Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:102–105
2:102Page 16
وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٢
And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Hārūt and Mārūt. But they [i.e., the two angels] do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]."1 And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allāh. And they [i.e., people] learn what harms them and does not benefit them. But they [i.e., the Children of Israel] certainly knew that whoever purchased it [i.e., magic] would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.
ولَمّا كانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ جارِيَةً بِأنَّهُ ما أماتَ أحَدٌ سُنَّةً إلّا زادَ في خِذْلانِهِ بِأنْ أحْيا عَلى يَدِهِ بِدْعَةً أعْقَبَهم نَبْذَهم لِكَلامِ اللَّهِ أُولى الأوْلِياءِ إقْبالُهم عَلى كَلامِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ هم أعْدى الأعْداءِ فَقالَ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو﴾: أيْ: تَقْرَأُ أوْ تَتْبَعُ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ إشارَةً إلى كَثْرَتِهِ وفُشُوِّهِ، (p-٧٣)واسْتِمْرارِهِ،
﴿الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ﴾ أيْ: زَمَنَ مُلْكِ ﴿سُلَيْمانَ﴾ مِنَ السِّحْرِ الَّذِي هو كَفْرٌ، قالَ الحَرالِّيُّ: مِن حَيْثُ إنَّ حَقِيقَتَهُ أمْرٌ يَبْطُلُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، ويَظْهَرُ أثَرُهُ فِيما قُصِرَ عَلَيْهِ مِنَ التَّخْيِيلِ والتَّمْرِيضِ ونَحْوِهِ بِالِاقْتِصارِ بِهِ مِن دُونِ اسْمِ اللَّهِ الَّذِي هو كُفْرٌ، انْتَهى. وكَأنَّ السِّحْرَ كانَ في تِلْكَ الأيّامِ ظاهِرًا عالِيًا عَلى ما يُفْهِمُهُ التَّعْبِيرُ بِـ”عَلى“، وأحْسَنُ مِن هَذا أنْ يُضَمَّنَ ”تَتْلُوَ“ تَكْذِبُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: تَتْلُو كَذِبًا عَلى مُلْكِهِ، كَما أشارَ إلَيْهِ ما رَواهُ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الكَلْبِيِّ، وكَذا ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقالَ أبُو حاتِمٍ أحْمَدُ بْنُ حَمْدانَ الرّازِيُّ في كِتابِ الزِّينَةِ: ورُوِيَ في الحَدِيثِ: «أنَّهُ لَمّا ماتَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمَدَتِ الشَّياطِينُ فَكَتَبَتْ أصْنافَ السِّحْرِ: مَن كانَ يُحِبُّ أنْ يَبْلُغَ كَذا فَلْيَفْعَلْ كَذا، وجَعَلُوهُ في كِتابٍ ثُمَّ خَتَمُوهُ بِخاتَمِ سُلَيْمانَ وكَتَبُوا في عُنْوانِهِ: هَذا كِتابُ آصَفَ بْنِ بَرْخِيا الصِّدِّيقِ لِسُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن ذَخائِرِ (p-٧٤)كُنُوزِ العِلْمِ، ثُمَّ دَفَنُوهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ؛ فاسْتَخْرَجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَقايا بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ أحْدَثُوا ما أحْدَثُوا، فَلَمّا عَثَرُوا عَلَيْهِ قالُوا: ما كانَ مُلْكُ سُلَيْمانَ إلّا بِهَذا، فَأفْشَوُا السِّحْرَ في النّاسِ؛ فَلَيْسَ هو في أحَدٍ أكْثَرَ مِنهُ في يَهُودٍ»، انْتَهى.
وسُلَيْمانُ -عَلى ما ذُكِرَ في أوَّلِ إنْجِيلِ مَتّى أثْناءَ إنْجِيلِ لُوقا- هو ابْنُ داوُدَ بْنِ لَسّى بْنِ عُونِيدَ بْنِ باعازَ بْنِ سَلَمُونَ بْنِ يَصُونَ بْنِ عَمِينادابَ بْنِ أرامَ بْنِ يُورامَ بْنِ حَصَرُونَ بْنِ فارِضِ بْنِ يَهُودا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والحاصِلُ أنَّهم مَعَ تَرْكِهِمْ لِلْكُتُبِ المُصَدِّقَةِ لِما مَعَهُمُ، الكَفِيلَةِ بِكُلِّ هُدًى وبَرَكَةٍ، الآتِيَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ المُتَحَبَّبِ إلى عِبادِهِ بِكُلِّ جَمِيلٍ، عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ الَّذِينَ هم أصْدَقُ النّاسِ وأنْصَحُهم وأهْداهم، لا سِيَّما هَذا الكِتابَ المُعْجِزَ الَّذِينَ كانُوا يَتَباشَرُونَ بِقُرْبِ زَمَنِ صاحِبِهِ، اتَّبَعُوا السِّحْرَ الَّذِي هو أضَرُّ الأشْياءِ وأبْشَعُها، الآتِي بِهِ الشَّياطِينُ الَّذِينَ هم أعْدى الأعْداءِ وأفْظَعُها، وأعْجَبُ ما في ذَلِكَ أنَّهم نَسَبُوا السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذِبًا وفُجُورًا وكَفَّرُوهُ بِهِ ثُمَّ كانُوا هم أشَدَّ النّاسِ تَطَلُّبًا لَهُ ومُصاحَبَةً عِلْمًا وعَمَلًا وأكْثَرَ ما يُوجَدُ فِيهِمْ، فَكانُوا بِذَلِكَ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ؛ ومِنَ المَحاسِنِ أيْضًا أنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ (p-٧٥)آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] وما بَعْدَهُ في الكُتُبِ والأنْبِياءِ والرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ والمَلائِكَةِ كانَتْ فَذْلَكَتُهُ أنَّ الكَفَرَةَ مِن أهْلِ الكِتابِ نَبَذُوا ذَلِكَ كُلَّهُ ونابَذُوهُ وأقْبَلُوا عَلى السِّحْرِ الَّذِي كانَ إبْطالُهُ مِن أوَّلِ مُعْجِزاتِ نَبِيِّهِمْ وأعْظَمِها؛ فَهو أشَدُّ شَيْءٍ مُنافاةً لِشَرْعِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ يَضُرُّهم في الدّارَيْنِ ولا يَنْفَعُهم.
ولَمّا اعْتَقَدَ أهْلُ الكِتابِ بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ السِّحْرَ مِنهُ، وأنَّ انْتِظامَ مُلْكِهِ عَلى الإنْسِ والجِنِّ والطَّيْرِ والوَحْشِ والرِّيحِ إنَّما كانَ بِهِ، نَفى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: يُقالُ: هو مِنَ السَّلامَةِ، فَإنَّهُ مِن سَلامَةِ صَدْرِهِ مِن تَعَلُّقِهِ بِما خَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى مِن مُلْكِهِ ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] (p-٧٦)وهُوَ واحِدُ كَمالٍ في مُلْكِ العالَمِ المَشْهُودِ مِنَ الأرْكانِ الأرْبَعَةِ وما مِنها مِنَ المَخْلُوقاتِ، انْتَهى. أيْ: ما وقَعَ مِنهُ كُفْرٌ ما فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ بِالسِّحْرِ الَّذِي هو أبْعَدُ الأشْياءِ عَنْ آياتِ الأنْبِياءِ،
﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾
ثُمَّ بَيَّنَ كُفْرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ﴾ أيِ: المُضْطَرِّينَ الَّذِينَ لَمْ يَصِلُوا إلى سِنِّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿السِّحْرَ﴾ أيِ: الَّذِي ولَّدُوهُ هم بِما يُزَيِّنُونَهُ مِن حالِهِ لِيُعْتَقَدَ أنَّهُ مُؤَثِّرٌ بِنَفْسِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ، كَما أنَّ الأنْبِياءَ وأتْباعَهم يُعَلِّمُونَ النّاسَ الحَقَّ بِما يُبَيِّنُونَهُ مِن أمْرِهِ، والسِّحْرُ: قالَ الحَرالِّيُّ: هو قَلْبُ الحَواسِّ في مُدْرِكاتِها عَنِ الوَجْهِ المُعْتادِ لَها في صِحَّتِها عَنْ سَبَبٍ باطِلٍ لا يَثْبُتُ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقالَ الكَرْمانِيُّ: أمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ صادِرٌ عَنْ نَفْسٍ شِرِّيرَةٍ لا تَتَعَذَّرُ مُعارَضَتُهُ، وقالَ الأصْفَهانِيُّ: اخْتَلَفُوا في تَعَلُّمِهِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ حَرامٌ، الثّانِي: أنَّهُ مَكْرُوهٌ، الثّالِثُ: أنَّهُ مُباحٌ، والحَقُّ أنَّهُ إنْ كانَ تَعَلُّمُهُ لِلْعَمَلِ فَهو حَرامٌ، وإنْ كانَ لِتَوَقِّيهِ وعَدَمِ الِاغْتِرارِ بِهِ فَهو مُباحٌ، وقالَ: والمُرادُ بِالسِّحْرِ: ما يُسْتَعانُ (p-٧٧)فِي تَحْصِيلِهِ بِالتَّقَرُّبِ إلى الشَّيْطانِ مِمّا لا يَسْتَقِلُّ بِهِ الإنْسانُ، وذَلِكَ لا يَسْتَتِبُّ إلّا لِمَن يُناسِبُهُ في الشَّرارَةِ وخُبْثِ النَّفْسِ، فَإنَّ التَّناسُبَ شَرْطٌ في التَّضامِّ والتَّعاوُنِ وبِهَذا يُمَيَّزُ السّاحِرُ عَنِ الوَلِيِّ والنَّبِيِّ؛ وأمّا ما يُتَعَجَّبُ مِنهُ كَما يَفْعَلُهُ أصْحابُ الحِيَلِ بِمَعُونَةِ الآلاتِ والأدْوِيَةِ أوْ يُرِيهِ صاحِبُ خِفَّةِ اليَدِ فَغَيْرُ حَرامٍ، وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا عَلى التَّجَوُّزِ لِما فِيهِ مِنَ الدِّقَّةِ، لِأنَّهُ في الأصْلِ لِما خَفِيَ سَبَبُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما﴾ أيْ: واتَّبَعُوا أوْ ويُعَلِّمُونَ ما،
﴿أُنْـزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إنْباءٌ بِأنَّ هَذا التَّخْيِيلَ ضَرْبانِ؛ مُودَعٌ في الكَوْنِ هو أمْرُ الشَّياطِينِ، ومُنَزَّلٌ مِن غَيْبٍ هو المُتَعَلَّمُ مِنَ المَلَكَيْنِ؛ وقالَ: ﴿بِبابِلَ﴾ تَحْقِيقًا لِنُزُولِهِما إلى الأرْضِ،
﴿هارُوتَ ومارُوتَ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَلَكَيْنِ، كَأنَّهُما لَمّا كانا مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِما لا يَحْتاجانِ إلى أحَدٍ (p-٧٨)وُصِفا أيْضًا بِكَوْنِهِما مَلِكَيْنِ، بِكَسْرِ اللّامِ، وعِبارَةُ الحَرالِّيِّ: مَلَكانِ جُعِلا مَلِكَيْنِ في الأرْضِ، والآيَةُ مِن إظْهارِ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ أفْضَلِ الخَلِيفَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ نَصِيحَةَ المَلَكَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾ فَأنْبَأ أنَّ التَّقْدِيرَ: وما كَفَرَ المَلَكانِ كَما كَفَرَ الشَّياطِينُ فَإنَّهُما ما ﴿يُعَلِّمانِ﴾ وزِيادَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أحَدٍ﴾ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ ﴿حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: عَلى صُورَةِ الِاخْتِبارِ مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ، فَإنَّهُ يَعْلَمُ نَبَأ مَن يَخْتارُ السِّحْرَ لِما فِيهِ مِنَ النَّفْعِ العاجِلِ عَلى أمْرِ النُّبُوَّةِ فَيَكْفُرُ، ومَن يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ لِئَلّا يَقَعَ فِيهِ وهو لا يَشْعُرُ ثُمَّ يَتْرُكُهُ إقْبالًا عَلى دِينِ اللَّهِ؛ ووَحَّدَ والمُخْبَرُ عَنْهُ اثْنانِ لِأنَّها مَصْدَرٌ وهو لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ. قالَ الحَرالِّيُّ: وأصْلُ مَعْناها مِن فَتْنِ الذَّهَبِ وهو تَسْخِيرُهُ لِيَظْهَرَ جَوْهَرُهُ ويَتَخَلَّصَ طَيِّبُهُ مِن خَبِيثِهِ، انْتَهى.
﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ بِالعَمَلِ بِما نُعَلِّمَكَهُ، فَإنَّ العَمَلَ بِهِ كُفْرٌ، أوْ بِاعْتِقادِ أنَّهُ حَقٌّ مُغْنٍ عَمّا جاءَ عَنِ اللَّهِ، أوْ مُؤَثِّرٌ بِنَفْسِهِ،
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾ مُخالَفَةً لِلْمَلَكَيْنِ في النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وذَكَرَ الفُرْقَةَ في أشَدِّ الِاتِّصالِ لِيُفْهَمَ مِنهُ ما دُونَهُ فَقالَ: ﴿بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ والمَرْءُ: اسْمُ سِنٍّ مِن أسْنانِ (p-٧٩)الطَّبْعِ يُشارِكُ الرَّجُلُ بِهِ المَرْأةَ ويَكُونُ لَهُ فِيهِ فَضْلٌ ما ويُسَمّى مَعْناهُ: المَرْوَةُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ولَمّا ذَكَرَ السَّبَبَ القَرِيبَ لِلضَّرَرِ رَدَّهُ إلَيْهِ تَرْقِيَةً لِلذِّهْنِ الثّاقِبِ إلى أعْلى المَراتِبِ وصَوْنًا لَهُ عَنِ اعْتِقادِهِ ما لا يُناسِبُ فَقالَ: ﴿وما هم بِضارِّينَ﴾ وهو مِنَ الضَّرِّ -بِالفَتْحِ والضَّمِّ- وهو ما يُؤْلِمُ الظّاهِرَ مِنَ الجِسْمِ وما يَتَّصِلُ بِمَحْسُوسِهِ، في مُقابَلَةِ الأذى وهو إيلامُ النَّفْسِ وما يَتَّصِلُ بِأحْوالِها، وتُشْعِرُ الضَّمَّةُ في الضُّرِّ بِأنَّهُ عَنْ عُلُوٍّ وقَهْرٍ، والفَتْحَةُ بِأنَّهُ ما يَكُونُ عَنْ مُماثِلٍ ونَحْوِهِ، وقَلَّ ما يَكُونُ عَنِ الأدْنى إلّا أذى، ومِنهُ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿بِهِ مِن أحَدٍ﴾ ولَمّا أكَّدَ اسْتِغْراقَهُ بِضُرُوبٍ مِنَ التَّأْكِيدِ تَلاهُ بِمِعْيارِ العُمُومِ فَقالَ: ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ولا كُفُؤَ لَهُ، وفِيهِ إعْلامٌ لَهم بِأنَّ ضَرَرَهُ (p-٨٠)لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الضَّرَرُ الضَّعِيفُ حَيْثُ سَحَرَهُ لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ إنَّما هو كَضَرَرِ غَيْرِهِ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي قَدْ تَخْفى فَيُضافُ الأمْرُ في ضَرَرِها إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ تُعْرَفُ فَيُضافُ الضَّرَرُ إلَيْها كَما كانَ يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ مِن إخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ، والعِلْمُ حاصِلٌ بِأنَّ المُؤَثِّرَ في الجَمِيعِ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ [الأنعام: ٩٧] في سُورَةِ الأنْعامِ ما يَنْفَعُ اسْتِحْضارُهُ هُنا.
ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ وإنْ كانَ لِلْعامِلِ بِهِ نَفْعٌ عَلى زَعْمِهِ فَضُرُّهُ أكْبَرُ مِن نَفْعِهِ أتْبَعَهُ قِسْمًا آخَرَ لَيْسَ لِلْعامِلِ بِهِ شَيْءٌ غَيْرُ الضُّرِّ؛ فَلَيْسَ الحامِلُ عَلى تَعَلُّمِهِ إلّا إيثارًا لِلَّحاقِ بِإبْلِيسَ وحِزْبِهِ فَقالَ: ﴿ويَتَعَلَّمُونَ﴾ أيْ: مِنَ السِّحْرِ الَّذِي ولَّدَهُ الشَّياطِينُ لا مِنَ المَلَكَيْنِ،
﴿ما يَضُرُّهُمْ﴾ لِأنَّ مُجَرَّدَ العَمَلِ بِهِ كُفْرٌ أوْ مَعْصِيَةٌ ثُمَّ حَقَّقَ أنَّهُ ضَرَرٌ كُلُّهُ لا شائِبَةَ لِلنَّفْعِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ (p-٨١)لِأنَّهُ لا تَأْثِيرَ لَهُ أصْلًا، والنَّفْعُ وصُولُ مَوافِقِ الجِسْمِ الظّاهِرِ وما يَتَّصِلُ بِهِ في مُقابَلَةِ الضُّرِّ، ولِذَلِكَ يُخاطَبُ بِهِ الكُفّارُ كَثِيرًا لِوُقُوعِ مَعْنَيَيْهِما في الظّاهِرِ الَّذِي هو مَقْصِدُهم مِن ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ثُمَّ أتْبَعُهُ ما يُعْرَفُ أنَّهُمُ ارْتَكَبُوهُ عَلى عِلْمٍ فَقالَ مُحَقِّقًا مُؤَكِّدًا: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾ بَيانًا لِأنَّهم أسْفَهُ النّاسِ،
﴿لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ أيْ: آثَرَهُ عَلى ما يَعْلَمُ نَفْعَهُ مِنَ الإيمانِ،
﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ﴾ الباقِيَةِ الباقِي نَفْعُها،
﴿مِن خَلاقٍ﴾ أيْ: نَصِيبٍ مُوافِقٍ أصْلًا، والخَلاقُ: الحَظُّ اللّائِقُ لِمَن يُقَسَّمُ لَهُ النَّصِيبُ مِنَ الشَّيْءِ كَأنَّهُ مُوازِنٌ بِهِ خَلْقَ نَفْسِهِ وخَلْقَ جِسْمِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ثُمَّ جَمَعَ لَهُمُ المَذامَّ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا﴾ أيْ: باعُوا عَلى وجْهِ اللَّجاجَةِ،
﴿بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مِمّا أحاطَ بِهِمْ فاجْتُثَّتْ نُفُوسُهم مِن أصْلِها فَأوْجَبَ لَهُمُ الخُلُودَ في النّارِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ إثْباتِ العِلْمِ لَهم: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ لَهم قابِلِيَّةٌ لِتَلَقِّي وارِداتِ (p-٨٢)الحَقِّ، إشارَةً إلى أنَّ هَذا لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ مَن لَهُ أدْنى عِلْمٍ، فَعِلْمُهُمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ الجُرْأةَ عَلى هَذا عَدَمٌ بَلِ العَدَمُ خَيْرٌ مِنهُ.
2:103Page 16
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٣
And if they had believed and feared Allāh, then the reward from Allāh would have been [far] better, if they only knew.
ولَمّا بَيَّنَ ما عَلَيْهِمْ فِيما ارْتَكَبُوهُ مِنَ المَضارِّ أتْبَعَهُ ما في الإعْراضِ عَنْهُ مِنَ المَنافِعِ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾ أيْ: بِما دُعُوا إلَيْهِ مِن هَذا القُرْآنِ، ومِنَ اعْتِقادِ أنَّ الفاعِلَ في كُلِّ شَيْءٍ إنَّما هو اللَّهُ لا السِّحْرُ،
﴿واتَّقَوْا﴾ ما يَقْدَحُ في الإيمانِ مِنَ الوُقُوفِ مَعَ ما كانَ حَقًّا فَنُسِخَ مِنَ التَّوْراةِ فَصارَ باطِلًا، ومِنَ الإقْدامِ عَلى ما لَمْ يَكُنْ حَقًّا أصْلًا مِنَ السِّحْرِ لَأُثِيبُوا خَيْرًا مِمّا تَرَكُوا، لِأنَّ مَن تَرَكَ شَيْئًا عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنهُ؛ هَكَذا الجَوابُ ولَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِما يَقْتَضِي الثُّبُوتَ والدَّوامَ والشَّرَفَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقْصُرُ عَنْهُ الأذْهانُ مِن بَلاغاتِ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ صِيغَةُ مَفْعَلَةٍ مِنَ الثَّوابِ، وهو الجَزاءُ بِالخَيْرِ، وفي الصِّيغَةِ (p-٨٣)إشْعارٌ بِعُلُوٍّ وثَباتٍ، قالَهُ الحَرالِّيُّ، وشَرَّفَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ، وزادَها شَرَفًا بِقَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ﴾ مَعَ حَذْفِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ.
قالَهُ الحَرالِّيُّ: وسَوّى بَيْنَ هَذِهِ المَثُوبَةِ ومَضْمُونِ الرِّسالَةِ في كَوْنِهِما مِن عِنْدِ اللَّهِ تَشْرِيفًا لِهَذِهِ المَثُوبَةِ وإلْحاقًا لَها بِالنَّمَطِ العَلِيِّ مِن عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ومُضاءِ كَلِمَتِهِ، انْتَهى. وهَذِهِ المَثُوبَةُ عامَّةٌ لِما يَحْصُلُ في الدُّنْيا والأُخْرى مِنَ الخَيْراتِ الَّتِي مِنها ما يُعْطِيهِ اللَّهُ لِصالِحِي عِبادِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ بِأسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى عَلى حَسَبِ ما تُعْطِيهِ مَفْهُوماتُها مِنَ المَنافِعِ، ومِن ذَلِكَ وارِداتُ الآثارِ كَكَوْنِ الفاتِحَةِ شِفاءً وآيَةِ الكُرْسِيِّ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِن مَنافِعِ القُرْآنِ والأذْكارِ والتَّبَرُّكِ بِآثارِ الصّالِحِينَ ونَحْوِهِ.
ثُمَّ أكَّدَ الخَبَرَ بِأنَّ عِلْمَهم جَهْلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] وقالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِرُتْبَةٍ مِنَ العِلْمِ أعْلى وأشْرَفَ مِنَ الرُّتْبَةِ الَّتِي كانَتْ تَصْرِفُهم عَنْ أخْذِ السِّحْرِ، لِأنَّ تِلْكَ الرُّتْبَةَ تُزَهِّدُ في عِلْمِ ما هو (p-٨٤)شَرٌّ وهَذِهِ تُرَغِّبُ في مَنالِ ما هو خَيْرٌ؛ وفِيهِ بُشْرى لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِما في كِيانِها مِن قَبُولِ هَذا العِلْمِ الَّذِي هو عِلْمُ الأسْماءِ ومَنافِعُ القُرْآنِ يَكُونُ لَهم عِوَضًا مِن عِلْمِ السِّيمِيا الَّذِي هو بابٌ مِنَ السِّحْرِ، وعَساهُ أنْ يَكُونَ مِن نَحْوِ المُنَزَّلِ عَلى المَلَكَيْنِ، قالَ ﷺ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ بابًا مِنَ السِّحْرِ، زادَ ما زادَ» .
وحَقِيقَةُ السِّيمِيا أمْرٌ مِن أمْرِ اللَّهِ أظْهَرَ آثارَهُ في العالَمِ الأرْضِيِّ عَلى سَبِيلِ أسْماءٍ وأرْواحٍ خَبِيثَةٍ مِن مَواطِنِ الفِتَنِ في العُلْوِيّاتِ مِنَ النَّيِّراتِ والكَواكِبِ والصُّوَرِ، وما أبْداهُ مِنهُ في عُلُومٍ وأعْمالٍ لا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنهُ مَعَ اسْمِهِ تَعالى، بَلْ يُشْتَرَطُ في صِحَّتِهِ إخْلاؤُهُ عَنِ اسْمِ اللَّهِ وذِكْرِهِ والقِيامِ بِحَقِّهِ وصَرْفِ التَّحَنُّثاتِ والوُجْهَةِ إلى ما دُونَهُ، فَهو لِذَلِكَ كُفْرٌ مَوْضُوعٌ فِتْنَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمَن شاءَ أنْ يَفْتِنَهُ بِهِ، حَتّى كانَتْ فِتْنَةَ اسْمِ السِّيمِيا مَن هَدى الِاسْمَ بِمَنزِلَةِ اسْمِ اللّاتِ والعُزّى مِن هِدايَةِ اسْمِ اللَّهِ العَزِيزِ، ولِلَّهِ كُلِّيَّةُ الخَلْقِ والأمْرِ هُدًى وإضْلالًا إظْهارًا لِكَلِمَتِهِ الجامِعَةِ الشّامِلَةِ لِمُتَقابِلاتِ الأزْواجِ الَّتِي مُنْتَهاها قِسْمَةٌ إلى دارَيْنِ: دارِ نُورٍ رَحِمانِيٍّ مِنَ اسْمِهِ العَزِيزِ الرَّحِيمِ، ودارِ نارٍ انْتِقامِيٍّ مِنَ اسْمِهِ الجَبّارِ المُنْتَقِمِ،
﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤]
ولَمّا جَعَلَ سُبْحانَهُ مِنَ المَضَرَّةِ في السِّحْرِ ونَحْوِهِ كانَ مِنَ المَثُوبَةِ لِمَن (p-٨٥)آمَنَ واتَّقى مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سُورَةُ الفَلَقِ والنّاسِ والمُعَوِّذَتانِ حِرْزًا وإبْطالًا وتَلَقُّفًا لِما يَأْفِكُ سِحْرُ السّاحِراتِ عِوَضًا دائِمًا باقِيًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن عَصا مُوسى، فَهُما عَصا هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي تَلَقَّفَ ما يَأْفِكُ سِحْرُ السّاحِراتِ عِوَضًا دائِمًا بِما فِيهِما مِنَ التَّعْوِيذِ الجامِعِ لِلْعَوَذَةِ مِن شَرِّ الفَلَقِ الَّذِي مِن لَمْحَةٍ مِنهُ كانَ السِّحْرُ مُفَرِّقًا، فَهُما عُوذَتانِ مِن وراءِ ما وراءَ السِّحْرِ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ مِن مَثُوبَةِ الدَّفْعِ مَعَ ما أُوتُوا مِن مَثُوبَةِ النَّفْعِ، ويَكادُ أنْ لا يَقِفَ مَن جاءَهُ هَذِهِ الآيَةُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عِنْدَ غايَةٍ مِن مَنالِ الخَيْراتِ ووُجُوهِ الكَراماتِ، انْتَهى.
2:104Page 16
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٠٤
O you who have believed, say not [to Allāh's Messenger], "Rāʿinā" but say, "Unẓurnā"1 and listen. And for the disbelievers is a painful punishment.
ولَمّا كانَ مِنَ الحَقِّ كَما قالَ الحَرالِّيُّ إجْراءُ الأُمُورِ عَلى حُكْمِ ما أثْبَتَها الحَقُّ لِأنَّها بِذَلِكَ حَقٌّ هو مِثالٌ لِلْحَقِّ المُبِينِ وصَرْفُها إلى مَن لَمْ يُثْبِتْها الحَقُّ في حَيِّزِهِ إفْكٌ وقَلْبٌ عَنْ وجْهِهِ فَهو خَيالٌ باطِلٌ هو في بابِ الرَّأْيِ: بِمَنزِلَةِ السِّحْرِ في الحِسِّ فَهو خَيالٌ لِما صِحَّةُ النِّسْبَةِ فِيهِ مِثالٌ أتْبَعَ الآياتِ الذّامَّةَ لِلسِّحْرِ الحَقِيقِيِّ التَّنْبِيهَ عَلى السِّحْرِ المَجازِيِّ الَّذِي حِيلُوا بِهِ الخَيْرَ وقَصَدُوا بِهِ الشَّرَّ لِيَكُونَ النَّهْيُ عَنْهُ نَهْيًا عَنِ الأوَّلِ بِطَرِيقِ الأوْلى فَقالَ مُلْتَفِتًا عَنْ ذِكْرِهِمْ إلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي هو أخَصُّ مِن: ”يا بَنِي إسْرائِيلَ“ الأخَصِّ مِن: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ (p-٨٦)آمَنُوا﴾، أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ صَدَّقُوا إقْرارَكم بِهِ بِأنَّ: ﴿لا تَقُولُوا﴾ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿راعِنا﴾ الَّتِي تَقْصِدُونَ بِها الرِّعايَةَ والمُراقَبَةَ لِمَقْصِدِ الخَيْرِ وخَفْضِ الجانِبِ، فاغْتَنَمَها اليَهُودُ لِمُوافَقَةِ كَلِمَةٍ سَيِّئَةٍ عِنْدَهم فَصارُوا يَلْوُونَ بِها ألْسِنَتَهم ويَقْصِدُونَ بِها الرُّعُونَةَ وهي إفْراطُ الجَهالَةِ فَنَهاهم عَنْ مُوافَقَتِهِمْ في القَوْلِ مَنعًا لِلصَّحِيحِ المُوافِقِ في الصُّورَةِ لِشَبَهِهِ مِنَ القَبِيحِ وعَوَّضَهم مِنها ما لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ فَسادٌ فَقالَ: ﴿وقُولُوا انْظُرْنا﴾ فَأبْقى المَعْنى وصَرَفَ اللَّفْظَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَفِيهِ إلْزامٌ بِتَصْحِيحِ الصُّوَرِ لِتُطابِقَ تَصْحِيحَ المَقاصِدِ ولِيَقَعَ الفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ كَما وقَعَ الفَرْقُ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ فَهي آيَةُ فُرْقانٍ خاصَّةٌ بِالعَرَبِ. قالَ الأصْفَهانِيُّ: (p-٨٧)وهَذا النَّهْيُ اخْتَصَّ بِهَذا الوَقْتِ، قالَ الواحِدِيُّ: لِإجْماعِ الأُمَّةِ عَلى جَوازِ المُخاطَبَةِ بِهَذا اللَّفْظِ الآنَ وقالَ: ﴿واسْمَعُوا﴾ أيْ: قُولُوا ما أمَرْتُكم بِهِ وامْتَثِلُوا جَمِيعَ أوامِرِي ولا تَكُونُوا كاليَهُودِ في حَمْلِهِمُ السَّماعَ عَلى حَقِيقَتِهِ وقَوْلُهم: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ [البقرة: ٩٣] وعَطْفُ ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ مُرْشِدٌ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَإنَّ السَّماعَ أيِ: القَبُولُ إيمانٌ، ولِلسّامِعِينَ نَعِيمٌ كَرِيمٌ والإعْراضُ كَفْرٌ ولِلْكافِرِينَ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾
2:105Page 16
مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ١٠٥
Neither those who disbelieve from the People of the Scripture [i.e., the Jews and Christians] nor the polytheists wish that any good should be sent down to you from your Lord. But Allāh selects for His mercy whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.
ولَمّا أرْشَدَ خَتَمَ الآيَةَ إلى العِلَّةِ الحامِلَةِ عَلى الِامْتِثالِ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُطْلَقًا ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ اليَهُودِ والنَّصارى،
﴿ولا﴾ مِن ﴿المُشْرِكِينَ﴾ بِأيِّ نَوْعٍ كانَ مِن أنْواعِ (p-٨٨)الشِّرْكِ بُغْضًا فِيكم حَسَدًا لَكم ﴿أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ وأكَّدَ الِاسْتِغْراقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِلسَّماعِ عِلَّتانِ حامِلَتانِ عَلَيْهِ داعِيَتانِ إلَيْهِ: إحْداهُما: أُخْرَوِيَّةٌ وهي النَّعِيمُ لِلْمُطِيعِ والعَذابُ لِلْعاصِي، والأُخْرى دُنْيَوِيَّةٌ وهي مُخالَفَةُ الأعْداءِ، فَإنَّهم ما يَوَدُّونَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم شَيْءٌ لَكم فِيهِ خَيْرٌ فَضْلًا عَنْ أنْ تَمْتَثِلُوهُ، ومُخالَفَةُ الأعْداءِ مِنَ الأغْراضِ العَظِيمَةِ لِلْمُتَمَكِّنِينَ في الأخْلاقِ الفاضِلَةِ مِن ذَوِي الأدَواتِ الكامِلَةِ، ولَمْ يَعْطِفْ ﴿ما يَوَدُّ﴾ لِأنَّهُ مَعَ ذَلِكَ عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَهم عَذابٌ ألِيمٌ لِأنَّهم يَوَدُّونَ لَكم خَيْرًا؛ فَسَماعُكم مِن جُمْلَةِ عَذابِهِمْ، لِأنَّهُ واقِعٌ عَلى خِلافِ وِدادَتِهِمْ مَعَ ما يُدَّخَرُ لَهم في الآخِرَةِ بِكُفْرِهِمْ وتَمَنِّيهِمْ كُفْرَكم، ولا يَخْفى ما فِيها وفي الَّتِي بَعْدَها مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى الكِتابِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يَوَدُّونَ أتْبَعَهُ التَّعْرِيفَ بِأنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ التّامَّ، رَضِيَ مَن رَضِيَ وسَخِطَ مَن سَخِطَ فَقالَ مُعَلِّقًا الأمْرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ (p-٨٩)الجامِعِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: ما يَوَدُّونَ، والحالُ أنَّ ذا الأسْماءَ الحُسْنى ﴿يَخْتَصُّ﴾ ولَمّا كانَ المُنَزِّلُ أتَمَّ الرَّحْمَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِرَحْمَتِهِ﴾ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الهِدايَةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ،
﴿مَن يَشاءُ﴾ أيْ: يَجْعَلُهُ مُخْتَصًّا أيْ: مُنْفَرِدًا بِها مِن بَيْنِ النّاسِ، ولَوْ كانَ عِنْدَ غَيْرِهِ بِمَحَلِّ الِاحْتِقارِ كَما كانَ العَرَبُ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ لِما كانُوا يَرَوْنَ مِن جَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ وجَفائِهِمْ واخْتِلالِ أحْوالِهِمْ؛ و”الِاخْتِصاصُ“: عِنايَةٌ تُعِينُ المُخْتَصَّ لِمَرْتَبَةٍ يَنْفَرِدُ بِها دُونَ غَيْرِهِ، و”الرَّحْمَةُ“: نِحْلَةُ ما يُوافِي المَرْحُومَ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، أدْناهُ كَشْفُ الضُّرِّ وكَفُّ الأذى، وأعْلاهُ الِاخْتِصاصُ بِرَفْعِ الحِجابِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ إذا فَعَلَهُ لَمْ يَبْقَ مِن رَحْمَتِهِ ما يَسَعُ غَيْرَ المُخْتَصِّ نَفاهُ بِقَوْلِهِ مُصَدِّرًا لَهُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ أيْضًا عاطِفًا عَلى ما أفْهَمَهُ الِاخْتِصاصُ مِن نَحْوِ أنْ يُقالَ (p-٩٠)تَعْرِيضًا بِاليَهُودِ: فاللَّهُ بِمَن يَزْوِي عَنْهُ الرَّحْمَةَ عَلِيمٌ،
﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ والرَّحْمَةِ فَلا كُفُؤَ لَهُ،
﴿ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ أيِ: الَّذِي لا يُحْصَرُ بِحَدٍّ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ عَدٍّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences