Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:34–43
13:34Page 253
لَّهُمۡ عَذَابٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَقُّۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٣٤
For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allāh any protector.
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا لَهم عَلى ما فَعَلُوا مِن ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: (p-٣٥٣)﴿لَهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿عَذابٌ﴾ وهو الألَمُ المُسْتَمِرُّ، ومِنهُ العَذْبُ لِأنَّهُ يَسْتَمِرُّ في الحَلْقِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ شاقٌّ، بِمُمانَعَةِ حِزْبِ اللَّهِ لَهم في صَدِّهِمْ عَنِ السَّبِيلِ إلى ما يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ، ولَهم في الآخِرَةِ إنْ ماتُوا عَلى ذَلِكَ عَذابٌ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ أيْ أشَدُّ في المَشَقَّةِ، وهي غِلَظُ الأمْرِ عَلى النَّفْسِ بِما يَكادُ يُصَدَّعُ القَلْبُ ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿مِن واقٍ﴾ أيْ مانِعٍ يَمْنَعُهم إذا أرادَ بِهِمْ سُوءًا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، والواقِي فاعِلُ الوِقايَةِ، وهي الحَجَرُ بِما يَدْفَعُ الأذِيَّةَ.
13:35Page 254
۞ مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥
The example [i.e., description] of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.
ولِما تَوَعَّدَهم عَلى تَفْرِيطِهِمْ في جانِبِ اللَّهِ، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما لِأضْدادِهِمْ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لِمَن عاداهم في اللَّهِ؟ فَقِيلَ: الجَنَّةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما هِيَ؟ فَقِيلَ: إنَّها في الجَلالِ، وعُلُوِّ الجِمالِ، وكَرَمِ الخِلالِ، مِمّا تَعالى عَنِ المَنالِ، إلّا بِضَرْبِ الأمْثالِ، فَقِيلَ: ما مِثْلُها؟ فَقِيلَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ حُصُولُ الوَعْدِ الصّادِقِ ولا سِيَّما وقَدْ عَلِمَ أنَّ الوَعْدَ هو اللَّهُ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما أقُصُّ عَلَيْكُمْ، وهو أنَّها بَساتِينُ: قُصُورٌ وأشْجارٌ، (p-٣٥٤)فَقالَ الزَّجّاجُ: الخَبَرُ جَنَّةٌ مُخْبَرٌ عَنْها بِما ذَكَرَ لِيَكُونَ تَمْثِيلًا لِما غابَ عَنّا بِما نُشاهِدُ ﴿تَجْرِي﴾ ولِما كانَتْ - لَوْ عَمَّها الماءُ الجارِي - بَحْرًا لا بَساتِينَ، أدْخَلَ الجارَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ خاصٌّ بِبَعْضِ أرَضِيها فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها﴾ أيْ قُصُورِها وأشْجارِها ﴿الأنْهارُ﴾ وقِيلَ: هَذا المَذْكُورُ هو الخَبَرُ كَما تَقُولُ: صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ.
ولَمّا كانَ هَذا رَيًّا حَقِيقِيًّا في أرْضٍ هي في غايَةِ الخُلُوصِ والطِّيبِ، كانَ سَبَبًا لِدَوامِ ثَمَرِها واسْتِمْساكِ ورِقِها، فَلِذَلِكَ أتْبَعُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها﴾ أيْ ثَمَرُها الَّذِي يُؤْكَلُ ﴿دائِمٌ﴾ لا يَنْقَطِعُ أبَدًا ﴿وظِلُّها﴾ لَيْسَ كَما في الدُّنْيا، لا يَنْسَخُ بِشَمْسٍ ولا غَيْرِها، قالَ أبُو حَيّانٍ: تَقُولُ: مَثَّلَتُ الشَّيْءَ - إذا وصَفَتْهُ وقَرَّبَتْهُ لِلْفَهْمِ، ولَيْسَ هَذا ضَرْبُ مَثَلٍ، فَهو كَقَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] أيِ الصِّفَةِ العُلْيا - كَذا قالَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَقِيقَةً، ويَكُونُ هُناكَ مَحْذُوفٌ، وهو جَنَّةٌ مِن جِنانِ الدُّنْيا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ - إلى آخِرِهِ، وهو مِن قَوْلِ الزَّجّاجُ.
ثُمَّ ابْتَدَأ إخْبارًا آخَرَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وتَفْخِيمًا لِأمْرِها في قَوْلِهِ تَعالى.
(p-٣٥٥)﴿تِلْكَ﴾ أيِ الجَنَّةُ العالِيَةُ الأوْصافِ ﴿عُقْبى﴾ أيْ آخِرِ أمْرٍ ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ثُمَّ كَرَّرَ الوَعِيدَ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿وعُقْبى﴾ أيْ مُنْتَهى أمْرٍ ﴿الكافِرِينَ﴾ بِالرَّحْمَنِ، المُتَضَمِّنُ لِلْكُفْرِ [بِالوَحْيِ] والمُوحى إلَيْهِ ﴿النّارُ﴾
13:36Page 254
وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ وَإِلَيۡهِ مَـَٔابِ ٣٦
And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muḥammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it [i.e., the Qur’ān]. Say, "I have only been commanded to worship Allāh and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."
ولِما وصَفَ العالِمَيْنِ بِأنَّ المَنزِلَ إلَيْهِ هو الحَقُّ بِرَجاحَةِ العُقُولِ وأصالَةِ الأداءِ المُؤَدِّيَةِ إلى الصَّلاحِ المُوجِبِ لِكُلِّ سَعادَةٍ، والكافِرِينَ بِهِ بِضَعْفِ العُقُولِ الدّافِعِ إلى الفَسادِ المُوصِلِ إلى سُوءِ الدّارِ، ومَرَّ فِيما يُلائِمُهُ إلى أنْ خَتْمَهُ بِمِثْلِ ما خَتَمَ بِهِ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ - ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اتِّصالُهُ بِما قَبْلَهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ هو عِلَّةٌ لِخَتْمِ الآيَةِ السّالِفَةِ، تَقْدِيرُهُ: لِأنَّهم ساءَهم ما أُنْزِلُ إلَيْهِ حَسَدًا وجَهْلًا -: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي اسْتَنْقَذَتْهم مِنَ الضَّلالِ ﴿الكِتابَ﴾ ولَمْ يَكْفُرُوا بِالرَّحْمَنِ ولا بِما أنْزَلَ ولا بِمَن أرْسَلَ ﴿يَفْرَحُونَ بِما﴾ ولَمّا كانَ المُنَزَّلُ دالاًّ بِإعْجازِهِ عَلى المَنزِلِ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ مِن هَذا الكِتابِ الأعْظَمِ لِمُوافَقَتِهِ تِلْكَ الكُتُبِ لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ كُلَّهُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ، وتَخْصِيصَهم لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالكِتابِ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَكَأنَّهُ ما أُنْزِلَ إلّا إلَيْهِمْ، وهَذا العَطْفُ (p-٣٥٦)يُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ هُناكَ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ ﴿ومِنَ الأحْزابِ﴾ مِن أهْلِ الأوْثانِ والكُتّابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ كالتَّوْحِيدِ ونَعْتِ الإسْلامِ ونُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِمّا حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ، ويُرِيدُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ تابِعًا فِيهِ لِغَرَضِهِ، فالمُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَمْدَحَ آلِهَتَهم في بَعْضِ الآياتِ أوْ أنْ يُسْقِطَ وصْفَها بِالعَيْبِ، واليَهُودُ يُرِيدُونَ أنْ يَنْزِلَ ما يُوافِقُ فُرُوعَ التَّوْراةِ كَما أنْزَلَ ما وافَقَ الأُصُولِ، ويُنْكِرُونَ النَّسْخَ، وأهَّلُ الإنْجِيلِ يُرِيدُونَ أنْ يَنْزِلَ في المَسِيحِ ما يَهْوَوْنَ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانُوا لا يُنْكِرُونَ الأقاصِيصَ وبَعْضَ الأحْكامِ والمَعْلِ مِمّا هو ثابِتٌ في كُتُبِهِمْ غَيْرَ مُحَرَّفٍ، فَلِكُفْرِهِمْ بِذَلِكَ البَعْضِ أمَرَهُ أنْ يُعْلِمَهم بِاعْتِقادِهِ كَفَرُوا أوْ شَكَرُوا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ﴾ أيْ وقَعَ الأمْرُ الجازِمُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا تَغَيُّرَ مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا شَيْءَ مِثْلُهُ وحْدَهُ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ لا أفْعَلُ إلّا ما يَأْمُرُنِي بِهِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى سِواهُ، دِينِي مَقْصُورٌ عَلى ما أنْكَرْتُمُوهُ ﴿إلَيْهِ﴾ وحْدَهُ ﴿أدْعُو وإلَيْهِ﴾ خاصَّةً ﴿مَآبِ﴾ أيْ إيابِي (p-٣٥٧)ومَكانُهُ وزَمانُهُ، مَعْنى بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ الفُتُورِ عَنِ القِيامِ بِحَقِّهِ، وحَسًّا بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ؛ والكِتابُ: الصَّحِيفَةُ الَّتِي فِيها الخَطُّ - وهو الكِتابَةُ، وهي تَأْلِيفُ الحُرُوفِ الَّتِي تُقْرَأُ في الصَّحِيفَةِ، والفَرَحُ: لَذَّةُ القَلْبِ الَّتِي تَجْلِي الهَمَّ بِنِيلِ المُشْتَهى، والحِزْبُ: الجَماعَةُ الَّتِيِ تَقُومُ بِالنّائِبَةِ.
13:37Page 254
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ ٣٧
And thus We have revealed it as an Arabic legislation.1 And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allāh any ally or any protector.
ولَمّا بَيَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن مَراتِبِ الإعْجازِ ما بَيَّنَتْ، أتْبَعَ تَعالى ذِكْرَ ما أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلَ هَذا الإنْزالِ، البَدِيعُ المِثالِ، البَعِيدُ المَنالِ؛ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ﴾ [الرعد: ٣٠] أوْ مِثْلَ إنْزالِ كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ حالَ كَوْنِهِ ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أيْ مُمْتَلِئًا حِكْمَةً تَقْضِي بِالحَقِّ، فائِقًا لِجَمِيعِ الكُتُبِ بِهَذا الوَصْفِ؛ والحُكْمُ: القَطْعُ بِالمَعْنى عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ، وهو أيْضًا فَصْلُ الأمْرِ عَلى الحَقِّ؛ فالمَعْنى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِ شَيْءٍ مِنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ هو الحُكْمُ، وما لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ، والعَرَبِيُّ: الجارِي عَلى مَذاهِبِ العَرَبِ في كَلامِها، فَلا تَلْتَفِتُ إلى ما تَدْعُوهم إلَيْهِ أهَوِيَتُهم فَيَقْتَرِحُونَهُ مِن تَأْيِيدِكَ بِمُلْكٍ أوْ إتْحافِكَ بِكَنْزٍ أوْ تَرْكِكَ لِبَعْضِ ما يُوحى إلَيْكَ مِن سَبْبِ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ (p-٣٥٨)وتَضْلِيلِ آبائِهِمْ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن طَلَباتِهِمُ الَّتِي لَوْ أتَيْتُهم بِها لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ - هَذا في عُبّادِ الأوْثانِ، وكَذا في أهْلِ الكِتابِ فِيما يَدْعُونَ إلَيْهِ مِنَ العُودِ إلى قِبْلَتِهِمْ ونَحْوَهُ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ مِنَ النَّسْخِ أوْ غَيْرِهِ في القِبْلَةِ أوْ غَيْرِها ولا سِيَّما مِمّا يَطْلُبُونَهُ مِنَ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥] الآيَةُ. ولَمّا كانَ المُرادُ التَّعْمِيمَ في الزَّمانِ، نَزَعَ الجارَّ، وأتى بِـ ”ما“ لِأنَّها أعَمُّ مِنَ ”الَّذِي“ وأشَدُّ إبْهامًا، فَهي الخَفِيُّ مَعْنًى، فَناسَبَ سِياقَ الوَحْيِ الَّذِي هو غَيْبٌ، ومَعْناهُ غامِضٌ - إلّا لِبَعْضِ الأفْرادِ - في الأغْبِياءِ بِخِلافِ آيَةِ البَقَرَةِ الأوْلى فَإنَّها في المِلَّةِ الإبْراهِيمِيَّةِ المُدْرَكَةِ بِنُورِ العَقْلِ النّاشِئِ عَنْ نَظَرِ المَحْسُوساتِ فَقالَ: ﴿بَعْدَما جاءَكَ﴾ ولَمّا كانَ قَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِ ﷺ بِأشْياءَ غَيْرِ العِلْمِ، بَيْنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ بِالوَحْيِ بِأنَّ ذَلِكَ الِاتِّباعَ لا يَرُدُّهم سَواءٌ كانَ [ذَلِكَ] الِاتِّباعِ في أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أوْ فُرُوعِها خَفِيَّةً كانَتْ أوْ جَلِيَّةً.
(p-٣٥٩)ولَمّا كانَ المَشْرُوطُ اسْتِغْراقَ جَمِيعِ زَمانِ البُعْدِ بِاتِّباعِ الأهْواءِ، قالَ: ﴿ما لَكَ﴾ حِينَئِذٍ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ ناصِرٍ يَتَوَلّى [مَن] نَصَرَكَ وجَمِيعُ أمْرِكَ ما يَتَوَلّاهُ القَرِيبُ مَعَ قَرِيبِهِ. ولَمّا كانَ مَدْلُولُ ”ما“ أعَمُّ مِن مَدْلُولِ ”الَّذِي“ لِشُمُولِها الظّاهِرَ والخَفِيَّ، وكانَ مَن خالَفَ الخَفِيَّ أعْذَرَ مِمَّنْ خالَفَ الظّاهِرَ، نَفى الأخَصَّ مِنَ النَّصِيرِ فَقالَ: ﴿ولا واقٍ﴾ أيْ يَقِيكَ بِنَفْسِهِ فَيَجْعَلُها دُونَ نَفْسِكَ، وقَدْ يُوجَدُ مِنَ الأنْصارِ مَن لا يَسْمَعُ بِذَلِكَ، وهَذا بَعْثٌ لِلْأُمَّةِ وتَهْيِيجٌ عَلى الثَّباتِ في الدِّينِ والتَّصَلُّبِ فِيهِ، والهَوى - مَقْصُورًا: مَيْلُ الطِّباعِ إلى الشَّيْءِ بِالشَّهْوَةِ، والعِلْمُ: تَبِينُ الشَّيْءِ عَلى ما هو بِهِ.
13:38Page 254
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ ٣٨
And We have already sent messengers before you and assigned to them wives and descendants. And it was not for a messenger to come with a sign except by permission of Allāh. For every term is a decree.
ولَمّا حُسِمَتِ الأطْماعُ عَنْ إجابَتِهِمْ رَجاءَ الِاتِّباعِ أوْ خَشْيَةَ الِامْتِناعِ، وكانَ بَعْضُهم قَدْ قالَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا شَغَلَتْهُ نُبُوَّتُهُ عَنْ كَثْرَةِ التَّزَوُّجِ، كانَ مَوْضِعَ تَوَقُّعِ الخَبَرِ عَمّا كانَ لِلرُّسُلِ في نَحْوِ ذَلِكَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿رُسُلا﴾ ولَمّا كانَتْ أزْمانُ الرُّسُلِ غَيْرَ عامَّةٍ لِزَمانِ القَبْلِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ ولَمْ نَجْعَلْهم مَلائِكَةً بَلْ جَعَلْناهم بَشَرًا، ”و“ أثْقَلْنا ظُهُورَهم بِما يَدْعُو إلى (p-٣٦٠)المُداراةِ والمُسالَمَةِ بِإرْضاءِ الأُمَمِ في بَعْضِ أهْوائِهِمْ، أوْ فَصْلِ الأمْرِ عِنْدَ تَحَقُّقِ المُصارَمَةِ بِإنْجازِ الوَعِيدِ بِأنْ ”جَعْلنا“ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿لَهم أزْواجًا﴾ أيْ نِساءً يَنْكِحُونَهُنَّ؛ والزَّوْجُ: القَرِينُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، وهو هُنا الأُنْثى ”وذَرِّيَّةٌ“ وهي الجَماعَةُ المُتَفَرِّقَةُ بِالوِلادَةِ عَنْ أبٍ واحِدٍ في الجُمْلَةِ، وفَعَلَ بِهِمْ أُمَمُهم ما يُفْعَلُ بِكَ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ، فَما اتَّبَعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا مِن أهْواءِ أُمَّتِهِ ”و“ لَمْ نَجْعَلْ إلَيْهِمُ الإتْيانَ بِما يَقْتَرِحُ المُتَعَنِّتُونَ مِنَ الآياتِ تالِفًا لَهُمْ، بَلْ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ﴾ أيْ رَسُولٍ كانَ ﴿أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ مُقْتَرَحَةٍ أوْ آيَةٍ ناسِخَةٍ لِحُكْمٍ مِن أحْكامِ شَرِيعَتِهِ أوْ شَرِيعَةٍ مِن قَبْلِهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً، فَإنَّ الأُمُورَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ [عَلى] غَيْرِ نِظامٍ ولا مُفْرِطًا فِيها ولا ضائِعًا شَيْءٌ مِنها [بَلْ] ﴿لِكُلِّ أجَلٍ﴾ أيْ غايَةِ أمْرٍ قَدَّرَهُ وحْدَهُ لِأنْ يَكُونُ عِنْدَهُ أمْرُ مِنَ الأُمُورِ ”كِتابٌ“ قَدْ أثْبَتَ فِيهِ أنَّ أمْرَ كَذا يَكُونُ في وقْتِ كَذا مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ والأحْكامِ والإيَتانِ بِالآياتِ وغَيْرِها، إثْباتًا ونَسْخًا عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، والحِكْمَةُ اقْتَضَتْ أنَّ النُّبُوَّةَ يَكْفِي في إثْباتِها مُعْجِزَةٌ واحِدَةٌ، وما زادَ عَلى ذَلِكَ فَهو إلى المَشِيئَةِ؛
13:39Page 254
يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ ٣٩
Allāh eliminates what He wills or confirms, and with Him is the Mother of the Book.1
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿ما يَشاءُ﴾ أيْ مَحْوِهِ (p-٣٦١)مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِها بِالنَّسْخِ فَيَرْفَعُهُ ﴿ويُثْبِتُ﴾ ما يَشاءُ إثْباتَهُ مِن ذَلِكَ بِأنْ يُقِرَّهُ ويَمْضِيَ حُكْمُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ١٠٦] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] كُلُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ المَصالِحِ التّابِعَةِ لِكُلِّ زَمَنٍ، فَإنَّهُ العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وهو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في الرِّسالَةِ: يَمْحُو فَرْضَ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ فَرْضَ ما يَشاءُ. وإثْباتُ واوِ ”يَمْحُوا“ في جَمِيعِ المَصاحِفِ مُشِيرٌ - بِما ذَكَرَ أهْلُ اللَّهِ مِن أنَّ الواوَ مَعْناهُ العُلُوُّ والرِّفْعَةُ - إلى أنَّ بَعْضَ المَمْحُواتِ تَبْقى آثارُها عالِيَةً، فَإنَّهُ قَدْ يَمْحُو عُمْرَ شَخْصٍ بَعْدَ أنْ كانَتْ لَهُ آثارٌ جَمِيلَةٌ، فَيُبْقِيها سُبْحانَهُ ويَنْشُرُها ويُعْلِيها، وقَدْ يَمْحُو شَرِيعَةً يَنْسَخُها ويَبْقى مِنها آثارًا صالِحَةً تَدُلُّ عَلى ما أُثْبِتَ مِنَ الشَّرِيعَةِ النّاسِخَةِ لَها، وأمّا حَذْفُها بِاتِّفاقِ المَصاحِفِ أيْضًا في ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] في الشُّورى مَعَ أنَّهُ مَرْفُوعٌ أيْضًا، فَلِلْبِشارَةِ بِإزْهاقِ الباطِلِ إزْهاقًا هو النِّهايَةُ - كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ لِمُشابَهَةِ الفِعْلِ بِالأمْرِ المُقْتَضِي لِتَحَتُّمِ الإيقاعِ بِغايَةٍ الاتْقانِ والدِّفاعِ، وقالَ: ﴿وعِنْدَهُ﴾ مَعَ ذَلِكَ ”أُمُّ“ أيْ أصْلُ ﴿الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] لِمَن وهْمُهُ مُقَيِّدٌ بِأنَّ الحِفْظَ بِالكِتابَةِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي هو أصْلٌ كُلِّ كِتابٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-٣٦٢)غَيْرُ مَرَّةٍ أنَّهُ الكِتابُ المُبِينُ الَّذِي هو بِحَيْثُ يُبَيِّنُ كُلَّ ما طَلَبَ عِلْمَهُ مِنهُ كُلَّما طَلَبَ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هُما كِتابانِ: كِتابٌ سِوى أُمِّ الكِتابِ، يَمْحُو مِنهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، وأُمُّ الكِتابِ الَّذِي لا يُغَيَّرُ مِنهُ شَيْءٌ - انْتَهى. والمُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ يَكُونُ في أُمِّ الكِتابِ أنّا نَفْعَلُ كَذا - وإنْ كانَ في الفَرْعِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى شَرِيعَةٍ دُونَ أُخْرى، فَإذا نَقَضَتِ الشَّرِيعَةُ الأُولى فَإنّا نَمْحُوهُ في أجْلِ كَذا، أوْ يَكُونُ المَعْنى: يَمْحُو ما يَشاءُ مِن ذَلِكَ الكِتابِ بِأنْ يَعْدَمَ مَضْمُونَهُ بَعْدَ الإيجادِ، ويُثْبِتَ ما يَشاءُ بِأنْ يُوجِدَهُ مِنَ العَدَمِ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ؛ قالَ الرّازِّي في اللَّوامِعِ: وقَدْ أكْثَرُوا القَوْلَ فِيها، وعَلى الجُمْلَةِ فَكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَشِيئَةُ مِنَ الكائِناتِ فَهو بَيْنُ مَحْوٍ وإثْباتٍ، مَحْوٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الصُّورَةِ الَّتِي ارْتَفَعَتْ، إثْباتٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الصُّورَةِ الثّانِيَةِ، والقَضاءُ الأزَلِيُّ، والمَشِيئَةُ الرَّبّانِيَّةُ مَصْدَرُ هَذا المَحْوِ والإثْباتِ، فَلِذَلِكَ هو القَضاءُ وهَذا هو القَدْرُ، فالقَضاءُ مَصْدَرُ القَدْرِ، والقَدْرُ مَظْهَرُ القَضاءِ، واللَّهُ تَعالى وصِفاتُهُ مُنَزَّةٌ عَنِ التَّغَيُّرِ.
13:40Page 254
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ ٤٠
And whether We show you part of what We promise them or take you in death, upon you is only the [duty of] notification, and upon Us is the account.
ولَمّا تَمَّ ما أرادَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِتَألُّفِهِمْ، وخَتَمَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ (p-٣٦٣)ما يَشاءُ مِن تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ ومَحْوٍ وإثْباتٍ، وكانَ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ وطَلَباتِهِمُ اسْتِهْزاءُ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ مِمّا تَوَعَّدُوا بِهِ، وكانَتِ النَّفْسُ رُبَّما تَمَنَّتْ وُقُوعَ ذَلِكَ لِلْبُعْضِ وإثْباتَهُ لِيُؤْمِنَ غَيْرُهُ تَقْرِيبًا لِفَصْلِ النِّزاعِ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ﴾ أكَّدَهُ لِتَأْكِيدِ الإعْلامِ بِأنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ في ضَلالَةِ مَن ضَلَّ [بَعْدَ] إبْلاغِهِ، نَفِيًا لِما يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ ﷺ شِدَّةُ رَحْمَتِهِ لَهم وشَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ مِن ظَنٍّ أنَّهُ عَلَيْهِ أنْ يَرُدَّهم إلى الحَقِّ حَتْمًا ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ وأنْتَ حَيٌّ مِمّا تُرِيدُ أوْ يُرِيدُ أصْحابُكَ، فَصَلَ الأمْرَ بِهِ فَثَبَتَ وُقُوعُهُ إقْرارًا لِأعْيُنِكم قَبْلَ وفاتِكَ؛ والوَعْدُ: الخَبَرُ عَنْ خَيْرٍ مَضْمُونٍ، والوَعِيدُ: الخَبَرُ عَنْ شَرٍّ مَضْمُونٍ، والمَعْنى هاهُنا عَلَيْهِ، وسَمّاهُ وعْدًا لِتَنْزِيلِهِمْ إيّاهُ في طَلَبِ نُزُولِهِ مَنزِلَةَ الوَعْدِ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَ ذَلِكَ، وهو مَمْحُوُّ الأثَرِ لَمْ يَتَحَقَّقْ، فالَّذِي عَلَيْكَ والَّذِي إلَيْنا مُسْتَوٍ بِالنِّسْبَةِ إلى كِلْتا الحالَتَيْنِ ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ وهو إمْرارُ الشَّيْءِ إلى مُنْتَهاهُ، وهو هُنا الرِّسالَةُ؛ ولَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تُحارِبَهم ولا أنْ تَأْتِيَهم بِالمُقْتَرَحاتِ ﴿وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ وهو جَزاءُ كُلِّ عامِلٍ بِما عَمِلَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَنا القُوَّةُ التّامَّةُ عَلَيْهِ؛ والآيَةُ (p-٣٦٤)مِنَ الِاحْتِباكِ - كَما مَضى بَيانُ ذَلِكَ في مِثْلِها مِن [سُورَةِ يُونُسَ] عَلَيْهِ السَّلامُ.
13:41Page 254
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٤١
Have they not seen that We set upon the land, reducing it from its borders?1 And Allāh decides; there is no adjuster of His decision. And He is swift in account.
ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ في تَحْقِيقِ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى الجَزاءِ لِمَن أرادَ: ألَمْ يَرَوْا أنا أهْلَكَنا مَن قَبِلَهم وكانُوا أقْوى مِنهم شَوْكَةً وأكْثَرَ عِدَّةً؟ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نَأْتِي الأرْضَ﴾ الَّتِي هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ بِها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ إتْيانٍ؟ فَقِيلَ: إتْيانُ البَأْسِ إذا أرَدْنا، والرَّحْمَةُ إذا أرَدْنا ﴿نَنْقُصُها﴾ والنَّقْصُ: أخْذُ شَيْءٍ مِنَ الجُمْلَةِ تَكُونُ بِهِ أقَلَّ ﴿مِن أطْرافِها﴾ بِما يَفْتَحُ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ مِمّا يَزِيدُ بِهِ في أرْضِ أهْلِ الإسْلامِ بِقَتْلِ بَعْضِ الكُفّارِ واسْتِسْلامِ البَعْضِ حَتّى يُبِيدَ أهْلَها عَلى حَسَبِ ما نُعْلِمُهُ حِكْمَةً مِن تَدْبِيرِ الأُمُورِ وتَقْلِيبِها حالًا إلى حالٍ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها بَعْدَ الحِسابِ في دارِ ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَغْزُونَ ما يَلِي المَدِينَةَ الشَّرِيفَةَ مِن أطْرافِ بِلادِ الكُفّارِ كَما أرْشَدَ تَعالى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] فَيَفْتَحُونَها أوَّلًا فَأوَّلًا حَتّى دانَ العَرَبُ كُلُّهم طَوْعًا أوْ كَرْهًا بَعْدَ قَتْلِ السّادَةِ وذُلِّ القادَةِ - واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ؛ والطَّرَفُ: (p-٣٦٥)المُنْتَهى، وهو مَوْضِعٌ مِنَ الشَّيْءِ لَيْسَ وراءَهُ مِنهُ شَيْءٌ، وأطْرافُ الأرْضِ: جَوانِبُها، وكانَ يُقالُ: [الأطْرافُ]: مَنازِلُ الأشْرافِ، يَطْلُبُونَ القُرْبَ عَلى الأضْيافِ؛ ثُمَّ أثْبَتَ لِنَفْسِهِ تَعالى أمْرًا كُلِّيًّا يَنْدَرِجُ ذَلِكَ فِيهِ، فَقالَ لافِتًا الكَلامَ مِن أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ بِالعَظَمَةِ إلى غَيْبَةٍ هي أعْظَمُ العَظَمَةِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿يَحْكُمُ﴾ ما يُرِيدُ لِأنَّهُ ﴿لا مُعَقِّبَ﴾ أيْ رادَّ، لِأنَّ التَّعْقِيبَ: رَدُّ الشَّيْءِ بَعْدَ فَصْلِهِ ﴿لِحُكْمِهِ﴾ وقَدْ حَكَمَ لِلْإسْلامِ بِالغَلَبِ والإقْبالِ، وعَلى الكُفْرِ بِالِانْتِكاسِ والإدْبارِ، وكُلُّ مِن حَكَمَ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَيْسَ بِحاكِمٍ، وذَلِكَ كافٍ في الخَوْفِ مِن سَطَواتِ قُدْرَتِهِ ﴿وهُوَ﴾ مَعَ تَمامِ القُدْرَةِ ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ جَزاءُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ عَمَلٍ لا يَتَصَوَّرُ أنْ يَفُوتَهُ شَيْءٌ فَلا بُدَّ مِن لِقاءِ جَزائِهِ، وكُلُّ ما هو آتٍ سَرِيعٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَعُدُّ لِكُلِّ عَمَلٍ جَزاءُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن عَدْلٍ أوْ فَضْلٍ حِينَ صُدُورِهِ، لا يَحْتاجُ إلى زَمانٍ يَنْظُرُ فِيهِ ما جَزاءُهُ؟ ولا: هَلْ عَمِلَ أوْ لا؟ لِأنَّهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ؛ والسُّرْعَةُ: عَمَلُ الشَّيْءِ في قِلَّةِ المُدَّةِ عَلى ما تَحُدُّهُ الحِكْمَةُ، والإبْطاءُ: عَمَلُهُ في طُولِ مُدَّةٍ خارِجَةٍ عَنِ الحِكْمَةِ، والسُّرْعَةُ مَحْمُودَةٌ، والعَجَلَةُ مَذْمُومَةٌ، وهو تَعالى قادِرٌ عَلى الكَفَرَةِ وإنْ كانُوا (p-٣٦٦)كالقاطِعِينَ بِأنَّهم يَغْلِبُونَ، لِما لَهم مِنَ القُوَّةِ والكَثْرَةِ، مَعَ جَوْدَةِ الآراءِ وحِدَّةِ الأفْكارِ والقُدْرَةِ بِالأمْوالِ وإنِ اشْتَدَّ مَكْرُهُمْ، فَهو لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، فَقَدْ مَكَرُوا بِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ ثُمَّ لَمْ أزِدْكَ إلّا عُلُوًّا
13:42Page 254
وَقَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَلِلَّهِ ٱلۡمَكۡرُ جَمِيعٗاۖ يَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٖۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلۡكُفَّٰرُ لِمَنۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٤٢
And those before them had plotted, but to Allāh belongs the plan entirely. He knows what every soul earns, and the disbelievers will know for whom is the final home.
﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ بِالمَكَرَةِ إنَّما هو بَعْضُ النّاسِ في بَعْضِ الزَّمانِ قالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ بِالرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ، فَكانَ مَكْرُهم وبالًا عَلَيْهِمْ، فَطَوى في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَكْرَهُمُ الَّذِي اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ [غَيْرَ] مَرَّةٍ وأتْقَنُوهُ بِزَعْمِهِمْ، فَكانَ سَبَبُ الرِّفْعَةِ لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ وذُلِّ الشِّرْكِ وأهْلِهِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ المَطْوِيُّ بِواوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ﴿وقَدْ﴾ وطَوى في الكَلامِ السّابِقِ إهْلاكَ الأُمَمِ الماضِيَةِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى الجَزاءِ الَّذِي هو رُوحِ الحِسابِ ودَلَّ عَلَيْهِ بِواوِ العَطْفِ في ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ [الرعد: ٤١] فَتَأمَّلْ هَذا الإبْرازَ في قَوالِبِ الإعْجازِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، تَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ يُقالَ: ﴿فَلِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ المُحِيطُ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ خاصَّةً ﴿المَكْرُ جَمِيعًا﴾ والمَكْرُ: الفَتْلُ عَنِ البُغْيَةِ بِطَرِيقِ الحِيلَةِ، ويَلْزَمُهُ السَّتْرُ - كَما مَضى بَيانُهُ، ولا شَيْءَ أسْتُرُ عَنِ العِبادِ مِن أفْعالِهِ تَعالى: فَلا طَرِيقَ لَهم إلى عِلْمِها (p-٣٦٧)إلّا مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، وسُمِّي فِعْلُهُ مَكْرًا مَجازًا لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ مَكْرِهِمْ جَزاءً لَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِما قَبْلَهُ، لِأنَّ عِلْمَ المَكْرِ مِنَ الماكِرِ مَكَّنَ حَيْثُ لا يَشْعُرُ أدَقَّ المَكْرِ ﴿ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ مِن مَكْرٍ وغَيْرِهِ، فَيُجازِيهِمْ إذا أرادَ بِأنْ يَنْتِجَ عَنْ كُلِّ سَبَبٍ أقامُوهُ مُسَبِّبًا يَكُونُ ضِدَّ ما أرادُوا، ولا تُمَكِّنُهم إرادَةَ شَيْءٍ إلّا بِإرادَتِهِ، فَسَتَنْظُرُونَ ماذا يَحِلُّ بِهِمْ مِن بَأْسِهِ بِواسِطَتِكم أوْ بِغَيْرِها حَتّى تَظْفَرُوا بِهِمْ فَتُبِيدُوهم أجْمَعِينَ ﴿وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ﴾ أيْ كُلُّ كافِرٍ بِوَعْدٍ لا خَلَفَ فِيهِ، إنْ كانَ مِنَ الجَهْلِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ الأشْياءَ إلّا بِالتَّصْرِيحِ أوِ الحِسِّ ﴿لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ حِينَ نَأْتِيهِمْ ضِدَّ مُرادِهِمْ؛ والكَسْبُ: الفِعْلُ لِاجْتِلابِ النَّفْعِ أوْ دَفْعِ الضُّرِّ.
13:43Page 255
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسۡتَ مُرۡسَلٗاۚ قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ وَمَنۡ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡكِتَٰبِ ٤٣
And those who have disbelieved say, "You are not a messenger." Say, [O Muḥammad], "Sufficient is Allāh as Witness between me and you, and [the witness of] whoever has knowledge of the Scripture."1
ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [الرعد: ٧] عَطْفٌ عَلَيْهِ - بَعْدَ شَرْحِ ما اسْتَتْبَعَهُ - قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: ٢٧] أيْ أوْجَدُوا الكُفْرَ ولَوْ عَلى أدْنى الرُّتَبِ، قَوْلًا عَلى سَبِيلِ التِّكْرارِ: ﴿لَسْتَ مُرْسَلا﴾ لِكَوْنِكَ لا تَأْتِي بِمُقْتَرَحاتِهِمْ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: إنَّهُ قادِرٌ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما أقُولُ لَهُمْ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ كَفى﴾ (p-٣٦٨)والكِفايَةُ: وُجُودُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الحاجَةِ؛ ومَعْنى الباءُ في ”بِاللَّهِ“ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ - التَّأْكِيدُ، لِأنَّ الفِعْلَ جازَ أنْ يُضافَ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ إذا أُمِرَ بِهِ أُزِيلَ هَذا الِاحْتِمالُ مِن وجْهَيْنِ: جِهَةُ الفاعِلِ وجِهَةُ صَرْفِ الإضافَةِ ”شَهِيدًا“ أيْ بَلِيغِ العِلْمِ في شَهادَتِهِ بالاطِّلاعِ عَلى ما ظَهَرَ وما بَطُنَ ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ يَشْهَدُ بِتَأْيِيدِ رِسالَتِي وتَصْحِيحِ مَقالَتِي بِما أظْهَرَ لِي مِنَ الآيَةِ وأوْضَحَ مِنَ الدَّلالَةِ بِهَذا الكِتابِ، ويَشْهَدُ بِتَكْذِيبِكم بِادِّعائِكُمُ القُدْرَةَ عَلى المُعارَضَةِ وتَرْكِكم لَها عَجْزًا، وهَذا عَلى مَراتِبِ الشَّهادَةِ، لِأنَّ الشَّهادَةَ قَوْلٌ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِأنَّ الأمْرَ كَما شُهِدَ بِهِ، والمُعْجِزَةَ فِعْلٌ مَخْصُوصٌ يُوجِبُ القَطْعَ بِأنَّ ما جاءَتْ لِأجْلِهِ كَما هو ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ مِمّا أنْزَلَهُ فِيهِ مِنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ والخَبَرِ عَمّا كانَ يَكُونُ عَلى نَحْوٍ مَنِ الأسالِيبِ ونَمَطٍ مِنَ المَناهِجِ أخْرَسَ الفُصَحاءَ، وأبْكَمَ البُلَغاءَ، وأبْهَتَ الحُكَماءَ، وهو اللَّهُ تَعالى، تَأْيِيدًا وتَحْقِيقًا لِدَعْوايَ، ويُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ بِهِ ”اللَّهُ“ قِراءَةُ ”مِن“ عَلى أنَّها جارَةٌ، وفي سَوْقِهِ هَكَذا عَلى طَرِيقِ الإبْهامِ مِن تَرْوِيعِ النَّفْسِ [بِهَزِّها إلى تَطَلُّبِ المُتْصَفِ بِهَذا الوَصْفِ ما لَيْسَ في التَّعْيِينِ، فَهو إذَنْ كَدَعْوى الشَّيْءِ] مَقْرُونًا بِدَلِيلِهِ، فَقَدِ انْطَبَقَ هَذا الآخَرُ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ في أنَّ المَنزِلَ حَقٌّ مِن عِنْدِهِ وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences