Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:111–116

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:111–116

2:111Page 17

وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١١١

And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking. Say, "Produce your proof, if you should be truthful."

ولَمّا ذَكَرَ دَعْواهم في مَسِّ النّارِ وأبْطَلَها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أحاطَتْ بِهِمْ فِيها الخَطايا إحاطَةً اقْتَضَتْ خُلُودَهم فِيها مِن جِهَةِ ضَلالِهِمْ إلى آيَةِ (p-١١١)النَّسْخِ مُرَقِّيًا الخِطابَ مِن سَيِّئَةٍ إلى أسْوَأ مِنها ثُمَّ مِن جِهَةِ إضْلالِهِمْ لِغَيْرِهِمْ مِن آيَةِ النَّسْخِ عَطَفَ عَلى تِلْكَ الدَّعْوى الإخْبارَ بِدَعْواهم في دُخُولِ الجَنَّةِ تَصْرِيحًا بِما أفْهَمَتْهُ الدَّعْوى الأُولى تَلْوِيحًا وقَرَنَ بِذَلِكَ مِثْلَ ما خَتَمَ بِهِ ما قَبْلَها مِن أنَّ مَن فَعَلَ خَيْرًا وجَدَ عَلى وجْهٍ بَيِّنٍ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ الخَيْرَ الإسْلامُ والإحْسانُ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى حَسَدًا مِنهم عَلى المُسَبَّبِ الَّذِي هو الجَنَّةُ كَما حَسَدُوا عَلى السَّبَبِ وهو إنْزالُ ما اقْتَضى الإيمانُ المُوَصِّلُ إلى الرِّضْوانِ الَّذِي بِهِ تُسْتَباحُ الجِنانُ،

﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾: المُعَدَّةَ لِأوْلِياءِ اللَّهِ،

﴿إلا مَن كانَ هُودًا﴾ هَذا قَوْلُ اليَهُودِ مِنهم،

﴿أوْ نَصارى﴾ وهَذا قَوْلُ النَّصارى نَشْرًا لِما لَفَتَهُ الواوُ في ”وقالُوا“ . (p-١١٢)ولَمّا كانُوا أبْعَدَ النّاسِ عَنْ هَذِهِ الأمانِي الَّتِي تَمَنَّوْها لِأنْفُسِهِمْ لِمُنابِذَتِهِمْ لِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ والَّتِي حَسَدُوا فِيها المُؤْمِنِينَ لِأنَّ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ قالَ مُشِيرًا إلى بُعْدِهِمْ عَنْ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الدَّعْوى وطَلَبِ الدَّلِيلِ عَلَيْها تَعْجِيلًا لِتَوْهِيَتِها،

﴿تِلْكَ﴾ بِأداةِ البُعْدِ،

﴿أمانِيُّهُمْ﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ، أيْ: أمْثالُ هَذِهِ الشَّهْوَةِ مِن وِدِّهِمْ أنْ لا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ، وأنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا، وأنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ غَيْرُهم، وأمْثالُ ذَلِكَ مِن شَهَواتِهِمْ.

ولَمّا كانَ كُلُّ مُدَّعٍ لِغَيْبٍ مُفْتَقِرًا في تَصْحِيحِ دَعْواهُ إلى دَلِيلٍ وكانَ مِثْلُ هَذا لا يَقْنَعُ فِيهِ إلّا بِقاطِعِ أمْرِ أعْلَمِ الخَلْقِ لِأنَّهُ لا يَنْهَضُ بِإخْراسِهِمْ في عِلْمِهِمْ ولَدَدِهِمْ غَيْرُهُ بِمُطالَبَتِهِمْ بِذَلِكَ ناقِضًا لِدَعْواهم؛ فَقالَ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ بِلَفْظِ البُرْهانِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهو عِلْمٌ قاطِعُ الدَّلالَةِ غالِبُ القُوَّةِ بِما تُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ الفُعْلانِ ضَمُّ أوَّلِها وزِيادَتا آخِرِها، (p-١١٣)وهَذا كَما افْتَتَحَ تِلْكَ بِالنَّقْضِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٠] وفي ذَلِكَ إعْلامٌ بِأنَّهُ تَعالى ما غَيَّبَ شَيْئًا إلّا وأبْدى عَلَيْهِ عَلَمًا لِيَكُونَ في العالَمِ المَشْهُودِ شَفّافٌ عَنِ العالَمِ الغائِبِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. قالُوا: وهَذا أهْدَمُ شَيْءٍ لِمَذْهَبِ المُقَلِّدِينَ ودَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا بُرْهانَ عَلَيْهِ باطِلٌ.

2:112Page 17

بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١١٢

Yes, [on the contrary], whoever submits his face [i.e., self] in Islām to Allāh while being a doer of good will have his reward with his Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

ولَمّا نادى عَلَيْهِمْ بِالكَذِبِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] أثْبَتَ لِغَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى﴾ ما ادَّعَوُا الِاخْتِصاصَ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أهْلَ الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ﴾ أيْ: كُلِّيَّتَهُ، لِأنَّ الوَجْهَ أشْرَفُ ما ظَهَرَ مِنَ الإنْسانِ، فَمَن أسْلَمَهُ أسْلَمَ كُلُّهُ، كَما أنَّ ”الإيمانَ“ إذْعانُ القَلْبِ الَّذِي هو أشْرَفُ ما بَطَنَ وإذْعانُهُ إذْعانُ جَمِيعِ الأعْضاءِ؛ و”الإسْلامُ“؛ قالَ الحَرالِّيُّ: الإلْقاءُ بِما يَكُونُ مِن مِنَّةٍ في باطِنٍ أوْ ظاهِرٍ؛ و”الوَجْهُ“: مُجْتَمَعُ حَواسِّ الحَيَوانِ، وأحْسَنُ ما في المَوَتانِ، وهو ما عَدا الحَيَوانَ، ومَوْقِعُ الفِتْنَةِ مِنَ الشَّيْءِ الفَتّانِ؛ وهو أوَّلُ ما يُحاوِلُ إبْداؤُهُ مِنَ الأشْياءِ لِذَلِكَ ﴿لِلَّهِ﴾ مِن أجْلِ أنَّهُ اللَّهُ الجامِعُ لِلْكَمالِ.

ولَمّا كانَ ذِكْرُ الأجْرِ لِكُلِّ واحِدٍ بِعَيْنِهِ أنَصَّ عَلى المَقْصُودِ وأنْفى (p-١١٤)لِلتَّعَنُّتِ، أفْرَدَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في جانِبِ الحَقِّ بِإذْعانِ القَلْبِ، وفي جانِبِ الخَلْقِ بِما يُرْضِي الرَّبَّ، فَصارَ يَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ، فَطابَقَ سِرُّهُ عَلَنَهُ، ولَمّا نَفَوُا الأجْرَ عَنْ غَيْرِهِمْ وأثْبَتَهُ سُبْحانَهُ لِلْمُتَّصِفِ بِالإسْلامِ مِنهم ومِمَّنْ سِواهم وكانَ رُبَّما قِيلَ إنَّهُ أعْطى غَيْرَهم لِكَوْنِهِ المَلِكَ المُطْلَقَ بِغَيْرِ سَبَبٍ رَبَطَ الأجْرَ بِالفاءِ دَلِيلًا عَلى أنَّ إسْلامَهم هو السَّبَبُ فَقالَ: ﴿فَلَهُ﴾ خاصَّةً ﴿أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ إحْسانًا إلَيْهِ بِإثْباتِ نَفْعِهِ عَلى حَسَبِ ما رَبَّهُ بِهِ في كُلِّ شَرِيعَةٍ.

ولَمّا كانَ رُبَّما ادَّعى أنَّهُ ما أفْرَدَ الضَّمِيرَ إلّا لِأنَّ المُرادَ واحِدٌ بِعَيْنِهِ فَلا يَقْدَحُ ذَلِكَ في دَعْوى أنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا اليَهُودُ أوِ النَّصارى جَمَعَ فَقالَ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن آتٍ،

﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى شَيْءٍ فاتَ دَفْعًا لِضُرِّهِمْ، وهَذا كَما أثْبَتَ سُبْحانَهُ خِلافَ دَعْواهم في مَسِّ النّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] الآيَةَ، فالتَحَمَ الكَلامُ بِذَلِكَ أشَدَّ التِحامٍ وانْتَظَمَ أيَّ انْتِظامٍ.

2:113Page 18

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١١٣

The Jews say, "The Christians have nothing [true] to stand on," and the Christians say, "The Jews have nothing to stand on," although they [both] recite the Scripture. Thus do those who know not [i.e., the polytheists] speak the same as their words. But Allāh will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

ولَمّا أبْطَلَ دَعْوى اخْتِصاصِهِمْ بِالرَّحْمَةِ قَدْحًا مِنهم في غَيْرِهِمْ وأثْبَتَها لِلْمُحْسِنِينَ أتْبَعَ ذَلِكَ قَدْحَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم في الآخَرِ وبَيانَ انْتِفائِها عَنْهم بِإساءَتِهِمْ بِإبْطالِ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم دَعْوى الأُخْرى مَعَ ما يَشْهَدُ بِهِ (p-١١٥)كِتابُ كُلٍّ مِن بُطْلانِ قَوْلِهِ فَقالَ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ﴾ أنَّثَ فِعْلَهم لِضَعْفِ قَوْلِهِمْ وجَمْعِ أمْرِهِمْ،

﴿النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ أيْ: يُعْتَدُّ بِهِ لِكَوْنِهِ صَحِيحًا، ولَيْسَ مُخَفَّفَةٌ مِن وزْنِ فَرِحَ، ومَعْناها مُطْلَقُ النَّفْيِ لِمُتَقَدِّمِ إثْباتٍ أوْ مُقَدَّرِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.

﴿وقالَتِ النَّصارى﴾ كَذَلِكَ (p-١١٦)﴿لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ فَعَجِبَ مِنهم في هَذِهِ الدَّعْوى العامَّةِ لِما قَبْلَ التَّبْدِيلِ والنَّسْخِ وما بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم ﴿يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ أيْ: مَعَ أنَّ في كِتابِ كُلٍّ مِنهم حَقِّيَّةَ أصْلِ دِينِ الآخَرِ.

ثُمَّ شَبَّهَ بِهِمْ في نَحْوِ هَذا القَوْلِ الجَهَلَةَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ الَّذِينَ هم عِنْدَهم ضَلالٌ، وفي ذَلِكَ غايَةُ العَيْبِ لَهم لِتَسْوِيَةِ حالِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحالِ الجَهَلَةِ في القَطْعِ في الدِّينِ بِالباطِلِ كَما سَوّى حالَهم بِهِمْ في الحِرْصِ عَلى الحَياةِ في الدُّنْيا، ومِنهم عَبَدَةُ الأصْنامِ الَّذِينَ مِنهُمُ العَرَبُ الَّذِينَ أخْرَجُوا الرَّسُولَ ﷺ مِن بَلَدِهِ ومَنَعُوهُ مِن مَسْجِدِ أبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي هو الحَقِيقُ بِهِ دُونَهم، وساقَ ذَلِكَ جَوابَ سائِلٍ كَأنَّهُ قالَ: هَذا قَوْلُ العُلَماءِ بِالكِتابِ فَما حالُ مَن لا عِلْمَ لَهُ ؟ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ هَذا القَوْلِ البَعِيدِ عَنِ القَصْدِ،

﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ولَمّا كانَ صُدُورُ هَذا مِن أهْلِ العِلْمِ في غايَةِ الغَرابَةِ وصُدُورُهُ مِنَ الجَهَلَةِ (p-١١٧)أغْرَبَ نَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ سامِعَهُ جَدِيرٌ بِأنْ يَقُولَ لِعَدِّهِ لَهُ عِدادَ ما لا يُصَدَّقُ: كَيْفَ قالَ الجَهَلَةُ ؟ فَقالَ أوْ يُقالُ: ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا لا يَكادُ يُصَدَّقُ مِن شِدَّةِ غَرابَتِهِ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أحَقٌّ كانَ هَذا مِنهم حَقِيقَةً أمْ كَنّى بِهِ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ ؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ كَما ذَكَرْنا عَنْهم حَقِيقَةً لا كِنايَةً عَنْ شَيْءٍ غَيْرِهِ، فَلَمّا اسْتَقَرَّ في النَّفْسِ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ وقَعَ هَذا لِأحَدٍ غَيْرِهِمْ ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، وقَعَ أعْجَبُ مِنهُ وهو أنَّهُ قالَ الجَهَلَةُ: ”كَعَبَدَةِ الأصْنامِ والمُعَطِّلَةِ“،

﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ فَعانَدُوا وضَلَّلُوا المُؤْمِنِينَ أهْلَ العِلْمِ بِالكِتابِ الخاتَمِ الَّذِي لا كِتابَ مِثْلُهُ، وضَلَّلُوا أهْلَ كُلِّ دِينٍ.

ولَمّا وقَعَ الخِلافُ بَيْنَ هَذِهِ الفِرَقِ تَسَبَّبَ عَنْهُ حُكْمُ المَلِكِ الَّذِي لَمْ يَخْلُقْهم سُدًى بَيْنَهم فَقالَ: ﴿فاللَّهُ﴾ المَلِكُ الأعْظَمُ،

﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ والحُكْمُ قَصْرُ المُصَرِّفِ عَلى بَعْضِ ما يَتَصَرَّفُ فِيهِ، وعَنْ بَعْضِ ما تَشُوفُ إلَيْهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ. وحَقَّقَ أمْرَ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والِاخْتِلافُ افْتِعالٌ مِنَ الخِلافِ وهو تَقابُلٌ بَيْنَ رَأْيَيْنِ (p-١١٨)فِيما يَنْبَغِي انْفِرادُ الرَّأْيِ: فِيهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.

2:114Page 18

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤

And who are more unjust than those who prevent the name of Allāh from being mentioned [i.e., praised] in His mosques and strive toward their destruction. It is not for them to enter them except in fear. For them in this world is disgrace, and they will have in the Hereafter a great punishment.

ولَمّا اشْتَرَكَتْ جَمِيعُ هَذِهِ الفِرَقِ في الظُّلْمِ وزادَ الجَهَلَةُ مَنَعَ حِزْبَ اللَّهِ مِن عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ بِما يُرْضِيهِ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ فازْدادُوا بِذَلِكَ ظُلْمًا آخَرَ، وكانَ مَن مَنَعَ مَسْجِدًا واحِدًا لِكَوْنِهِ مَسْجِدًا مانِعًا لِجَمِيعِ المَساجِدِ قالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ أيْ: مِنهم، وإنَّما أبْدَلَ الضَّمِيرَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ أيِ: الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي هي جِنانُ الدُّنْيا لِكَوْنِها أسْبابَ الجَنَّةِ الَّتِي قَصَرُوها عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أبْدَلَ مِن ذَلِكَ تَفْخِيمًا لَهُ تَذْكِرَةً مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، قَوْلَهُ: ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ وعَطَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَعى في خَرابِها﴾ أيْ: بِتَعْطِيلِها عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لِبُعْدِ وُجُوهِ ظُلْمِهِمْ زِيادَةً في تَبْكِيتِهِمْ، والمَنعُ الكَفُّ عَمّا يَتَرامى إلَيْهِ، والمَسْجِدُ مَفْعِلٌ لِمَوْضِعِ السُّجُودِ وهو (p-١١٩)أخْفَضُ مَحَطِّ القائِمِ، والسَّعْيُ: الإسْراعُ في الأمْرِ حِسًّا أوْ مَعْنًى، والخَرابُ: ذَهابُ العِمارَةِ، والعِمارَةُ: إحْياءُ المَكانِ وإشْغالُهُ بِما وُضِعَ لَهُ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.

ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما رَتَّبَهُ عَلى فِعْلِهِمْ مِنَ الخَوْفِ في المَسْجِدِ الَّذِي أخافُوا فِيهِ أوْلِياءَهُ وفي جَمِيعِ جِنْسِهِ والخِزْيِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ضِدَّ ما رَتَّبَهُ لِمَن أحْسَنَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ البُغَضاءُ،

﴿ما كانَ لَهُمْ﴾ أيْ: ما صَحَّ وما انْبَغى،

﴿أنْ يَدْخُلُوها﴾ أيِ: المَساجِدَ المَوْصُوفَةَ،

﴿إلا خائِفِينَ﴾ وما كانَ أمْنُهم فِيها إلّا بِسَبَبِ كَثْرَةِ المُساعِدِ عَلى ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الظُّلْمِ والتَّمالُؤِ عَلى الباطِلِ وسَنُزِيلُ ذَلِكَ، ثُمَّ عَمَّمَ الحُكْمَ بِما يَنْدَرِجُ فِيهِ هَذا الخَوْفُ فَقالَ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ بِذَلِكَ وبِغَيْرِهِ، ثُمَّ زادَهُ بِأنَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَهم في الآخِرَةِ﴾ الَّتِي هم لَها مُنْكِرُونَ بِالِاعْتِقادِ أوِ الأفْعالِ،

﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ فَدَلَّ بِوَصْفِ العَذابِ عَلى وصْفِ الخِزْيِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ بِالتَّنْوِينِ.

قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ إنْباءٌ بِإحْباطِ ما يَصْرِفُ عَنْهم وجْهًا مِن وُجُوهِ العَذابِ، فَنالَهم مِنَ العَذابِ العَظِيمِ ما نالَ الكافِرِينَ حَتّى كانَ ما كانَ لَهم مِن مِلَّةٍ وكِتابٍ لَمْ يَكُنْ، وذَلِكَ أسْوَأُ الخَسارِ؛ قالَ: ومِنَ المَوْعُودِ أنَّ مِن أعْلامِ قِيامِ السّاعَةِ تَضْيِيعَ (p-١٢٠)المَساجِدِ لِذَلِكَ كُلُّ أُمَّةٍ وكُلُّ طائِفَةٍ وكُلُّ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ تَطَرَّقَ بِجُرْمٍ في مَسْجِدٍ يَكُونُ فِعْلُهُ سَبَبًا لِخِلائِهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُعاقِبُهُ بِرَوْعَةٍ ومَخافَةٍ تَنالُهُ في الدُّنْيا، حَتّى يَنْتَظِمَ بِذَلِكَ مَن خَرَّبَ مَدِينَةً مِن مُدُنِ الإسْلامِ أوْ كانَتْ أعْمالُهُ سَبَبَ خَرابِها، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ ما كانَ مِن أحْداثِ المُسَلَّطِينَ عَلى البَيْتِ المُقَدَّسِ بِما جَرَتْ إلَيْهِ أعْمالُ يَهُودٍ فِيهِ؛ قالَ: كَذَلِكَ أجْرى اللَّهُ سُنَّتَهُ أنَّ مَن لَمْ يُقِمْ حُرْمَةَ مَساجِدِهِ شَرَّدَهُ مِنها وأحْوَجَهُ لِدُخُولِها تَحْتَ رَقَبَةٍ وذِمَّةٍ مِن أعْدائِهِ، كَما قَدْ شَهِدَتْ مُشاهَدَةُ بَصائِرِ أهْلِ التَّبْصِرَةِ، وخُصُوصًا في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ المُتَناوَبِ فِيها دُوَلُ الغَلَبِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ (p-١٢١)وأهْلِ الكِتابِ،

﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] فَكُلُّ طائِفَةٍ في بِضْعِها إذا ساءَ عَمَلُها في مَسْجِدِها شُرِّدَتْ مِنهُ ودَخَلَتْهُ في بِضْعِ الأُخْرى خائِفَةً كَذَلِكَ حَتّى تَكُونَ العاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ حِينَ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، قالَ: وفي إشْعارِهِ تَحْذِيرٌ مِن غَلْقِ المَساجِدِ وإيصادِها وحَجْرِها عَلى القاصِدِينَ لِلتَّحَنُّثِ فِيها والخَلْوَةِ بِذِكْرِ اللَّهِ، ولَيْسَ رَفْعُ المَساجِدِ مَنعُها بَلْ رَفْعُها أنْ لا يُذْكَرَ فِيها غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا بَنى الرَّحْبَةَ: مَن أرادَ أنَّ يَلْغَطَ أوْ يَتَحَدَّثَ أوْ يَنْشُدَ شِعْرًا فَلْيَخْرُجْ إلى هَذِهِ الرَّحْبَةِ، وقالَ ﷺ: «جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكم وسَلَّ سُيُوفِكم وبَيْعَكم وشِراءَكم، وابْنُوا عَلى أبْوابِها المَطاهِرَ»، فَفي حِلِّ ذَلِكَ إنْباءٌ بِأنَّ مَن عَمِلَ في مَساجِدِ اللَّهِ بِغَيْرِ ما وُضِعَتْ لَهُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ كانَ ساعِيًا في خَرابِها ونالَهُ الخَوْفُ في مَحَلِّ الأمْنِ، انْتَهى.

2:115Page 18

وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ١١٥

And to Allāh belongs the east and the west. So wherever you [might] turn, there is the Face1 of Allāh. Indeed, Allāh is all-Encompassing and Knowing.

(p-١٢٢)ولَمّا أفْهَمَتِ الآيَةُ أنَّهُ حَصَلَ لِأوْلِياءِ اللَّهِ مَنعٌ مِن عِمارَةِ بَيْتِ اللَّهِ بِذِكْرِهِ، وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ مَنَّ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ بِأنْ جَعَلَ الأرْضَ كُلَّها لَها مَسْجِدًا سَلّى المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم أيْنَما صَلَّوْا بِقَصْدِ عِبادَتِهِ لَقِيَهم ثَوابُهُ، لِأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِهِ جِهَةً دُونَ جِهَةٍ، لِأنَّ مِلْكَهُ لِلْكُلِّ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأقِيمُوا الصَّلاةَ الَّتِي هي أعْظَمُ ذِكْرِ اللَّهِ حَيْثُما كُنْتُمْ فَإنَّهُ لِلَّهِ، كَما أنَّ المَسْجِدَ الَّذِي مَنَعْتُمُوهُ لِلَّهِ؛ وعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ،

﴿المَشْرِقُ﴾ أيْ: مَوْضِعُ الشُّرُوقِ وهو مَطْلَعُ الأنْوارِ،

﴿والمَغْرِبُ﴾ وهو مَوْضِعُ أُفُولِها، فَأنْبَأ تَعالى -كَما قالَ الحَرالِّيُّ- بِإضافَةِ جَوامِعِ الآفاقِ إلَيْهِ إعْلامًا بِأنَّ الوُجْهَةَ لِوَجْهِهِ لا لِلْجِهَةِ، مِن حَيْثُ إنَّ الجِهَةَ لَهُ، انْتَهى.

ولَمّا كانَ هَذانِ الأُفْقانِ مَدارًا لِلْكَواكِبِ مِنَ الشَّمْسِ وغَيْرِها عَبَّرَ بِهِما عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ، لِتَحَوُّلِ الأفْلاكِ حالَ الدَّوَرانُ (p-١٢٣)إلى كُلٍّ مِنهُما؛ فَلِذَلِكَ تَسَبَّبَ عَنْ ذِكْرِهِما قَوْلُهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾: أيْ: فَأيُّ مَكانٍ أوْقَعْتُمْ فِيهِ التَّوْلِيَةَ لِلصَّلاةِ إلى القِبْلَةِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِالتَّوْلِيَةِ إلَيْها مِن بَيْتِ المَقْدِسِ أوِ الكَعْبَةِ أوْ غَيْرِهِما في النّافِلَةِ،

﴿فَثَمَّ﴾ أيْ: فَذَلِكَ المَوْضِعُ، لِأنَّ ”ثَمَّ“ إشارَةٌ لِظَرْفِ مَكانٍ،

﴿وجْهُ اللَّهِ﴾ أيْ: جِهَتُهُ الَّتِي وجَّهَكم إلَيْها أوْ مَكانُ اسْتِقْبالِهِ والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ وما يَسْتَقْبِلُكم مِن جَلالِهِ وجَمالِهِ ويَتَوَجَّهُ إلَيْكم مِن بِرِّهِ وإفْضالِهِ، فَإنَّ نِسْبَةَ جَمِيعِ الأماكِنِ والجِهاتِ في الإبْداعِ والقُرْبِ والبُعْدِ وغَيْرِ ذَلِكَ إلَيْهِ واحِدَةٌ. قالَ الحَرالِّيُّ: وأبْهَمَ المَوْلى لِيَقَعَ تَوَلِّي القَلْبِ لِوَجْهِ اللَّهِ حِينَ تَقَعُ مُحاذاةُ وجْهِ المُوَجِّهِ الظّاهِرِ لِلْجِهَةِ المُضافَةِ لِلَّهِ، انْتَهى. (p-١٢٤)ولَمّا أخْبَرَ مِن سِعَةِ فَضْلِهِ مَبْثُوثًا في واسِعِ مِلْكِهِ بِما وقَفَتِ العُقُولُ عَنْ مُنْتَهى عِلْمِهِ عَلَّلَهُ بِما صَغُرَ ذَلِكَ في جَنْبِهِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ فَذَكَرَهُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ،

﴿واسِعٌ﴾ أيْ: مُحِيطٌ بِما لا تُدْرِكُهُ الأوْهامُ، فَلا يَقَعُ شَيْءٌ إلّا في مِلْكِهِ؛ وأصْلُ الوُسْعِ تَباعُدُ الأطْرافِ والحُدُودِ،

﴿عَلِيمٌ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ فِعْلُ فاعِلٍ أيْنَ ما كانَ وكَيْفَ ما كانَ، فَهو يُعْطِي المُتَوَجِّهَ إلَيْهِ عَلى قَدْرِ نِيَّتِهِ بِحَسَبِ بُلُوغِ إحاطَتِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ.

قالَ الحَرالِّيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ: والسِّعَةُ المَزِيدُ عَلى الكِفايَةِ مِن نَحْوِها إلى أنْ يَنْبَسِطَ إلى ما وراءَ امْتِدادًا [و ] رَحْمَةً وعِلْمًا،

﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] ولا تَقَعُ السِّعَةُ إلّا مَعَ إحاطَةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ وكَمالِ الحِلْمِ وإفاضَةِ الخَيْرِ والنِّعْمَةِ لِمُقْتَضى كَمالِ الرَّحْمَةِ، ولِمِسْرى النِّعْمَةِ في وُجُوهِ الكِفاياتِ ظاهِرًا وباطِنًا خُصُوصًا وعُمُومًا لَمْ يَكَدْ يَصِلُ الخَلْقُ إلى حَظٍّ مِنَ السِّعَةِ، أمّا ظاهِرًا فَلا تَقَعُ مِنهم ولا تَكادُ، إنَّكم لَنْ تَسَعُوا النّاسَ بِمَعْرُوفِكم، وأمّا باطِنًا بِخُصُوصِ حُسْنِ الخُلُقِ فَعَساهُ (p-١٢٥)يَكادُ. وقالَ في تَفْسِيرِهِ: قَدَّمَ تَعالى: ﴿المَشْرِقُ﴾ لِأنَّهُ مَوْطِنُ بُدُوِّ الأنْوارِ الَّتِي مِنها رُؤْيَةُ الأبْصارِ، وأعْقَبَهُ بِالمَغْرِبِ الَّذِي هو مَغْرِبُ الأنْوارِ الظّاهِرَةِ، [وهُوَ مَشْرِقُ الأنْوارِ الباطِنَةِ، فَيَعُودُ التَّعادُلُ إلى أنَّ مَشْرِقَ الأنْوارِ الظّاهِرَةِ ] هو مَغْرِبُ الأنْوارِ الباطِنَةِ ”الفِتْنَةُ ها هُنا مِن حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطانِ - وأشارَ بِيَدِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ“، ”لا يَزالُ أهْلُ المَغْرِبِ ظاهِرِينَ عَلى الحَقِّ“، انْتَهى. قُلْتُ: ومِن ذَلِكَ حَدِيثُ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ لِلَّهِ بِالمَغْرِبِ بابًا»، وفي رِوايَةٍ: «بابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ مِن قِبَلِ المَغْرِبِ -مَسِيرَةُ عَرْضِهِ سَبْعُونَ عامًا، لا يُغْلَقُ ما لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِن قِبَلِهِ-» أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والبَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وقَدْ ظَهَرَ أنَّ المَغْرِبَ في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ هو في الصَّحِيحِ ما عَدا المَشْرِقَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ بِالفِتْنَةِ في الحَدِيثِ الآخَرِ، فالمَغْرِبُ حِينَئِذٍ المَدِينَةُ وما يُنْسَبُ إلَيْها مِن جِهَةِ المَشْرِقِ وما وراءَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ الجَنُوبِ والشَّمالِ وما وراءَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ الغَرْبِ إلى مُنْتَهى الأرْضِ، فَلا يُعارِضُ حِينَئِذٍ حَدِيثَ «وهم بِالشّامِ» فَإنَّها مِن جُمْلَةِ المَغْرِبِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَدُونَكَ جَمْعًا طالَ ما دارَتْ فِيهِ الرُّؤُوسُ وحارَتْ فِيهِ الأفْكارُ في المَحافِلِ والدُّرُوسِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.

2:116Page 18

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ بَل لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ١١٦

They say, "Allāh has taken a son." Exalted is He!1 Rather, to Him belongs whatever is in the heavens and the earth. All are devoutly obedient to Him,

(p-١٢٦)ولَمّا أفادَ ما تَقَدَّمَ وصْفُهُ تَعالى بِتَمامِ القُدْرَةِ واتِّساعِ المُلْكِ والفَضْلِ وشُمُولِ العِلْمِ كانَ مِنَ المُحالِ افْتِقارُهُ إلى شَيْءِ ولَدٍ أوْ غَيْرِهِ قَدَّمَ أهْلَ الأدْيانِ الباطِلَةِ كُلَّهم بِافْتِرائِهِمْ في الوَلَدِ اليَهُودَ في عُزَيْرٍ والنَّصارى في المَسِيحِ وعَبَدَةَ الأوْثانِ في المَلائِكَةِ فَقالَ مُعَجِّبًا مِمَّنِ اجْتَرَأ عَلى نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ مَعَ مَعْرِفَةِ ما تَقَدَّمَ عاطِفًا عَلى ما سَبَقَ مِن دَعاوِيهِمْ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ وعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَدًا﴾ الصّالِحَ لِلذَّكَرِ والأُنْثى لِيَنْظِمَ بِذَلِكَ مَقالاتِ الجَمِيعِ، ولَمّا كانَ العَطْفُ عَلى مَقالاتِ أهْلِ الكِتابِ رُبَّما أوْهَمَ اخْتِصاصَ الذَّمِّ بِهِمْ حُذِفَتْ واوُ العَطْفِ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ في جَوابٍ مِن كَأنَّهُ قالَ: هَلِ انْقَطَعَ حَبْلُ افْتِرائِهِمْ ؟ إشارَةً إلى ذَمِّ كُلِّ مَن قالَ بِذَلِكَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى شِدَّةِ التِباسِها بِما قَبْلَها كَما قالَ الإمامُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في كِتابِ الحُجَّةَ، لِأنَّ جَمِيعَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى أهْلِ الإسْلامِ مانِعُونَ لَهم مِن إحْياءِ المَساجِدِ بِالذِّكْرِ لِشَغْلِهِمْ لَهم بِالعَداوَةِ عَنْ لُزُومِها، والحاصِلُ أنَّهُ إنْ عَطَفَ كانَ انْصِبابُ الكَلامِ إلى أهْلِ الكِتابِ وأمّا غَيْرُهم فَتَبَعٌ لَهم لِلْمُساواةِ (p-١٢٧)فِي المَقالَةِ، وإذا حُذِفَتِ الواوُ انْصَبَّ إلى الكُلِّ انْصِبابًا واحِدًا.

ونَزَّهَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ اسْتِئْنافًا بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ فَذَكَرَ عِلْمَ التَّسْبِيحِ الجامِعِ لِإحاطَةِ المَعْنى في جَوامِعِ التَّنْزِيهِ كُلِّهِ، ثُمَّ جاءَ بِكَلِمَةِ الإضْرابِ المُفْهِمَةِ الرَّدَّ بِالنَّفْيِ فَكَأنَّ الخِطابَ يُفْهِمُ: ما اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ولا لَهُ ولَدٌ،

﴿بَلْ لَهُ ما﴾ فَعَبَّرَ بِالأداةِ الَّتِي هي لِغَيْرِ العاقِلِ تَصْلُحُ لَهُ تَعْمِيمًا وتَحْقِيرًا لَهم،

﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِمّا ادَّعَتْ كُلُّ فُرْقَةٍ مِنهم فِيهِ الوَلَدِيَّةَ وغَيْرَ ذَلِكَ.

ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِما يُفْهِمُ غايَةَ الإذْعانِ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أيْ: مُخْلِصُونَ خاشِعُونَ مُتَواضِعُونَ، لِاسْتِسْلامِهِمْ لِقَضائِهِ مِن غَيْرِ قُدْرَةٍ عَلى دِفاعٍ، ولا تَطَلُّعٍ إلى نَوْعِ امْتِناعِ العاقِلِ، غَيْرَهُ، حَتّى كَأنَّهم يَسْعَوْنَ (p-١٢٨)فِي ذَلِكَ ويُبادِرُونَ إلَيْهِ مُبادَرَةَ اللَّبِيبِ الحازِمِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَجاءَ بِالجَمْعِ المُشْعِرِ كَما يُقالُ بِالعَقْلِ والعِلْمِ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ لا عُجْمَةَ ولا جَمادِيَّةَ بَيْنَ الكَوْنِ والمُكَوِّنِ، إنَّما يَقَعُ جَمادِيَّةً وعُجْمَةً بَيْنَ آحادٍ مِنَ المُقَصِّرِينَ في الكَوْنِ عَنِ الإدْراكِ التّامِّ؛ والقُنُوتُ ثَباتُ القائِمِ بِالأمْرِ عَلى قِيامِهِ تَحَقُّقًا بِتَمَكُّنِهِ فِيهِ. انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском