Al-Biqa'iAl‑Isra · 17:101–109

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:101–109

17:101Page 292

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا ١٠١

And We had certainly given Moses nine evident signs, so ask the Children of Israel [about] when he came to them and Pharaoh said to him, "Indeed I think, O Moses, that you are affected by magic."

ولَمّا قَدَّمَ - سُبْحانَهُ - أنَّ أكْثَرَ النّاسِ جَحَدَ الآياتِ؛ لِكَوْنِهِ حَكَمَ بِضَلالِهِ؛ ومَن حَكَمَ بِضَلالِهِ لا يُمْكِنُ هُداهُ؛ وخَتَمَ بِأنَّ مَن جُبِلَ عَلى شَيْءٍ لَمْ يَنْفَكَّ عَنْهُ؛ شَرَعَ يُسَلِّي نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما اتَّفَقَ لِمَن قَبْلَهُ مِن إخْوانِهِ الأنْبِياءِ؛ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ يَجُودُ بِالآياتِ عَلى حَسَبِ المُقْتَضَياتِ؛ وعَلى أنَّ خَوارِقَ العاداتِ لا تَنْفَعُ في إيمانِ مَن حَكَمَ عَلَيْهِ بِالضَّلالِ؛ وتُوجِبُ - كَما في سُنَّةِ اللَّهِ - إهْلاكَ مَن عَصى بَعْدَ ذَلِكَ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ﴾ [الإسراء: ٨٩] -: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿مُوسى﴾؛ ابْنَ عِمْرانَ؛ المُتَّقِيَ؛ المُحْسِنَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لَمّا أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ؛ ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾؛ وهي - كَما في التَّوْراةِ -: العَصا؛ ثُمَّ الدَّمُ؛ ثُمَّ الضَّفادِعُ؛ ثُمَّ القُمَّلُ؛ ثُمَّ مَوْتُ البَهائِمِ؛ ثُمَّ البَرَدُ (p-٥٢٣)الكِبارُ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ مَعَ النّارِ المُضْطَرِمَةِ؛ فَكانَتْ تُهْلِكُ كُلُّ ما مَرَّتْ عَلَيْهِ؛ مِن نَباتٍ؛ وحَيَوانٍ؛ ثُمَّ الجَرادُ؛ ثُمَّ الظُّلْمَةُ؛ ثُمَّ مَوْتُ الأبْكارِ مِنَ الآدَمِيِّينَ؛ وجَمِيعِ الحَيَوانِ - كَما مَضى ذَلِكَ في هَذا الكِتابِ عَنِ التَّوْراةِ؛ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“؛ وكَأنَّهُ عَدَّ اليَدَ مَعَ العَصا آيَةً؛ ولَمْ يُفْرِدِ اليَدَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ؛ وقَدْ نَظَمْتُها لِيَهُونَ حِفْظُها؛ فَقُلْتُ:

؎عَصًا قُمَّلٌ مَوْتُ البَهائِمِ ظُلْمَةٌ ∗∗∗ جَرادٌ دَمٌ ثُمَّ الضَّفادِعُ والبَرَدْ

؎ومَوْتُ بِكُورِ الآدَمِيِّ وغَيْرِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ الحَيِّ آتاها الَّذِي عَزَّ وانْفَرَدْ

وهِيَ مُلَخَّصَةٌ في الزَّبُورِ؛ فَإنَّهُ قالَ - في المَزْمُورِ السّابِعِ والسَّبْعِينَ -: (صَنَعَ آياتِهِ وعَجائِبَهُ في مَصارِعِ صاعانَ؛ وجَعَلَ أنْهارَهم دَمًا؛ وصَهارِيجَهُمْ؛ لِكَيْلا يَشْرَبُوا الماءَ؛ أرْسَلَ عَلَيْهِمُ الهَوامَّ؛ وذُبابَ الكِلابِ؛ فَآكَلَهُمُ الضَّفادِعَ؛ وأفْسَدَهُمْ؛ أطْعَمَ القُمَّلَ ثِمارَهُمْ؛ والجَرادَ كَدَّهُمْ؛ كَسَرَ بِالبَرَدِ كُرُومَهُمْ؛ وبِالجَلِيدِ تِبْنَهُمْ؛ أسْلَمَ لِلْبَرَدِ مَواشِيَهُمْ؛ ولِلْحَرِيقِ أمْوالَهُمْ؛ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ شِدَّةَ حَنَقِهِ؛ سُخْطًا؛ وغَضَبًا؛ أرْسَلَ مَلائِكَةَ الشَّرِّ؛ فَتَحَ طُرُقَ سُخْطِهِ؛ ولَمْ يُخَلِّصْ مِنَ المَوْتِ أنْفُسَهُمْ؛ (p-٥٢٤)أسْلَمَ لِلْمَوْتِ دَوابَّهُمْ؛ قَتَلَ جَمِيعَ أبْكارِ مِصْرَ؛ وأوَّلَ أوْلادِهِمْ؛ في مَساكِنِ حامٍ)؛ وقالَ - في المَزْمُورِ الرّابِعِ بَعْدَ المِائَةِ؛ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ صَنائِعَ اللَّهِ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وآبائِهِمْ -: (بَعَثَ جُوعًا عَلى الأرْضِ؛ حَطَّمَ زَرْعَ أرْضِهِمْ؛ أرْسَلَ أمامَهم رَجُلًا؛ بِيعَ يُوسُفُ لِلْعُبُودِيَّةِ؛ وأوْثَقُوا بِالقُيُودِ رِجْلَيْهِ؛ صارَتْ نَفْسُهُ في الحَدِيدِ؛ حَتّى جاءَتْ كَلِمَتُهُ؛ وقَوْلُ الرَّبِّ ابْتَلاهُ؛ أرْسَلَ المَلِكَ فَأطْلَقَهُ؛ وجَعَلَهُ رَئِيسًا عَلى شَعْبِهِ؛ وأقامَهُ رَبًّا عَلى بَنِيهِ؛ وسُلْطانَهُ عَلى كُلِّ ما لَهُ؛ لِيُؤَدِّبَ أراجِينَهُ كَنَفْسِهِ؛ ويُفَقِّهَ مَشايِخَهُ؛ دَخَلَ إسْرائِيلُ مِصْرَ؛ وتَغَرَّبَ يَعْقُوبُ في أرْضِ حامٍ؛ وكَثُرَ شَعْبُهُ جِدًّا؛ وعَلا عَلى أعْدائِهِ؛ وصَرَفَ قَلْبَهُ لِيُبْغِضَ شَعْبَهُ؛ ويَغْدِرَ بِعَبِيدِهِ؛ أرْسَلَ مُوسى عَبْدَهُ؛ وهارُونَ صَفِيَّهُ؛ فَصَنَعا فِيهِمْ آياتِهِ وعَجائِبَهُ في أرْضِ حامٍ؛ بَعَثَ ظُلْمَةً؛ فَصارَ لَيْلًا؛ وأسْخَطُوا كَلامَهُ؛ فَحَوَّلَ مِياهَهم دَمًا؛ وأماتَ حِيتانَهُمْ؛ وانْبَعَثَتْ أرْضُهم ضَفادِعَ في قَياطِينِ مُلُوكِهِمْ؛ أمَرَ الهَوامَّ فَجاءَ؛ وذُبابَ الكَلْبِ؛ والقُمَّلَ في جَمِيعِ تُخُومِهِمْ؛ جَعَلَ أمَطارَهم بَرَدًا؛ واشْتَعَلَتِ النّارُ في أرْضِهِمْ؛ ضَرَبَ كُرُومَهُمْ؛ وتِبْنَهُمْ؛ وكَسَرَ شَجَرَ تُخُومِهِمْ؛ أذِنَ لِلْجَرادِ فَجاءَ؛ وذُبابٍ لا يُحْصى فَأكَلَ جَمِيعَ عُشْبِ الأرْضِ؛ وثِمارِها؛ وقَتَلَ كُلَّ أبْكارِ مِصْرَ؛ وأوَّلَ ولَدٍ وُلِدَ لَهُمْ)؛ غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ العَصا؛ وكَأنَّ ذَلِكَ لِشُهْرَتِها (p-٥٢٥)جِدًّا عِنْدَهُمْ؛ ولِأنَّ جَمِيعَ الآياتِ كانَتْ بِها؛ فَهي في الحَقِيقَةِ الآيَةُ الجامِعَةُ لِلْكُلِّ؛ وإنَّما قُلْتُ: إنَّ الآياتِ هَذِهِ؛ لِأنَّ السِّياقَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ رَآها كُلَّها؛ وعانَدَ بَعْدَ رُؤْيَتِها؛ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ أعْطى كُفّارَ قُرَيْشٍ ما اقْتَرَحُوهُ؛ مِن تَفْجِيرِ اليَنْبُوعِ؛ وما مَعَهُ؛ لَمْ يَكُفَّهم عَنِ العِنادِ؛ فالإتْيانُ بِهِ عَبَثٌ لا مَصْلَحَةَ فِيهِ.

ولَمّا كانَ اليَهُودُ الَّذِينَ أمَرُوا قُرَيْشًا بِسُؤالِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الرُّوحِ؛ الَّتِي مَضى الجَوابُ عَنْها - كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ -؛ وعَنْ أهْلِ الكَهْفِ؛ وذِي القَرْنَيْنِ؛ الآتِي شَرْحُ قِصَّتَيْهِما في ”الكَهْفِ“؛ نَبَّهَهم عَلى سُؤالِهِمْ - إنْ كانُوا يَقْبَلُونَ كَلامَهم - عَنْ أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في كَوْنِهِ كَهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ في أنَّهُ بَشَرٌ؛ مَعَ كَوْنِهِ رَسُولًا؛ وفي كَوْنِهِ أتى بِالخَوارِقِ؛ فَكَذَّبَ بِها المُعانِدُونَ؛ فاسْتُؤْصِلَ المُكَذِّبُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فاسْألْ﴾؛ أيْ: يا أعْظَمَ خَلْقِنا؛ ﴿بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ الَّذِينَ نَبَّهُوا قُرَيْشًا عَلى أمْرِ الرُّوحِ؛ عَنْ حَدِيثِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أوِ المُؤْمِنِينَ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ؛ وأصْحابِهِ؛ ﴿إذْ﴾؛ أيْ: عَنْ ذَلِكَ؛ حِينَ ﴿جاءَهُمْ﴾؛ أيْ: جاءَ آباءَهُمْ؛ فَوَقَعَ لَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ بَعْدَ إظْهارِ المُعْجِزاتِ الباهِراتِ ما وقَعَ لَكَ؛ ولَمْ يُكَذَّبْ لِخَلَلٍ مِن أمْرِهِ؛ ولا لِقُوَّةٍ مِن عَدُوِّهِ؛ عَلى مُدافَعَةِ (p-٥٢٦)العَذابِ؛ وإنَّما كانَ جَهْلًا وعِنادًا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَسْلاةً لَكَ؛ وعِلْمًا عَلى خُبْثِ طِباعِهِمْ؛ وحُجَّةً قاطِعَةً عَلَيْهِمْ؛ ﴿فَقالَ﴾؛ أيْ: فَذَهَبَ إلى فِرْعَوْنَ؛ فَأمَرَهُ بِإرْسالِهِمْ مَعَهُ؛ فَأبى؛ فَأظْهَرَ لَهُ الآياتِ؛ واحِدَةً بَعْدَ أُخْرى؛ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ضِدُّ ما يَقْتَضِيهِ الحالُ؛ وهو أنْ قالَ ﴿لَهُ فِرْعَوْنُ﴾؛ عُتُوًّا؛ واسْتِكْبارًا؛ ﴿إنِّي لأظُنُّكَ﴾؛ أكَّدَ قَوْلَهُ لِما أظْهَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا يُوجِبُ الإذْعانَ لَهُ؛ والإيمانَ؛ والإنْكارَ لِأنْ يُكَذِّبَهُ أحَدٌ؛ ﴿يا مُوسى مَسْحُورًا﴾؛ أيْ: فَكُلُّ ما يَنْشَأُ عَنْكَ فَهو مِن آثارِ السِّحْرِ الَّذِي بِكَ؛ خَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ وأنْتَ في الحَقِيقَةِ مَسْحُورٌ؛ ولِوُجُودِ السِّحْرِ عَنْكَ ساحِرٌ؛ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كَما يُقالُ: ”مَيْمُونٌ“؛ بِمَعْنى ”يامِنٌ“؛ وكَأنَّهُ مَوَّهَ عَلى جُنُودِهِ؛ لَمّا أراهم آيَةَ اليَدِ؛ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ؛ وهَذا كَما قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] وقالُوا - في مَوْضِعٍ آخَرَ -: ساحِرٌ؛ فَإنَّهم رُبَّما أطْلَقُوا اسْمَ المَفْعُولِ مُرِيدِينَ اسْمَ الفاعِلِ؛ مُبالَغَةً في أنَّهُ كالمُجْبَرِ عَلى الفِعْلِ؛ وفي الأمْرِ بِسُؤالِ اليَهُودِ تَنْبِيهٌ عَلى ضَلالِهِمْ؛ قالَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ المَلَوِيُّ: ولَعَلَّ مِنهُ اقْتِباسُ الأئِمَّةِ؛ في المُناظَرَةِ؛ مُطالَبَةُ اليَهُودِ والنَّصارى؛ ونَحْوِهِمْ؛ بِإثْباتِ نُبُوَّةِ أنْبِيائِهِمْ؛ فَكُلُّ طَرِيقٍ يَسْلُكُونَ يُسْلَكُ مِثْلُهُ في تَقْرِيرِ (p-٥٢٧)نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ وكُلُّ اعْتِراضٍ يُورِدُونَهُ يُورِدُ عَلَيْهِمْ مِثْلَهُ؛ وما كانَ جَوابًا لَهم فَهو جَوابٌ لَنا؛ ومَن تَفَطَّنَ لِلْآيَةِ الكَرِيمَةِ رَأى مِنها العَجَبَ في ذَلِكَ؛ انْتَهى؛ ولَمْ يُؤْمِن فِرْعَوْنُ؛ عَلى تَواتُرِ تِلْكَ الآياتِ؛ وعِظَمِها؛

17:102Page 292

قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا ١٠٢

[Moses] said, "You have already known that none has sent down these [signs] except the Lord of the heavens and the earth as evidence, and indeed I think,1 O Pharaoh, that you are destroyed."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾؛ لِفِرْعَوْنَ؛ ”لَقَدْ عَلِمْتُ“؛ أيْ: أنا؛ بِضَمِّ التّاءِ؛ عَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ؛ لِيُفِيدَ أنَّ عِنْدَهُ العِلْمَ القَطْعِيَّ بِأنَّ ما أتى بِهِ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّهِ؛ فَهو أعْقَلُ أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ؛ ولَيْسَ عَلى ما ادَّعاهُ فِرْعَوْنُ؛ أوْ بِفَتْحِ التّاءِ؛ عَلى قِراءَةِ الباقِينَ؛ أيْ: إنَّكَ يا فِرْعَوْنُ صِرْتَ بِما أظْهَرْتُهُ أنا مِنَ الأدِلَّةِ في عِدادِ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ ﴿ما أنْـزَلَ﴾؛ عَلى يَدَيَّ؛ ﴿هَؤُلاءِ﴾؛ الآياتِ؛ ﴿إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: خالِقُهُما؛ ومُدَبِّرُهُما؛ حالَ كَوْنِ هَذِهِ الآياتِ ﴿بَصائِرَ﴾؛ أيْ: بَيِّناتٍ؛ ثابِتًا أمْرُها؛ عَلِيًّا قَدْرُها؛ يُبْصَرُ بِها صِدْقِي؛ وأمّا السِّحْرُ فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّهُ خَيالٌ؛ لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ ﴿وإنِّي﴾؛ أيْ: وإنْ ظَنَنْتَنِي يا فِرْعَوْنُ مَسْحُورًا؛ ﴿لأظُنُّكَ﴾؛ أكَّدَ لِما كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ مَن يُنْكِرُ قَوْلَهُ؛ ويُظْهِرُ القَطْعَ بِسَعادَةِ فِرْعَوْنَ؛ ﴿يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾؛ أيْ: مَلْعُونًا؛ مَطْرُودًا؛ مَغْلُوبًا؛ مُهْلَكًا؛ مَمْنُوعًا مِنَ الخَيْرِ؛ فاسِدَ العَقْلِ؛ وظَنِّي قَرِيبٌ إلى الصِّحَّةِ؛ بِخِلافِ ظَنِّكَ؛ لِعِنادِكَ لِرَبِّ العالَمِينَ؛ لِوُضُوحِ مُكابَرَتِكَ لِلْبَصائِرِ الَّتِي كُشِفَ عَنْها؛ وبِها؛ الغِطاءُ؛ فَهي أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ؛ وذَلِكَ لِإخْلادِكَ إلى الحالِ (p-٥٢٨)الَّتِي أنْتَ بِها؛ وكَسَلِكَ عَنْ الِانْتِقالِ عَنْها إلى ما هو أشْرَفُ مِنها؛ وقَدْ بَيَّنْتُ مَدارَ ”ثَبَرَ“؛ في ”لا تَثْرِيبَ“؛ في سُورَةِ ”يُوسُفَ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَإذا راجَعْتَها اتَّضَحَ لَكَ ما أشَرْتُ إلَيْهِ؛

17:103Page 292

فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا ١٠٣

So he intended to drive them from the land, but We drowned him and those with him all together.

﴿فَأرادَ﴾؛ أيْ: فَما تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الَّذِي هو مُوجِبُ الإيمانِ في العادَةِ؛ إلّا أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ ﴿أنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾؛ أيْ: يَسْتَخِفَّ مُوسى ومَن آمَنَ مَعَهُ؛ ويُخْرِجَهُمْ؛ فَيَكُونُوا كالماءِ إذا سالَ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”فَزَّ الجُرْحُ“؛ سالَ؛ ﴿مِنَ الأرْضِ﴾؛ بِالنَّفْيِ؛ والقَتْلِ؛ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ اسْتِعْبادِ الباقِينَ؛ كَما أرادَ هَؤُلاءِ أنْ يَسْتَفِزُّوكَ مِنَ الأرْضِ؛ لِيُخْرِجُوكَ مِنها؛ لِلتَّمَكُّنِ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ؛ والعِنادِ؛ ثُمَّ أخَذَ يُحَذِّرُهم سَطْواتِهِ؛ بِما فَعَلَ بِمَن كانُوا أكْثَرَ مِنهُمْ؛ وأشَدَّ؛ فَقالَ: ﴿فَأغْرَقْناهُ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ رَدَدْنا - بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ - كَيْدَهُ في نَحْرِهِ؛ فَلَمْ نُقْدِرْهُ عَلى مُرادِهِ؛ واسْتَفْزَزْناهُ نَحْنُ؛ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى الِامْتِناعِ؛ بَلْ خَفَّ غَيْرَ عالِمٍ بِما نُرِيدُ بِهِ؛ حَتّى أدْخَلْناهُ في البَحْرِ؛ حَيْثُ أدْخَلْنا بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَأنْجَيْناهُمْ؛ وأغْرَقْناهُ؛ ﴿ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾؛ كَما جَرَتْ بِهِ سُنَّتُنا فِيمَن عانَدَ بَعْدَ أنْ (p-٥٢٩)رَأى الخَوارِقَ؛ وكَفَرَ النِّعْمَةَ؛ وأفْرَطَ في البَغْيِ؛ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ؛ فَلْيَحْذَرْ هَؤُلاءِ مِثْلَ ذَلِكَ؛ ولا سِيَّما إذا أخْرَجْنا رَسُولَنا مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ؛ فَفي هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها بِشارَةٌ لَهُ بِإسْلاكِنا لَهُ في النُّصْرَةِ؛ والتَّمَكُّنِ؛ سَبِيلَ إخْوانِهِ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛

17:104Page 292

وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا ١٠٤

And We said after him [i.e., Pharaoh] to the Children of Israel, "Dwell in the land, and when there comes the promise [i.e., appointment] of the Hereafter, We will bring you forth in [one] gathering."

﴿وقُلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يَتَعاظَمُها شَيْءٌ؛.

ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِزَمانِ البَعْدِ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: الإغْراقِ؛ ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ الَّذِينَ كانُوا تَحْتَ يَدِهِ أذَلَّ مِنَ العَبِيدِ؛ لِتَقْواهُمْ؛ وإحْسانِهِمْ؛ ﴿اسْكُنُوا الأرْضَ﴾؛ أيْ: مُطْلَقَ الأرْضِ؛ إشارَةً إلى أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُرِيدُ مَحْوَهم عَنِ الأرْضِ؛ أوْ إلى أنَّ سُكْناهم مَعَ وُجُودِهِ كانَتْ عَدَمًا؛ لِما بِهِمْ مِنَ الذُّلِّ؛ والأرْضَ الَّتِي أرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنها؛ وهي أرْضُ مِصْرَ؛ أيْ: صِيرُوا بِحَيْثُ تَسْكُنُونَها؛ لا يَدَ لِأحَدٍ عَلَيْكُمْ؛ ولا مانِعَ لَكم مِمّا تُرِيدُونَ مِنها؛ كَما كانَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ؛ إذا شِئْتُمْ؛ مُمَلَّكِينَ فِيها بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ عَبِيدًا تُسامُونَ سُوءَ العَذابِ؛ ﴿فَإذا جاءَ﴾؛ أيْ: مَجِيئًا مُحَقَّقًا؛ ﴿وعْدُ الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: القِيامَةِ؛ بَعْدَ أنْ سَكَنْتُمُ الأرْضَ أحْياءً؛ ودُفِنْتُمْ فِيها أمْواتًا؛ ﴿جِئْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿بِكُمْ﴾؛ مِنها؛ ﴿لَفِيفًا﴾؛ أيْ: بَعَثْناكم وإيّاهم مُخْتَلِطِينَ؛ لا حُكْمَ لِأحَدٍ عَلى آخَرَ؛ ولا دَفْعَ لِأحَدٍ عَنْ آخَرَ؛ عَلى غَيْرِ الحالَةِ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا؛ ثُمَّ مَيَّزْنا (p-٥٣٠)بَعْضَكم عَنْ بَعْضٍ؛ ونَعَّمْنا الطَّيِّبَ مِنكم بِإهانَةِ الخَبِيثِ.

إنْ يَسْألْ بَنُو إسْرائِيلَ - الَّذِينَ يَقْبَلُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ الجَهَلَةُ كَلامَهُمْ؛ ويَسْتَنْصِحُونَهم في أُمُورِهِمْ - عَنْ هَذا الَّذِي تَلَوْناهُ عَلَيْكَ يُخْبِرُوا بِهِ؛ كَما أخْبَرْناكَ؛ فَيَثْبُتَ حِينَئِذٍ عِنْدَهم أمْرُ الآخِرَةِ؛ وإلّا كانَ قَبُولُهم لِبَعْضِ كَلامِهِمْ؛ دُونَ بَعْضٍ؛ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ تَحَكُّمًا؛ وتَرْجِيحًا مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ.

17:105Page 293

وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ١٠٥

And with the truth We have sent it [i.e., the Qur’ān] down, and with the truth it has descended. And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.

ولَمّا ثَبَتَ أمْرُ الحَشْرِ؛ بِإثْباتِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ مُمْكِنٍ تارَةً؛ وبِإخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ الَّذِينَ ألْزَمُوا أنْفُسَهم قَبُولَ كَلامِهِمْ؛ وقَطْعَ المَفاوِزِ إلَيْهِمْ لِسُؤالِهِمْ عَنْ بَعْضِ الأُمُورِ أُخْرى؛ ثَبَتَ أنَّ هَذا القُرْآنَ المُخْبِرَ بِذَلِكَ حَقٌّ؛ وكانُوا قَدْ سَألُوهُ عَنِ المَسائِلِ المَذْكُورَةِ؛ فَأجابَهم عَنْ أوَّلِها؛ وهي الرُّوحُ؛ بِأمْرٍ مُجْمَلٍ؛ وعَقَّبَهُ بِأنَّهم سَألُوهُ في أشْياءَ اقْتَرَحُوها؛ وقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْعَلَها؛ وأشارَ (تَعالى) بِالإخْبارِ عَنْ آياتِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ إجابَتَهم بُخْلًا؛ ولا عَجْزًا؛ فَإنَّها مِن جِنْسِ ما سَألُوا مِنَ التَّصَرُّفِ في المِياهِ؛ تارَةً بِإنْزالِها؛ وتارَةً بِتَبْدِيلِها دَمًا؛ المُوجِبِ لِلْقُدْرَةِ عَلى إنْباتِ الأشْجارِ بِها؛ ومِن إسْقاطِ السَّماءِ كِسَفًا؛ بِإسْقاطِ البَرَدِ المُهْلِكِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ صِحَّةُ الإخْبارِ بِتَصْرِيفِ الأمْثالِ في هَذا الكِتابِ؛ (p-٥٣١)فَعَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ”ولَقَدْ صَرَّفْنا“؛ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وبِالحَقِّ﴾؛ أيْ: مِنَ المَعانِي الثّابِتَةِ الَّتِي لا مِرْيَةَ فِيها؛ لا بِغَيْرِهِ؛ ﴿أنْـزَلْناهُ﴾؛ نَحْنُ؛ القُرْآنَ؛ أوْ هَذا الَّذِي أخْبَرَ مِنهُ؛ بِالحَشْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ مُلْتَفِّينَ بِالقِبْطِ؛ وبِما قَبْلَهُ؛ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿وبِالحَقِّ﴾؛ لا بِغَيْرِهِ؛ ﴿نَـزَلَ﴾؛ هُوَ؛ ووَصَلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِكَ؛ بَعْدَ إنْزالِهِ عَلَيْكَ؛ كَما أنْزَلْنا؛ سَواءً؛ غَضًّا طَرِيًّا مَحْفُوظًا؛ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ طارِئٌ؛ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن تَحْرِيفٍ؛ ولا تَبْدِيلٍ؛ كَما وقَعَ في كِتابِ اليَهُودِ؛ الَّذِينَ يَسْألُهم قَوْمُكَ؛ فَأفادَ هَذا أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ بِكَوْنِهِ - مَعَ إعْجازِهِ - بِالبَلاغَةِ في تَصْرِيفِ الأمْثالِ؛ وغَيْرِها مِن نُظُمِ المَقالِ؛ ﴿وما أرْسَلْناكَ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾؛ عَلى غايَةِ التَّمَكُّنِ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ - بِما أشارَ إلَيْهِ الواوُ؛ والصِّيغَةُ -؛ تُبَلِّغُهم ما فِيهِ مِن بِشارَةٍ لِمَن آمَنَ بِذَلِكَ اليَوْمِ؛ ونِذارَةٍ لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ؛ فَإنْ قَبِلُوا فَهو حَظُّهُمْ؛ وإنْ لَمْ يَقْبَلُوا كانَ عَلَيْهِمْ وِزْرُهُمْ؛ ولَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ لَوْمٌ؛ فَإنّا ما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا؛ وسَنُزْهِقُ باطِلَهم بِهَذا الحَقِّ؛ لا مَحالَةَ؛ فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ؛ ”إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا“؛ ولَمْ نُرْسِلْكَ لِتَفْجِيرِ الأنْهارِ؛ ولا إنْباتِ الأشْجارِ؛

17:106Page 293

وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا ١٠٦

And [it is] a Qur’ān which We have separated [by intervals] that you might recite it to the people over a prolonged period. And We have sent it down progressively.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ الحِكْمَةَ في إنْزالِ القُرْآنِ مُنَجَّمًا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وقُرْآنًا﴾؛ أيْ: وفَصَّلْنا؛ أوْ وأنْزَلْنا؛ قُرْآنًا؛ ﴿فَرَقْناهُ﴾؛ أيْ: أنْزَلْناهُ مُنَجَّمًا في أوْقاتٍ (p-٥٣٢)مُتَطاوِلَةٍ؛ ومَيَّزْناهُ بِالحَقِيقَةِ عَنْ كُلِّ باطِلٍ؛ وبِالإعْجازِ عَنْ كُلِّ كَلامٍ؛ ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ﴾؛ أيْ: عامَّةً كُلِّ مَن أمْكَنَكَ مِنهُمْ؛ فَإنَّكَ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ كُلِّهِمْ.

ولَمّا كانُوا - لِما لَهم مِنَ النَّوْسِ - في غايَةِ الزَّلْزَلَةِ؛ لا يَتَهَذَّبُونَ إلّا في أزْمانٍ طَوِيلَةٍ؛ وعِلاجٍ كَبِيرٍ؛ قالَ - مُشِيرًا إلى ذَلِكَ -: ﴿عَلى مُكْثٍ﴾؛ أيْ: تُؤَدَةٍ؛ وتَرَسُّلٍ؛ بِأنْ تَقْرَأ مِنهُ كُلَّ نَجْمٍ في وقْتِهِ الَّذِي أنْزَلْناهُ فِيهِ؛ مُدَّةَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ ﴿ونَـزَّلْناهُ﴾؛ مِن عِنْدِنا؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿تَنْـزِيلا﴾؛ بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ؛ مُفَرَّقًا بِحَسَبِ الوَقائِعِ؛ لِأنَّهُ أتْقَنُ في فَصْلِها؛ وأعْوَنُ عَلى الفَهْمِ؛ لِطُولِ التَّأمُّلِ لِما نَزَلَ مِن نُجُومِهِ في مُدَّةِ ما بَيْنَ النَّجْمَيْنِ؛ لِغَزارَةِ ما فِيهِ مِنَ المَعانِي؛ وكَثْرَةِ ما تَضْمَنُهُ مِنَ الحِكَمِ؛ وذَلِكَ أيْضًا أقْرَبُ لِلْحِفْظِ؛ وأعْظَمُ تَثْبِيتًا لِلْفُؤادِ؛ وأشْرَحُ لِلصَّدْرِ؛ لِأنَّ أخْبارَ الحَبِيبِ إذا كانَتْ مُتَواصِلَةً كانَ المُحِبُّ كُلَّ يَوْمٍ في عِيدٍ؛ بِهَناءٍ جَدِيدٍ؛ فَعَلْنا بِكَ ذَلِكَ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا؛ والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ؛

17:107Page 293

قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ ١٠٧

Say, "Believe in it or do not believe." Indeed, those who were given knowledge before it1 - when it is recited to them, they fall upon their faces in prostration,

فَلَمّا طالَتِ الدَّلائِلُ؛ وزالَتِ الشُّبَهُ؛ وعُلِمَ أنَّ الحَظَّ لِمَن أقْبَلَ؛ والخَيْبَةَ لِمَن أدْبَرَ؛ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ - مُنَبِّهًا لَهم عَلى ذَلِكَ؛ (p-٥٣٣)مُبَكِّتًا لَهم بِتَقاعُسِهِمْ عَنْهُ؛ وعِنادِهِمْ فِيهِ -؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ﴾؛ أيْ: القُرْآنِ؛ ﴿أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾؛ فالإيمانُ بِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْكُمْ؛ ولا مَوْقُوفٍ عَلَيْكُمْ؛ لِأنَّكم إنْ آمَنتُمْ بِهِ كانَ الحَظُّ لَكُمْ؛ وإلّا لَمْ تَضُرُّوا إلّا أنْفُسَكُمْ؛ وهو احْتِقارٌ لَهُمْ؛ حَيْثُ صَرَّفَ لَهم مِن كُلِّ مَثَلٍ؛ فَأبَوْا إلّا كُفُورًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما يُقْبِلُ بِكُلِّ ذِي لُبٍّ إلَيْهِ؛ فَإنْ كانَ لِـ ”قُلْ“؛ فَهو تَسْلِيَةٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ وإنْ كانَ لِما بَعْدَها فَهو تَبْكِيتٌ لَهُمْ؛ وتَحْقِيرٌ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾؛ وبَنى لِلْمَفْعُولِ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ العِلْمَ الرَّبّانِيَّ - وهو العِلْمُ في الحَقِيقَةِ؛ مِن أيِّ مُؤْتٍ كانَ - حاثٌّ عَلى الإيمانِ بِهَذا القُرْآنِ؛ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن كانَ يَعْلَمُ؛ ولا يَحْمِلُهُ عِلْمُهُ عَلى الإيمانِ بِهَذا الكِتابِ الَّذِي لا شَيْءَ أبْيَنُ مِن حَقِيقَتِهِ؛ بِمُصادَقَتِهِ لِكُتُبِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ ثَبَتَتْ رِسالاتُهُمْ؛ ومَضَتْ عَلَيْها الدُّهُورُ؛ واطْمَأنَّتْ بِها النُّفُوسُ؛ وزِيادَتِهِ عَلَيْها بِما أوْدَعَهُ اللَّهُ مِنَ الإعْجازِ والحِكَمِ؛ فَعِلْمُهُ كَـ ”لا عِلْمَ“؛ بَلْ هو أجْهَلُ الجَهَلَةِ؛ سَواءٌ كانَ مِمَّنْ سَألْتُمُوهُ عَنِّي؛ أوْ مِن غَيْرِهِمْ - كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) تَحْقِيقَهُ في ”الزُّمَرِ“.

ولَمّا كانَ المُرادُ أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذا الوَصْفِ؛ ولَوْ زَمَنًا يَسِيرًا نَفَعَهُ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ - مُرَغِّبًا في العِلْمِ لِيَحْمِلَ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ -: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾؛ أيْ: قَبْلَ إنْزالِهِ مِمَّنْ آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ (p-٥٣٤)الَّذِينَ أمَرَنِي اللَّهُ بِسُؤالِهِمْ؛ تَسْمِيعًا لَكُمْ؛ وتَثْبِيتًا لِكَوْنِكم أقْبَلْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالسُّؤالِ؛ وجَعَلْتُمُوهم مَحَطَّ الوُثُوقِ؛ ﴿إذا يُتْلى﴾؛ أيْ: مِن أيِّ تالٍ كانَ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ يَنْقُلُهم مِن حالٍ إلى حالٍ؛ فَيُرَقِّيهِمْ في مَدارِجِ القُرْبِ؛ ومَعارِجِ الكَمالِ؛ إلى أعْلى الرُّتَبِ؛ بِأنَّهم ﴿يَخِرُّونَ﴾؛ أيْ: يَسْقُطُونَ بِسُرْعَةٍ؛ وأكَّدَ السُّرْعَةَ؛ وأفادَ الِاخْتِصاصَ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِلأذْقانِ﴾؛ بِاللّامِ؛ دُونَ ”إلى“؛ أوْ ”عَلى“؛ دالًّا بِالأذْقانِ عَلى أنَّهم مِن شِدَّةِ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ الخُشُوعِ يَسْقُطُونَ سُقُوطَ مَن لَيْسَ لَهُ اخْتِيارٌ؛ وأوَّلُ ما يُلاقِي الأرْضَ مِمَّنْ يَسْقُطُ كَذَلِكَ ذَقَنُهُ؛ وهو مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ؛ مِن مَنبَتِ لِحْيَتِهِ؛ فَإنَّ الإنْسانَ مَجْبُولٌ بِالطَّبْعِ عَلى صِيانَةِ وجْهِهِ؛ فَهو يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَتَصِيرُ ذَقَنُهُ وفَمُهُ أقْرَبَ ما في وجْهِهِ إلى الأرْضِ حالَ السُّقُوطِ؛ ولِهَذا قالَ شاعِرُهُمْ:

؎................... ∗∗∗ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ.

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ سُقُوطًا اضْطِرارِيًّا مِن كُلِّ جِهَةٍ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿سُجَّدًا﴾؛ أيْ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِما يَعْلَمُونَ مِن حَقِّيَتِهِ؛ بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ السّالِفِ؛ وما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الإذْعانِ؛ والخَشْيَةِ لِلرَّحْمَنِ؛

17:108Page 293

وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا ١٠٨

And they say, "Exalted is our Lord! Indeed, the promise of our Lord has been fulfilled."

﴿ويَقُولُونَ﴾؛ أيْ: عَلى وجْهِ التَّجْدِيدِ المُسْتَمِرِّ؛ ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾؛ أيْ: تَنَزَّهَ (p-٥٣٥)المُوجِدُ لَنا؛ المُدَبِّرُ لِأُمُورِنا؛ المُحْسِنُ إلَيْنا؛ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ؛ لِأنَّهُ وعَدَ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِنا أنْ يَبْعَثَنا بَعْدَ المَوْتِ؛ ووَعْدُهُ الحَقُّ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ؛ ووَعَدَ أنْ يَأْتِيَ بِهَذا الكِتابِ عَلى لِسانِ هَذا النَّبِيِّ العَرَبِيِّ؛ وأوْصَلَ هَذا الوَعْدَ إلَيْنا في الكُتُبِ السّالِفَةِ؛ فَأنْجَزَ ما سَبَقَ بِهِ وعْدُهُ؛ ﴿إنْ﴾؛ أيْ: إنَّهُ ﴿كانَ﴾؛ أيْ: كَوْنًا لا يَنْفَكُّ؛ ﴿وعْدُ رَبِّنا﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْنا بِالإيمانِ؛ وما تَبِعَهُ مِن وُجُوهِ العِرْفانِ؛ ﴿لَمَفْعُولا﴾؛ دُونَ خُلْفٍ؛ ولا بُدَّ أنْ يَأْتِيَ جَمِيعُ ما وعَدَ بِهِ مِنَ الثَّوابِ؛ والعِقابِ؛ وهو تَعْرِيضٌ بِقُرَيْشٍ؛ حَيْثُ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِمْ: ”أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا“؛ ونَحْوِهِ؛ مِمّا مَعْناهُ الطَّعْنُ في قُدْرَةِ اللَّهِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛

17:109Page 293

وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا۩ ١٠٩

And they fall upon their faces weeping, and it [i.e., the Qur’ān] increases them in humble submission.

﴿ويَخِرُّونَ﴾؛ عِنْدَ تَكْرارِ سَماعِهِ؛ ﴿لِلأذْقانِ﴾؛ مَعَ سُجُودِهِمْ؛ ﴿يَبْكُونَ ويَزِيدُهُمْ﴾؛ تَكْرارُهُ ﴿خُشُوعًا﴾؛ أيْ: خُضُوعًا؛ وتَواضُعًا؛ وإخْباتًا؛ فَإنْ كانَ سُؤالُكم إيّاهم لِتُؤْمِنُوا إذا أخْبَرُوكم أنِّي عَلى الحَقِّ؛ فَآمِنُوا؛ وإنْ كانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ تَبَيَّنَ سَفَهُكُمْ؛ وضَعْفُ أمْرِكُمْ؛ وسُوءُ رَأْيِكُمْ؛ وعَبَّرَ في البُكاءِ بِالفِعْلِ؛ إشارَةً إلى تَجَدُّدِهِ في بَعْضِ الأحْيانِ؛ لِما لَهم في بَعْضِها مِنَ السُّرُورِ بِبَعْضِ ما أُبِيحَ مِنَ المَلاذِّ؛ وفي السُّجُودِ بِالِاسْمِ؛ إشارَةً إلى دَوامِ ذُلِّهِمْ بِالسُّجُودِ المَشْرُوعِ؛ أوْ بِمُطْلَقِ الخُضُوعِ؛ وسَيَأْتِي في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“؛ ما يَزِيدُهُ وُضُوحًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском