، والإيفاءُ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ غَيْرِهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ.
(p-٣٢٩)ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ مُحَتِّمًا لِلثَّباتِ عَلَيْهِ كَما أنَّ المِيثاقَ اللَّفْظِيَّ مُوجِبٌ لِلْوَفاءِ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ أيِ الإيثاقَ ولا الوِثاقَ ولا مَكانَهُ ولا زَمانَهُ؛ والنَّقْضُ: حَلُّ العَقْدِ بِفِعْلِ ما يُنافِيهِ ولا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ مَعَهُ، والمِيثاقُ: العَقْدُ المُحْكَمُ وهو الأوامِرُ والنَّواهِي المُؤَكَّدَةُ بِحُكْمِ العَقْلِ.
13:21Page 252
وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ ٢١
And those who join that which Allāh has ordered to be joined1 and fear their Lord and are afraid of the evil of [their] account,
ولَمّا كانَ أمْرُ اللَّهِ جارِيًا عَلى مِنهاجِ العَقْلِ وإنْ كانَ قاصِرًا عَنْهُ لا يُمْكِنُ نَيْلُهُ لَهُ مِن غَيْرِ مُرْشِدٍ، قالَ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ أيْ مِن كُلِّ شَيْءٍ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿ما أمَرَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ وقالَ: ﴿بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ دُونَ ”يُوصِلُهُ“ لِيَكُونَ مَأْمُورًا بِوَصْلِهِ مَرَّتَيْنِ، ويُفِيدَ تَجْدِيدَ الوَصْلِ كُلَّما قَطَعَهُ قاطِعٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ لِما تَظافَرَ عَلى ذَلِكَ مِن دَلِيلَيِ العَقْلِ والنَّقْلِ؛ والوَصْلُ: ضَمٌّ الثّانِي إلى الأوَّلِ مِن غَيْرِ فَرْجٍ.
ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ يُرْشِدُ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مَرْجُوٌّ مَرْهُوبٌ قالَ: ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ، مِن أنْ يَنْتَقِمَ مِنهم إنْ خالَفُوا بِقَطْعِ الإحْسانِ. ولَمّا كانَ العَقْلُ دالًّا بَعْدَ تَنْبِيهِ الرُّسُلِ عَلى القُدْرَةِ عَلى المَعادِ بِالقُدْرَةِ عَلى المَبْدَأِ، وكانَ الخَوْفُ مِنهُ أعْظَمَ [ الخَوْفِ- ]، قالَ تَعالى: ﴿ويَخافُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ الخَوْفَ إيجادًا مُسْتَمِرًّا (p-٣٣٠)﴿سُوءَ الحِسابِ﴾ وهو المُناقَشَةُ فِيهِ مِن غَيْرِ عَفْوٍ، ومَن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى أوَّلَ البَقَرَةِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] مَعَ نَظَرِهِ إلى قَوْلِهِ آخِرَ يُوسُفَ ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ [يوسف: ١١١]
13:22Page 252
وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٢
And those who are patient, seeking the face [i.e., acceptance] of their Lord, and establish prayer and spend from what We have provided for them secretly and publicly and prevent evil with good - those will have the good consequence of [this] home1 -
ولَمّا كانَ الوَفاءُ بِالعَهْدِ في غايَةِ الشِّدَّةِ عَلى النَّفْسِ، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ مَعَ شُمُولِهِ لِغَيْرِهِ: ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ عَلى طاعاتِ اللَّهِ وعَنْ مَعاصِيهِ وفي كُلِّ ما يَنْبَغِي الصَّبْرُ فِيهِ، والصَّبْرُ: الحَبْسُ، وهو تَجَرُّعُ مَرارَةِ المَنعِ لِلنَّفْسِ عَمّا تُحِبُّ مِمّا لا يَجُوزُ فِعْلُهُ ﴿ابْتِغاءَ﴾ أيْ طَلَبَ ﴿وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ، وكَأنَّهُ ذَكَرَ الوَجْهَ إثارَةً لِلْحَياءِ وحَثًّا عَلَيْهِ لا لِيُقالَ: ما أجْلَدَهُ! ولا لِأنَّهُ يُعابُ بِالجَزَعِ، ولا لِأنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَ الهَلَعِ ولا خَوْفَ الشَّماتَةِ.
ولَمّا كانَتْ أفْرادُ الشَّيْءِ قَدْ تَتَفاوَتُ في الشَّرَفِ، خَصَّ بِالذِّكْرِ أشْياءَ مِمّا دَخَلَ في العَهْدِ والمِيثاقِ تَشْرِيفًا لَها فَقالَ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ لِأنَّها في الوَصْلَةِ بِاللَّهِ كالمِيثاقِ في الوَصْلَةِ بِالمُوَثِّقِ لَهُ، وقالَ -: ﴿وأنْفَقُوا﴾ وخَفَّفَ عَنْهم بِالبَعْضِ فَقالَ: ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ - لِأنَّ الإنْفاقَ مِن أعْظَمِ سَبَبٍ يُوصِلُ إلى المَقاصِدِ، فَهَذا إنْفاقٌ مِنَ المالِ، وتِلْكَ إنْفاقٌ مِنَ القُوى، وقالَ: ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ إشارَةً إلى الحَثِّ عَلى اسْتِواءِ الحالَتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى الإخْلاصِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسِّرِّ ما يَنْبَغِي فِيهِ الإسْرارُ (p-٣٣١)كالنَّوافِلِ، وبِالعَلانِيَةِ ما يَنْدُبُ إلى إظْهارِهِ كالواجِبِ إلّا أنْ يَمْنَعَ مانِعٌ، وهَذا تَفْصِيلُ قَوْلِهِ تَعالى
﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وقالَ: ﴿ويَدْرَءُونَ﴾ أيْ يَدْفَعُونَ بِقُوَّةٍ وفِطْنَةٍ ﴿بِالحَسَنَةِ﴾ أيْ مِنَ القَوْلِ أوِ الفِعْلِ ﴿السَّيِّئَةَ﴾ إشارَةٌ إلى تَرْكِ المُجازاةِ أوْ يَتْبَعُونَها إيّاها فَتَمْحُوها، خَوْفًا ورَجاءً وحَثًّا عَلى جَمِيعِ الأفْعالِ الصّالِحَةِ، فَهي نَتِيجَةُ أعْمالِ البِرِّ ودَرَجَةِ المُقَرَّبِينَ.
ولَمّا خَتَمَ تِلْكَ بِما يَدُلُّ عَلى ما بَعْدَ المَوْتِ تَرْهِيبًا، خَتَمَ هَذِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ تَرْغِيبًا فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿لَهم عُقْبى الدّارِ﴾
13:23Page 252
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ ٢٣
Gardens of perpetual residence; they will enter them with whoever were righteous among their forefathers, their spouses and their descendants. And the angels will enter upon them from every gate, [saying],
وبَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ أيْ إقامَةٍ طَوِيلَةٍ - ومِنهُ المَعْدِنُ [وهِيَ أعْلى الجِنانِ]؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ تَمَكُّنِهِمْ فِيها فَقالَ: ﴿يَدْخُلُونَها﴾
ولَمّا كانَتِ الدّارُ لا تَطِيبُ بِدُونِ الحَبِيبِ، قالَ عاطِفًا عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ إشارَةً إلى أنَّ النَّسَبَ الخالِيَ غَيْرَ نافِعٍ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ والصَّلاحُ: اسْتِقامَةُ الحالِ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ العَقْلُ والشَّرْعُ ﴿مِن آبائِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ كانُوا سَبَبًا في إيجادِهِمْ ﴿وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ تَسَبَّبُوا عَنْهُمْ؛ ثُمَّ زادَ في التَّرْغِيبِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ﴾ لِأنَّ الإكْثارَ مِن تَرْدادِ رُسُلِ المَلِكِ أعْظَمُ في الفَخْرِ وأكْثَرُ في السُّرُورِ والعِزِّ.
(p-٣٣٢)ولَمّا كانَ إتْيانُهم مِنَ الأماكِنِ المُعْتادَةِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى غَيْرِها أدَلُّ عَلى الأدَبِ والإكْرامِ، قالَ: ﴿مِن كُلِّ بابٍ﴾ يَقُولُونَ لَهُمْ:
13:24Page 252
سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٤
"Peace [i.e., security] be upon you for what you patiently endured." And excellent is the final home.
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ بِالكَرامَةِ عَلى انْتِفاءِ كُلِّ شائِبٍ مِن مَضَرَّةٍ، وبَيْنَ أنَّ سَبَبَ هَذا السَّلامِ الصَّبْرُ فَقالَ: ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ أيْ بِصَبْرِكُمْ، والَّذِي صَبَرْتُمْ لَهُ، والَّذِي صَبَرْتُمْ عَلَيْهِ، إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّبْرَ عِمادُ الدِّينِ كُلِّهِ. ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ. تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ وهي المَسْكَنُ في قَرارِ، المُهَيَّأِ بِالأبْنِيَةِ الَّتِي يَحْتاجُ إلَيْها والمَرافِقِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِها؛ والعُقْبى: الِانْتِهاءُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ الِابْتِداءُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
13:25Page 252
وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٢٥
But those who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and spread corruption on earth - for them is the curse, and they will have the worst home.1
ولَمّا ذَكَرَ ما لِلنّاجِينَ، ذَكَرَ مَآلَ الهالِكِينَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى فَيَعْمَلُونَ بِخِلافِ مُوجِبِهِ؛ والنَّقْضُ: التَّفْرِيقُ الَّذِي يَنْفِي تَأْلِيفَ البِناءِ. ولَمّا كانَ النَّقْضُ ضارًّا ولَوْ كانَ في أيْسَرِ جُزْءٍ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ أيِ الَّذِي أوْثَقَهُ عَلَيْهِمْ بِما أعْطاهم مِنَ العُقُولِ وأوْدَعَها مِنَ القُوَّةِ عَلى تَرْتِيبِ المُقَدِّماتِ المُنْتِجَةِ لِلْمَقاصِدِ الصّالِحَةِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ جَمِيعِ ما أخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ؛ والمِيثاقُ: إحْكامُ العَقْدِ بِأبْلَغِ ما يَكُونُ في مِثْلِهِ ﴿ويَقْطَعُونَ ما﴾ أيِ الشَّيْءِ الَّذِي ﴿أمَرَ اللَّهُ﴾ أيْ غَيْرِ ناظِرِينَ إلى ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالِ، وعَدَلَ عَنْ [أنْ] (p-٣٣٣)يُوَصِّلَهُ لِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا فَقالَ: ﴿بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ أيْ لِما لَهُ مِنَ المَحاسِنِ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ الَّتِي هي عَيْنُ الصَّلاحِ ﴿ويُفْسِدُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ الإفْسادَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ في أيِّ جُزْءٍ كانَ مِنهم بِوَصْلِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يَقْطَعَ اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ، مُعْرِضِينَ عَنْ أدِلَّةِ عُقُولِهِمْ، مُسْتَهِينِينَ بِانْتِقامِ الكَبِيرِ المُتْعالِ. ولَمّا كانُوا كَذَلِكَ، اسْتَحَقُّوا ضِدَّ ما تَقَدَّمَ لِلْمُتَّقِينَ، وذَلِكَ هو الطَّرْدُ والعِقابُ والغَضَبُ والنَّكالُ وشُؤْمُ اللِّقاءِ، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أيِ الطَّرْدُ والبُعْدُ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ أنْ يَكُونُ دارَهُمُ الآخِرَةُ سَيِّئَةً بِلِحاقِ ما يَسُوءُ فِيها دُونَ ما يَسُرُّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences