Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:25–34
16:25Page 269
لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٢٥
That they may bear their own burdens [i.e., sins] in full on the Day of Resurrection and some of the burdens of those whom they misguide without [i.e., by lack of] knowledge. Unquestionably, evil is that which they bear.
ولَمّا كانَ الكِتابُ هو الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ المُنْقِذَ مِنَ الهَلاكِ؛ وكانَ قَوْلُهم هَذا صَدًّا عَنْهُ؛ فَكانَ - مَعَ كَوْنِهِ ضَلالًا - إضْلالًا؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن ضَلَّ كانَ عَلَيْهِ إثْمُ ضَلالِهِ؛ ومَن أضَلَّ كانَ عَلَيْهِ وِزْرُ إضْلالِهِ؛ هَذا ما لا يَخْفى عَلى ذِي عَقْلٍ صَحِيحٍ؛ فَلَمّا كانَ هَذا بَيِّنًا؛ وكانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم أبْصَرُ النّاسِ بِالخَفِيّاتِ؛ فَكَيْفَ بِالجَلِيّاتِ؛ حَسُنَ جِدًّا قَوْلُهُ: ﴿لِيَحْمِلُوا﴾؛ فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا لازِمٌ لَهم قَطْعًا؛ وإنْ قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ غَيْرَهُ؛ أوْ يُقالُ: إنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ - مَعَ أنَّ الجَهْلَ أوْلى لَهم مِنهُ - أخَفُّ أحْوالِهِمْ؛ لِأنَّهم إمّا أنْ يَعْلَمُوا أنَّهم فَعَلُوا بِهَذا الطَّعْنِ ما لَيْسَ لَهُمْ؛ أوْ لا؛ فَعَلى الثّانِي هم أجْهَلُ النّاسِ؛ وعَلى الأوَّلِ فَإمّا أنْ يَكُونُوا ظَنُّوا أنَّهم يُؤْخَذُونَ بِهِ؛ أوْ لا؛ فَعَلى الثّانِي يَكُونُ الخَلْقُ سُدًى؛ ولَيْسَ هو مِنَ الحِكْمَةِ في شَيْءٍ؛ فَمُعْتَقِدُ هَذا مِنَ الجَهْلِ بِمَكانٍ عَظِيمٍ؛ وعَلى الأوَّلِ فَهم يُشاهِدُونَ كَثِيرًا مِنَ الظَّلَمَةِ لا يُجازَوْنَ في الدُّنْيا؛ فَيُلْزِمُهم في الحِكْمَةِ اعْتِقادَ الآخِرَةِ؛ لِيُجازى بِها المُحْسِنُ والمُسِيءُ؛ وهَذا أخَفُّ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ؛ ولا يَخْفى ما في الإقْدامِ (p-١٣٧)عَلى مِثْلِهِ مِنَ الغَباوَةِ المُناقِضَةِ لِادِّعائِهِمْ أنَّهم أبْصَرُ النّاسِ؛ فَقَدْ آلَ الأمْرُ إلى التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ لِأنَّهم نُسِبُوا إلى عِلْمٍ؛ الجَهْلُ خَيْرٌ مِنهُ؛ ﴿أوْزارَهُمْ﴾؛ الَّتِي باشَرُوها؛ لِنُكُوبِهِمْ عَنِ الحَقِّ تَكَبُّرًا؛ لا عَنْ شُبْهَةٍ.
ولَمّا كانَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ يُكَفِّرُ عَنْ أهْلِ الإيمانِ صَغائِرَهم بِالطّاعاتِ؛ وبِاجْتِنابِ الكَبائِرِ؛ فَكانَ التَّكْفِيرُ مَشْرُوطًا بِالإيمانِ؛ وكانَ هَؤُلاءِ قَدْ كَفَرُوا بِالتَّكْذِيبِ بِالكِتابِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿كامِلَةً﴾؛ لا يَنْقُصُ مِنها وِزْرُ شَيْءٍ مِمّا أسَرُّوا؛ ولا مِمّا أعْلَنُوا؛ لِخَفاءٍ؛ ولا ذُهُولٍ بِتَكْفِيرٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ مِن دُونِ خَلَلٍ في وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ؛ فَهو أبْلَغُ مِن ”تامَّةً“؛ لِأنَّ التَّمامَ قَدْ يَكُونُ في العِدَّةِ مَعَ خَلَلٍ في بَعْضِ الوَصْفِ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ؛ ولا مَحِيصَ عَنْ إتْيانِهِ؛ ”و“؛ لِيَحْمِلُوا؛ ”مِن“؛ مِثْلِ؛ ﴿أوْزارِ﴾؛ الجَهَلَةِ الضُّعَفاءِ؛ ﴿الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾؛ فَيَضِلُّونَ بِهِمْ؛ كَما بَيَّنَ أُولَئِكَ الَّذِينَ ضَلُّوا؛ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ يَحْمِلُونَ مِن أوْزارِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُباشِرُوها؛ لِما لَهم فِيها مِنَ التَّسَبُّبِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوْزارِ الضّالِّينَ بِهِمْ شَيْءٌ؛ وإنْ كانُوا جَهَلَةً؛ لِأنَّ لَهم عُقُولًا هي بِحَيْثُ تَهْدِي إلى سُؤالِ أهْلِ الذِّكْرِ؛ وفِطَرًا أُولى تَنْفِرُ مِنَ الباطِلِ؛ أوَّلَ ما يُعْرَضُ عَلَيْها؛ فَضَيَّعُوها؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ التَّنْبِيهَ (p-١٣٨)عَلى عَظِيمِ ما يَحْصُلُ لَهم مِن مُرْتَكَبِهِمْ مِنَ الضَّرَرِ؛ وعِيدًا لَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾؛ فَأدْخَلَ هَمْزَةَ الإنْكارِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ؛ فَصارَ إثْباتًا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ.
16:26Page 269
قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٦
Those before them had already plotted, but Allāh came at [i.e., uprooted] their building from the foundations, so the roof fell upon them from above them,1 and the punishment came to them from where they did not perceive.
ولَمّا كانَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِكْبارِ مَحْوَ الحَقِّ؛ وإخْفاءَ أمْرِهِ؛ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالعِنادِ - بَلْ مَعَ إقامَةِ شَبَهٍ رُبَّما راجَتْ - وإنِ اشْتَدَّ ضَعْفُها - عَلى عُقُولٍ هي أضْعَفُ مِنها؛ وكَأنَّ هَذا حَقِيقَةُ المَكْرِ؛ الَّتِي هي التَّغْطِيَةُ والسَّتْرُ؛ كَما بَيَّنَ في ”الرَّعْدِ“؛ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]؛ شَرَعَ يُهَدِّدُ الماكِرِينَ؛ ويُحَذِّرُهم وُقُوعَ ما وقَعَ بِمَن كانُوا أكْثَرَ مِنهم عَدَدًا؛ وأقْوى يَدًا؛ ويُرَجِّي المُؤْمِنِينَ في نَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ بِما لَهُ مِن عَظِيمِ القُوَّةِ؛ وشَدِيدِ السَّطْوَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالإخْبارِ ناسًا مَخْصُوصِينَ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا زَمانَ القَبْلِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ مِمَّنْ رَأوْا آثارَهُمْ؛ ودَخَلُوا دِيارَهُمْ؛ ﴿فَأتى اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن مَجامِعِ العَظَمَةِ؛ ﴿بُنْيانَهُمْ﴾؛ أيْ: إتْيانَ بَأْسٍ وانْتِقامٍ؛ ﴿مِنَ القَواعِدِ﴾؛ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْها مَكْرَهُمْ؛ ﴿فَخَرَّ﴾؛ أيْ: سَقَطَ مَعَ صَوْتٍ عَظِيمٍ لِهَدَّتِهِ؛ ﴿عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾؛ ولَمّا كانَتِ العَرَبُ تَقُولُ: ”خَرَّ عَلَيْنا سَقْفٌ؛ ووَقَعَ عَلَيْنا حائِطٌ“؛ (p-١٣٩)إذا كانَ يَمْلِكُهُ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ وقَعَ عَلَيْهِ؛ كَما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ؛ قالَ (تَعالى) - صَرْفًا عَنْ هَذا إلى حَقِيقَةِ السُّقُوطِ المُقَيَّدِ بِالجارِّ -: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾؛ وكانُوا تَحْتَهُ؛ فَهَلَكُوا؛ كَما هو شَأْنُ البُنْيانِ إذا زالَتْ قَواعِدُهُ.
ولَمّا كانَ المَكْرُ هو الضُّرُّ في خُفْيَةٍ؛ لِأنَّهُ القَتْلُ بِالحِيلَةِ إلى جِهَةٍ مُنْكَرَةٍ؛ بَيَّنَ أنَّ ما حَصَلَ لَهم مِنَ العَذابِ هو مِن بابِ ما فَعَلُوا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وأتاهُمُ العَذابُ﴾؛ أيْ: الَّذِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الرُّسُلِ عَلى الوَعِيدِ بِهِ لِمَن أبى؛ ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ لِأنَّ السَّبَبَ الَّذِي أعَدُّوهُ لِنَصْرِهِمْ كانَ بِعَيْنِهِ سَبَبَ قَهْرِهِمْ؛ وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ؛ وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الحَقِيقَةِ فِيما بَناهُ نَمْرُودُ مِنَ الصَّرْحِ.
ذِكْرُ قِصَّتِهِ مِنَ التَّوْراةِ:
قالَ في السِّفْرِ الأوَّلِ مِنها؛ في تَعْدادِ أوْلادِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: وكُوشٌ - يَعْنِي ابْنَ حامِ بْنِ نُوحٍ - ولَدَ نَمْرُودَ؛ وكانَ أوَّلَ جَبّارٍ في الأرْضِ؛ وهو كانَ مَخُوفًا؛ ذا صَيْدٍ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ؛ ولِذَلِكَ يُقالُ: (p-١٤٠)”هَذا مِثْلُ نَمْرُودَ الجَبّارِ القَنّاصِ“؛ فَكانَ مَبْدَأُ مُلْكِهِ بابِلَ؛ والكُوشَ؛ والأهْوازَ؛ والكُوفَةَ؛ الَّتِي بِأرْضِ شِنْعارَ؛ ومِن تِلْكَ الأرْضِ خَرَجَ المَوْصِلِيُّ؛ فابْتَنى نِينَوى؛ ورَحُبُوتَ القَرْيَةَ - وفي نُسْخَةٍ: قَرْيَةَ الرَّحُبَةَ - والإيَّلَةَ؛ والمَدائِنَ؛ ثُمَّ قالَ - بَعْدَ أنْ عَدَّ أحْفادَ نُوحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ومَمالِكَهم -: هَؤُلاءِ قَبائِلُ بَنِي نُوحٍ؛ وأوْلادُهُمْ؛ وخُلُوفُهُمْ؛ وشُعُوبُهُمْ؛ ومِن هَؤُلاءِ تَفَرَّقَتِ الشُّعُوبُ في الأرْضِ بَعْدَ الطُّوفانِ؛ وإنَّ أهْلَ الأرْضِ كُلَّهم كانَتْ لُغَتُهم واحِدَةً؛ ومَنطِقُهم واحِدًا؛ فَلَمّا ظَعَنُوا في المَشْرِقِ انْتَهَوْا إلى قاعٍ في أرْضِ شِنْعارَ - وفي نُسْخَةٍ: العِراقِ - فَسَكَنُوهُ؛ فَقالَ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم لِصاحِبِهِ: هَلُمَّ بِنا نُلَبِّنِ اللَّبِنَ ونَحْرِقْهُ بِالنّارِ؛ فَيَصِيرَ اللَّبِنُ مِثْلَ الحِجارَةِ؛ ويَصِيرَ الجَصُّ بَدَلَ الطِّينِ لِلْمِلاطِ؛ ثُمَّ قالَ: هَلُمُّوا نَبْنِ لَنا قَرْيَةً نَتَّخِذْها؛ وصَرْحًا مَشِيدًا لاحِقًا بِالسَّماءِ؛ ونَخْلُفْ لَنا شَيْئًا نُذْكَرُ بِهِ؛ لَعَلَّنا ألّا نَتَفَرَّقَ عَلى الأرْضِ كُلِّها؛ فَنَظَرَ الرَّبُّ القَرْيَةَ والصَّرْحَ الَّذِي يَبْنِيهِ النّاسُ؛ فَقالَ الرَّبُّ: إنِّي أرى هَذا الشَّعْبَ رَأْيُهم واحِدٌ؛ ولُغَتُهم واحِدَةٌ؛ (p-١٤١)وقَدْ هَمُّوا أنْ يَصْنَعُوا هَذا الصَّنِيعَ؛ فَهُمُ الآنَ غَيْرُ مُقَصِّرِينَ فِيما هَمُّوا أنْ يَفْعَلُوهُ؛ فَلْأُورِدْ أمْرًا أُشَتِّتُ بِهِ لُغَتَهُمْ؛ حَتّى لا يَفْهَمَ المَرْءُ مِنهم لُغَةَ صاحِبِهِ؛ ثُمَّ فَرَّقَهُمُ الرَّبُّ مِن هُنالِكَ عَلى وجْهِ الأرْضِ كُلِّها؛ ولَمْ يَبْنُوا القَرْيَةَ الَّتِي هَمُّوا بِبِنائِها؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ بابِلَ؛ لِأنَّ هُنالِكَ فَرَّقَ الرَّبُّ لُغَةَ أهْلِ الأرْضِ كُلِّها؛ انْتَهى.
قالَ لِي بَعْضُ عُلَماءِ اليَهُودِ: إنَّ ”بابِلَ“ مُعَرَّبُ ”بُوبالَ“؛ ومَعْنى ”بُوبالَ“؛ بِالعِبْرانِيِّ: الشَّتاتُ؛ هَذا ما في التَّوْراةِ؛ وأمّا المُفَسِّرُونَ فَإنَّهم ذَكَرُوا أنَّ الصَّرْحَ بُنِيَ عَلى هَيْئَةٍ طَوِيلَةٍ؛ في الطُّولِ والإحْكامِ؛ وأنَّ اللَّهَ (تَعالى) هَدَمَهُ؛ فَكانَتْ لَهُ رَجَّةٌ؛ تَفَرَّقَتْ لِعِظَمِ هَوْلِها لُغَةُ أهْلِ الأرْضِ إلى أنْحاءَ كَثِيرَةٍ؛ لا يُحْصِيها إلّا خالِقُها؛ فاللَّهُ أعْلَمُ.
16:27Page 270
ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ وَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٧
Then on the Day of Resurrection He will disgrace them and say, "Where are My 'partners' for whom you used to oppose [the believers]?" Those who were given knowledge will say, "Indeed disgrace, this Day, and evil are upon the disbelievers" -
ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - حالَ المَكَرَةِ المُتَمَرِّدِينَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا؛ أخَذَ يَذْكُرُ حالَهم في الآخِرَةِ؛ تَقْرِيرًا لِلْآخِرَةِ؛ وبَيانًا لِأنَّ عَذابَهم غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى الدُّنْيَوِيِّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾؛ أيْ: اللَّهُ (تَعالى)؛ الَّذِي فَعَلَ بِهِمْ في الدُّنْيا ما تَقَدَّمَ؛ خِزْيًا يَشْهَدُهُ جَمِيعُ الخَلائِقِ (p-١٤٢)الوُقُوفِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ فَيَحْصُلُ لَهم مِنَ الذُّلِّ - جَزاءً عَلى تَكَبُّرِهِمْ - ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ وعَطْفُهُ بِـ ”ثُمَّ“؛ لِاسْتِبْعادِهِمْ لَهُ؛ ولِما لَهُ مِنَ الهَوْلِ والعَظَمَةِ؛ الَّتِي يُسْتَصْغَرُ لَها كُلُّ هَوْلٍ؛ ﴿ويَقُولُ﴾؛ أيْ: لَهم في ذَلِكَ الجَمْعِ؛ تَبْكِيتًا وتَوْبِيخًا: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾؛ عَلى ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؛ وأضافَ - سُبْحانَهُ - إلى نَفْسِهِ المُقَدَّسِ؛ لِأنَّهُ أقْطَعُ في تَوْبِيخِهِمْ؛ وأدَلُّ عَلى تَناهِي الغَضَبِ؛ ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: كَوْنًا لا تَنْفَكُّونَ عَنْهُ؛ ﴿تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾؛ أوْلِيائِي؛ فَتَكُونُونَ بِمُخالَفَتِهِمْ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِمْ؛ فَتَخْضَعُونَ لِما لا يَنْبَغِي الخُضُوعُ لَهُ؛ وتَتَكَبَّرُونَ عَلى مَن لا يَنْبَغِي الإعْراضُ عَنْهُ؛ ما لَهم لا يَحْضُرُونَكُمْ؛ ويَدْفَعُونَ عَنْكم في هَذا اليَوْمِ؟ وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ؛ لِأنَّ مُشاقَقَةَ المَأْمُورِ مُشاقَقَةُ الآمِرِ.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْجَلالِ والعَظَمَةِ؛ المُسْتَلْزِمِ لِزِيادَةِ الهَيْبَةِ؛ الَّتِي يَلْزَمُ (p-١٤٣)عَنْها غالِبًا خَرَسُ المُخْزى عَنْ جَوابِهِ؛ لَوْ كانَ لَهُ جَوابٌ؛ وكانَ مِن أجَلِّ المَقاصِدِ في تَعْذِيبِهِمُ العَدْلُ بِتَفْرِيحِ الأوْلِياءِ؛ وإشْماتِهِمْ بِهِمْ؛ جَزاءً لِما كانُوا يَعْمَلُونَ بِهِمْ في الدُّنْيا؛ وكانَتِ الشَّماتَةُ أعْلى مَحْبُوبٍ لِلشّامِتِ؛ وأعْظَمَ مَرْهُوبٍ لِلْمَشْمُوتِ فِيهِ؛ وأعْظَمَ مُسَلٍّ لِلْمَظْلُومِ؛ دَلَّ عَلى سُكُوتِهِمْ رَغَبًا عَنِ المُبادَرَةِ بِالجَوابِ بِتَأْخِيرِ الخَبَرِ عَنْهُ؛ وتَقْدِيمِ الخَبَرِ عَنْ شَماتَةِ أعْدائِهِمْ فِيهِمْ؛ في سِياقِ الجَوابِ عَنْ سُؤالِ مَن قالَ: هَلْ عَلِمَ بِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ العِلْمُ شَرَفًا لِلْعالِمِ مُطْلَقًا؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُوتُوا العِلْمَ﴾؛ أيْ: انْتَفَعُوا بِهِ في سُلُوكِ سَبِيلِ النَّجاةِ؛ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ومَن أطاعَهم مِن أُمَمِهِمْ؛ إشارَةً إلى أنَّ الهالِكَ يَصِحُّ سَلْبُ العِلْمِ عَنْهُ؛ وإنْ كانَ أعْلَمَ النّاسِ؛ وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: ”أعْداؤُهُمْ“؛ أوْ ”المُؤْمِنُونَ“؛ ونَحْوَهُ؛ إجْلالًا لَهم بِوَصْفِهِمْ بِالعِلْمِ؛ الَّذِي هو أشْرَفُ الصِّفاتِ؛ لِكَوْنِهِ مَنشَأ كُلِّ فَضِيلَةٍ؛ وتَعْرِيضًا بِأنَّ الحامِلِ لِلْكُفّارِ عَلى الِاسْتِكْبارِ الجَهْلُ؛ الَّذِي هو سَبَبُ كُلِّ رَذِيلَةٍ؛ ﴿إنَّ الخِزْيَ﴾؛ أيْ: البَلاءَ المُذِلَّ؛ ﴿اليَوْمَ﴾؛ أيْ: يَوْمَ الفَصْلِ؛ الَّذِي يَكُونُ لِلْفائِزِ فِيهِ العاقِبَةُ المَأْمُونَةُ؛ ﴿والسُّوءَ﴾؛ أيْ: كُلَّ ما يَسُوءُ؛ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في الكُفْرِ؛ الَّذِينَ (p-١٤٤)تَكَبَّرُوا في غَيْرِ مَوْضِعِ التَّكَبُّرِ؛ لا عَلى غَيْرِهِمْ؛
16:28Page 270
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨
The ones whom the angels take in death [while] wronging themselves,1 and [who] then offer submission, [saying], "We were not doing any evil." But, yes! Indeed, Allāh is Knowing of what you used to do.
ثُمَّ رَغَّبَهم في التَّوْبَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ﴾؛ بِالفَوْقِيَّةِ؛ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ مُؤَنَّثٌ؛ وبِالتَّحْتِيَّةِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ لِأنَّ المَجْمُوعَ غَيْرُ مُؤَنَّثٍ؛ وكانَ وفاتُهم عَلى وجْهَيْنِ: وجْهٍ خَفِيفٍ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ التَّأْنِيثُ؛ لِخِفَّةِ كُفْرِ صاحِبِهِ؛ وآخَرَ ثَقِيلٍ شَدِيدٍ؛ لِشِدَّةِ كُفْرِ صاحِبِهِ؛ ولَمْ يُحْذَفْ شَيْءٌ مِنَ التّاءَيْنِ؛ لِلْإشارَةِ إلى نُقْصانِ حالِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ خَيْرُها لِمَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ؛ بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ في تارِكِ الهِجْرَةِ في ”النِّساءِ“؛ ﴿المَلائِكَةُ﴾؛ أيْ: المُوَكَّلُونَ بِالمَوْتِ؛ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ بِوَضْعِها مِنَ الِاسْتِكْبارِ عَلى المَلِكِ الجَبّارِ غَيْرَ مَوْضِعِها.
فَلَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ البَدِيعِ؛ والأُسْلُوبِ الرَّفِيعِ المَنِيعِ؛ ابْتَدَأ الخَبَرَ عَنْ جَوابِهِمْ؛ عَلى وجْهٍ مُعْلِمٍ بِحالِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿فَألْقَوُا﴾؛ أيْ: مِن أنْفُسِهِمْ؛ عَقِبَ قَوْلِ الأوْلِياءِ؛ وبِسَبَبِ سُؤالِ ذِي الكِبْرِياءِ؛ ﴿السَّلَمَ﴾؛ أيْ: المَقادَةَ؛ والخُضُوعَ؛ بَدَلَ ذَلِكَ التَّكَبُّرِ؛ والعُلُوِّ؛ قائِلِينَ (p-١٤٥)- ارْتِكابًا لِلْكَذِبِ مِن غَيْرِ احْتِشامٍ -: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ﴾؛ وأعْرَقُوا في النَّفْيِ؛ فَقالُوا: ﴿مِن سُوءٍ﴾؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا لَبُهْتانٌ عَظِيمٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ الجَلِيلِ؛ فَماذا قِيلَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿بَلى﴾؛ قَدْ عَمِلْتُمْ أعْظَمَ السُّوءِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ تَكْذِيبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العِلْمِ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ ﴿بِما كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ الضَّلالِ؛ والإضْلالِ؛ فَلا يَسَعُكُمُ الإنْكارُ؛ أفَما آنَ لَكم أنْ تَنْزِعُوا عَنِ الجَهْلِ فِيما يَضُرُّكم ولا يَنْفَعُكُمْ؛ ويَخْفِضُكم ولا يَرْفَعُكُمْ؟!
16:29Page 270
فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٢٩
So enter the gates of Hell to abide eternally therein, and how wretched is the residence of the arrogant.
ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ؛ مَعَ هَذا العِلْمِ؛ سَبَبًا لِدُخُولِ جَهَنَّمَ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُقامَ لَهم وزْنٌ؛ لِأنَّهُ لا وزْنَ لِما ضُيِّعَ أساسُهُ؛ قالَ - مُعَقِّبًا؛ مُسَبِّبًا -: ﴿فادْخُلُوا﴾؛ أيْ: أيُّها الكَفَرَةُ؛ ﴿أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: أبْوابَ طَبَقاتِها؛ ودَرَكاتِها؛ ﴿خالِدِينَ﴾؛ أيْ: مُقَدِّرِينَ الخُلْدَ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: في جَهَنَّمَ؛ الَّتِي دَأْبُها تَجَهُّمُ مَن دَخَلَها.
ولَمّا كانَ هَذا المَقامُ لِلْمُشاقَقَةِ؛ وكانَ أمْرُها زائِدَ القَباحَةِ؛ كانَ هَذا الدُّخُولُ أقْبَحَ دُخُولٍ؛ وكانَ سَبَبًا لِأنْ يُقالُ: ﴿فَلَبِئْسَ﴾؛ بِالأداةِ الجامِعَةِ لِمَجامِعِ الذَّمِّ ﴿مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾؛ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ؛ وبَيانِ الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ؛ لِتَقَدُّمِ كَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ؛ ”ما كُنّا (p-١٤٦)نَعْمَلُ مِن سُوءٍ“؛ تَعْرِيضًا بِأنَّهم جَدِيرُونَ - لِغايَةٍ ما لَهم مِنَ البَلادَةِ - أنْ يَسْتَحْسِنُوا النّارَ؛ كَما كَذَّبُوا مَعَ العِلْمِ التّامِّ بِأنَّهُ لا يَرُوجُ في ذَلِكَ اليَوْمِ كَذِبٌ.
16:30Page 270
۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٠
And it will be said to those who feared Allāh, "What did your Lord send down?" They will say, "[That which is] good." For those who do good in this world is good; and the home of the Hereafter is better. And how excellent is the home of the righteous -
ولَمّا تَمَّ الخَبَرُ عَنِ المُنْكِرِ لِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ؛ مِنَ الرُّوحِ مِن أمْرِهِ؛ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ إنْكارًا لِفَضْلِهِمْ؛ وتَكَبُّرًا بِما لَيْسَ لَهُمْ؛ بِالِاعْتِراضِ عَلى خالِقِهِمُ؛ ابْتَدَأ الخَبَرَ عَنِ المُقِرِّينَ تَصْدِيقًا لِهُداتِهِمْ؛ واعْتِرافًا بِفَضْلِهِمْ؛ وتَسْلِيمًا لِمَن هم عَبِيدُهُ؛ في تَفْضِيلِ مَن يَشاءُ؛ مُنَبِّهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهم الِاعْتِرافَ بِالحَقِّ؛ فَقالَ - حاذِفًا لِـ ”إذا“؛ دَلالَةً عَلى الرِّضا بِأيْسَرِ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ؛ والمَدْحِ عَلَيْهِ؛ ولَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ -: ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: خافُوا عِقابَ اللَّهِ؛ ﴿ماذا﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ؛ ﴿أنْـزَلَ رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكم مِن رُوحِهِ؛ المُحْيِي لِلْأرْواحِ؛ عَلى رَسُولِهِ؛ ﴿قالُوا﴾؛ مُعْتَرِفِينَ بِالإنْزالِ؛ غَيْرَ مُتَوَقِّفِينَ في المَقالِ؛ فاهِمِينَ أنَّ ”ذا“ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِفْهامِ؛ لا بِمَعْنى ”الَّذِي“: أنْزَلَ ﴿خَيْرًا﴾؛ وإنَّما أطْبَقَ القُرّاءُ عَلى نَصْبِ هَذا؛ ورَفْعِ الأوَّلِ؛ فَرْقًا بَيْنَ جَوابَيِ المُقِرِّ؛ والجاحِدِ؛ بِمُطابَقَةِ المُقِرِّ بَيْنَ الجَوابِ؛ والسُّؤالِ؛ وعُدُولِ الجاحِدِ بِجَوابِهِ (p-١٤٧)عَنِ السُّؤالِ؛ ثُمَّ أخَذَ يُرَغِّبُ بِما لَهم مِن حُسْنِ المَآلِ؛ عَلى وجْهِ الجَوابِ لِسُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما لَهم عَلى ذَلِكَ؟ فَقِيلَ - مُظْهِرًا مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ مَدْحًا لَهُمْ؛ وتَعْمِيمًا لِمَنِ اتَّصَفَ بِوَصْفِهِمْ -: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾؛ فَبَيَّنَ أنَّ اعْتِرافَهم بِذَلِكَ إحْسانٌ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾؛ أيْ: جَزاءً لَهم عَلى إحْسانِهِمْ - ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الدّارُ سَرِيعَةَ الزَّوالِ؛ أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ؛ فَقالَ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾؛ أيْ: جَزاءً ومَصِيرًا؛ ثُمَّ مَدَحَها؛ ومَدَحَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾؛ أيْ: هِيَ؛ مُرَغِّبًا في الوَصْفِ الَّذِي كانَ سَبَبَ حِيازَتِهِمْ لَها؛ وهو الخَوْفُ؛ المُنافِي لِما وصَفَ بِهِ الأشْرارَ؛ مِنَ الِاسْتِكْبارِ؛ بِإظْهارِهِ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ وحَذْفِ المَخْصُوصِ بِالمَدْحِ؛ لِتَقَدُّمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ وهو صالِحٌ لِتَقْدِيرِ الدُّنْيا - أيْ: لِمَن عَمِلَ فِيها بِالتَّقْوى - ولِتَقْدِيرِ الآخِرَةِ؛ وهو واضِحٌ.
16:31Page 270
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَۚ كَذَٰلِكَ يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣١
Gardens of perpetual residence, which they will enter, beneath which rivers flow. They will have therein whatever they wish. Thus does Allāh reward the righteous -
ولَمّا كانَ هَذا المَدْحُ مُشَوِّفًا لِتَفْصِيلِ ذَلِكَ؛ قِيلَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾؛ أيْ: إقامَةٍ؛ لا ظَعْنَ فِيها؛ ﴿يَدْخُلُونَها﴾؛ حالَ كَوْنِها؛ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾؛ أيْ: مِن تَحْتِ غُرَفِها؛ ﴿الأنْهارُ﴾؛ ثُمَّ أُجِيبَ مَن كَأنَّهُ سَألَ عَمّا فِيها مِنَ (p-١٤٨)الثِّمارِ وغَيْرِها؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَهم فِيها﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ لا في شَيْءٍ سِواها؛ مِن غَيْرِ أنْ يُجْلَبَ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِها؛ ﴿ما يَشاءُونَ﴾؛ ثُمَّ زادَ في التَّرْغِيبِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا الجَزاءِ العَظِيمِ؛ ﴿يَجْزِي اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿المُتَّقِينَ﴾؛ أيْ: الرّاسِخِينَ في صِفَةِ التَّقْوى؛
16:32Page 270
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٢
The ones whom the angels take in death, [being] good and pure; [the angels] will say, "Peace be upon you. Enter Paradise for what you used to do."
ثُمَّ حَثَّ عَلى مُلازَمَةِ التَّقْوى بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِحالِ المَوْتِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ﴾؛ أيْ: تَقْبِضُ أرْواحَهم وافِيَةً مِن نَقْصِ شَيْءٍ مِنَ الرُّوحِ؛ أوِ المَعانِي - بِما أشارَ إلَيْهِ إثْباتُ التّاءَيْنِ؛ والإظْهارُ -؛ ﴿المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾؛ أيْ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ؛ مُتَحَلِّينَ بِحِلْيَةِ الإيمانِ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا تَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ؟ فَقِيلَ: ﴿يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: مُكَرِّرِينَ؛ لِلتَّأْكِيدِ؛ تَسْكِينًا لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ جَلالِ اللَّهِ بِالتَّقْوى؛ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾؛ ويُقالُ لَهم لِتَحَقُّقِ فَوْزِهِمْ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾؛ أيْ: دارَ التَّفَكُّهِ؛ الَّتِي لا مِثْلَ لَها؛ ﴿بِما كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿تَعْمَلُونَ﴾؛ تَرْغِيبًا لَهم في الأعْمالِ الَّتِي لا يَسْتَطِيعُونَها إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ لَهُمْ؛ بِتَوْفِيقِهِمْ لَها.
16:33Page 270
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ أَمۡرُ رَبِّكَۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٣٣
Do they [i.e., the disbelievers] await except that the angels should come to them or there comes the command of your Lord? Thus did those do before them. And Allāh wronged them not, but they had been wronging themselves.
(p-١٤٩)ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) عَنْ أحْوالِ الكُفّارِ؛ السّائِلِينَ في نُزُولِ المَلائِكَةِ؛ بَعْدَ أنْ وهّى شُبَهَهُمْ؛ وأخْبَرَ عَنْ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهُمْ؛ ولِأضْدادِهِمُ المُؤْمِنِينَ؛ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى أنَّ سُنَّتَهُ جَرَتْ بِأنَّهم لا يَنْزِلُونَ إلّا لِإنْزالِ الرُّوحِ مِن أمْرِهِ؛ عَلى مَن يَخْتَصُّهُ لِذَلِكَ؛ أوْ لِأمْرٍ فَيْصَلٍ؛ لا مُهْلَةَ فِيهِ؛ قالَ - مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ -: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ؛ في تَقاعُسِهِمْ عَنْ تَصْدِيقِ الرُّسُلِ في الإخْبارِ بِما أنْزَلَ رَبُّهُمْ؛ وجَرَّدَ الفِعْلَ إشارَةً إلى قُرْبِ ما يَنْتَظِرُونَهُ؛ ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ﴾؛ أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ؛ ﴿المَلائِكَةُ﴾؛ وهم لا يَأْتُونَهم إلّا بِمِثْلِ ما أتَوْا بِهِ مَن قَبْلَهُمْ؛ مِمَّنْ قَصَصْنا أمْرَهم مِنَ الظّالِمِينَ إنْ لَمْ يَتُوبُوا؛ ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ؛ المُدَبِّرِ لِأمْرِكَ؛ بِأمْرٍ يَفْصِلُ النِّزاعَ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَلَكٍ؛ أوْ غَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُفْزِعًا؛ كانَ مُوجِبًا لِمَن لَهُ فَهُمٌ أنْ يَقُولَ: هَلْ فَعَلَ هَذا أحَدٌ غَيْرُ هَؤُلاءِ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا الفِعْلِ البَعِيدِ - لِبَشاعَتِهِ - عَنْ مَناهِجِ العُقَلاءِ؛ مَكْرًا في تَدْبِيرِ الأذى؛ (p-١٥٠)واعْتِقادًا؛ وقَوْلًا؛ ﴿فَعَلَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ الفاعِلُونَ مِثْلَ أفْعالِهِمْ؛ في التَّكْذِيبِ؛ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا الزَّمانَ؛ أُدْخِلَ الجارُّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن قَبْلِهِمْ وما﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ في تَقْدِيرِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ التَّصَرُّفِ؛ والمَلِكُ الَّذِي لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ؛ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَظْلِمُونَ﴾؛ فاسْتَحَقُّوا العِقابَ؛ لِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ؛ عَلى السَّنَنِ الَّذِي جَرَتْ بِهِ عَوائِدُكُمْ؛ فِيمَن باشَرَ سُوءًا مِن غَيْرِ أنْ يُكْرَهَ عَلَيْهِ إكْراهًا ظاهِرًا؛ وهَذا بِعَيْنِهِ هو العِلَّةُ في إرْسالِ الرُّسُلِ؛ ونَصْبِ الشَّرائِعِ؛ والمِلَلِ؛
16:34Page 270
فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٤
So they were struck by the evil consequences of what they did and were enveloped by what they used to ridicule.
﴿فَأصابَهُمْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ أنْ أصابَهُمْ؛ ﴿سَيِّئاتُ﴾؛ أيْ: عُقُوباتُ - أوْ جَزاءُ - سَيِّئاتِ ﴿ما عَمِلُوا وحاقَ﴾؛ أيْ: أحاطَ إحاطَةً ضابِطَةً؛ ﴿بِهِمْ﴾؛ مِنَ العَذابِ؛ والمُرْسَلِ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ؛ ﴿ما كانُوا بِهِ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ تَكَبُّرًا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ.
ومادَّةُ ”حاقَ“ - واوِيَّةً؛ ويائِيَّةً؛ بِتَراكِيبِها السِّتِّ: ”حَوَقَ“؛ ”حَقَوَ“؛ ”قَحَوَ“؛ ”قَوَحَ“؛ ”وقَحَ“؛ ”حَيَقَ“ - تَدُورُ عَلى الإحاطَةِ؛ ويَلْزَمُها صَلابَةُ المُحِيطِ؛ ولِينُ المُحاطِ بِهِ: ”حاقَ بِهِ الشَّيْءُ“؛ إذا نَزَلَ بِهِ فَأحاطَ؛ و”الحَيْقُ“: (p-١٥١)ما يَشْتَمِلُ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهٍ فَعَلَهُ؛ و”حاقَ فِيهِ السَّيْفُ“: حاكَ؛ أيْ: ”عَمِلَ“؛ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ الجُزْءِ؛ ولِأنَّهُ في الأغْلَبِ يَكُونُ في عَمَلِهِ المَوْتُ؛ المُحِيطُ بِالأجَلِ؛ و”حاقَ بِهِمُ الأمْرُ“: لَزِمَهُمْ؛ ووَجَبَ عَلَيْهِمْ؛ ونَزَلَ بِهِمْ؛ و”الحَيْقَةُ“: شَجَرَةٌ كالشِّيحِ؛ يُؤْكَلُ بِها التَّمْرُ؛ كَأنَّهُ يُحِيطُ بِالتَّمْرَةِ؛ و”حايَقَهُ“: حَسَدَهُ؛ وأبْغَضَهُ؛ لِإحاطَةِ ذَلِكَ.
و”الحُوقُ“؛ بِالضَّمِّ: ما أحاطَ بِالكَمَرَةِ مِن حُرُوفِها؛ وبِالضَّمِّ والفَتْحِ مَعًا: اسْتِدارَةٌ في الذَّكَرِ؛ و”الحَوْقُ“؛ بِالفَتْحِ فَقَطْ: الإحاطَةُ؛ و”الأحْوَقُ“؛ و”المُحَوَّقُ“؛ كَـ ”مُعَظَّمٌ“: الكَمَرَةُ؛ كَأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ لِكِبَرِها؛ ومِنهُ ”فَيْشَلَةٌ حَوْقاءُ“: عَظِيمَةٌ؛ كَأنَّها لِعِظَمِها هي الَّتِي ظَهَرَ حَرْفُها دُونَ غَيْرِها؛ و”أرْضٌ مَحُوقَةٌ“؛ بِضَمِّ الحاءِ: قَلِيلَةُ النَّبْتِ لِقِلَّةِ المَطَرِ؛ كَأنَّهُ تَشَبَّهَ بِالكَمَرَةِ في مَلاسَتِها؛ و”تُرِكَتِ النَّخْلَةُ حَوْقاءَ“؛ إذا أُشْعِلَ في الكَرانِيفِ؛ لِاسْتِدارَةِ النّارِ بِها؛ أوْ لِشَبَهِها بَعْدَ حَرِيقِ السَّعَفِ بِالذَّكَرِ؛ أوْ رَأْسِهِ؛ و”الحَوْقَةُ“؛ بِالفَتْحِ: الجَماعَةُ المُمَخْرَقَةُ؛ لِأنَّ الجَماعَةَ لَها قُوَّةُ الِاسْتِدارَةِ؛ والمُمَخْرَقُ إنْ كانَ مِنَ الكَذِبِ فَمَن لازَمَهُ العِوَجُ؛ وإنْ كانَ مِنَ المِخْراقِ - وهو المَندِيلُ الَّذِي يُلَفُّ لِلَّعِبِ بِهِ - فاللَّعِبُ بِهِ عَلى هَيْئَةِ الِاسْتِدارَةِ؛ و”حَوَقَ (p-١٥٢)عَلَيْهِ؛ تَحْوِيقًا“: عَوَّجَ عَلَيْهِ الكَلامَ؛ و”الحَوْقُ“؛ بِالفَتْحِ أيْضًا: الكَنْسُ؛ والدَّلْكُ؛ والتَّمْلِيسُ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها تَرُدُّ فِيهِ اليَدِ إلى قَرِيبٍ مِن مَكانِها؛ فَيُشْبِهُ الإحاطَةَ؛ ولَوْ بِالتَّعْوِيجِ.
و”الحَقْوُ“: الكَشْحُ؛ وهو ما بَيْنَ عَظْمِ رَأْسِ الوِرْكِ؛ إلى الضِّلْعِ؛ الخَلْفُ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ إحاطَةِ الإزارِ؛ والإزارُ نَفْسُهُ ”حَقْوٌ“؛ لِأنَّهُ آلَتُهُ؛ أوْ ”الحَقْوُ“؛ مَعْقِدُ الإزارِ؛ و”الحَقْوُ“: مَوْضِعٌ غَلِيظٌ؛ مُرْتَفِعٌ عَنِ السَّيْلِ؛ مِنَ الصَّلابَةِ؛ والِاسْتِدارَةِ؛ لِأنَّ السَّيْلَ يُحِيطُ بِهِ؛ أوْ يَكادُ؛ و”مِنَ السَّهْمِ“: مَوْضِعُ الرِّيشِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ الحَقْوَ في اسْتِدارَتِهِ؛ وغِلَظِ بَعْضٍ؛ ودِقَّةِ بَعْضٍ؛ وفي إحاطَةِ الرِّيشِ بِهِ؛ ومِنَ الثَّنِيَّةِ: جانِباها؛ مِنَ الإحاطَةِ؛ أوْ مُطْلَقِ العِوَجِ؛ و”الحَقْوَةُ“: وجَعٌ في البَطْنِ مِن أكْلِ اللَّحْمِ؛ لِلُحُوقِ وجَعِهِ الحَقْوَ؛ و”الأُقْحُوانُ“: نَبْتٌ يَسْتَدِيرُ بِهِ زَهْرُهُ؛ وأقاحِي الأمْرِ: تَباشِيرُهُ؛ لِأنَّها تُحِيطُ بِهِ غالِبًا؛ و”قَحا المالُ“: أخَذَهُ؛ لِما يَلْزَمُهُ مِنَ الإحاطَةِ؛ و”المِقْحاةُ“: المِجْرَفَةُ؛ لِأنَّها تُحِيطُ بِالمَجْرُوفِ.
ومِنَ اللِّينِ: ”قاحَ الجُرْحُ؛ يَقُوحُ“: صارَتْ فِيهِ مِدَّةٌ خالِصَةٌ؛ لا يُخالِطُها (p-١٥٣)دَمٌ؛ كَـ ”قاحَ؛ يَقِيحُ“ - واوِيَّةً ويائِيَّةً -؛ ولِما يَلْزَمُهُ مِنَ الاسْتِدارَةِ غالِبًا؛ و”قَوَحَ الجُرْحُ“: انْتَبَرَ؛ إمّا مِنَ المَوْضِعِ الغَلِيظِ المُرْتَفِعِ عَنِ السَّيْلِ؛ وإمّا مِنَ اسْتِدارَتِهِ؛ و”قاحَ البَيْتَ“: كَنَسَهُ؛ كَـ ”قَوَحَهُ“؛ و”القاحَةُ“: السّاحَةُ؛ لِاسْتِدارَتِها غالِبًا؛ و”أقاحَ“: صَمَّمَ عَلى المَنعِ بَعْدَ السُّؤالِ؛ إمّا مِنَ الإزالَةِ؛ أيْ: أزالَ اللِّينَ؛ وإمّا مِنَ الصَّلابَةِ.
ومِنَ الصَّلابَةِ: ”الوَقاحُ“؛ لِلْحافِرِ الصُّلْبِ؛ وهو مِنَ الِاسْتِدارَةِ أيْضًا؛ و”رَجُلٌ وقاحُ الوَجْهِ“: قَلِيلُ الحَياءِ؛ مِنهُ؛ و”المُوَقَّحُ“؛ كَـ ”مُعَظَّمٌ“: المُجَرِّبُ؛ و”تَوْقِيحُ الحَوْضِ“: إصْلاحُهُ بِالمُدِرِّ والصَّفائِحِ؛ لِلِاسْتِدارَةِ؛ والصَّلابَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences