Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:117–123

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:117–123

2:117Page 18

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧

Originator of the heavens and the earth. When He decrees a matter, He only says to it, "Be," and it is.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما هو أعْظَمُ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خالِقُهُما عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ، وما أبْدَعَ كُلِّيَّةَ أمْرٍ كانَ أحْرى أنْ يَكُونَ ما في طَيِّهِ وإحاطَتِهِ وإقامَتِهِ مِنَ الأشْياءِ المُقامَةِ بِهِ مِن مُبْدِعِهِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ لَهُ شَبِيهٌ مِنهُ ؟ لِأنَّ الوَلَدَ مُسْتَخْرَجٌ شَبِيهٌ بِما اسْتُخْرِجَ مِن عَيْنِهِ، ذَكَرَهُ الحَرالِّيُّ.

﴿وإذا قَضى﴾ أيْ: أرادَ ﴿أمْرًا﴾ مِنهُما أوْ مِن غَيْرِهِما، والقَضاءُ: إنْفاذُ المُقَدَّرِ. والمُقَدَّرُ: ما حُدَّ مِن مُطْلَقِ المَعْلُومِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.

﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ مِنَ الكَوْنِ وهو كَمالُ البادِي (p-١٢٩)فِي ظاهِرِهِ وباطِنِهِ ﴿فَيَكُونُ﴾ فَهو مُنَزَّهٌ عَنْ حاجَةِ التَّوالُدِ وكُلِّ حاجَةٍ، وسِرُّ التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ يُذْكَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ. قالَ الحَرالِّيُّ: وصِيغَتُهُ تَمادِي الكائِنِ في أطْوارٍ وأوْقاتٍ وأسْنانٍ يَمْتَدُّ تَوالِيها في المُكَوَّنِ إلى غايَةِ الكَمالِ. انْتَهى. قالُوا: ورَفْعُ ”يَكُونُ“ لِلِاسْتِئْنافِ أيْ: فَهو يَكُونُ، أوِ العَطْفِ عَلى ”يَقُولُ“ إيذانًا بِسُرْعَةِ التَّكْوِينِ عَلى جِهَةِ التَّمْثِيلِ، ومَن قالَ بِالأوَّلِ مَنَعَ العَطْفَ عَلى ”يَقُولُ“ لِاقْتِضاءِ الفاءِ أنَّ القَوْلَ مَعَ التَّكْوِينِ فَيَلْزَمُ قِدَمُ التَّكْوِينِ، وقالَ الإمامُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في كِتابِ الحُجَّةِ: إنَّ ذَلِكَ لا يَطَّرِدُ في مِثْلِ ثانِي حَرْفَيْ آلِ عِمْرانَ وهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ تَخالُفُ الفِعْلَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ بِالمُضِيِّ وغَيْرِهِ، وأوَّلُ قَوْلِهِ:

؎ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي. . . فَمَضَيْتُ ثَمَّ أقُولُ لا يَعْنِينِي

بِأنَّ مَعْناهُ: مَرَرْتُ ماضِيًا، وطَعَنَ فِيهِ أبُو شامَةَ بِأنْ يَكُونَ في الآيَةِ ماضٍ مِثْلُهُ وقَدْ صَرَّحَ أبُو عَلِيٍّ والحَقُّ مَعَهُ بِأنَّهُ عَلى بابِهِ يَعْنِي؛ وفائِدَةُ التَّعْبِيرِ (p-١٣٠)بِهِ مُضارِعًا، تَصْوِيرُ الحالِ والإرْشادُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: كُنْ فَكانَ، لِأنَّهُ مَتى قَضى شَيْئًا قالَ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ، وجَعَلَ الأحْسَنَ عَطْفَهُ عَلى ”كُنْ“ لِأنَّهُ وإنْ كانَ بِلَفْظِ الأمْرِ فَمَعْناهُ الخَبَرُ أيْ: يَكُونُ؛ وقالَ: إنَّ ذَلِكَ أكْثَرُ اطِّرادًا لِانْتِظامِهِ لِمِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وهَذا المَوْضِعُ مَجْمَعٌ عَلى رَفْعِهِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى في الأنْعامِ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: ٧٣] وإنَّما الخِلافُ في سِتَّةِ مَواضِعَ اخْتَصَّ ابْنُ عامِرٍ مِنها بِأرْبَعَةٍ: وهي هَذا المَوْضِعُ، وقَوْلُهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] وفي مَرْيَمَ مِثْلُهُ سَواءٌ، وفي غافِرٍ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨] ووافَقَهُ الكِسائِيُّ في حَرْفَيْنِ في النَّحْلِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وفي يس: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] فَجَعَلُوا النَّصْبَ (p-١٣١)فِي هَذَيْنِ عَطْفًا عَلى ”يَقُولُ“ وفي الأرْبَعَةِ الأُولى جَوابًا لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْ﴾ اعْتِبارًا بِصُورَةِ اللَّفْظِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَعْنى عَلى الأمْرِ فالتَّقْدِيرُ: يَقُولُ لَهُ يَكُونُ فَيَكُونُ، أيْ: فَيُطاوِعُ، فَطاحَ قَوْلُ مَن ضَعَّفَهُ بِأنَّ المَعْنى عَلى الخَبَرِ وأنَّهُ لا يَصِحُّ النَّصْبُ إلّا إذا تَخالَفَ الأمْرُ وجَوابُهُ، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَلْزَمُ فِيهِ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ شَرْطًا لِنَفْسِهِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ يَكُنْ يَكُنْ؛ وصَرَّحَ ابْنُ مُجاهِدٍ بِوَهْمِ ابْنِ عامِرٍ وأنَّ هَذا غَيْرُ جائِزٍ في العَرَبِيَّةِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الإمامُ أبُو شامَةَ في شَرْحِ الشّاطِبِيَّةِ؛ فَأمْعَنْتُ النَّظَرَ في ذَلِكَ لِوُقُوعِ القَطْعِ بِصِحَّةِ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ لِتَواتُرِها نَقْلًا عَمَّنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ، فَلَمّا رَأيْتُهُ لَمْ يَنْصِبْ إلّا ما في حَيِّزِ ”إذا“ عَلِمْتُ أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِها لِما فِيها مِن مَعْنى الشَّرْطِ، فَيَكُونُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى في الشُّورى: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ [الشورى: ٣٥] بِنَصْبِ ”يَعْلَمَ“ في قِراءَةِ غَيْرِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ عَلى بَعْضِ التَّوْجِيهاتِ، وذَلِكَ ماشٍ عَلى نَهْجِ السَّدادِ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ولا اسْتِبْعادٍ إذا تُؤَمِّلَ الكَلامُ عَلى ”إذا“ قالَ الرَّضِيُّ وهو العَلّامَةُ نَجْمُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ الإسْتِراباذِيُّ في الظَّرْفِ مِن شَرْحِهِ لِقَوْلِ العَلّامَةِ أبِي عَمْرٍو عُثْمانَ بْنِ الحاجِبِ في كافِيَتِهِ: ومِنها ”إذا“ وهي لِلْمُسْتَقْبَلِ وفِيها مَعْنى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ بَعْدَها الفِعْلُ، والأصْلُ في اسْتِعْمالِ ”إذا“ أنْ تَكُونَ لِزَمانٍ مِن أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ مُخْتَصٍّ مِن بَيْنِها بِوُقُوعِ حَدَثٍ فِيهِ مَقْطُوعٍ بِهِ، ثُمَّ قالَ: وكَلِمَةُ الشَّرْطِ ما يَطْلُبُ جُمْلَتَيْنِ يَلْزَمُ مِن وُجُودِ مَضْمُونِ أُولاهُما فَرْضًا حُصُولُ (p-١٣٢)مَضْمُونِ الثّانِيَةِ، فالمَضْمُونُ الأوَّلُ مَفْرُوضٌ مَلْزُومٌ، والثّانِي لازِمُهُ؛ ثُمَّ قالَ: و”إنْ“ مَوْضُوعَةٌ لِشَرْطٍ مَفْرُوضٍ وجُودُهُ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ عَدَمِ قَطْعِ المُتَكَلِّمِ لا بِوُقُوعِهِ ولا بِعَدَمِ وُقُوعِهِ، وذَلِكَ لِعَدَمِ القَطْعِ في الجَزاءِ لا بِالوُجُودِ ولا بِالعَدَمِ، سَواءٌ شَكَّ في وُقُوعِهِ كَما في حَقِّنا، أوْ لَمْ يَشُكَّ كانَ الواقِعَةُ في كَلامِهِ تَعالى؛ وقالَ: ولا يَكُونُ الشَّرْطُ في اسْمٍ إلّا بِتَضَمُّنِ مَعْناها؛ ثُمَّ قالَ: فَنَقُولُ: لَمّا كانَ ”إذا“ لِلْأمْرِ المَقْطُوعِ بِوُجُودِهِ في اعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ في المُسْتَقْبَلِ لَمْ يَكُنْ لِمَفْرُوضِ وُجُودِهِ، لِتَنافِي القَطْعِ والفَرْضِ في الظّاهِرِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنى ”إنِ“ الشَّرْطِيَّةِ، لِأنَّ الشَّرْطَ كَما بَيَّنا هو المَفْرُوضُ وُجُودُهُ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ يَنْكَشِفُ لَنا الحالُ كَثِيرًا في الأُمُورِ الَّتِي نَتَوَقَّعُها قاطِعِينَ بِوُقُوعِها عَنْ خِلافِ ما نَتَوَقَّعُهُ جَوَّزُوا تَضْمِينَ ”إذا“ مَعْنى ”إنْ“ كَما في ”مَتى“ وسائِرِ الأسْماءِ الجَوازِمِ، فَيَقُولُ القائِلُ: إذا جِئْتَنِي فَأنْتَ مُكْرَمٌ - شاكًّا في مَجِيءِ المُخاطَبِ غَيْرَ مُرَجِّحٍ وجُودَهُ عَلى عَدَمِهِ بِمَعْنى مَتى جِئْتَنِي سَواءٌ؛ ثُمَّ قالَ: ولَمّا كَثُرَ دُخُولُ مَعْنى الشَّرْطِ في ”إذا“ وخُرُوجُهُ عَنْ أصْلِهِ مِنَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ جازَ اسْتِعْمالُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنى ”إنِ“ الشَّرْطِيَّةِ، وذَلِكَ في الأُمُورِ القَطْعِيَّةِ اسْتِعْمالِ ”إذا“ المُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنى ”إنْ“، وذَلِكَ لِمَجِيءِ جُمْلَتَيْنِ بَعْدَهُ عَلى طُرُزِ الشَّرْطِ والجَزاءِ وإنْ لَمْ يَكُونا شَرْطًا وجَزاءً، ثُمَّ قالَ في الكَلامِ عَلى الفاءِ في نَواصِبِ الفِعْلِ، وقَدْ تُضْمَرُ ”أنْ“ بَعْدَ الفاءِ والواوِ الواقِعَتَيْنِ (p-١٣٣)بَعْدَ الشَّرْطِ قَبْلَ الجَزاءِ، نَحْوَ إنْ تَأْتِينِي فَتُكْرِمَنِي - أوْ لَوْ تُكْرِمُنِي - آتِكَ، أوْ بَعْدَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، نَحْوَ إنْ تَأْتِنِي آتِكَ فَأُكْرِمَكَ - أوْ: وأكْرَمَكَ - وذَلِكَ لِمُشابِهَةِ الشَّرْطِ في الأوَّلِ والجَزاءِ في الثّانِي المَنفِيَّ، إذِ الجَزاءُ مَشْرُوطٌ وجُودُهُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، ووُجُودُ الشَّرْطِ مَفْرُوضٌ، فَكِلاهُما غَيْرُ مَوْصُوفَيْنِ بِالوُجُودِ حَقِيقَةً، وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ﴾ [الشورى: ٣٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ [الشورى: ٣٥] عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ؛ ثُمَّ قالَ: وإنَّما صَرَفُوا ما بَعْدَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ مِنَ الرَّفْعِ إلى النَّصْبِ لِأنَّهم قَصَدُوا التَّنْصِيصَ عَلى كَوْنِها سَبَبِيَّةً والمُضارِعُ المُرْتَفِعُ بِلا قَرِينَةٍ مُخَلِّصَةٍ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ ظاهِرٌ في مَعْنى الحالِ، كَما تَقَدَّمَ في بابِ المُضارِعِ، فَلَوْ أبْقَوْهُ مَرْفُوعًا لَسَبَقَ إلى الذِّهْنِ أنَّ الفاءَ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ حالِيَّةِ الفِعْلِ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَ الفاءِ، يَعْنِي فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكَوْنُ قَدِيمًا كالقَوْلِ، فَصَرَفَهُ إلى النَّصْبِ مُنَبِّهٌ في الظّاهِرِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مَعْطُوفًا، إذِ المُضارِعُ المَنصُوبُ بِأنْ مُفْرَدٌ، وقَبْلَ الفاءِ المَذْكُورَةِ جُمْلَةٌ، ويَتَخَلَّصُ المُضارِعُ لِلِاسْتِقْبالِ اللّائِقِ بِالجَزائِيَّةِ كَما ذَكَرْنا في المَنصُوبِ بَعْدَ إذَنْ، فَكانَ فِيهِ شَيْئانِ: رَفْعُ جانِبِ كَوْنِ الفاءِ لِلْعَطْفِ. وتَقْوِيَةُ كَوْنِهِ لِلْجَزاءِ؛ فَيَكُونُ إذَنْ ما بَعْدَ الفاءِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ وُجُوبًا. انْتَهى. فالتَّقْدِيرُ هُنا واللَّهُ أعْلَمُ: فَكَوْنُهُ واقِعُ حَقٍّ لَيْسَ بِخَيالٍ كالسِّحْرِ والتَّمْوِيهاتِ، فَعَلى هَذا قِراءَةُ النَّصْبِ أبْلَغُ لِظُهُورِها في الصَّرْفِ عَنِ الحالِ إلى الِاسْتِقْبالِ مَعَ (p-١٣٤)ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن سُرْعَةِ الكَوْنِ وأنَّهُ حَقٌّ، ثُمَّ رَأيْتُ البُرْهانَ بْنَ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّفاقُسِيَّ حَكى في إعْرابِهِ ما خَرَّجْتُهُ عَنِ ابْنِ الضّائِعِ - يَعْنِي بِالضّادِ المُعْجَمَةِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - وهو الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الكُتامِيُّ شَيْخُ أبِي حَيّانَ فَقالَ ما نَصُّهُ: زادَ ابْنُ الضّائِعِ في نَصْبِ ”فَيَكُونُ“ وجْهًا حَسَنًا وهو نَصْبُهُ في جَوابِ الشَّرْطِ وهو إذا، وكانَ مُرادُهُ التَّسْبِيبَ عَنِ الجَوابِ كَما ذَكَرْتُ، قالالسَّفاقُسِيُّ: ويَصِحُّ فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وهو نَصْبُهُ في جَوابِ الحَصْرِ بِإنَّما، لِأنَّهم أجازُوا: إنَّما هي ضَرْبَةُ أسَدٍ فَيَتَحَطَّمَ ظَهْرُهُ.

2:118Page 18

وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ١١٨

Those who do not know say, "Why does Allāh not speak to us or there come to us a sign?" Thus spoke those before them like their words. Their hearts resemble each other. We have shown clearly the signs to a people who are certain [in faith].

ولَمّا تَقَرَّرَ بِما أنْبَأ مِن بَدِيعِ آياتِهِ في مُنْبَثِّ مَصْنُوعاتِهِ أنَّ عَظَمَتَهُ تَقْصُرُ عَنْها الأوْهامُ وتَنْكِصُ خاسِئَةً دُونَها نَوافِذُ الأفْهامِ عَجِبَ مِنَ الجُرْأةِ عَلَيْهِ بِما اسْتَوى فِيهِ حالُ الجَهَلَةِ مِنَ العَرَبِ بِالعُلَماءِ مِن أهْلِ الكِتابِ تَبْكِيتًا لَهم وتَنْفِيرًا مِنهم بِأنَّهُ لا حامِلَ لَهم عَلى الرِّضى لِأنْفُسِهِمْ بِالنُّزُولِ مِن أوْجِ العِلْمِ إلى حَضِيضِ أهْلِ الجَهْلِ إلّا اتِّباعَ الهَوى فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهم عِلْمٌ مِنَ العَرَبِ ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ﴿يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ أيْ: يُوجَدُ كَلامُهُ لَنا عَلى ما لَهُ مِن جَمِيعِ الصِّفاتِ (p-١٣٥)﴿أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾ أيْ: عَلى حَسَبِ اقْتِراحِنا عادِّينَ ما آتاهم مِنَ الآياتِ - عَلى ما فِيها مِن آيَةِ القُرْآنِ الَّتِي لا يُوازِيها آيَةٌ أصْلًا - عَدَمًا.

ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا جَدِيرًا بِأنْ لا يُصَدَّقَ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ كَما ذَكَرْنا عَنْهم. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ وقَعَ مِثْلُ هَذا قَطُّ ؟ قِيلَ: نَعَمْ، وقَعَ ما هو أعْجَبُ مِنهُ، وهو أنَّهُ ﴿قالَ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ بَعْضَ مَن تَقَدَّمَ أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلى العِلْمِ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ في هَذا وإنْ كانَتْ مُخْتَلِفَةً بِاعْتِبارِ العِلْمِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ كَما تُعُنِّتَ عَلَيْهِ تُعُنِّتَ عَلى مَن قَبْلَهُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ تَوَقَّعَ السّامِعُ الإخْبارَ عَنِ البَيانِ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ قالُوا ذَلِكَ جَهْلًا أوْ عِنادًا ؟ فَقِيلَ: بَلْ عِنادًا لِأنّا ﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ﴾ في كُلِّ آيَةٍ في الكِتابِ المُبِينِ المَسْمُوعِ والكِتابِ الحَكِيمِ المَرْئِيِّ. ولَمّا كانَ يَقَعُ البَيانُ خاصًّا بِأهْلِ الإيقانِ قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وفِيهِ بَعْثٌ (p-١٣٦)لِلشّاكِّ عَلى تَعاطِي أسْبابِ الإيقانِ، وهو صَفاءُ العِلْمِ عَنْ كَدَرٍ بِطُرُقِ الرَّيْبِ لِاجْتِماعِ شاهِدَيِ السَّمْعِ والعَيْنِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ إشارَةٌ لِما حَصَلَ لِلْعَرَبِ مِنَ اليَقِينِ، كَما قالَ سَيِّدُ العَرَبِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ كُشِفَ الغِطاءُ ما ازْدَدْتُ يَقِينًا. اسْتِظْهارًا لِما بَطَنَ مِن عالَمِ المَلَكُوتِ عَلى ظاهِرِ عالَمِ المُلْكِ إكْمالًا لِلْفَهْمِ عَنْ واضِحِ هَذا البَيانِ الَّذِي تَوَلّاهُ اللَّهُ ومَنِ اصْطَفاهُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ اسْتِتْباعُ ضَمِيرِ ”بَيِّنًا“؛ وفي اسْتِواءِ العالِمِ وغَيْرِهِ في الجَهْلِ بَعْدَ البَيانِ دَلِيلٌ عَلى مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها في أنَّ ما أرادَ كانَ.

2:119Page 18

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ ١١٩

Indeed, We have sent you, [O Muḥammad], with the truth as a bringer of good tidings and a warner, and you will not be asked about the companions of Hellfire.

ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا السِّياقُ الشَّهادَةَ بِصِحَّةِ رِسالَتِهِ ﷺ وأنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَيانُ صَرَّحَ بِالأمْرَيْنِ في قَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِكَثْرَةِ المُنْكِرِينَ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ﴾ هَذا عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ جَمِيعَ الأُمَمِ، (p-١٣٧)أمّا إذا أُرِيدَ هَذِهِ الأُمَّةُ فَقَطْ فَيَكُونُ المَعْنى: قَدْ بَيَّنّا الآياتِ الدّالّاتِ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ بِأعْظَمِ بُرْهانٍ وبِالإخْبارِ عَنْ دَقائِقَ لا يَعْلَمُها إلّا حُذّاقُ أهْلِ الكِتابِ لِقَوْمٍ يَحِقُّ عَلَيْهِمُ الإيقانُ لِما وضُحَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ﴾ إرْسالًا مُلْتَبِسًا ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالأمْرِ الكامِلِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ في كُلِّ جُزْئِيَّةٍ يُخْبِرُ بِها.

قالَ الحَرالِّيُّ: والحَقُّ التّامُّ المُكَمَّلُ بِكَلِمَةِ ”ألْ“ هو اسْتِنْطاقُ الخَلْقِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ فِيهِمْ عَلى وجْهٍ أعْلى لِرِسالَتِهِ العَلِيَّةِ الخاصَّةِ بِهِ عَنْ عُمُومِ ما وقَعَتْ بِهِ رِسالَةُ المُرْسَلِينَ مِن دُونِ هَذا الخُصُوصِ، وذَلِكَ ”حَقٌّ“ مُنْكَرٌ، كَما تَقَدَّمَ أيْ: عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] لِأنَّ ما أحَقَّ غَيْبًا مِمّا أنْزَلَهُ اللَّهُ فَهو ”حَقٌّ“ حَتّى السِّحْرَ، وما أظْهَرَ غَيْبَ القَضاءِ والتَّقْدِيرِ وأعْلَنَ بِإبْداءِ حِكْمَةِ اللَّهِ عَلى ما أبْداها مِن نُفُوذِ مَشِيئَتِهِ في مُتَقابِلِ ما أبْداهُ مِن خَلْقِهِ فَهو ”الحَقُّ“ الَّذِي خُلِقَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ ابْتِداءً وبِهِ خُتِمَتِ الرِّسالَةُ انْتِهاءً لِتَطابُقِ الأوَّلِ والآخَرِ كَمالًا، حالَ كَوْنِكَ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا أجْرى اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الخِطابِ عَنْ أهْلِ الكِتابِ والعَرَبِ نَبَّأ رَدَّهم لِما أنْزَلَ أوَّلًا وآخِرًا ونَبَّأ ما افْتَرَوْهُ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ دَعَواهُ أعْرَضَ بِالخِطابِ عَنِ الجَمِيعِ وأقْبَلَ بِهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ وتَأْكِيدًا لِما أعْلَمَهُ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن أنَّ الأمْرَ مُجْرى عَلى (p-١٣٨)تَقْدِيرِهِ وقِسْمَتِهِ الخَلْقَ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ ومُنافِقٍ، فَأنْبَأهُ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ مَضْمُونُ رِسالَتِهِ أنْ يَدْعُوَ الخَلْقَ إلى غَيْرِ ما جُبِلُوا عَلَيْهِ، وأنَّ مَضْمُونَ رِسالَتِهِ أنْ يَسْتَظْهِرَ خَبايا الأفْئِدَةِ والقُلُوبِ عَلى الألْسِنَةِ والأعْمالِ، فَيُبَشِّرَ المُهْتَدِيَ والثّابِتَ عَلى هُدًى سابِقٍ، ويُنْذِرَ الأبِيَّ والمُنْكِرَ لِما سَبَقَ إقْرارُهُ بِهِ قَبْلُ، فَعَمَّ بِذَلِكَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مِنَ المُبَشِّرِينَ والمُنْذِرِينَ. انْتَهى. أيْ: فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ذَلِكَ فَبَشِّرْ وأنْذِرْ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ولَيْسَ عَلَيْكَ خَلْقُ الهِدايَةِ في قُلُوبِ أهْلِ النَّعِيمِ ﴿ولا تُسْألُ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ”أرْسَلْناكَ“ أوْ مِن ﴿بَشِيرًا﴾ ﴿عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ والمُرادُ بِهِمْ مَن ذُكِرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ الجَهَلَةِ ومَن قَبْلَهم، أيْ: عَنْ أعْمالِهِمْ لِتَذْهَبَ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] أيْ فَحالُكَ مُسْتَوٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا وإلَيْهِمْ. لِأنَّكَ إنْ بَلَّغْتَهم جَمِيعَ ما أُرْسِلْتَ بِهِ إلَيْهِمْ لَمْ نُحاسِبْكَ بِأعْمالِهِمْ، وإنْ تَرَكْتَ بَعْضَ ذَلِكَ مُحاسَنَةً لَهم لَمْ يُحِبُّوكَ ما دُمْتَ عَلى دِينِكَ فَأقْبِلْ عَلى أمْرِكَ ولا تُبالِ بِهِمْ، وهو مَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ ولا تَسْألُ عَلى النَّهْيِ، أيْ (p-١٣٩)احْتَقِرْهم فَإنَّهم أقَلُّ مِن أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِمْ، فَبَلِّغْهم جَمِيعَ الأمْرِ فَإنَّهم لا يُحِبُّونَكَ إلّا إذا انْسَلَخْتَ مِمّا أنْتَ عَلَيْهِ؛ وفي الحُكْمِ بِكَوْنِهِمْ أصْحابَها إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ [البقرة: ٨٠] ونَفْيٌ لِما خَصَّصُوا بِهِ أنْفُسَهم في قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ١١١] الآيَةَ، والجَحْمُ قالَ الحَرالِّيُّ: انْضِمامُ الشَّيْءِ وعِظَمٌ فِيهِ، ومِن مَعْنى حُرُوفِهِ الحَجْمُ وهو التَّضامُّ وظُهُورُ المِقْدارِ إلّا أنَّ الحَجْمَ فِيما ظَهَرَ كالأجْسامِ والجَحْمُ - بِتَقْدِيمِ الجِيمِ - فِيما يَلْطُفُ كالصَّوْتِ والنّارِ.

2:120Page 19

وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠

And never will the Jews and the Christians approve of you until you follow their religion. Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance." If you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, you would have against Allāh no protector or helper.

ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ المُبَشَّرَ يُسَرُّ بِالبَشِيرِ أخْبَرَ تَعالى أنَّ أهْلَ الكِتابِ في قِسْمِ المُنْذَرِينَ فَهم لا يَزالُونَ عَلَيْهِ غِضابًا فَقالَ عَطْفًا عَلى ما اقْتَضاهُ ما قَبْلَهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى﴾ مِنَ الرِّضى وهو إقْرارٌ ما ظَهَرَ عَنْ (p-١٤٠)إرادَةِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.

﴿عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ أيْ: حَتّى تَكُونَ بَشِيرًا لَهم، ولَنْ تَكُونَ بَشِيرًا لَهم حَتّى تُوافِقَهم فِيما أحْدَثُوهُ مِن أهْوائِهِمْ بِأنْ تَتَّبِعَ كِتابَهم عَلى ما بَدَّلُوا فِيهِ وحَرَّفُوا وأخْفَوْا عَلى ما أفْهَمَتْهُ إضافَةُ المِلَّةِ إلَيْهِمْ لا إلى صاحِبِها المَعْصُومِ وهو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِرَغْبَةٍ مِنكَ تامَّةٍ عَلى ما أفْهَمَتْهُ صِيغَةُ الِافْتِعالِ وتَتْرُكُ كِتابَكَ النّاسِخَ لِفُرُوعِ كِتابِهِمْ، والمِلَّةُ قالَ الحَرالِّيُّ: الأخْذُ والعَمَلُ بِما في العَقْلِ هِدايَتُهُ مِن إعْلامِ المَحْسُوساتِ. ولَمّا قِيلَ ذَلِكَ اقْتَضى الحالُ سُؤالًا وهو: فَما أقُولُ ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ ولَمْ يُقَيِّدْهُ بِلَهم إعْراضًا عَنْهم ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ﴾ الَّذِي هو جَمِيعُ (p-١٤١)ما أنْزَلَ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ عَلى رُسُلِهِ مِن كِتابِي وكِتابِكم ﴿هُوَ﴾ أيْ: خاصَّةُ ﴿الهُدى﴾ أيْ: كُلُّهُ مُشِيرًا بِأداةِ التَّعْرِيفِ إلى كَمالِ مَعْناهُ، وبِالحَصْرِ إلى أنَّ غَيْرَهُ هو الهَوى؛ وأضافَهُ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ وأكَّدَهُ بِأنَّ وأعادَهُ بِلَفْظِهِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ واسْتَعْمَلَ فِيهِ ضَمِيرَ الفَصْلِ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ لَهُ، فَإنِ اتَّبَعُوهُ كُلَّهُ فَآمَنُوا بِأنَّ كِتابَهم داعٍ إلى كِتابِكَ فَبَشِّرْهم، وإنْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ فالزَمْ إنْذارَهم، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ.

ثُمَّ عَطَفَ عَلى ما أفْهَمَهُ السِّياقُ مِن نَحْوِ: فَلَئِنْ زِغْتَ عَنْهُ لَتَتْرُكَنَّ الهُدى كُلَّهُ بِاتِّباعِ الهَوى، قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ الدّاعِيَةَ لَهم إلى تَغْيِيرِ كِتابِهِمْ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَأظْهَرَ إفْصاحًا ما أفْهَمَتْهُ إضافَةُ المِلَّةِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كانَتْ وضْعًا بِالهَوى لا هِدايَةَ نُورِ عَقْلٍ كَما هي في حَقِّ الحَنِيفِيِّينَ. انْتَهى. ولَمّا كانَ الكَلامُ هُنا في أمْرِ المِلَّةِ الَّتِي هي ظاهِرَةٌ لِلْعَقْلِ أسْقَطَ مَن وأتى بِالَّذِي بِخِلافِ ما يَأْتِي في القِبْلَةِ فَقالَ: (p-١٤٢)﴿بَعْدَ الَّذِي﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: أشارَتْ كَلِمَةُ ”الَّذِي“ إلى مَعْنًى قَرِيبٍ مِنَ الظّاهِرِ المَحْسُوسِ كَأنَّهُ عَلَمٌ ظاهِرٌ، فَفِيهِ إنْباءٌ بِأنَّ أدْنى ما جاءَهُ مِنَ العِلْمِ مُظْهِرٌ لِإبْطالِ ما هم عَلَيْهِ في وُجُوهِ تَلْبِيسِهِمْ وأهْوائِهِمْ ﴿جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ بِأنَّهم عَلى ضَلالٍ وأنَّكَ عَلى جَمِيعِ الهُدى. وخاطَبَهم بِذَلِكَ ﷺ والمُرادُ واللَّهُ أعْلَمُ مَنِ اتَّبَعَ أهْواءَهم بَعْدَ الإسْلامِ مِنَ المُنافِقِينَ تَمَسُّكًا بِوِلايَتِهِمْ طَمَعًا في نُصْرَتِهِمْ ولِذا خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا كُفُؤَ لَهُ، وأكَّدَ النَّفْيَ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾

2:121Page 19

ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٢١

Those to whom We have given the Book recite it with its true recital.1 They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.

ولَمّا أفْصَحَ بِمَن يَسْتَحِقُّ النِّذارَةَ مِنهم بِتَغْيِيرِ الدِّينِ بِأهْوائِهِمْ فَأفْهَمَ (p-١٤٣)مَن يَسْتَحِقُّ البِشارَةَ تَلاهُ بِالإفْصاحِ بِالقِسْمَيْنِ: مَن يَسْتَحِقُّ البِشارَةَ مِنهم، ومَن يَسْتَحِقُّ النِّذارَةَ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ، مِن تَلا فُلانٌ فُلانًا إذا تَبِعَهُ، رَواهُ عَنْهُ أبُو عُبَيْدٍ.

وهِيَ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ قَرِيبًا: ﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ [البقرة: ١١٣] أيْ: لا حَقَّ تِلاوَتِهِ بَلْ تِلاوَةً لَيْسَ فِيها تَدَبُّرٌ لِمَعانِيهِ ولا عَمَلٌ بِما فِيهِ؛ هَذا إذا جَعَلْناهُ حالًا، وإنْ جَعَلْناهُ خَبَرًا وقَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: العَظِيمُو الرُّتْبَةِ خاصَّةً ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خَبَرًا ثانِيًا فالمَعْنى أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِالكِتابِ حَقَّ الإيمانِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ لَهُ، لا إخْفاءَ لِشَيْءٍ فِيهِ لَما انْتَفى عَنْهُمُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ وهو الِانْتِفاعُ بِالكِتابِ المُؤْتى انْتَفى عَنْهم أصْلُ الإيتاءِ لِأنَّهُ تَجَرُّدٌ عَنِ الفائِدَةِ؛ والضَّمِيرُ في ”بِهِ“ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْهُدى. قالَ الحَرالِّيُّ: وحَقِّيَّةُ الأمْرِ هي وفاؤُهُ إلى غايَتِهِ، والإحاطَةُ بِهِ إلى جِماعِ حُدُودِهِ حَتّى لا يَسْقُطَ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَقْصُرَ فِيهِ غايَةٌ إشْعارًا بِاشْتِمالِ الكِتابِ عَلى أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ . (p-١٤٤)ولَمّا وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِهِ ولَمْ يُبَيِّنْ ما لَهم أتْبَعُهُ بِالكافِرِينَ فَقالَ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ﴾ أيْ: بِالكِتابِ، ثُمَّ حَصَرَ الخُسْرَ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ: البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿هُمُ﴾ خاصَّةً ﴿الخاسِرُونَ﴾ فَأفْهَمَ أنَّ المُؤْمِنِينَ بِهِ هُمُ الرّابِحُونَ؛ ومِنَ الوَصْفِ بِالخَسارِ يُعْلَمُ أنَّهم كانُوا عَلى حَقٍّ وشَيْءٍ يُمْكِنُ الرِّبْحُ فِيهِ بِتَكْمِلَةِ الإيمانِ بِكِتابِهِمْ بِالإيمانِ بِالكِتابِ الخاتَمِ فَضَيَّعُوهُ فَخَسِرُوا، فَإنَّهُ لا يَخْسَرُ إلّا مَن لَهُ أصْلُ مالٍ مُتَهِيِّئٍ لِلنَّماءِ والرِّبْحِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

2:122Page 19

يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٢

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

ولَمّا طالَ المَدى في اسْتِقْصاءِ تَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعَمِ ثُمَّ في بَيانِ عُوارِهِمْ وهَتْكِ أسْتارِهِمْ وخَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّرْهِيبِ بِخَسارِهِمْ لِتَضْيِيعِ أدْيانِهِمْ بِأعْمالِهِمْ (p-١٤٥)وأحْوالِهِمْ وأقْوالِهِمْ أعادَ ما صَدَّرَ بِهِ قِصَّتَهم مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ والتَّحْذِيرِ مِن حُلُولِ النِّقَمِ يَوْمَ يُجْمَعُ الأُمَمَ ويَدُومُ فِيهِ النَّدَمُ لِمَن زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ، لِيُعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ القِصَّةِ والمَقْصُودُ بِالذّاتِ في الحَثِّ عَلى انْتِهازِ الفُرْصَةِ في التَّفَصِّي عَنْ حُرْمَةِ النَّقْصِ إلى لَذَّةِ الرِّبْحِ بِدَوامِ الشُّكْرِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَلِبُعْدِهِ بِالتَّقَدُّمِ كَرَّرَهُ تَعالى إظْهارًا لِمَقْصِدِ التِئامِ آخِرِ الخِطابِ بِأوَّلِهِ ولِيُتَّخَذَ هَذا الإفْصاحُ والتَّعْلِيمُ أصْلًا لِما يُمْكِنُ أنْ يَرِدَ مِن نَحْوِهِ في سائِرِ القُرْآنِ حَتّى كَأنَّ الخِطابَ إذا انْتَهى إلى غايَةِ خاتِمَةٍ يَجِبُ أنْ يَلْحَظَ القَلْبُ بِدايَةَ تِلْكَ الغايَةِ فَيَتْلُوَها لِيَكُونَ في تِلاوَتِهِ جامِعًا لِطَرَفَيِ البِناءِ وفي تَفَهُّمِهِ جامِعًا لِمَعانِي طَرَفَيِ المَعْنى. انْتَهى. فَقالَ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: ولَدَ الأنْبِياءِ الأصْفِياءِ ووالِدَ الأنْبِياءِ السُّعَداءِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ أيِ: الشَّرِيفَةَ بِالنِّسْبَةِ إلَيَّ ﴿الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ بِها في الدُّنْيا ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ واقْتَصَرَ هُنا عَلى نِعْمَةِ التَّفْضِيلِ ولَمْ يَذْكُرِ الوَفاءَ الَّذِي هو فَضِيلَةُ النَّفْسِ الباطِنَةِ إشارَةً إلى جُمُودِهِمْ بِاقْتِصارِهِمْ عَلى النَّظَرِ في الظّاهِرِ عَلى ﴿العالَمِينَ﴾ في تِلْكَ الأزْمانِ كُلِّها بِإتْمامِ نِعْمَةِ الدُّنْيا بِشَرْعِ الدِّينِ المُقْتَضِي لِلنِّعْمَةِ في الأُخْرى، فَإنَّكم إذا ذَكَرْتُمُ النِّعْمَةَ شَكَرْتُمُوها فَقَيَّدْتُمُوها واسْتَوْجَبْتُمْ مِنَ (p-١٤٦)اللَّهِ الزِّيادَةَ في الدُّنْيا والرِّضى في العُقْبى.

2:123Page 19

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ١٢٣

And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.

﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي﴾ أيْ: تَقْضِي، أيْ: يُصْنَعُ فِيهِ ﴿نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أيْ: مِنَ الجَزاءِ.

ولَمّا خُتِمَتِ الآيَةُ الماضِيَةُ بِحَصْرِ الخَسارَةِ فِيهِمْ ناسَبَ تَقْدِيمَ نَفْيِ القَبُولِ فَقالَ: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ﴾ يُبْذَلُ في فِكاكِها مِن غَيْرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيها ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ وإنْ كَثُرَتْ جُمُوعُهم. قالَ الحَرالِّيُّ: أجْراها تَعالى في هَذا التَّكْرارِ عَلى حَدِّها في الأوَّلِ إلّا ما خالَفَ بَيْنَ الإيرادَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ إلى آخِرِهِ لِيَجْمَعَ النَّبَأُ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّفاعَةِ والعَدْلِ بَيْنَ مَجْمُوعِ الرَّدَّيْنِ مِنَ الأخْذِ والقَبُولِ فَيَكُونُ شَفاعَتُها لا مَقْبُولَةً ولا نافِعَةً، ويَكُونُ عَدْلُها لا مَأْخُوذًا ولا مَقْبُولًا، ذَلِكَ لِأنَّ المَعْرُوضَ لِلْقَبُولِ أوَّلُ ما يُؤْخَذُ أخْذًا بِحَسَبِهِ مِن أخْذِ سَمْعٍ أوْ عَيْنٍ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَيْهِ نَظَرَ تَحْقِيقٍ في المَسْمُوعِ وتَبَصُّرٍ في المَنظُورِ، فَإذا صَحَّحَهُ التَّحْقِيقُ والتَّبْصِيرُ قُبِلَ، وإذا لَمْ يُصَحِّحْهُ رُدَّ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِمَن في حالِهِ حَظُّ صِحَّةٍ ظاهِرَةٍ لا يَثْبُتُ مَعَ الخِبْرَةِ، فَأنْبَأ تَعالى بِمَضْمُونِ الآيَتَيْنِ الفاتِحَةِ والخاتِمَةِ أنَّ (p-١٤٧)هَؤُلاءِ لَيْسَ في حالِهِمْ حَظُّ صِحَّةٍ البَتَّةَ لا في شَفاعَةٍ ولا في عَدْلٍ فَلا يُقْبَلُ ولا يُؤْخَذُ إنْباءٌ بِغِرائِهِ عَنْ لَبْسِهِ ظاهِرُ صِحَّةٍ يَقْتَضِي أخْذُهُ بِوَجْهٍ ما، فَفِيهِ تَبْرِئَةٌ مِمَّنْ حالُهُ حالُ ما نُبِّئَ بِهِ عَنْهم عَلى ما تَقَدَّمَ مَعْناهُ في مَضْمُونِ الآيَةِ، وبِهَذِهِ الغايَةِ انْصَرَفَ الخِطابُ عَنْهم عَلى خُصُوصِ ما أُوتُوا مِنَ الكِتابِ الَّذِي كانَ يُوجِبُ لَهم أنْ يَتَدَيَّنُوا بِقَبُولِ ما جاءَ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم فاتَّخَذُوا لَهم بِأهْوائِهِمْ مِلَّةً افْتَعَلَتْها أهْواؤُهم، فَنَظَمَ تَعالى بِذَلِكَ ذِكْرَ صاحِبِ المِلَّةِ الَّتِي يَرْضاها وافْتَتَحَ بِابْتِداءِ أمْرِهِ في ابْتِلائِهِ لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِمُ الحُجَّتانِ السّابِقَةُ بِحَسَبِ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ الإبْراهِيمِيَّةِ واللّاحِقَةُ بِحَسَبِ الدِّينِ المُحَمَّدِيِّ، كانَ ﷺ يَقُولُ في الصَّباحِ: «أصْبَحْنا عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ وكَلِمَةِ الإخْلاصِ وعَلى دِينِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى مِلَّةِ أبِينا إبْراهِيمَ ﷺ» فَخَصَّ المُحَمَّدِيَّةَ بِالدِّينِ والإبْراهِيمِيَّةَ بِالمِلَّةِ لِيَنْتَظِمَ ابْتِداءُ الأُبُوَّةِ الإبْراهِيمِيَّةِ بِطَوائِفِ أهْلِ الكِتابِ سابِقِهِمْ ولاحِقِهِمْ بِنَبَأِ ابْتِداءِ الأُبُوَّةِ الآدَمِيَّةِ في مُتَقَدَّمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] الآياتِ لِيَنْتَظِمَ رُؤُوسُ الخِطاباتِ بَعْضُها بِبَعْضٍ وتَفاصِيلُها بِتَفاصِيلِها، ولِيَكُونَ إظْهارُ ذَلِكَ (p-١٤٨)فِي سُورَةِ سَنامِ القُرْآنِ أصْلًا لِما في سائِرِهِ مِن ذَلِكَ، وذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ أنَّ المِلَّةَ ما يَدْعُو إلَيْهِ هُدى العَقْلِ المُبَلَّغُ عَنِ اللَّهِ تَوْحِيدُهُ مِن ذَواتِ الحَنِيفِيِّينَ، وأنَّ الدِّينَ الإسْلامُ، والإسْلامُ إلْقاءُ ما بِاليَدِ ظاهِرًا وباطِنًا، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عَنْ بادِي غَيْبِ التَّوْحِيدِ. انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском