Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:63–87
15:63Page 265
قَالُواْ بَلۡ جِئۡنَٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٦٣
They said, "But we have come to you with that about which they were disputing,
ولَمّا كانَتْ حَقِيقَةُ المُنْكَرِ ما خَرَجَ عَنْ عادَةِ أشْكالِهِ؛ ولَمْ يَكُنْ عَلى طَرِيقَةِ أمْثالِهِ؛ أضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِ؛ وكانَ جَوابُهم أنْ ﴿قالُوا بَلْ﴾؛ أيْ: لَسْنا مُنْكَرِينَ؛ لِأنّا ﴿جِئْناكَ﴾؛ لِنُفَرِّجَ عَنْكَ؛ ﴿بِما﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ إيقاعِ ما ﴿كانُوا﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾؛ بِما جَرَتْ عادَتُنا أنْ نَأْتِيَ بِمِثْلِهِ مِنَ العَذابِ؛ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ شَكًّا عَظِيمًا؛ يَحْمِلُونَ نُفُوسَهم عَلَيْهِ؛ ويُكَذِّبُونَ بِهِ؛ والجاهِلُ يُوصَفُ بِالشَّكِّ؛ وإنْ كانَ مُكَذِّبًا مِن جِهَةِ ما يَعْرِضُ لَهُ مِنهُ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَرْجِعُ إلى ثِقَةٍ فِيما هو عَلَيْهِ؛
15:64Page 265
وَأَتَيۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٦٤
And we have come to you with truth, and indeed, we are truthful.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾؛ الفاصِلِ بَيْنَكَ وبَيْنَهُمُ؛ الواقِعِ بِهِمْ مُطابِقًا لِإخْبارِنا؛ و”الإتْيانُ“: الِانْتِقالُ إلى جِهَةِ الشَّيْءِ؛ و”الذَّهابُ“: الِانْتِقالُ عَنْهُ؛ (p-٧٢)﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾؛ في الإخْبارِ بِما يُطابِقُ الواقِعَ.
15:65Page 265
فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ وَٱمۡضُواْ حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ ٦٥
So set out with your family during a portion of the night and follow behind them and let not anyone among you look back and continue on to where you are commanded."
ولَمّا أخْبَرُوهُ بِوُقُوعِ العَذابِ بِهِمْ؛ أمَرُوهُ بِما يَكُونُ سَبَبًا فِيما أُمِرُوا بِهِ مِن إنْجائِهِ؛ فَقالُوا: ﴿فَأسْرِ﴾؛ فَأتَوْا بِالفاءِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَها مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَها؛ ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾؛ أيْ: طائِفَةٍ؛ ﴿مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ﴾؛ أيْ: كَلِّفْ نَفْسَكَ أنْ تَتَّبِعَ ﴿أدْبارَهُمْ﴾؛ لِتَكُونَ أقْرَبَهم إلَيْنا وإلى مَحَلِّ العَذابِ؛ لِأنَّكَ أثْبَتُهم قَلْبًا؛ وأعْرَفُهم بِاللَّهِ؛ والشَّرُّ مِن ورائِكُمْ؛ وقَدْ جَرَتْ عادَةُ الكُبَراءِ أنْ يَكُونُوا أدْنى جَماعَتِهِمْ إلى الأمْرِ المَخُوفِ؛ سَماحًا بِأنْفُسِهِمْ؛ وتَثْبِيتًا لِغَيْرِهِمْ؛ وعِلْمًا مِنهم بِأنَّ مُداناةَ ما فِيهِ وجَلٌ لا يُقَرِّبُ مِن أجَلٍ؛ وضِدَّهُ لا يُغْنِي مِن قَدَرٍ؛ ولا يُباعِدُ مِن ضَرَرٍ؛ ولِئَلّا يَشْتَغِلَ قَلْبُكَ بِمَن خالَفَكَ؛ ولِيَحْتَشِمُوكَ فَلا يَلْتَفِتُوا؛ أوْ يَتَخَلَّفَ أحَدٌ مِنهُمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَصالِحِ؛ و”الدُّبُرُ“: جِهَةُ الخَلْفِ؛ وهو ضِدُّ ”القُبُلُ“؛ ﴿ولا يَلْتَفِتْ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ ﴿مِنكم أحَدٌ﴾؛ إذْ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ المُلْتَفِتَ غَيْرُ ثابِتٍ؛ لِأنَّهُ إمّا غَيْرُ مُسْتَيْقِنٍ لَخَبَرِنا؛ أوْ مُتَوَجِّعٍ لَهُمْ؛ فَمَنِ التَفَتَ نالَهُ العَذابُ؛ وذَلِكَ أيْضًا أجَدُّ في الهِجْرَةِ؛ وأسْرَعُ في السَّيْرِ؛ (p-٧٣)وأدَلُّ عَلى إخْراجِ ما خَلَّفُوهُ مِن مَنازِلِهِمْ وأمْتِعَتِهِمْ مِن قُلُوبِهِمْ؛ وعَلى أنَّهم لا يَرِقُّونَ لِمَن غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ مَعَ أنَّهم رُبَّما رَأوْا ما لا تُطِيقُهُ أنْفُسُهُمْ؛ ﴿وامْضُوا حَيْثُ﴾؛ وتَعْبِيرُهُ بِالمُضارِعِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ يَكُونُ مَعَهم بَعْضُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿تُؤْمَرُونَ﴾
15:66Page 265
وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقۡطُوعٞ مُّصۡبِحِينَ ٦٦
And We conveyed to him [the decree] of that matter: that those [sinners] would be eliminated by early morning.
ولَمّا تَقَرَّرَ بِهَذا أمْرُ إهْلاكِهِمْ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ؛ ولا تَعْيِينٍ لِوَقْتٍ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وقَضَيْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ مُوحِينَ ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾؛ وأشارَ إلى تَعْظِيمِهِ بِالإشارَةِ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ؛ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ﴾؛ أيْ: آخِرَ؛ ﴿هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الحَقِيرِينَ عِنْدَ قُدْرَتِنا؛ وأشارَ بِصِيغَةِ المَفْعُولِ إلى عَظَمَتِهِ - سُبْحانَهُ - وسُهُولَةِ الأمْرِ عِنْدَهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مَقْطُوعٌ﴾؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛ ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ ولا يُقْطَعُ الدّابِرُ حَتّى يُقْطَعَ ما دُونَهُ؛ لِأنَّ العَدُوَّ يَكُونُ مُسْتَقْبِلًا لِعَدُوِّهِ؛ فَهو كِنايَةٌ عَنْ الِاسْتِئْصالِ بِأنَّ آخِرَهُمْ؛ وأوَّلَهم في الأخْذِ سَواءٌ؛ لِأنَّ الآخِذَ قادِرٌ؛ لا كَما يَفْعَلُ بَعْضُ النّاسِ مَعَ بَعْضٍ؛ مِن أنَّهم يَمَلُّونَ في آخِرِ الوَقائِعِ؛ فَيَفُوتُهُمُ البَعْضُ.
15:67Page 265
وَجَآءَ أَهۡلُ ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٦٧
And the people of the city came rejoicing.1
فَلَمّا تَمَّ ما دارَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّسُلِ؛ مُقَدِّمًا لِما بَيَّنَ؛ أتْبَعَهُ البَيانَ عَنْ (p-٧٤)حالِ قَوْمِهِ؛ إشارَةً إلى أنَّ المَلائِكَةَ إنْ كانُوا بِصِفاتِ البَشَرِ لَمْ يَعْرِفْهُمُ الكَفَرَةُ؛ وإنْ كانُوا بِصِفاتِهِمْ؛ أوْ بِإظْهارِ شَيْءٍ مِن خَوارِقِهِمْ؛ لَمْ تَحْتَمِلْهُ قُواهُمْ؛ فَلا نَفْعَ لَهم في مُكاشَفَتِهِمْ في حالَةٍ مِنَ الحالاتِ؛ فَسُؤالُهُمُ الإتْيانَ بِهِمْ جَهْلٌ عَظِيمٌ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾؛ أيْ: الَّتِي كانَ هَذا الأمْرُ فِيها - قالُوا: وهي سَدُومُ - لِإرادَةِ عَمَلِ الفاحِشَةِ بِالأضْيافِ؛ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ أيْ: يَلُوحُ عَلى بَشَراتِهِمُ السُّرُورُ؛ فَهم يُوجِدُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ إيجادَ مَن هو شَدِيدُ الرَّغْبَةِ في طَلَبِهِ؛
15:68Page 265
قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيۡفِي فَلَا تَفۡضَحُونِ ٦٨
[Lot] said, "Indeed, these are my guests, so do not shame me.
فَكانَ حالُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ ﴿قالَ﴾ لَهُمْ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الأقْرِباءَ مِنِّي؛ ﴿ضَيْفِي﴾؛ ولَمّا كانَ إكْرامُ الضَّيْفِ إكْرامًا لِمَن هو عِنْدَهُ؛ وإهانَتُهُ إهانَتَهُ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما أشارَ إلَيْهِ الكَلامُ؛ فَقالَ: ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾؛ في إصابَتِهِمْ بِفاحِشَةٍ؛ وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ مَعْرِفَتِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ؛
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾؛ أيْ: بِإهانَةِ ضَيْفِي؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ عارًا عَلَيَّ مَدى الدَّهْرِ؛
15:70Page 265
قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٠
They said, "Have we not forbidden you from [protecting] people?"
فَلَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ؛ بَلْ ﴿قالُوا﴾؛ بِفَظاظَةٍ؛ عاطِفِينَ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”ألَمْ تَعْلَمْ أنّا لا نَتْرُكُ هَذا الأمْرَ لِشَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ“: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا؛ ﴿عَنِ العالَمِينَ﴾؛ أنْ تُجِيرَ عَلَيْنا (p-٧٥)أحَدًا مِنهُمْ؛
15:71Page 266
قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِيٓ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٧١
[Lot] said, "These are my daughters1 - if you would be doers [of lawful marriage]."
فَلَمّا وصَلُوا إلى هَذا الحَدِّ مِنَ الوَقاحَةِ؛ ذَكَرَ لَهُمُ الحَرِيمَ؛ لِيَحْمِلَهم ذَلِكَ عَلى الحَياءِ؛ لِأنَّهُ دَأْبُ مَن لَهُ أدْنى مُرُوءَةٍ؛ ولا سِيَّما ذِكْرَ الأبْكارِ؛ في سِياقٍ يَكادُ يُصَرِّحُ بِمُرادِهِ؛ بِأنْ ﴿قالَ هَؤُلاءِ﴾؛ مُشِيرًا إلى بَيْتِهِ الَّذِي فِيهِ بَناتُهُ ﷺ؛ ورَضِيَ عَنْهُنَّ -؛ ﴿بَناتِي إنْ كُنْتُمْ﴾؛ ولا بُدَّ؛ ﴿فاعِلِينَ﴾؛ أيْ: قَدْ عَزَمْتُمْ عَزْمًا ماضِيًا عَلى هَذا الفِعْلِ؛ إشارَةً بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ؛ يَعْنِي وأنْتُمْ عالِمُونَ بِأنِّي لا أُسْلِمُ بَناتِي أبَدًا؛ فَعُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ وُصُولَكم إلى أضْيافِي دُونَ هَلاكِي مُحالٌ.
15:72Page 266
لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٢
By your life, [O Muḥammad], indeed they were, in their intoxication, wandering blindly.
ولَمّا ذَكَرَ ما ذَكَرَ مِن أُمُورِهِمْ؛ وعَظِيمِ فُجُورِهِمْ؛ وهم قَدْ فُرِغَ مِن أمْرِهِمْ؛ وقُضِيَ بِاسْتِئْصالِهِمْ؛ كانَ كُلُّ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ قاضِيًا بِأنَّهم لا عُقُولَ لَهُمْ؛ فَأتْبَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾؛ أيْ: وحَياتِكَ؛ يا كَرِيمَ الشَّمائِلِ؛ وأكَّدَ لِأنَّ الحالَ قاضٍ في ذَلِكَ الحِينِ اسْتِبْعادَ رَدِّهِمْ؛ ولِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ ضَلالٌ مِنهم صِرْفٌ؛ وتَعَنُّتٌ مَحْضٌ؛ فَقالَ: ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾؛ أيْ: غَوايَتِهِمُ الجاهِلِيَّةِ؛ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ أيْ: يَتَحَيَّرُونَ؛ ولا يُبْصِرُونَ طَرِيقَ الرُّشْدِ؛ فَلِذَلِكَ لا يَقْبَلُونَ قَوْلَ النَّصُوحِ؛ فَإنْ كانَ المُخاطَبُ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كانَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ (p-٧٦)لِقَوْمِهِ؛ وإنْ كانَ المُخاطَبُ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - وهو الظّاهِرُ - كانَ الضَّمِيرُ لِقَوْمِهِ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ أنَّهم في خَبْطٍ بَعِيدٍ عَنِ السُّنَنِ في طَلَبِهِمْ إتْيانَ المَلائِكَةِ كَما كانَ قَوْمُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقْصِدُونَ الِالتِذاذَ بِالفاحِشَةِ بِمَن مُكِّنَ مِن هَلاكِهِمْ؛ فَشَتّانَ ما بَيْنَ القَصْدَيْنِ! وهَيْهاتَ لِما بَيْنَ الفِعْلَيْنِ! فَصارَ المَعْنى أنَّ ما قَذَفُوكَ بِهِ - أوَّلَ السُّورَةِ - بِهِمْ؛ لا بِكَ؛ لِأنَّ مَن يَطْلُبُ إتْيانَ المَلائِكَةِ - مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ حالُهُ حالَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ إتْيانِهِمْ - هو المَجْنُونُ؛ و”العَمْرُ“؛ بِالفَتْحِ: العُمْرُ؛ بِالضَّمِّ؛ وهو مُدَّةُ بَقاءِ الشَّيْءِ حَيًّا؛ لَكِنَّهُ لا يُقالُ في القَسَمِ إلّا بِالفَتْحِ؛ لِخِفَّتِهِ؛ مَعَ كَثْرَةِ دَوْرِ القَسَمِ؛ ولِذَلِكَ حَذَفُوا الَّذِي تَقْدِيرُهُ: قَسَمِي؛ والسَّكْرَةُ: غُمُورُ السَّهْوِ لِلنَّفْسِ.
ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ؛ سَبَّبَ عَنِ القَضاءِ بِقَطْعِ دابِرِهِمْ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾؛ أيْ: أخْذَ انْتِقامٍ وغَلَبَةٍ؛ ﴿الصَّيْحَةُ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي لِعِظَمِها وهَوْلِها هي الصَّيْحَةُ؛ وغَيْرُها عَدَمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها؛ والأخْذُ: فِعْلٌ يَصِيرُ بِهِ الشَّيْءُ في جِهَةِ الفاعِلِ؛ والصَّيْحَةُ: صَوْتٌ يَخْرُجُ مِنَ الفَمِ بِشِدَّةٍ؛ وقَوْلُهُ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾؛ أيْ: داخِلِينَ في الإشْراقِ؛ وهو ضِياءُ الشَّمْسِ؛ (p-٧٧)عِنْدَ بُزُوغِها؛ وتَبَيَّنَ بِهِ أنَّ وقْتَهُ يُسَمّى صُبْحًا لُغَةً؛ فَإنَّ الصُّبْحَ؛ والصَّباحَ؛ والإصْباحَ؛ أوَّلُ النَّهارِ؛ ولَعَلَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ إلى وقْتِ الغَداءِ؛ أوِ الزَّوالِ؛ أوْ تَكُونُ الصَّيْحَةُ وقْتَ الإشْراقِ آخِرَ أمْرِهِمْ؛ وقَلْعُ المَدائِنِ مِن أماكِنِها وقْتَ الصُّبْحِ ابْتِداءَ أمْرِهِمْ؛
15:74Page 266
فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ ٧٤
And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما تَسَبَّبَ عَنِ الصَّيْحَةِ؛ مُتَعَقِّبًا لَها؛ فَقالَ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها﴾؛ أيْ: مَدائِنَهُمْ؛ ﴿سافِلَها وأمْطَرْنا﴾؛ ولَمّا كانَ الزَّجْرُ في هَذِهِ السُّورَةِ أعْظَمَ مِنَ الزَّجْرِ في سُورَةِ ”هُودٍ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِطَلَبِهِمْ أنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ المَلائِكَةِ؛ أعادَ الضَّمِيرَ عَلى المُعَذَّبِينَ؛ لا عَلى مُدُنِهِمْ - كَما مَضى في سُورَةِ ”هُودٍ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ هَذا أصْرَحُ؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: أهْلِ المَدائِنِ الَّتِي قُلِبَتِ المَدائِنُ لِأجْلِهِمْ؛ ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾؛
15:75Page 266
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ ٧٥
Indeed in that are signs for those who discern.
ثُمَّ حَقَّقَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ شَرْحٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ جِدًّا؛ ﴿لآياتٍ﴾؛ أيْ: عِدَّةً؛ مِن جِهَةِ غَمْرِها بِالماءِ بَعْدَ خَسْفِها؛ ومِن جِهَةِ كَوْنِهِ مُخالِفًا لِمِياهِ الأرْضِ بِالنُّتْنِ والخَباثَةِ؛ وعَدَمِ عَيْشِ الحَيَوانِ فِيهِ؛ وعَدَمِ النَّفْعِ بِهِ؛ ومِن جِهَةِ فَظاعَةِ مَنظَرِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ؛ ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾؛ جَمْعُ ”مُتَوَسِّمٌ“؛ وهو النّاظِرُ في السِّمَةِ الدّالَّةِ؛ وهي الأثَرُ الدّالُّ في الوَجْهِ؛ والقَرائِنِ القاضِيَةِ بِالخَيْرِ؛ (p-٧٨)والشَّرِّ؛ وكانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم أبْصَرُ النّاسِ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ فَهو إلْهابٌ لَهُمْ؛ وتَبْكِيتٌ؛
15:76Page 266
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٖ مُّقِيمٍ ٧٦
And indeed, they [i.e., those cities] are [situated] on an established road.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ خَفِيٍّ عَنْهُمْ؛ ولا بَعِيدٍ عَمَّنْ أرادَ الِاتِّعاظَ بِهِ؛ فَقالَ - جَعْلًا لَهم - لِعَدَمِ اعْتِبارِهِمْ بِها مَعَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاها في كُلٍّ حِينٍ - في عِدادِ المُنْكِرِينَ -: ﴿وإنَّها﴾؛ أيْ: هَذِهِ المَدائِنَ؛ ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾؛ أيْ: ثابِتٍ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ مُبِينٌ؛ فالِاعْتِبارُ بِها في غايَةِ السُّهُولَةِ لِقَوْمِكَ؛ وكانُوا يَمُرُّونَ عَلَيْها في بَعْضِ أسْفارِهِمْ إلى الشّامِ.
15:77Page 266
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧
Indeed in that is a sign for the believers.
ولَمّا أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى الِاسْتِدْلالِ بِالتَّوَسُّمِ؛ الدّالِّ - بِما هي عَلَيْهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِسائِرِ مِياهِ الأرْضِ العَذْبَةِ الوارِدَةِ إلَيْها عَلى كَثْرَتِها؛ ومَعَ أنَّ البِلادَ الَّتِي هي بِها مِن أبْهَجِ البِلادِ في عُذُوبَةِ المِياهِ؛ وطَراوَةِ الأرْضِ؛ وحُسْنِ الأشْجارِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ - عَلى أنَّ لَها نَبَأً هو في غايَةِ الغَرابَةِ؛ وأتْبَعَ ذَلِكَ سُهُولَةَ الوُصُولِ إلَيْها؛ حَثًّا عَلى إتْيانِها بِقَصْدِ نَظَرِها؛ والِاعْتِبارِ بِها؛ والسُّؤالِ عَنْ سَبَبِ كَوْنِها كَذَلِكَ؛ قالَ (تَعالى) - مُشِيرًا إلى زِيادَةِ الحَثِّ بِالتَّأْكِيدِ -: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ مِن حالِها؛ ﴿لآيَةً﴾؛ أيْ: عَلامَةً عَظِيمَةً في الدَّلالَةِ عَلَيْنا؛ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الرّاسِخِينَ في الصِّدْقِ؛ والتَّصْدِيقِ؛ فَإذا أُخْبِرُوا أنَّ سَبَبَ كَوْنِها هَكَذا أنَّ اللَّهَ أمَرَ بَعْضَ جُنْدِهِ فَرَفَعَها؛ ثُمَّ قَلَبَها؛ ثُمَّ أتْبَعَها الحِجارَةَ؛ ثُمَّ خَسَفَ بِها؛ وغَمَرَها (p-٧٩)بِهَذا الماءِ - الَّذِي هو في القَذارَةِ؛ وعَدَمِ الثَّمَرَةِ مُناسِبٌ لِأفْعالِ أهْلِها - لِأجْلِ عِصْيانِهِمْ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ آمَنُوا؛ حَذَرًا مِن مِثْلِ هَذا العَذابِ؛ إيمانًا بِالغَيْبِ.
15:78Page 266
وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ ٧٨
And the companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] were [also] wrongdoers,
ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ؛ ضَمَّ إلَيْها ما هو عَلى طَرِيقِها مِمّا عَذَّبَ قَوْمَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ؛ يُشابِهُ عَذابَ قَوْمِ لُوطٍ في كَوْنِهِ نارًا مِنَ السَّماءِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ الكُفّارِ أنْ يَكُونَ عَذابُهم لِأجْلِ التَّكْذِيبِ؛ أوْ عَدًّا لَهُمْ؛ لِأجْلِ تَمادِيهِمْ عَلى الغَوايَةِ مَعَ العِلْمِ بِهِ؛ عِدادَ المُنْكِرِينَ -: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: وإنَّهُ؛ ﴿كانَ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾؛ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ و”الأيْكَةُ“: الشَّجَرَةُ؛ عَنِ الحَسَنِ؛ وجَمْعُهُ ”الأيْكُ“؛ كَـ ”شَجَرَةٌ“ و”شَجَرٌ“؛ وقِيلَ: ”الأيْكَةُ“: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ؛ ﴿لَظالِمِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في الظُّلْمِ؛
15:79Page 266
فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ ٧٩
So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ البَلَدَيْنِ؛ لِتَقارُبِهِما في العَذابِ؛ والمَكانِ؛ وكَوْنِهِما عَلى طَرِيقٍ واحِدَةٍ مِن طُرُقِ مَتاجِرِ قُرَيْشٍ؛ فَقالَ: ﴿وإنَّهُما﴾؛ أيْ: قُرى قَوْمِ لُوطٍ؛ ومَحالَّ أصْحابِ الأيْكَةِ؛ ﴿لَبِإمامٍ﴾؛ أيْ: طَرِيقٍ يُؤَمُّ ويُتَّبَعُ؛ ويُهْتَدى بِهِ؛ ﴿مُبِينٍ﴾؛ واضِحٍ لِمَن أرادَهُ؛ بِحَيْثُ إنَّهُ مِن شِدَّةِ وُضُوحِهِ مُوَضِّحٌ لِعَظَمَةِ اللَّهِ؛ (p-٨٠)وانْتِصارِهِ لِأنْبِيائِهِ مِمَّنْ يُكَذِّبُهُمْ؛ وهو - مَعَ وُضُوحِهِ - مُقِيمٌ في مَكانِهِ؛ لَمْ تَنْدَرِسْ أعْلامُهُ؛ ولَمْ تَنْطَمِسْ آثارُهُ؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ في الأُولى ”مُقِيمٍ“؛ دَلالَةً عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ ثانِيًا؛ وفي الثّانِيَةِ ”مُبِينٍ“؛ دَلالَةً عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ أوَّلًا.
15:80Page 266
وَلَقَدۡ كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡحِجۡرِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٨٠
And certainly did the companions of al-Ḥijr1 [i.e., the Thamūd] deny the messengers.
ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّهُ لَوْ كانَ لِأصْحابِ الأيْكَةِ بُيُوتٌ مُتْقَنَةٌ لِمَنَعَتْهم مِنَ العَذابِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِمْ مَن هم عَلى طَرِيقٍ أُخْرى مِن مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ؛ وكانُوا قَدْ طالَ اغْتِرارُهم بِالأمَلِ حَتّى اتَّخَذُوا الجِبالَ بُيُوتًا؛ وكانَتْ آيَتُهم في غايَةِ الوُضُوحِ؛ فَكَذَّبُوا بِها؛ تَحْقِيقًا لِأنَّ المُتَعَنِّتِينَ لَوْ رَأوْا كُلَّ آيَةٍ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا؛ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْمُكَذِّبِينَ؛ وما وقَعَ لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ؛ قَدَّمَ الفاعِلَ؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى إتْقانِ بُيُوتِهِمْ -: ﴿أصْحابُ الحِجْرِ﴾؛ وهم ثَمُودُ؛ قَوْمُ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ودِيارُهم بَيْنَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ؛ والشّامِ؛ ﴿المُرْسَلِينَ﴾؛ أيْ: كُلَّهُمْ؛ بِتَكْذِيبِ رَسُولِهِمْ؛ كَما كَذَّبَ هَؤُلاءِ المُرْسَلِينَ؛ بِتَكْذِيبِكَ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ بِالصِّدْقِ؛ فَمَن كَذَّبَ واحِدًا مِنهم فَقَدْ كَذَّبَ الجَمِيعَ؛ وهم في إثْباتِ الرِّسالَةِ بِالمُعْجِزَةِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛
15:81Page 266
وَءَاتَيۡنَٰهُمۡ ءَايَٰتِنَا فَكَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٨١
And We gave them Our signs, but from them they were turning away.
ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وآتَيْناهُمْ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ عَلى يَدِ رَسُولِهِمْ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - (p-٨١)﴿آياتِنا﴾؛ أيْ: كُلَّها؛ بِإيتاءِ النّاقَةِ؛ وسَقْيِها؛ ودَرِّها؛ وشِرْبِها؛ لِأنَّ المُمْكِناتِ كُلَّها بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ فَمَن كَذَّبَ بِواحِدَةٍ مِنها فَقَدْ كَذَّبَ بِالجَمِيعِ؛ ﴿فَكانُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ؛ ﴿عَنْها﴾؛ أيْ: الآياتِ كُلِّها خاصَّةً؛ لا عَنْ زِينَةِ الدُّنْيا الَّتِي تَجُرُّ إلى الباطِلِ؛ ﴿مُعْرِضِينَ﴾؛ أيْ: راسِخِينَ في الإعْراضِ؛ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها؛ التِفاتًا إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الحجر: ١٤]؛ الآيَتَيْنِ؛ وتَمْثِيلًا لَهُ؛ رَدًّا لِلْمَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ؛
15:82Page 266
وَكَانُواْ يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ٨٢
And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم كانُوا مِثْلَ هَؤُلاءِ في الأمْنِ مِنَ العَذابِ؛ والغَفْلَةِ عَمّا يُرادُ بِهِمْ؛ مَعَ أنَّهم كانُوا أشَدَّ مِنهُمْ؛ فَقالَ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ﴾؛ و”النَّحْتُ“: قَلْعُ جُزْءٍ بَعْدَ جُزْءٍ؛ مِنَ الجِسْمِ؛ عَلى سَبِيلِ المَسْحِ؛ ﴿مِنَ الجِبالِ﴾؛ الَّتِي تَقَدَّمَ أنّا جَعَلْناها رَواسِيَ؛ ﴿بُيُوتًا آمِنِينَ﴾؛ عَلَيْها مِنَ الِانْهِدامِ؛ وبِها مِن لَحاقِ ما يُكْرَهُ؛ لا كَبُيُوتِكُمُ الَّتِي لا بَقاءَ لَها عَلى أدْنى دَرَجَةٍ؛
﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ أنْ أخَذَتْهم أخْذَ العَذابِ والِانْتِقامِ ﴿الصَّيْحَةُ﴾؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛ ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أيْ: داخِلِينَ في الصُّبْحِ؛
15:84Page 266
فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٤
So nothing availed them [from] what they used to earn.
﴿فَما﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنِ (p-٨٢)الصَّيْحَةِ أنَّهُ ما ﴿أغْنى﴾؛ أيْ: أجْزَأ؛ ﴿عَنْهم ما كانُوا﴾؛ أيْ: بِجِبِلّاتِهِمْ؛ ﴿يَكْسِبُونَ﴾؛ مِنَ البُيُوتِ؛ والأعْمالِ؛ والعُدَدِ؛ والآلاتِ الخَبِيثَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُعْجِزُنا شَيْءٌ؛ لِأنَّهُ لا كُلْفَةَ عَلَيْنا فِيما نَفْعَلُ؛ إنَّما نَقُولُ لَهُ كُنْ؛ فَيَكُونُ؛ وفَعَلْنا بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا عَلى باطِلٍ؛ فَكانَ تَعْذِيبُنا لَهم حَقًّا.
15:85Page 266
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ ٨٥
And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.
ولَمّا كانَ المُتَعَنِّتُ رُبَّما قالَ: ما لَهُ يَخْلُقُهم ثُمَّ يُهْلِكُهُمْ؛ وهو عالِمٌ حِينَ خَلَقَهم أنَّهم يُكَذِّبُونَ؟ وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُلْتَفِتَةً - مَعَ ما فِيها مِن ذِكْرِ الأرْضِ - إلى تِلْكَ الَّتِي أتْبَعَها ذِكْرَ الخافِقَيْنِ؛ اسْتِدْلالًا عَلى السّاعَةِ؛ قالَ - عَلى ذَلِكَ النَّمَطِ -: ﴿وما خَلَقْنا﴾؛ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا؛ ﴿السَّماواتِ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العُلُوِّ والسَّعَةِ؛ ﴿والأرْضَ﴾؛ عَلى ما بِها مِنَ المَنافِعِ؛ والغَرائِبِ؛ ﴿وما بَيْنَهُما﴾؛ مِن هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ؛ وعَذابِهِمْ؛ ومِنَ المِياهِ؛ والرِّياحِ؛ والسَّحابِ - المُسَبَّبِ عَنْهُ النَّباتُ -؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ﴿إلا بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ؛ فَيَتَفَكَّرُ فِيهِ مَن وفَّقَهُ اللَّهُ؛ فَيَعْلَمُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ بِهَذِهِ النَّشْأةِ الأُولى؛ أوْ بِسَبَبِ الحَقِّ مِن إثْباتِ ثَوابِتِ الأُمُورِ؛ ونَفْيِ مُزَلْزَلِها؛ لِتَظْهَرَ عَظَمَتُنا بِإنْصافِ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ؛ وإثابَةِ الطّائِعِ؛ وعِقابِ العاصِي في يَوْمِ الفَصْلِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ (p-٨٣)الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١]؛ فَمَن أمْهَلْناهُ في الدُّنْيا أخَذَنا مِنهُ الحَقَّ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ؛ فَلا بُدَّ مِن فِعْلِ ذَلِكَ؛ ﴿وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾؛ لِأجْلِ إقامَةِ الحَقِّ؛ لا شَكَّ في إتْيانِها لِحُكْمِ عِلْمِها - سُبْحانَهُ - فَيَظْهَرُ فِيها كُلُّ ذَلِكَ؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ؛ وما فَعَلْنا ذَلِكَ إلّا بِالأمْرِ مِن قَوْلِنا“كُنْ”وهو الحَقُّ“؛ ”وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ“؛ أيْ: بِالأمْرِ؛ ”ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ“؛ يَعْنِي أنَّهُ لا مَشَقَّةَ عَلَيْنا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وسَنُعْدِمُ ذَلِكَ بِالحَقِّ؛ إذا أرَدْنا قِيامَ السّاعَةِ؛ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ؛ لِأنّا قَدْ وعَدْنا بِذَلِكَ؛ ولَيْسَ بَيْنَكم وبَيْنَ كَوْنِها إلّا أنْ نُرِيدَ؛ فَتَكُونَ؛ كَما كانَ غَيْرُها مِمّا أرَدْناهُ؛ ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ﴾؛ أيْ: فَأعْرِضْ - بِسَبَبِ تَحَقُّقِ الأخْذِ بِثَأْرِكَ - الإعْراضَ ﴿الجَمِيلَ﴾؛ بِالحِلْمِ؛ والإغْضاءِ؛ وسَعَةِ الصَّدْرِ؛ في مِثْلِ قَوْلِهِمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]؛ فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الأخْذِ لَكَ مِنهم بِالحَقِّ؛ ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ نُصْرَةٌ إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ لَكانَتْ كافِيَةً؛
15:86Page 266
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٦
Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.
ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ؛ الآمِرَ لَكَ بِهَذا؛ ﴿هُوَ﴾ (p-٨٤)؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿الخَلاقُ﴾؛ المُتَكَرِّرُ مِنهُ هَذا الفِعْلُ في كُلِّ وقْتٍ؛ بِمُجَرَّدِ الأمْرِ؛ فَلا عَجَبَ في إيجادِ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن إبْداعِ السّاعَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ وهو لِذَلِكَ عالِمٌ بِأحْوالِكم أجْمَعِينَ؛ وما يَكُونُ مِنها صَلاحًا لَكَ؛ عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ؛ لِأنَّ المُصَوِّرَ أعْلَمُ بِالصُّورَةِ مِن ناظِرِها؛ والمُتَبَصِّرِ فِيها؛ وصانِعُ الشَّيْءِ أدْرى بِهِ مِن مُشْتَرِيهِ؛ وبانِي البَيْتِ أخْبَرُ بِهِ مِن ساكِنِهِ؛ وهو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ ما تَراهُ مِنهُمْ؛ فَهو فِعْلُهُ؛ فَسَلِّمْ لَهُ.
ولَمّا كانَ إحْكامُ المَصْنُوعاتِ لا يَتِمُّ إلّا بِالعِلْمِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿العَلِيمُ﴾؛ أيْ: البالِغُ العِلْمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ؛ فَلا تَرى أفْعالَهم وأقْوالَهم إلّا مِنهُ - سُبْحانَهُ - لِأنَّهُ خالِقُها؛ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لا يَضِيعُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ؛ فاعْتَمِدَ عَلَيْهِ في أخْذِ حَقِّكَ؛ فَإنَّهُ نِعْمَ المَوْلى؛ ونِعْمَ النَّصِيرُ؛ ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ؛ ويَدُلُّ عَلى ما قُلْتُهُ آيَةُ ”يـس“: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]؛ أوْ يُقالُ: فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ شَيْئًا مِمّا أرَدْنا مِنَ الحَقِّ؛ لِأنّا ما خَلَقْنا عَذابَهم إلّا بِالحَقِّ؛ كَما خَلَقْناهم بِالحَقِّ؛ فَلَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْنا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥]؛ أيْ: بِسَبَبِ إقامَةِ الحَقِّ؛ وإظْهارِ أمْرِنا في العَدْلِ؛ ولَوْلا أنْ سَلَّطْنا بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ لَمْ يَظْهَرْ (p-٨٥)لَهم مِنّا هَذِهِ الصِّفَةُ غايَةَ الظُّهُورِ؛ فَنَحْنُ نُعَجِّلُ - مِنَ الحَقِّ؛ الَّذِي خَلَقْنا ذَلِكَ بِسَبَبِهِ؛ عَلى قِيامِ السّاعَةِ - ما شِئْنا مِنَ الابْتِلاءِ؛ والِانْتِقامِ؛ كَما فَعَلْنا بِمَن قَصَصْنا أمْرَهُمْ؛ ونُؤَخِّرُ مِن ذَلِكَ ما بَقِيَ إلى قِيامِ السّاعَةِ؛ ﴿وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥]؛ لا شَكَّ فِيها؛ فَلا نَدَعُ هُناكَ شَيْئًا مِنَ الحُقُوقِ إلّا أقَمْناهُ؛ ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]؛ فَلا بُدَّ مِنَ الأخْذِ لَكَ بِحَقِّكَ؛ إمّا في الدُّنْيا؛ وإمّا في الآخِرَةِ؛ ﴿إنَّ﴾؛ أيْ: لِأنَّ ﴿رَبَّكَ هو الخَلاقُ﴾؛ أيْ: الفاعِلُ لِلْخَلْقِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ لا تَنْفَدُ قُدْرَتُهُ؛ ولا تُهَنُّ كَلِمَتُهُ؛ ﴿العَلِيمُ﴾؛ التّامُّ العِلْمِ؛ فَهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ؛ عالِمٌ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ فِيهِ؛ في وقْتِهِ؛ وكَيْفِيَّتِهِ؛ فَهو يُعِيدُ الخَلائِقَ في السّاعَةِ كَما بَدَأهُمْ؛ ويَسْتَوْفِي إذْ ذاكَ جَمِيعَ الحُقُوقِ؛ ويُؤْتِيكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ما يُقِرُّ بِهِ عَيْنَكَ.
15:87Page 266
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ ٨٧
And We have certainly given you, [O Muḥammad], seven of the often repeated [verses]1 and the great Qur’ān.
ولَمّا ذَكَرَ صِفَةَ العِلْمِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ؛ أتْبَعَها ما آتاهُ في هَذِهِ الدّارِ مِن مادَّةِ العِلْمِ؛ بِصِيغَةِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ - عَطْفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ؛ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ -: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾؛ مِمّا يَدُلُّ عَلى عِلْمِنا؛ ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾؛ وهي الفاتِحَةُ؛ الجامِعَةُ - عَلى وجازَتِها - جَمِيعَ مَعانِي القُرْآنِ؛ فَتُثَنّى في النُّزُولِ؛ فَإنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ؛ وتُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلاةِ؛ وهي ثَناءٌ عَلى اللَّهِ؛ (p-٨٦)والصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ؛ وهي مَقْسُومَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وعَبْدِهِ؛ وتُثَنّى فِيهِ مَقاصِدُها؛ ويُورَدُ كُلُّ مَعْنًى مِن مَعانِيها فِيهِ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ في إيضاحِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ؛ في قَوالِبِ الألْفاظِ؛ وجَواهِرِ التَّراكِيبِ الهادِيَةِ إلَيْهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّثْنِيَةِ؛ ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾؛ أيْ: الحاوِيَ لِجَمِيعِ عُلُومِ الأوَّلِينَ؛ والآخِرِينَ؛ مِمّا في جَمِيعِ الكُتُبِ السّالِفَةِ؛ وغَيْرِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences