Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:106–110

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:106–110

2:106–107Page 17

۞ مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٠٦

We do not abrogate a verse or cause it to be forgotten except that We bring forth [one] better than it or similar to it. Do you not know that Allāh is over all things competent?

أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٠٧

Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and [that] you have not besides Allāh any protector or any helper?

ولَمّا حَرَّمَ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ: ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] بَعْدَ حِلِّهِ، وكانَ ذَلِكَ مِن بابِ النَّسْخِ وأنْهى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ بِالوَصْفِ بِالفَضْلِ العَظِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ الَّذِي مِن مُقْتَضاهُ نَقْلُ ما يَكُونُ مِنَ المَنافِعِ مِن مُلْكٍ أوْ دِينٍ أوْ قُوَّةٍ أوْ عِلْمٍ مِن ناسٍ إلى ناسٍ، وكانَ اليَهُودُ يَرَوْنَ أنَّ دِينَهم لا يُنْسَخُ، فَكانَ النَّسْخُ لِذَلِكَ مِن مَطاعِنِهِمْ في هَذا الدِّينِ وفي كَوْنِ هَذا الكِتابِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، لِأنَّهُ عَلى زَعْمِهِمْ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ، قالُوا: لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ البَدا -أيْ: بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ مَقْصُورًا- وهو أنْ يَبْدُوَ الشَّيْءُ، أيْ: يَظْهَرُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى، هَذا مَعَ أنَّ النَّسْخَ في كِتابِهِمُ الَّذِي بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَإنَّ فِيهِ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِالدُّخُولِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ مُقاتَلَةِ الجَبّارِينَ، فَلَمّا أبَوْا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ دُخُولَها ومَنَعَهم مِنهُ ومِنَ القِتالِ بِالقُدْرَةِ والأمْرِ، كَما سَتَراهُ عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ في سُورَةِ المائِدَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ (p-٩١)تَعالى، وأمَرَهم بِالجُمُعَةِ فاخْتَلَفُوا فِيهِ، كَما قالَهُ النَّبِيُّ ﷺ ويَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] واخْتارُوا السَّبْتَ، فَفَرَضَ عَلَيْهِمْ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ وأحَلَّ لَهم جَمِيعَ اللُّحُومِ والشُّحُومِ، فَلَمّا اتَّخَذُوا العِجْلَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ؛ وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ تَعاطِيهِمْ مِنَ النَّسْخِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ في تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وتَحْرِيمِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ وتَحْلِيلِهِمْ لَهم ما شاؤُوا مِنَ الأحْكامِ الَّتِي تَقَدَّمَ عَدُّ جُمْلَةٍ مِنها أُصُولًا وفُرُوعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] ولَمّا «قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهم، قالَ: ألَيْسُوا يُحِلُّونَ لَهم ويُحَرِّمُونَ ؟ قالَ: بَلى، قالَ: فَتِلْكَ عِبادَتُهم لَهُمْ“»، كَما هو مُبَيَّنٌ في السِّيرَةِ في وِفادَةِ عَدِيٍّ؛ وكَما فَعَلُوا في إبْدالِ الرَّجْمِ في الزِّنا بِالتَّحْمِيمِ والجَلْدِ؛ وفي اتِّباعِ ما تَتْلُو الشَّياطِينُ مَعَ أنَّ فِيهِ إبْطالٌ كَثِيرٌ مِن شَرْعِهِمْ؛ وفي نَبْذِ فَرِيقٍ مِنهم كِتابَ اللَّهِ؛ وفي قَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ [البقرة: ٩٣] وفي اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ مَعَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ -وكُلِّ ما شاكَلَهُ في كَثِيرٍ مِن فُصُولِ التَّوْراةِ- وفِيما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لَمّا كانَ ذَلِكَ قالَ تَعالى جَوابًا عَنْ طَعْنِهِمْ (p-٩٢)سابِقًا لَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ مُعَلِّمًا أنَّهُ قَدْ ألْبَسَ العَرَبَ المَحْسُودِينَ ما كانَ قَدْ زُيِّنَ بِهِ أهْلُ الكِتابِ دُهُورًا فابْتَذَلُوهُ ودَنَّسُوا مُحَيّاهُ ورَذَّلُوهُ وغَيَّرُوهُ وبَدَّلُوهُ إشارَةً إلى أنَّ الحَسَدَ لِكَوْنِهِ اعْتِراضًا عَلى المُنْعِمِ يَكُونُ سَبَبًا لِإلْباسِ المَحْسُودِ ثَوْبَ الحاسِدِ: ﴿ما نَنْسَخْ﴾، والنَّسْخُ قالَ الحَرالِّيُّ: نَقْلُ بادٍ مِن أثَرٍ أوْ كِتابٍ ونَحْوِهِ مِن مَحَلِّهِ بِمُعاقَبٍ يُذْهِبُهُ، أوْ بِاقْتِباسٍ يُغْنِي عَنْ غَيْبَتِهِ وهو وارِدُ الظُّهُورِ في المَعْنَيَيْنِ في مَوارِدِ الخِطابِ؛ والمُعاقَبَةُ في هَذا أظْهَرُ، انْتَهى. وساقَها بِغَيْرِ عَطْفٍ لِشِدَّةِ التِباسِها بِما قَبْلَها لِاخْتِصاصِنا لِأجْلِ التَّمْشِيَةِ عَلى حَسَبِ المَصالِحِ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ نَسْخَ جَمِيعِ الشَّرائِعِ الماضِيَةِ بِكِتابِنا فَلِما فِيهِ مِنَ التَّشْرِيفِ بِالِانْفِرادِ بِالذِّكْرِ وعَدَمِ التَّبَعِيَّةِ والتَّخْفِيفِ لِلْأحْمالِ الَّتِي كانَتْ، وإنْ كانَ المُرادُ نَسْخَ ما شُرِعَ لَنا فَلِلنَّظَرِ في المَصالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بِحَسَبِ ما حَدَثَ (p-٩٣)مِنَ الأسْبابِ،

﴿مِن آيَةٍ﴾ أيْ: فَنَرْفَعُ حُكْمَها، أوْ تِلاوَتَها بَعْدَ إنْزالِها، أوْ نَأْمُرُ بِذَلِكَ عَلى أنَّها مِنَ النَّسْخِ [عَلى ] قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، سَواءٌ كانَتْ في شَرْعِ مَن قَبْلُ كاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ أوْ لَمْ تَكُنْ؛ وفي صِيغَةِ نَفْعَلُ إشْعارٌ بِأنَّ مَن تَقَدَّمَ رُبَّما نُسِخَ عَنْهم ما لَمْ يُعَوَّضُوا بِهِ مَثَلًا ولا خَيْرًا، فَفي طَيِّهِ تَرْغِيبٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا في كِتابِهِمُ الخاصِّ بِهِمْ وأنْ يَكُونَ لَهم عِنْدَ النَّسْخِ حُسْنُ قَبُولٍ فَرَحًا بِجَدِيدٍ أوِ اغْتِباطًا بِما هو خَيْرٌ مِنَ المَنسُوخِ، لِيَكُونَ حالُهم عِنْدَ تَناسُخِ الآياتِ مُقابِلَ حالِ الآبِينَ مِن قَبُولِهِ المُسْتَمْسِكِينَ بِالسّابِقِ المُتَقاصِرِينَ عَنْ خَيْرٍ لاحِقٍ وجَدَتْهُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. ”أوْ ننسأها“ أيْ: نُؤَخِّرُها، أيْ: نَتْرُكُ إنْزالَها عَلَيْكم أصْلًا، وكَذا مَعْنى ﴿أوْ نُنْسِها﴾ مِن أنْسى في قِراءَةِ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو، أيْ: نَأْمُرُ بِتَرْكِ إنْزالِها (p-٩٤)﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ كَما فَعَلْنا في: ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] وغَيْرِها، أوْ يَكُونُ المَعْنى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ فَنَزِيلُ حُكْمَها أوْ لَفْظَها عاجِلًا كَما فَعَلْنا في ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] ”أوْ ننسأها“ بِأنْ نُؤَخِّرَ نَسْخَها أوْ نَتْرُكُهُ عَلى قِراءَةِ ”نَنْسَها“ زَمَنًا ثُمَّ نَنْسَخُها كالقِبْلَةِ ﴿نَأْتِ﴾ عِنْدَ نَسْخِها ﴿بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: وهو الحَقُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. والنَّسْءُ: تَأْخِيرٌ عَنْ وقْتٍ إلى وقْتٍ، فَفِيهِ مَدارٌ بَيْنَ السّابِقِ واللّاحِقِ بِخِلافِ النَّسْخِ، لِأنَّ النَّسْخَ مُعَقِّبٌ لِلسّابِقِ والنُّسْءَ مُداوِلٌ لِلْمُؤَخَّرِ، وهو نَمَطٌ مِنَ الخِطابِ عَلِيٌّ خَفِيُّ المَنحى، لَمْ يَكَدْ يَتَّضِحُ مَعْناهُ لِأكْثَرِ العُلَماءِ إلّا لِلْأئِمَّةِ مِن آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِخَفاءِ الفُرْقانِ بَيْنَ ما شَأْنُهُ المُعاقَبَةُ وما شَأْنُهُ المُداوَلَةُ، ومِن أمْثالِهِ ما وقَعَ في النَّسْءِ مِن نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ لُحُومِ الأضاحِيِّ فَتَقَبَّلَهُ الَّذِينَ آمَنُوا نَسْخًا، وإنَّما كانَ إنْساءً وتَأْخِيرًا لِحُكْمِ (p-٩٥)الِاسْتِمْتاعِ بِها بَعْدَ ثَلاثٍ إلى وقْتِ زَوالِ الدّافَّةِ الَّتِي كانَتْ دَفَّتْ عَلَيْهِمْ مِنَ البَوادِي، فَلَمْ يُلَقَّنْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى فَسَّرَهُ فَقالَ: «إنَّما نَهَيْتُكم مِن أجْلِ الدّافَّةِ»، فَفي مُتَّسَعِ فِقْهِهِ أنَّ أحْكامًا تُؤَخَّرُ فَتُشابِهُ النَّسْخَ مِن وجْهٍ ثُمَّ تُعادُ فَتُخالِفُهُ مِن هَذا الوَجْهِ مِن حَيْثُ إنَّ حِكْمَةَ المَنسُوخِ مُنْقَطِعَةٌ وحِكْمَةَ المُنْسَأِ مُتَراجِعَةٌ، ومِنهُ المُقاتَلَةُ لِلْعَدُوِّ عِنْدَ وِجْدانِ المِنَّةِ والقُوَّةِ والمُهادَنَةُ عِنْدَ الضَّعْفِ عَنِ المُقاوَمَةِ هو مِن أحْكامِ المُنْسَأِ، وكُلُّ ما شَأْنُهُ أنْ يَمْتَنِعَ في وقْتٍ لِمَعْنًى ما ثُمَّ يَعُودُ في وقْتٍ لِزَوالِ ذَلِكَ المَعْنى فَهو مِنَ المُنْسَأِ الَّذِي أهْمَلَ عِلْمَهُ أكْثَرُ النّاظِرِينَ ورُبَّما أضافُوا أكْثَرَهُ إلى نَمَطِ النَّسْخِ لِخَفاءِ الفُرْقانِ بَيْنَهُما؛ فَبِحَقٍّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن جَوامِعِ آيِ الفُرْقانِ، فَهَذا حُكْمُ النَّسْءِ والإنْساءِ وهو في العِلْمِ بِمَنزِلَةِ تَعاقُبِ الفُصُولِ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأشْياءِ المُتَعاقِبَةِ في وجْهِ المُتَداوَلَةِ في الجُمْلَةِ.

قُلْتُ: وحاصِلُهُ تَأْخِيرُ الحِلِّ كَما ذَكَرَ أوِ الحُرْمَةِ كَما في المُتْعَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ إلى وقْتٍ آخَرَ، وذَلِكَ هو مَدْلُولُ النَّسْءِ عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَتَعارَفُهُ كَما سَيَأْتِي تَحْرِيرُهُ في سُورَةِ بَراءَةٍ عِنْدَ ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] قالَ: وأمّا النِّسْيانُ والتَّنْسِيَةُ فَمَعْناهُ أخْفى مِنَ النَّسِيءِ وهو ما يُظْهِرُهُ اللَّهُ (p-٩٦)مِنَ البَياناتِ عَلى سَبِيلِ إدْخالِ النِّسْيانِ عَلى مَن لَيْسَ شَأْنُهُ أنْ يُنْسَأ كالسُّنَنِ الَّتِي أبْداها النَّبِيُّ ﷺ عَنْ تَنْسِيَتِهِ كَما ورَدَ مِن قَوْلِهِ: «إنِّي لَأُنَسّى لِأسُنَّ» . وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في إفْصاحِ القَوْلِ فِيهِ: «بِئْسَما لِأحَدِكم أنْ يَقُولَ: نَسِيتُ، بَلْ هو نُسِّيَ»، ومِنهُ قِيامُهُ مِنَ اثْنَتَيْنِ وسَلامُهُ مِنَ اثْنَتَيْنِ حَتّى أظْهَرَ اللَّهُ سُنَّةَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ، وكانَتْ تِلْكَ الصَّلاةُ بِسَهْوِها لَيْسَتْ بِدُونِها مِن غَيْرِ سَهْوٍ بَلْ هي مِثْلُها أوْ خَيْرٌ؛ ومِن نَحْوِهِ مَنامُهُ عَنِ الصَّلاةِ حَتّى أظْهَرَ اللَّهُ تَوْقِيتَ الصَّلاةِ بِالذِّكْرِ كَما كانَ قَدْ أظْهَرَها (p-٩٧)بِالوَقْتِ الزَّمانِيِّ، فَصارَ لَها وقْتانِ: وقْتُ نُورٍ عَيانِيٌّ مِن مَدارِها مَعَ الشَّمْسِ، ووَقْتُ نُورٍ وِجْدانِيٌّ مِن مَدارِها مَعَ الذِّكْرِ، ولِصِحَّةِ وُقُوعِها لِلْوَقْتَيْنِ كانَتِ المُوَقَّتَةُ بِالذِّكْرِ أداءً بِحَسَبِهِ، قَضاءً بِحَسَبِ فَوْتِ الوَقْتِ الزَّمانِيِّ؛ فَلِلَّهِ تَعالى عَلى [هَذِهِ ] الأُمَّةِ فَضْلٌ عَظِيمٌ فِيما يُكْمِلُ لَها عَلى طَرِيقِ النَّسْخِ وعَلى سَبِيلِ النَّسْءِ وعَلى جِهَةِ النِّسْيانِ الَّذِي لَيْسَ عَنْ تَراخٍ ولا إهْمالٍ وإنَّما يُوقِعُهُ إجْبارًا مَعَ إجْماعِ العَزْمِ، وفي كُلِّ ذَلِكَ إنْباءٌ بِأنَّ ما وقَعَ مِنَ الأمْرِ بَعْدَ هَذا النِّسْيانِ خَيْرٌ مِن مَوْقِعِ ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي كانَ يَقَعُ عَلى إجْماعٍ ورِعايَةٍ لِتَسْتَوِيَ أحْوالُ هَذِهِ الأُمَّةِ في جَمِيعِ تَقَلُّباتِ أنْفُسِها، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ اخْتِصاصِ رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ العَظِيمِ، انْتَهى. واسْتَدَلَّ سُبْحانَهُ عَلى إتْيانِهِ بِذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ، والقُدْرَةُ الشّامِلَةُ التّامَّةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْعِلْمِ أيْ: ولَيْسَ هو كَغَيْرِهِ مِنَ المُلُوكِ إذا أمَرَ بِشَيْءٍ خافَ غائِلَةَ أتْباعِهِ ورَعاياهُ في نَقْضِهِ، واسْتَدَلَّ عَلى القُدْرَةِ بِأنَّ لَهُ جَمِيعَ المُلْكِ وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مَعَهُ (p-٩٨)أمْرٌ؛ وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذا الكِتابَ وأكَّدَ أمْرَهُ مِرارًا وكانَ ناسِخًا لِفُرُوعِ شَرِيعَتِهِمْ ولا سِيَّما ما فِيها مِنَ الآصارِ والأغْلالِ أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ مِن أعْظَمِ ضَلالِهِمْ وغَيِّهِمْ ومِحالِهِمُ، ادِّعاؤُهم أنَّ النَّسْخَ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ، فَمَنَعُوا مِن: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] مِمّا هو مَوْجُودٌ في كِتابِهِمْ كَما أمَرَ آنِفًا، ومِمّا سَوَّغُوهُ لِأنْفُسِهِمْ بِالتَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ، ولَزِمَ مِن ذَلِكَ تَكْذِيبُ كُلِّ رَسُولٍ أتاهم بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم، وفَعَلُوا خِلافَ حالِ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ بِما أُنْزِلَ إلى نَبِيِّهِمْ وما أُنْزِلَ إلى غَيْرِهِ، وضَمَّنَ ذَلِكَ عَيْبَهم بِالقَدْحِ في الدِّينِ بِالأمْرِ بِالشَّيْءِ اليَوْمَ والنَّهْيِ عَنْهُ غَدًا، وأنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما تَغَيَّرَ لِأنَّهُ عالِمٌ بِالعَواقِبِ، ولا يَخْلُو إمّا أنْ يَعْلَمَ أنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ مَصْلَحَةٌ فَلا يَنْهى عَنْهُ بَعْدُ، أوْ مَفْسَدَةٌ فَلا يَأْمُرُ بِهِ اليَوْمَ، وجَوابُهم عَنْ ذَلِكَ مُعْرِضًا عَنْ خِطابِهِمْ تَعْرِيضًا بِغَباوَتِهِمْ إلى خِطابِ أعْلَمِ الخَلْقِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الحائِزَ لِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ،

﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ والتَّقْرِيرُ المُشارُ فِيهِ لِلتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ، فَيَخْلُقُ بِقُدْرَتِهِ مِنَ الأسْبابِ ما يَصِيرُ الشَّيْءُ في وقْتٍ مَصْلَحَةً، وفي وقْتٍ آخَرَ مَفْسَدَةً لِحِكَمٍ ومَصالِحَ دَبَّرَها لِتَصَرُّمِ هَذا العالَمِ، ويَقْضِي هَذا الكَوْنَ بِشُمُولِ عِلْمِهِ بِكُلِّ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ. (p-٩٩)ولَوْ أرادَ لَجَعَلَ الأمْرَ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ والنّاسَ عَلى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ،

﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] ﴿لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] ولَكِنَّهُ مالِكُ المُلْكِ ومَلِكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَتَصَرَّفُ عَلى حَسَبِ ما يُرِيدُ، لا رادَّ لِأمْرِهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ولا يَسُوغُ الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، وهَلْ يَجُوزُ أنْ يَعْتَرِضَ العَبْدُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ أصْلًا مِنَ الرِّقِّ عَلى السَّيِّدِ الثّابِتِ السُّؤْدُدِ عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ أصْلًا فَلا يَلْزَمُهُ الأمْرُ عَلى حَسَبِ المَصالِحِ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما هو كالدَّلِيلِ عَلى شُمُولِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾ الجامِعَ لِأنْواعِ العَظَمَةِ،

﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَفْعَلُ في ذَواتِهِما وأحْوالِهِما ما يَشاءُ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَهو بِما هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُفَصِّلُ الآياتِ، وهو بِما لَهُ مَلِكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُدَبِّرُ الأمْرَ، انْتَهى.

ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن إظْهارِ قُدْرَتِهِ وسِعَةِ مُلْكِهِ وعَظَمَتِهِ بِالِاسْمِ العَلَمِ الَّذِي هو [أعْظَمُ ] مِن مَظْهَرِ [العَظَمَةِ ] في نَنْسَخُ ونَنْسَأُ بِالإقْبالِ عَلى خِطابِ مَن لا يَعْلَمُ ذَلِكَ حَقَّ عِلْمِهِ غَيْرُهُ فَتَهَيَّأتْ قُلُوبُ السّامِعِينَ وصَغَتْ لَفَتَ الخِطابَ إلَيْهِمْ تَرْهِيبًا في إشارَةٍ إلى تَرْغِيبٍ فَقالَ: ﴿وما لَكم (p-١٠٠)مِن دُونِ اللَّهِ﴾ المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ صِفاتِ العَظَمَةِ،

﴿مِن ولِيٍّ﴾ يَتَوَلّى أُمُورَكم، وهو مِنَ الوِلايَةِ، قالَ الحَرالِّيُّ وهي القِيامُ بِالأمْرِ عَنْ وُصْلَةٍ واصِلَةٍ ﴿ولا نَصِيرٍ﴾ فَأقْبِلُوا بِجَمِيعِ قُلُوبِكم إلَيْهِ ولا تَلْفِتُوها عَنْهُ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ لِلَّذِينِ آمَنُوا ولَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَةَ المُؤْمِنِينَ مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ إذا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِما أرادَ كائِنًا ما كانَ لِئَلّا تُلَقَّنَ بَواطِنُهم عَنِ اليَهُودِ نَحْوًا مِمّا لُقِّنَتْ ظَواهِرُ ألْسِنَتِهِمْ، بِأنْ تَسْتَمْسِكَ بِسابِقِ فُرْقانِها فَتَتَثاقَلَ عَنْ قَبُولِ لاحِقِهِ ومُكَمِّلِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَبَعًا لِكَثْرَةِ أهْلِ الكِتابِ في إبائِها نَسْخُ ما لَحِقَهُ التَّغْيِيرُ مِن أحْكامِ كِتابِها، أفادَهُ الحَرالِّيُّ وقالَ: وهو في الحَقِيقَةِ خِطابٌ جامِعٌ لِتَفْصِيلِ ما يَرِدُ مِنَ النَّسْخِ في تَفاصِيلِ الأحْكامِ والأحْوالِ بِمَنزِلَةِ الخِطابِ المُتَقَدِّمِ في صَدْرِ السُّورَةِ المُشْتَمِلِ عَلى جامِعِ ضَرْبِ الأمْثالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما﴾ [البقرة: ٢٦] الآيَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي فُسْطاطُ القُرْآنِ (p-١٠١)الجامِعَةُ لِجَمِيعِ ما تَفَصَّلَ فِيهِ؛ وهي سَنامُ القُرْآنِ، وسَنامُ الشَّيْءِ أعْلاهُ؛ وهي سَيِّدَةُ سُوَرِ القُرْآنِ؛ فَفِيها لِذَلِكَ جَوامِعُ يَنْتَظِمُ بَعْضُها بِبَعْضٍ أثَّرَ تَفاصِيلُهُ خِلالَها في سِنامِيَّةِ مَعانِيها وسِيادَةِ خِطابِها نَحْوًا مِنَ انْتِظامِ آيِ سُورَةِ الفاتِحَةِ المُنْتَظِمَةِ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ وقَعَ أثْناءَها لِيَكُونَ بَيْنَ المُحِيطِ الجامِعِ والِابْتِداءِ الجامِعِ مُشاكَلَةً ما، انْتَهى.

2:108Page 17

أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٠٨

Or do you intend to ask1 your Messenger as Moses was asked before? And whoever exchanges faith for disbelief has certainly strayed from the soundness of the way.

ولَمّا كانَ رَسَخَ ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِن تَمامِ قُدْرَتِهِ وعَظِيمِ مَمْلَكَتِهِ وما أظْهَرَ لِذاتِهِ المُقَدَّسِ مِنَ العِظَمِ بِتَكْرِيرِ اسْمِهِ العَلَمِ وإثْباتِ أنَّ ما سِواهُ عَدَمٌ فَتَأهَّلَتِ القُلُوبُ لِلْوَعْظِ صَدَعَها بِالتَّأْدِيبِ بِالإنْكارِ الشَّدِيدِ فَقالَ: ﴿أمْ﴾ أيْ: أتُرِيدُونَ أنْ تَرُدُّوا أمْرَ خالِقِكم في النَّسْخِ أمْ ﴿تُرِيدُونَ أنْ﴾ تَتَّخِذُوا مِن دُونِهِ إلَهًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ بِأنَّ ﴿تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ أنْ يَجْعَلَ لَكم إلَهًا غَيْرَهُ ﴿كَما سُئِلَ مُوسى﴾ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ سُؤالُهم ذَلِكَ في زَمَنٍ يَسِيرٍ أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ هَذا الزَّمانِ؛ إذْ قالَ قَوْمُهُ بَعْدَ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ وقَدْ مَرُّوا بِقَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وقالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وقالُوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ (p-١٠٢)واحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] وكانُوا يَتَعَنَّتُونَ عَلَيْهِ في أحْكامِ اللَّهِ بِأنْواعِ التَّعَنُّتاتِ كَما تَقَدَّمَ، و”الإرادَةُ“ في الخَلْقِ نُزُوعُ النَّفْسِ لِبادٍ تَسْتَقْبِلُهُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ما قَدَّرْتُهُ قَوْلُهُ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَيَكْفُرُوا فَإنَّهُ مَن سَألَ ذَلِكَ فَقَدْ تَبَدَّلَ الكُفْرَ بِالإيمانِ،

﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ أيْ: يَأْخُذُ الكُفْرَ بَدَلًا مِنَ الإيمانِ بِالإعْراضِ عَنِ الآياتِ وسُؤالِ غَيْرِها أوِ التَّمَسُّكِ بِما نُسِخَ مِنهُ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ اسْتِجْلابًا لِمَن زَلَّ بِسُؤالِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلى الرُّجُوعِ بِالتَّوْبَةِ لِيَزُولَ عَنْهُ الِاسْتِمْرارُ فَيَزُولُ الضَّلالُ،

﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: عَدَلَهُ ووَسَطَهُ فَلَمْ يَهْتَدِ إلَيْهِ وإنْ كانَ في بَيِّناتٍ مِنهُ، فَإنَّ مَن حادَ عَنِ السَّواءِ أوْشَكَ أنْ يَبْعُدَ بُعْدًا لا سَلامَةَ مَعَهُ،

﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وكَثِيرًا ما كانَ يَتَزَلْزَلُ طَوائِفُ مِنَ النّاسِ عِنْدَ تَبَدُّلِ الآياتِ وتَناسِي الأحْكامِ وبِحَسَبِ ما يَقَعُ في النَّفْسِ مِن تَثاقُلٍ عَنْهُ أوْ تَحامُلٍ عَلى قَبُولِهِ (p-١٠٣)يَلْحَقُهُ مِن هَذا الضَّلالِ عَنْ سَواءِ هَذا السَّبِيلِ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الخِطابَ لِلَّذِينِ آمَنُوا؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ المُعَرَّفِينَ بِالوَصْفِ لا يَتَبَدَّلُ أحْوالُهم مِن إيمانٍ لِكُفْرٍ، لِأنَّ أحَدًا لا يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أنْ خالَطَ الإيمانُ بِشاشَةَ قَلْبِهِ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها﴾ [البقرة: ٢٥٦] ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [لقمان: ٢٢] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ لا يَنْتَزِعُ العِلْمَ انْتِزاعًا بَعْدَ أنْ أعْطاكُمُوهُ»، فَبِذَلِكَ يَتَّضِحُ مَواقِعُ خِطابِ القُرْآنِ مَعَ المُتَرَتِّبِينَ في أسْنانِ القُلُوبِ بِحَسَبِ الحَظِّ مِنَ الإيمانِ والإسْلامِ والإحْسانِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. وعَرَّفَ ”السَّبِيل“ بِأنَّهُ المُشْتَمِلُ عَلى قَوامِ السّائِرِ فِيهِ والسّالِكِ لَهُ مِن نَحْوِ الرَّعْيِ والسَّقْيِ وشِبْهِهِ، والسَّواءُ بِأنَّهُ مِنَ الشَّيْءِ أسَمْحُهُ (p-١٠٤)بِالأمْرِ الَّذِي قُصِدَ لَهُ، قالَ: ويُقالُ هو وسَطُهُ وخِيارُهُ.

2:109Page 17

وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٠٩

Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allāh delivers His command. Indeed, Allāh is over all things competent.

ولَمّا كانَ أكْثَرُ المُثِيرِينَ لِهَذِهِ الشُّكُوكِ في صُوَرِ أهْلِ الإسْلامِ، قالَ تَعالى مُخاطِبًا لِلْمُؤْمِنِينَ وهم في غِمارِهِمْ تَنْفِيرًا لَهم عَنِ الضَّلالِ الَّذِي هو في نَفْسِهِ أهْلٌ لِأنَّ يُنْفَرُ عَنْهُ فَكَيْفَ وهو شَماتَةُ العَدُوِّ وبِتَخْيِيلِهِ ووِدادَتِهِ تَحْذِيرًا لَهم مِن مُخالَطَتِهِمْ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ﴾، وهو تَعْلِيلٌ لِمَعْنى الكَلامِ وهو: فَلا تَتَبَدَّلُوا الكُفْرَ بِالإيمانِ، بَعْدَ تَعْلِيلِهِ بِالضَّلالِ؛ وذَلِكَ كَما مَضى في: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٥] سَواءٌ.

ولَمّا كانَ المُشْرِكُونَ عَرَبًا عالِمِينَ بِأنَّ طَبْعَ العَرَبِ الثَّباتُ لَمْ يُدْخِلْهم مَعَهم في هَذا الوِدِّ، وقالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ فَأنْبَأ أنَّ المُصافِيَ مِنهم قَلِيلٌ وبَشَّرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ ما يَوَدُّونَهُ مِن قِسْمِ المُحالِ بِسَوْقِهِ سَوْقَ المُتَمَنِّي فَقالَ: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ أيْ: بِأجْمَعِكم؛ ثُمَّ حَقَّقَ أمْرَ التَّمَنِّي في كَوْنِهِ مُحالًا مُشِيرًا بِإثْباتِ الجارِّ إلى قَناعَتِهِمْ بِهِ ولَوْ في زَمَنٍ يَسِيرٍ، فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ إيمانِكُمْ﴾ أيِ: الرّاسِخِ،

﴿كُفّارًا﴾ أيْ: لِتَكُونُوا مِثْلَهم فَتُخَلَّدُوا مَعَهم في النّارِ،

﴿حَسَدًا﴾ عَلى ما آتاكُمُ اللَّهُ مِنَ الخَيْرِ الهادِي إلى الجَنَّةِ، والحَسَدُ: قَلَقُ النَّفْسِ مِن رُؤْيَةِ النِّعْمَةِ عَلى الغَيْرِ، وعَبَّرَ عَنْ بُلُوغِ الحَسَدِ (p-١٠٥)إلى غايَةٍ لا حِيلَةَ مَعَها في تَرْكِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: أنَّهُ راسِخٌ في طَبائِعِهِمْ فَلا تَطْمَعُوا في صَرْفِهِ بِشَيْءٍ، فَإنَّ أنْفُسَهم غالِبَةٌ عَلى عُقُولِهِمْ، ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِإثْباتِ الجارِّ إلى ذَمِّهِمْ بِأنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى الضَّلالِ بَعْدَ الدَّعْوَةِ لا يَطْلُبُونَ الحَقَّ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَعَرُّفِهِ، حَتّى هَجَمَ عَلَيْهِمْ بَيانُهُ وقَهَرَهم عِرْفانُهُ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ؛ وما كَفاهم ضَلالُهم في أنْفُسِهِمْ حَتّى تَمَنَّوْا إضْلالَ غَيْرِهِمْ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ،

﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ﴾ أيْ: بَيانًا عَظِيمًا بِوُضُوحِهِ في نَفْسِهِ،

﴿لَهُمُ الحَقُّ﴾ أيْ: مِن صِحَّةِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ خاتَمُ النَّبِيِّينَ المُرْسَلُ إلى النّاسِ (p-١٠٦)كافَّةً بِشَهادَةِ ما طابَقَهُ مِنَ التَّوْراةِ، ومِن أنَّهم خالِدُونَ في النّارِ، لِأنَّهم مِمَّنْ أحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ في جَمِيعِ هَذِهِ الآياتِ إبْطالًا لِدَعْواهم في مَسِّ النّارِ لَهم أيّامًا مَعْدُودَةً.

ثُمَّ أرْشَدَ إلى الدَّواءِ بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنِ الإخْبارِ بِأنَّ وِدَّهم مُحالٌ وبِعَدَمِ رُجُوعِهِمْ: ﴿فاعْفُوا﴾ أيْ: عامِلُوهم مُعامَلَةَ العافِي بِأنْ لا تَذْكُرُوا لَهم شَيْئًا مِمّا تُظْهِرُهُ تِلْكَ الوِدادَةُ النّاشِئَةُ عَنْ هَذا الحَسَدِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ولا تَأْخُذُوا في مُؤاخَذَتِهِمْ بِهِ، فَإنَّهم لا يَضُرُّونَكم ولا يَرْجِعُونَ إلَيْكم،

﴿واصْفَحُوا﴾ أيْ: أظْهِرُوا لَهم أنَّكم لَمْ تَطَّلِعُوا عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وأصْلُ مَعْناهُ مِنَ الإعْراضِ بِصَفْحَةِ العُنُقِ عَنِ الشَّيْءِ كَأنَّهُ لَمْ يَرَهُ، وأمَرَهم بِمُطْلَقِ الصَّفْحِ ولَمْ يُقَيِّدْهُ بِالجَمِيلِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ خِطابَ نَبِيِّهِمْ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] لِتَنَزُّلِ الخِطابِ عَلى مَراتِبِهِ ومُسْتَحَقِّ مَواقِعِهِ، وحَثَّهم عَلى أنْ يَكُونَ فِعْلُهم ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى تَفْرِيجِهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿بِأمْرِهِ﴾ فَبَشَّرَهم (p-١٠٧)بِذَلِكَ بِظُهُورِهِمْ عَلى مَن أُمِرُوا بِالصَّفْحِ والعَفْوِ عَنْهم، وقَدْ كانَ مَبْدَأُ ذَلِكَ ويَتِمُّ في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

ولَمّا كانَ النَّصْرُ وهم في القِلَّةِ والضَّعْفِ بِحالٍ عَظِيمٍ وقُوَّةُ عَدُوِّهِمْ وكَثْرَتُهم أعْظَمُ مُسْتَبْعَدًا قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَحْقِيقًا لِلْبُشْرى بِالإيماءِ إلى اسْتِحْضارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا الِاسْمُ الأعْظَمُ مِن صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ،

﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَفي هَذا الخَتْمِ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ بِتَقْدِيرِهِمْ كَما أنَّ في الخَتْمِ بِالعِلْمِ بُشْرى بِتَعْلِيمِهِمْ، وفي إفْهامِهِ نِذارَةٌ لِلْكافِرِينَ بِمُقابِلِ ذَلِكَ.

2:110Page 17

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٠

And establish prayer and give zakāh, and whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allāh. Indeed Allāh, of what you do, is Seeing.

ولَمّا أمَرَهم بِالثِّقَةِ بِهَذا الكِتابِ ما نُسِخَ مِنهُ وما لَمْ يُنْسَخْ وأنْ (p-١٠٨)لا يَعُوقَهم عَنْهُ طَعْنُ الطّاعِنِينَ ولا حَسَدُ الحاسِدِينَ وأمَرَهم بِالإعْراضِ عَنِ الغَيْرِ أمَرَهم بِالإقْبالِ عَلى إصْلاحِ النَّفْسِ والإحْسانِ إلى الغَيْرِ مِمّا اتَّصَفَ بِهِ المُهْتَدُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الصَّلاةِ قَصْرَ الهِمَّةِ والنِّيَّةِ عَلى الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ وتَفْرِيغَ البالِ مِن جَمِيعِ الشَّواغِلِ عَلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ بَعْدَ الخَتْمِ بِشُمُولِ القُدْرَةِ فاعْلَمُوا ذَلِكَ وثِقُوا بِهِ،

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾: الَّتِي هي مَعَ كَوْنِها سَنَبْتَلِيكم في قِبْلَتِها بِالنَّسْخِ قِوامَ الدِّينِ والمُعِينَةَ عَلى جَمِيعِ النَّوائِبِ بِإعانَةِ الخالِقِ الَّذِي قَصَدَ بِها الإقْبالَ عَلَيْهِ والتَّقَرُّبَ إلَيْهِ،

﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ الَّتِي هي قَرِينَةُ الصَّلاةِ، فَمَن فَرَّقَ بَيْنَهُما فَقَدْ نَسَخَ ما أثْبَتَ اللَّهُ فاسْتَحَقَّ القِتالَ لِيَرْجِعَ عَمّا ارْتَكَبَ مِنَ الضَّلالِ، وهي مِن أعْظَمِ نَفَقاتِ المُؤْمِنِينَ إحْسانًا إلى الخَلائِقِ إنْ كُنْتُمْ مُصَلِّينَ بِالحَقِيقَةِ، فَإنَّ المالَ بَعْضُ (p-١٠٩)ما صَرَفَتْ عَنْهُ الصَّلاةُ مِن أعْراضِ الدُّنْيا.

ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] وما بَعْدَهُ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ تَحْذِيرًا مِن كَيْدِ أعْدائِهِمْ بِالنَّهْيِ عَمّا يُرْدِيهِمْ والأمْرِ بِما يُنْجِيهِمْ وخَتَمَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَذْلَكَةً لِذَلِكَ كُلِّهِ جَمِيعًا لِمَعانِيهِ وفَتَحَها بِرَأْسِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ وكانَتْ ”ال“ مُشِيرَةً إلى الواجِبِ مِن ذَلِكَ خَتَمَ الآيَةَ نَفْسَها بِالأمْرِ العامِّ الجامِعِ، فَقالَ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ أيْ: مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ وغَيْرِهِما فَرْضًا ونَفْلًا،

﴿تَجِدُوهُ﴾ وزادَ تَرْغِيبًا فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ، فَهو يَحْفَظُهُ بِما لَهُ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ ويُرَبِّيهِ بِما لَهُ مِنَ الكَرَمِ والرَّحْمَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الفَضْلِ.

ولَمّا كانَ الشَّيْءُ قَدْ يُهْمَلُ لِكَوْنِهِ صَغِيرًا وقَدْ لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ خَفِيًّا حَقِيرًا قالَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ المُحِيطَ قُدْرَةً وعِلْمًا،

﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وأظْهَرَ الِاسْمَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ إشْعارًا بِالِاسْتِئْنافِ لِلْخَيْرِ لِيَكُونَ خَتْمًا جامِعًا؛ لِأنَّهُ لَوْ عادَ عَلى خُصُوصِ هَذا الخِطابِ لَكانَ ”إنَّهُ“، وذَلِكَ لَأنَّ تَجْدِيدَ الإظْهارِ يَقَعُ بِمَعْنى رَدِّ (p-١١٠)خَتْمِ الخِطابِ عَلى إحاطَةِ جُمْلَتِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ أضْمَرَ لَكانَ رُبَّما أفْهَمَ تَقَيُّدَ عِلْمِهِ بِحَيْثِيَّةِ ما تَقَدَّمَ مِن عَمَلِ الخَيْرِ؛ وعَلى مِثْلِ هَذا دَلَّ قَوْلُ العَلّامَةِ شَمْسِ الدِّينِ الغَزِّيِّ في أوَّلِ شَرْحِهِ لِإيساغُوجِي: الغالِبُ في المُضْمَرِ إرادَةُ المَعْنى الأوَّلِ، وأمّا حَدِيثُ: إعادَةِ الشَّيْءِ مَعْرِفَةً. فَأصْلٌ يُعْدَلُ عَنْهُ كَثِيرًا لِلْقَرائِنِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском