Al-Biqa'iAl‑Isra · 17:32–43

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:32–43

17:32Page 285

وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا ٣٢

And do not approach unlawful sexual intercourse.1 Indeed, it is ever an immorality and is evil as a way.

ولَمّا كانَ في قَتْلِ الأوْلادِ حَظٌّ مِنَ البُخْلِ؛ وفي فِعْلِ الزِّنا داعٍ مِنَ الإسْرافِ؛ أتْبَعَهُ بِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَقْرَبُوا﴾؛ أيْ: أدْنى قُرْبٍ؛ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِن مُقَدِّماتِهِ؛ ولَوْ بِإخْطارِهِ بِالخاطِرِ؛ ﴿الزِّنا﴾؛ مَعَ أنَّ السَّبَبَ الغالِبَ في فِعْلِ النِّساءِ لَهُ الحاجَةُ؛ وطَلَبُ التَّزَيُّدِ؛ وفِيهِ مَعْنى قَتْلِ الوَلَدِ بِتَضْيِيعِ نَسَبِهِ؛ وفِيهِ تَسَبُّبٌ في إيجادِ نَفْسٍ بِالباطِلِ؛ كَما أنَّ القَتْلَ تَسَبَّبَ في إعْدامِها بِالباطِلِ؛ وعَبَّرَ بِالقُرْبانِ تَعْظِيمًا لَهُ؛ لِما فِيهِ مِنَ المَفاسِدِ الجارَّةِ إلى الفِتَنِ؛ بِالقَتْلِ؛ وغَيْرِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ إبْلاغًا في التَّنْفِيرِ عَنْهُ؛ لِما لِلنَّفْسِ مِن شِدَّةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ -: ﴿إنَّهُ كانَ﴾؛ أيْ: كَوْنًا لا يَنْفَكُّ عَنْهُ؛ ﴿فاحِشَةً﴾؛ أيْ: زائِدَةَ القُبْحِ؛ وقَدْ نَهاكم عَنِ الفَحْشاءِ؛ في آيَةِ العَدْلِ والإحْسانِ؛ ﴿وساءَ﴾؛ الزِّنا؛ ﴿سَبِيلا﴾؛ أيْ: ما أسْوَأهُ مِن طَرِيقٍ! (p-٤١٠)والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالسَّبِيلِ يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ مُتَعاطِيهِ؛ بِالدَّلالَةِ عَلى سَعَةِ مَنهَجِهِ.

17:33Page 285

وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا ٣٣

And do not kill the soul [i.e., person] which Allāh has forbidden, except by right.1 And whoever is killed unjustly - We have given his heir authority,2 but let him not exceed limits in [the matter of] taking life. Indeed, he has been supported [by the law].

ولَمّا أتَمَّ النَّهْيَ عَنْ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ المُتَّحِدَيْنِ في وصْفِ الفُحْشِ؛ وفي السَّبَبِ؛ عَلى تَقْدِيرِ؛ وفي إهْلاكِ الوَلَدِ بِالقَتْلِ؛ وما في مَعْناهُ؛ أتْبَعَهُما مُطْلَقَ القَتْلِ؛ الَّذِي مِن أسْبابِهِ تَحْصِيلُ المالِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما جَعَلَ خالِقُها لَها مِنَ النَّفاسَةِ؛ ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ بِالإسْلامِ؛ أوِ العَهْدِ؛ ﴿إلا بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: بِأمْرٍ يُحِلُّ اللَّهُ بِهِ تِلْكَ الحُرْمَةَ الَّتِي كانَتْ؛ فَصارَتِ الأسْبابُ المَنهِيُّ عَنْها بِتَحْرِيمِ مُسَبِّباتِها مَنعَ المَوْجُودِ بُخْلًا؛ ثُمَّ بَذْلَهُ إسْرافًا؛ ثُمَّ تَحْصِيلَ المَفْقُودِ بَغْيًا؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ما أفْهَمَ السِّياقُ تَقْدِيرَهُ؛ وهُوَ: ”فَمَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَقَدْ عَصى اللَّهَ؛ ورَسُولَهُ“؛ ﴿ومَن قُتِلَ﴾؛ أيْ: وقَعَ قَتْلُهُ مِن أيِّ قاتِلٍ كانَ؛ ﴿مَظْلُومًا﴾؛ أيْ: بِأيِّ ظُلْمٍ كانَ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَرْتَكِبَ إحْدى ثَلاثٍ: الكُفْرَ؛ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ؛ وقَتْلَ المُؤْمِنِ عَمْدًا؛ عُدْوانًا؛ ﴿فَقَدْ جَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿لِوَلِيِّهِ﴾؛ أيْ: سَواءٌ كانَ قَرِيبًا؛ أوْ سُلْطانًا؛ ﴿سُلْطانًا﴾؛ أيْ: أمْرًا مُتَسَلِّطًا؛ ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ الوَلِيُّ؛ أوْ فَلا تُسْرِفْ أيُّها الوَلِيُّ؛ ﴿فِي القَتْلِ﴾؛ بِقَتْلِ غَيْرِ القاتِلِ؛ ولا يَزِدْ عَلى حَقِّهِ بِوَجْهٍ؛ ﴿إنَّهُ﴾؛ أيْ: القَتِيلُ؛ ﴿كانَ مَنصُورًا﴾ (p-٤١١)فِي الدُّنْيا؛ بِما جَبَلَ اللَّهُ في الطِّباعِ مِن فُحْشِ القَتْلِ؛ وكَراهَةِ كُلِّ أحَدٍ لَهُ؛ وبُغْضِ القاتِلِ؛ والنَّفْرَةِ مِنهُ؛ والأخْذِ عَلى يَدِهِ؛ وفي الآخِرَةِ بِأخْذِ حَقِّهِ مِنهُ مِن غَيْرِ ظُلْمٍ؛ ولا غَفْلَةٍ؛ فَمَن وثِقَ بِذَلِكَ تَرَكَ الإسْرافَ؛ فَإنَّهُ لِخَوْفِ الفَوْتِ؛ أوْ لِلتَّخْوِيفِ مِنَ العَوْدِ.

17:34Page 285

وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا ٣٤

And do not approach the property of an orphan, except in the way that is best,1 until he reaches maturity. And fulfill [every] commitment. Indeed, the commitment is ever [that about which one will be] questioned.

ولَمّا نَهى عَنِ الإغارَةِ عَلى الأرْواحِ؛ والأبْضاعِ؛ الَّتِي هي سَبَبُها؛ أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنْ نَهْبِ ما هو عَدِيلُها؛ لِأنَّ بِهِ قِوامَها؛ وهو الأمْوالُ؛ وبَدَأ بِأحَقِّ ذَلِكَ؛ بِالنَّهْيِ لِشِدَّةِ الطَّمَعِ فِيهِ؛ لِضَعْفِ مالِكِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَقْرَبُوا﴾؛ أيْ: فَضْلًا عَنْ أنْ تَأْكُلُوا ﴿مالَ اليَتِيمِ﴾؛ فَعَبَّرَ بِالقُرْبانِ؛ الَّذِي هو قَبْلَ الأخْذِ تَعْظِيمًا لِلْمَقامِ؛ ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾؛ مِن طَرائِقَ القُرْبانِ؛ وهو التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالغِبْطَةِ؛ تَثْمِيرًا لِلْيَتِيمِ؛ ﴿حَتّى يَبْلُغَ﴾؛ اليَتِيمُ؛ ﴿أشُدَّهُ﴾؛ وهو إيناسُ الرُّشْدِ مِنهُ؛ بَعْدَ بُلُوغِهِ.

ولَمّا كانَتِ الوَصِيَّةُ نَوْعًا مِن أنْواعِ العَهْدِ؛ أمَرَ بِوَفاءِ ما هو أعَمُّ مِنها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وأوْفُوا﴾؛ أيْ: أوْقِعُوا هَذا الجِنْسَ في الزَّمانِ؛ والمَكانِ؛ وكُلِّ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الأمْرُ المُعاهَدُ عَلَيْهِ؛ ويَتَعَلَّقُ بِهِ؛ ﴿بِالعَهْدِ﴾ (p-٤١٢)أيْ: بِسَبَبِهِ؛ لِيَتَحَقَّقَ الوَفاءُ بِهِ؛ ولا يَحْصُلَ فِيهِ نَقْصٌ ما؛ وهو العَقْدُ الَّذِي يُقَدَّمُ لِلتَّوَثُّقِ.

ولَمّا كانَ العِلْمُ بِالنَّكْثِ؛ والوَفاءِ؛ مُتَحَقَّقًا؛ كانَ العَهْدُ نَفْسُهُ كَأنَّهُ هو المَسْؤُولَ عَنْ ذَلِكَ؛ فَيَكُونُ رَقِيبًا عَلى الفاعِلِ بِهِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُرَهِّبًا مِنَ المُخالَفَةِ -: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ﴾؛ أيْ: كَوْنًا مُؤَكَّدًا؛ عَنْهُ؛ ﴿مَسْؤُولا﴾؛ أيْ: عَنْ كُلِّ مَن عاهَدَ؛ هَلْ وفّى بِهِ؟ أوْ مَسْؤُولًا عَنْهُ مِن كُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ السُّؤالُ.

17:35Page 285

وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا ٣٥

And give full measure when you measure, and weigh with an even [i.e., honest] balance. That is the best [way] and best in result.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِالكَيْلِ أوِ الوَزْنِ؛ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ الخَفِيَّةِ؛ كالتَّصَرُّفِ لِلْيَتِيمِ؛ وكانَ الِائْتِمانُ عَلَيْهِ كالمَعْهُودِ فِيهِ؛ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ﴾؛ أيْ: نَفْسَهُ؛ فَإنَّهُ أمْرٌ مَحْسُوسٌ؛ لا يَقَعُ فِيهِ إلْباسٌ واشْتِباهٌ؛ ولَمّا كانَ صالِحًا لِمَن أعْطى؛ ومَن أخَذَ؛ قالَ: ﴿إذا كِلْتُمْ﴾؛ أيْ: لِغَيْرِكُمْ؛ فَإنِ اكْتَلْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ؛ فَلا جُناحَ عَلَيْكم إنْ نَقَصْتُمْ عَنْ حَقِّكُمْ؛ ولَمْ تُوَفُّوا الكَيْلَ؛ ﴿وزِنُوا﴾؛ أيْ: وزْنًا مُتَلَبِّسًا ﴿بِالقِسْطاسِ﴾؛ أيْ: مِيزانِ العَدْلِ؛ الَّذِي هو أقْوَمُ المَوازِينِ؛ وزادَ في تَأْكِيدِ مَعْناهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿المُسْتَقِيمِ﴾ دُونَ شَيْءٍ مِنَ الحَيْفِ؛ عَلى ما مَضى في الكَيْلِ؛ سَواءً؛ ﴿ذَلِكَ﴾ (p-٤١٣)أيْ: الأمْرُ العالِي الرُّتْبَةِ؛ الَّذِي أمَرْناكم بِهِ؛ ﴿خَيْرٌ﴾؛ لَكم في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ وإنْ تَراءى لَكم أنَّ غَيْرَهُ خَيْرٌ؛ ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾؛ أيْ: عاقِبَةً في الدّارَيْنِ؛ وهو ”تَفْعِيلٌ“ مِنَ الأوَّلِ؛ وهو الرُّجُوعُ؛ وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ هُنا لِاسْتِعْمالِ النَّصَفَةِ؛ لِإرْخاءِ العِنانِ؛ أيْ: عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ في كُلٍّ مِنهُما خَيْرٌ؛ فَهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ أزْيَدُ خَيْرًا؛ والعاقِلُ لا يَنْبَغِي أنْ يَرْضى لِنَفْسِهِ بِالدُّونِ.

17:36Page 285

وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا ٣٦

And do not pursue1 that of which you have no knowledge. Indeed, the hearing, the sight and the heart - about all those [one] will be questioned.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِمّا تَشْهَدُ القُلُوبُ بِحُسْنِهِ؛ وأضْدادُهُ مِمّا تَتَحَقَّقُ النُّفُوسُ قُبْحَهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) جَبَلَ الإنْسانَ عَلى ذَلِكَ؛ كَما قالَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -: «”البِرُّ ما سَكَنَ إلَيْهِ القَلْبُ؛ واطْمَأنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ؛ والإثْمُ ما حاكَ في القَلْبِ؛ وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ؛ وإنْ أفْتاكَ المُفْتُونَ؛ وأفْتَوْكَ“؛» وقالَ: «”إنَّ مِمّا أدْرَكَ النّاسُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى: إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ“؛» وكانَ قَدْ جَمَعَ الضَّمائِرَ - سُبْحانَهُ -؛ تَلاهُ - سُبْحانَهُ - بِما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُفْرِدًا الضَّمِيرَ؛ لِيُصَوِّبَ النَّهْيَ إلى كُلٍّ مِنَ الجَمْعِ؛ (p-٤١٤)والإفْرادِ؛ في حالَتَيْ الِاجْتِماعِ؛ والِانْفِرادِ؛ عَلى حَدٍّ سَواءٍ -: ﴿ولا﴾؛ أيْ: افْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن ذَلِكَ؛ وانْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنهُ؛ لِما تَقَرَّرَ في الجِبِلّاتِ مِنَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِخَيْرِيَّتِهِ؛ وحُسْنِهِ؛ ولا ﴿تَقْفُ﴾؛ أيْ: تَتَّبِعْ أيُّها الإنْسانُ مُجْتَهِدًا؛ بِتَتَبُّعِ الآثارِ؛ ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ؛ كُلُّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ؛ لا سِيَّما البُهْتَ؛ والقَذْفَ؛ فَما كانَ المَطْلُوبُ فِيهِ القَطْعُ لَمْ يَقْنَعْ فِيهِ بِدُونِهِ؛ وما اكْتُفِيَ فِيهِ بِالظَّنِّ؛ وقَفَ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ مُخَوِّفًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ﴾ وهُما طَرِيقا الإدْراكِ؛ ﴿والفُؤادَ﴾؛ الَّذِي هو آلَةُ الإدْراكِ؛ ثُمَّ هَوَّلَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: هَذِهِ الأشْياءِ العَظِيمَةِ؛ العالِيَةِ المَنافِعِ؛ البَدِيعَةِ التَّكْوِينِ؛ و”أُولاءِ“؛ وجَمِيعُ أسْماءِ الإشارَةِ يُشارُ بِها لِلْعاقِلِ وغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ:

؎ذَمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللَّوى ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ

﴿كانَ﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ﴿عَنْهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿مَسْؤُولا﴾؛ بِسُؤالٍ يَخُصُّهُ؛ هَلِ اسْتَعْمَلَهُ صاحِبُهُ في طَلَبِ العِلْمِ مُجْتَهِدًا في ذَلِكَ؛ لِيَعْمَلَ عِنْدَ الوُقُوفِ عَلى الحَقائِقِ بِما يُرْضِي اللَّهَ؛ ويَجْتَنِبَ ما يُسْخِطُهُ؛ أوْ لا؟ وأوَّلُ حَدِيثِ النَّفْسِ ”السّابِحُ“؛ ثُمَّ ”الخاطِرُ“؛ ثُمَّ ”الإرادَةُ“؛ و”العَزِيمَةُ“؛ فَيُؤاخَذُ بِالإرادَةِ؛ والعَزِيمَةِ؛ لِدُخُولِهِما تَحْتَ الِاخْتِيارِ؛ فَيَتَعَلَّقُ بِهِما التَّكْلِيفُ؛ (p-٤١٥)ولِعَدَمِ دُخُولِ الأوَّلَيْنِ خَفَّفَ عَنّا بِعَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِهِما؛ كَما قالَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -: «”إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أوْ تَكَلَّمْ“».

17:37Page 285

وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا ٣٧

And do not walk upon the earth exultantly. Indeed, you will never tear the earth [apart], and you will never reach the mountains in height.1

ولَمّا كانَ الكِبْرُ والأنَفَةُ أعْظَمَ مَوْقِفٍ عَنِ العِلْمِ الدّاعِي إلى كُلِّ خَيْرٍ؛ ومَرَضٍ بِمَرَضِ الجَهْلِ؛ الحامِلِ عَلى كُلِّ شَرٍّ؛ قالَ (تَعالى): ﴿ولا تَمْشِ﴾؛ أيْ: مَشْيًا ما؛ وحَقَّقَ المَعْنى بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: جِنْسِها؛ ﴿مَرَحًا﴾؛ وهو شِدَّةُ الفَرَحِ؛ الَّتِي يَلْزَمُها الخُيَلاءُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن رَعُوناتِ النَّفْسِ بِطَيْشِ الهَوى؛ وداعِي الشَّهْوَةِ؛ وما طُبِعَتْ عَلَيْهِ مِنَ النَّقائِصِ؛ فَإنَّهُ لا يَحْسُنُ إلّا بَعْدَ بُلُوغِ جَمِيعِ الآمالِ الَّتِي تُؤْخَذُ بِالجِدِّ؛ ولَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَخْلُوقٍ؛ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ﴾؛ أيْ: ولَوْ بِأدْنى الوُجُوهِ؛ ﴿الأرْضِ﴾؛ أيْ: تَقْطَعَها سَيْرًا مِن مَكانِكَ إلى طَرْفِها؛ ﴿ولَنْ تَبْلُغَ﴾؛ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿الجِبالَ طُولا﴾؛ أيْ: طُولَ الجِبالِ كُلِّها؛ بِالسَّيْرِ فِيها؛ فَإذا كُنْتَ تَعْجِزُ في قُدْرَتِكَ؛ وعِلْمِكَ عَنْ خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ مِن عَرْضِ الأرْضِ؛ (p-٤١٦)مَعَ الجِدِّ والِاجْتِهادِ؛ وعَنِ التَّطاوُلِ عَلى أوْتادِها فَبِماذا تَفْخَرُ؟ وبِأيِّ شَيْءٍ تَتَكَبَّرُ حَتّى تَتَبَخْتَرَ؟ وذَلِكَ مِن فِعْلِ مَن بَلَغَ جَمِيعَ ما أمَّلَ؛

17:38Page 285

كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ٣٨

All that [i.e., the aforementioned] - its evil is ever, in the sight of your Lord, detested.

ثُمَّ عَظَّمَ جَمِيعَ ما مَضى مِنَ المَنهِيّاتِ؛ وأضْدادِ المَأْمُوراتِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ البَعِيدِ مِنَ المَكارِمِ؛ ﴿كانَ﴾؛ أيْ: كَوْنًا غَيْرَ مُزايِلٍ؛ ولَمّا كانَتِ السَّيِّئَةُ قَدْ صارَتْ في حُكْمِ الأسْماءِ؛ كَـ ”الإثْمُ“؛ و”الذَّنْبُ“؛ وزالَ عَنْها حُكْمُ الصِّفاتِ؛ حَمَلَها عَلى المُذَكَّرِ؛ ووَصَفَها بِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿سَيِّئُهُ﴾؛ وزادَ بَشاعَتَهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ إحْسانًا لا يَنْبَغِي أنْ يُقابَلَ عَلَيْهِ إلّا بِالشُّكْرِ؛ ﴿مَكْرُوهًا﴾؛ أيْ: يُعامِلُهُ مُعامَلَةَ المَكْرُوهِ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ؛ والذَّمِّ لِفاعِلِهِ؛ والعِقابِ؛ والعاقِلُ لا يَفْعَلُ ما يَكْرَهُهُ المُحْسِنُ إلَيْهِ؛ حَياءً مِنهُ؛ فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَخَوْفًا مِن قَطْعِ إحْسانِهِ؛ وخُضُوعًا لِعِزِّ سُلْطانِهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا الإفْرادِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ عَلى امْتِثالِ هَذا المَعْنى عَلى ما يَنْبَغِي؛ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ أحَدٌ العِلْمَ عَلى ما هو عَلَيْهِ سَواءٌ؛ ولِأنَّ الرَّأْسَ إذا خُوطِبَ بِشَيْءٍ (p-٤١٧)كانَ الأتْباعُ لَهُ أقَبَلَ؛ وبِهِ أعَنى.

17:39Page 286

ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا ٣٩

That is from what your Lord has revealed to you, [O Muḥammad], of wisdom. And, [O mankind], do not make [as equal] with Allāh another deity, lest you be thrown into Hell, blamed and banished.

ولَمّا تَمَّتْ هَذِهِ الأوامِرُ؛ والزَّواجِرُ؛ عَلى هَذا الوَجْهِ الأحْكَمِ؛ والنِّظامِ الأقْوَمِ؛ أشارَ إلى عَظِيمِ شَأْنِهِ؛ ومُحْكَمِ إتْقانِهِ؛ بِقَوْلِهِ - عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ؛ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِ عَلى أنْ يَسْألَ عَنْهُ -: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العالِي جِدًّا؛ ﴿مِمّا أوْحى﴾؛ أيْ: بَعَثَ في خُفْيَةٍ؛ ﴿إلَيْكَ رَبُّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ؛ ﴿مِنَ الحِكْمَةِ﴾؛ الَّتِي لا يُسْتَطاعُ نَقْضُها؛ ولا الإتْيانُ بِمِثْلِها؛ مِنَ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ؛ والنَّهْيِ عَنِ الشَّرِّ؛ ومِن حِكْمَةِ هَذِهِ الأشْياءِ المُشارِ إلَيْها؛ مِنَ الأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ أنَّها لَمْ تَقْبَلِ النَّسْخَ في شَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرائِعِ؛ بَلْ كانَتْ هَكَذا في كُلِّ مِلَّةٍ.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الجَهْلَ سَبَبٌ لِكُلِّ سُوءٍ؛ وكانَ الشِّرْكُ أعْظَمَ جَهْلٍ؛ أتْبَعَهُ - لِيَكُونَ النَّهْيُ عَنْهُ بَدْءًا وخِتامًا؛ دَلالَةً عَلى فَرْطِ شَناعَتِهِ؛ عَطْفًا عَلى ما مَضى مِنَ النَّواهِي - قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ولا تَجْعَلْ﴾؛ أوْ يُقَدَّرُ لَهُ ما يُعْطَفُ عَلَيْهِ؛ نَحْوُ: فالزَمْهُ؛ ولا تَجْعَلْ ﴿مَعَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿إلَهًا﴾

ولَمّا كانُوا لِتَعَنُّتِهِمْ رُبَّما جَعَلُوا تَعْدادَ الأسْماءِ تَعْدادًا لِلْمُسَمَّياتِ كَما ورَدَ في سَبَبِ نُزُولِ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ قالَ (تَعالى) - مَعَ إفْهامِ المَعِيَّةِ لِلْغَيْرِيَّةِ -: ﴿آخَرَ﴾؛ فَإنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ الجَهْلِ؛ الَّذِي نَهى (p-٤١٨)عَنْ قَفْوِهِ؛ ﴿فَتُلْقى﴾؛ أيْ: فَيُفْعَلَ بِكَ في الآخِرَةِ في الحَبْسِ؛ ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾؛ مِنَ الإسْراعِ فِيهِ؛ وعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى التَّدارُكِ؛ فِعْلَ مَن أُلْقِيَ مِن عالٍ؛ حالَ كَوْنِكَ ﴿مَلُومًا﴾؛ أيْ: مُعَنَّفًا عَلى ما فَعَلْتَ بَعْدَ الذَّمِّ؛ ﴿مَدْحُورًا﴾؛ أيْ: مَطْرُودًا بَعْدَ الخِذْلانِ؛ فَهَذانَ الوَصْفانِ أشْنَعُ مِن وصْفَيِ الذَّمِّ والخِذْلانِ في الآيَةِ الأُولى؛ كَما هي سُنَّتُهُ (تَعالى) أنْ يَبْدَأ بِالأخَفِّ؛ تَسْلِيكًا لِعِبادِهِ؛ وإنَّما كانَ الشِّرْكُ أجْهَلَ الجَهْلِ؛ لِأنَّ مِنَ الواضِحِ أنَّ الإلَهَ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا بِالذّاتِ؛ فَلا يَنْقَسِمُ؛ وبِالِاعْتِبارِ؛ فَلا يُجانَسُ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ هَذِهِ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً كانَتْ في ألْواحِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أوَّلُها: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢]؛ وهي عَشْرُ آياتٍ في التَّوْراةِ؛ جَعَلَ فاتِحَتَها وخاتِمَتَها النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ومِلاكُها؛ ومَن عُدِمَهُ لَمْ تَنْفَعْهُ حِكَمُهُ؛ وعُلُومُهُ؛ وإنْ بَذَّ فِيها الحُكَماءَ؛ وحَكَّ بِيافُوخِهِ السَّماءَ؛ ما أغْنَتْ عَنِ الفَلاسِفَةِ أسْفارُ الحِكَمِ؛ وهم عَنْ دِينِ اللَّهِ أضَلُّ مِنَ النَّعَمِ.

17:40Page 286

أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗا ٤٠

Then, has your Lord chosen you for [having] sons and taken [i.e., adopted] from among the angels daughters? Indeed, you say a grave saying.

ولَمّا كانَ ادِّعاؤُهم أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ ادِّعاءً لِأنَّ لَهُ مُناسِبًا؛ ومُجانِسًا في أخَصِّ الصِّفاتِ؛ وهي الإلَهِيَّةُ؛ وكانَتْ عِبادَتُهم لَهم تَحْقِيقًا لِذَلِكَ؛ وكانَ ذَلِكَ أزْيَدُ مِن مُجَرَّدِ الشِّرْكِ في الجَهْلِ؛ ساقَهُ مَساقَ التَّقْرِيعِ؛ والتَّوْبِيخِ؛ تَنْبِيهًا عَلى ظُهُورِ فَسادِهِ؛ مُتَّصِلًا بِما مَضى مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ (p-٤١٩)بِالعَطْفِ بِفاءِ السَّبَبِ عَلى ”ما“؛ بَعْدَ الِاسْتِئْنافِ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَفْعَلْ ذَلِكَ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أفْرَطُوا في الجَهْلِ؛ فَنَسَبُوا إلَيْهِ مِن خَلْقِهِ أدْنى الجُزْأيْنِ؛ كَما تَقَدَّمَ في ”النَّحْلِ“؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ [النحل: ٥٧]؛ ثُمَّ عَبَدُوا ذَلِكَ الجُزْءَ؛ وهم لا يَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِهِمْ؛ ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِمْ مُخاطِبًا بِما دَلَّ عَلى تَناهِي الغَضَبِ؛ فَقالَ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: أخَلَقَ المُحْسِنَ إلَيْكم بَنِينَ وبَناتٍ؛ فَأصْفاكم إحْسانًا إلَيْكُمْ؛ وأنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِهِ؛ ﴿بِالبَنِينَ﴾؛ الَّذِينَ هم أفْضَلُ صِنْفَيِ الأوْلادِ؛ ”و“؛ لَمْ يُحْسِنْ إلى نَفْسِهِ بِأنْ شارَكَكم في البَنِينَ؛ بَلْ ”اتَّخَذَ“؛ عَبَّرَ بِالِافْتِعالِ؛ لِأنَّ مَن عَدَلَ إلى أحَدِ الصِّنْفَيْنِ؛ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الآخَرِ؛ لا يَكُونُ إلّا شَدِيدَ الرَّغْبَةِ فِيما عَدَلَ إلَيْهِ؛ ﴿مِنَ المَلائِكَةِ﴾؛ الَّذِينَ هم أقْرَبُ عِبادِهِ؛ أوْلادًا؛ ثُمَّ ما كَفاهُ نَقْصُ الوَلَدِيَّةِ ومُعالَجَةُ أسْبابِها؛ حَتّى جَعَلَ ما اتَّخَذَهُ ﴿إناثًا﴾؛ فَرَضِيَ لِنَفْسِهِ - وهو إلَهُكُمُ الخالِقُ الرّازِقُ - بِما لا تَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِكُمْ؛ ووَصَلْتُمْ في كَراهَتِهِ في بَعْضِ الحالاتِ إلى القَتْلِ؛ فَصارَ مُشارِكًا لَكم في البَناتِ؛ مُخَصِّصًا لَكم دُونَهُ بِالبَنِينَ؟ وذَلِكَ خِلافُ (p-٤٢٠)عادَتِكُمْ؛ فَإنَّ العَبِيدَ لا يُؤْثَرُونَ بِالأجْوَدِ؛ ويَكُونُ الأدْوَنُ لِلسّاداتِ؛ وعَبَّرَ أوَّلًا بِـ ”البَنِينَ“؛ دُونَ ”الذُّكُورِ“؛ لِأنَّ اسْمَ الِابْنِ ألَذُّ في السَّمْعِ؛ مُرْضٍ لِمَن بُشِّرَ بِهِ؛ مِن غَيْرِ نَظَرٍ في العاقِبَةِ؛ وقَدْ يَكُونُ أُنْثى الأفْعالِ؛ ولِأنَّ اسْمَ الذَّكَرِ مُشْتَرَكُ المَعْنى؛ وعَبَّرَ في الثّانِي بِالإناثِ؛ لِإفْهامِ الرَّخاوَةِ بِمَدْلُولِ اللَّفْظِ؛ ولِأنَّهُنَّ بَناتٌ بِالمُعادَلَةِ؛ ويُمْكِنُ أنْ تَنْزِلَ الآيَةُ عَلى الِاحْتِباكِ؛ فَيَكُونَ التَّقْدِيرُ: "بِالبَنِينَ؛ ورَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالبَناتِ؛ وخَصَّكم في نَوْعِكُمُ الَّذِي هو أضْعَفُ ما يَكُونُ بِالذُّكُورِ؛ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ - الَّذِينَ مِنهم مَن يَقْدِرُ عَلى حَمْلِ الأرْضِ وقَلْبِ أسْفَلِها عَلى أعْلاها - إناثًا في غايَةِ الرَّخاوَةِ؛ ولِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ؛ مُعَظِّمًا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّكم لَتَقُولُونَ﴾؛ وأكَّدَهُ؛ لِما لَهم مِنَ التَّهاوُنِ لَهُ؛ والِاجْتِراءِ عَلَيْهِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قَوْلا﴾؛ وزادَ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَظِيمًا﴾؛ أيْ: في الجَهْلِ والإفْكِ؛ عَلَيْهِ وعَلى مَلائِكَتِهِ؛ الَّذِينَ لا يَعْصُونَهُ ما أمَرَهُمْ؛ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ؛ فَتُضِيفُونَ إلَيْهِ الأوْلادَ؛ وهم مِن خَصائِصِ الأجْسامِ؛ ثُمَّ تُفَضِّلُونَ أنْفُسَكم عَلَيْهِ؛ (p-٤٢١)فَتَجْعَلُونَ لَهُ ما تَكْرَهُونَ.

17:41Page 286

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا ٤١

And We have certainly diversified [the contents] in this Qur’ān that they [i.e., mankind] may be reminded, but it does not increase them [i.e., the disbelievers] except in aversion.

ولَمّا كانَ في هَذا مِنَ البَيانِ ما لا يَخْفى عَلى الإنْسانِ؛ ولَمْ يَرْجِعُوا؛ أشارَ إلى أنَّ لَهم أمْثالَ هَذا الإعْراضِ عَنْ أمْثالِ هَذا البَيانِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾؛ أيْ: طَرَّقْنا تَطْرِيقًا عَظِيمًا بِأنْواعِ طُرُقِ البَيانِ؛ مِنَ العِبَرِ؛ والحِكَمِ؛ والأمْثالِ؛ والأحْكامِ؛ والحُجَجِ؛ والأعْلامِ؛ في قَوالِبِ الوَعْدِ؛ والوَعِيدِ؛ والأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ والمُحْكَمِ؛ والمُتَشابِهِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ ﴿فِي هَذا القُرْآنِ﴾؛ مِن هَذِهِ الطُّرُقِ؛ ما لا غُبارَ عَلَيْهِ؛ ونَوَّعْناهُ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ؛ ومِن مِثالٍ إلى مِثالٍ؛ و”التَّصْرِيفُ“؛ لُغَةً: صَرْفُ الشَّيْءِ مِن جِهَةٍ إلى أُخْرى؛ ثُمَّ صارَ كِنايَةً عَنِ التَّبْيِينِ؛ قالَهُ أبُو حَيّانَ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَرْكُوزًا في الطِّباعِ؛ ولَهُ في العُقُولِ أمْثالٌ تَبْرُزُ عَرائِسُها مِن خُدُورِها بِأدْنى التِفاتٍ مِنَ النَّفْسِ؛ سُمِّيَ الوَعْظُ بِها تَذْكِيرًا؛ بِما هو مَعْلُومٌ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾؛ أيْ: نَوْعًا مِنَ التَّذْكِيرِ - بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ؛ فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - كَرِيمٌ؛ يَرْضى بِاليَسِيرِ - هَذا في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِإسْكانِ الذّالِ؛ وضَمِّ الكافِ؛ إشارَةً إلى أنَّ جَمِيعَ ما في القُرْآنِ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنهُ عَنِ العَقْلِ؛ بَلْ هو مَرْكُوزٌ في الطِّباعِ؛ ولَهُ شَواهِدُ في الأنْفُسِ؛ والآفاقِ؛ يَسْتَحْضِرُها الإنْسانُ بِأدْنى إشارَةٍ؛ وأيْسَرِ تَنْبِيهٍ؛ إذا أُزِيلَ عَنْها ما سَتَرَها عَنِ العَقْلِ مِنَ الحُظُوظِ؛ (p-٤٢٢)والشَّواغِلِ؛ وأتْبَعَهُ قَوْلَهُ (تَعالى) - مُعَجِّبًا مِنهم -: ﴿وما يَزِيدُهُمْ﴾؛ التَّصْرِيفُ؛ ﴿إلا نُفُورًا﴾؛ عَنِ السَّماعِ؛ فَضْلًا عَنِ التَّذَكُّرِ؛ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَراهِينَ؛ بَلْ هو شَبَهٌ وخَيْلٌ إلى صَرْفِهِمْ عَمّا هم فِيهِ؛ مِمّا ألِفُوهُ؛ وتَلَقَّوْهُ عَنْ آبائِهِمْ؛ وتَمادَتْ عَلَيْهِمُ الدُّهُورُ في اعْتِقادِ كَوْنِهِ حَقًّا؛

17:42Page 286

قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا ٤٢

Say, [O Muḥammad], "If there had been with Him [other] gods, as they say, then they [each] would have sought to the Owner of the Throne a way."1

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما يَفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقالَ (تَعالى): ﴿قُلْ﴾؛ لَهُمْ؛ ولا تَيْأسْ مِن رُجُوعِ بَعْضِهِمْ؛ ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ﴾؛ أيْ: رَبِّكُمُ؛ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالإحْسانِ؛ والتَّنْزِيهِ؛ ﴿آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾؛ مِن هَذِهِ الأقْوالِ؛ الَّتِي لَوْ قالَها أعْظَمُكم في حَقِّ أدْناكُمْ؛ وهو يُرِيدُ بِها حَقِيقَتَها لَصارَ ضُحْكَةً لِلْعِبادِ؛ ﴿إذًا لابْتَغَوْا﴾؛ أيْ: طَلَبُوا طَلَبًا عَظِيمًا؛ ﴿إلى ذِي العَرْشِ﴾؛ أيْ: صاحِبِ السَّرِيرِ الأعْظَمِ؛ المُحِيطِ؛ الَّذِي مَن نالَهُ كانَ مُنْفَرِدًا بِالتَّدْبِيرِ؛ ﴿سَبِيلا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا سالِكًا؛ يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلَيْهِ؛ لِيَقْهَرُوهُ؛ ويُزِيلُوا مُلْكَهُ؛ كَما تَرَوْنَ مِن فِعْلِ مُلُوكِ الدُّنْيا بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ؛ أوْ لِيَتَّخِذُوا عِنْدَهُ يَدًا تُقَرِّبُهم إلَيْهِ؛ وصَرَّحَ بِالعَرْشِ؛ تَصْوِيرًا لِعَظَمَتِهِ؛ وتَعْيِينًا لِلْمُبْتَغِي؛ والمُبْتَغى؛

17:43Page 286

سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤٣

Exalted is He and high above what they say by great sublimity.

ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ؛ تَعْظِيمًا عَنْ ذَلِكَ؛ وعَنْ كُلِّ نَقْصٍ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿سُبْحانَهُ﴾؛ أيْ: تَنَزَّهَ التَّنَزُّهَ الأعْظَمَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ؛ ﴿وتَعالى﴾؛ أيْ: عَلا (p-٤٢٣)أعْظَمَ العُلُوِّ؛ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَمّا يَقُولُونَ﴾؛ مِن هَذِهِ النَّقائِصِ؛ الَّتِي لا يَرْضاها لِنَفْسِهِ أحَدٌ مِن عُقَلاءِ خَلْقِهِ؛ فَضْلًا عَنْ رَئِيسٍ مِن رُؤَسائِكُمْ؛ فَكَيْفَ بِالعَلِيِّ الأعْلى؟! وأتى بِالمَصْدَرِ المُجَرَّدِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿عُلُوًّا﴾؛ إيذانًا بِأنَّ الفِعْلَ مُجَرَّدٌ في الحَقِيقَةِ؛ وإنْ أتى بِهِ عَلى صِيغَةِ التَّفاعُلِ؛ إيذانًا بِالمُبالَغَةِ؛ ﴿كَبِيرًا﴾؛ لا تَحْتَمِلُ عُقُولُكُمُ الوُقُوفَ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ ولا تُدْرِكُونَ مِنهُ أكْثَرَ مِن مَفْهُومِ هَذا الوَصْفِ عِنْدَكُمْ؛ بِحَسَبِ ما تَتَعارَفُونَهُ:

؎والأمْرُ أعْظَمُ مِن مَقالَةِ قائِلٍ ∗∗∗ إنْ رَقَّقَ البُلَغاءُ أوْ إنْ فَخَّمُوا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском