Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:169–172

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:169–172

2:169Page 25

إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ١٦٩

He only orders you to evil and immorality and to say about Allāh what you do not know.

ثُمَّ عَلَّلَ إبانَةَ عَداوَتِهِ والنَّهْيَ عَنِ اتِّباعِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما﴾ فَحَصَرَ لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ الأمْرُ بِشَيْءٍ فِيهِ رُشْدٌ؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ كَما قالَ الحَرالِّيُّ إنْباءٌ بِما مَكَّنَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَتّى صارَ أمْرًا ﴿بِالسُّوءِ﴾ وهو خَبائِثُ الأنْفُسِ الباطِنَةِ الَّتِي يُورِثُ فِعْلُها مَساءَةً ﴿والفَحْشاءِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهو ما يَكْرَهُهُ الطَّبْعُ مِن رَذائِلِ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ كَما يُنْكِرُهُ العَقْلُ ويَسْتَخْبِثُهُ الشَّرْعُ، فَيَتَّفِقُ في حُكْمِهِ آياتُ اللَّهِ الثَّلاثُ مِنَ الشَّرْعِ والعَقْلِ والطَّبْعِ، بِذَلِكَ يَفْحُشُ (p-٣٢٠)الفِعْلُ ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ﴾ الحائِزِ أقْصى مَراتِبِ العَظَمَةِ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِمّا تَسْتَفْتِحُونَ قَوْلَهُ في أقَلِّ المَوْجُوداتِ مِن إشْراكٍ أوِ ادِّعاءِ ولَدٍ أوْ تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ولَقَدْ أبْلَغَ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ الآيَةِ في حُسْنِ الدُّعاءِ لِعِبادِهِ إلَيْهِ لُطْفًا مِنهُ بِهِمْ ورَحْمَةً لَهم بِتَذْكِيرِهِمْ في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِخَلْقِهِ لَهم أوَّلًا وبِجَعْلِهِ لَهم مُلائِمًا ثانِيًا وإباحَتِهِ لَهم ثالِثًا وتَحْذِيرِهِ لَهم مِنَ العَدُوِّ رابِعًا - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن دَقائِقِ الألْطافِ وجَلائِلِ المِنَنِ في سِياقٍ مُشِيرٍ إلى جَمِيعِ أصْنافِ الحَلالِ وسَبَبِ تَحْلِيلِهِ.

قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في كِتابِ العُرْوَةِ في حَرْفِ الحَلالِ: وجْهُ إنْزالِ هَذا الحَرْفِ تَوْسِيعُ الِاسْتِمْتاعِ بِما خَلَقَ اللَّهُ في الأرْضِ مِن نِعَمِهِ وخَيْرِهِ (p-٣٢١)المُوافَقَةِ لِطِباعِهِمْ وأمْزِجَتِهِمْ وقَبُولِ نُفُوسِهِمْ في جَمِيعِ جِهاتِ الِاسْتِمْتاعِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ ولِباسٍ ومَرْكَبٍ ومَأْوًى وسائِرِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِمّا أخْرَجَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ومِمّا بَثَّهُ في الأرْضِ وما عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ في ذَلِكَ مِن صَنْعَةٍ وتَرْكِيبٍ ومَزْجٍ لِيَشْهَدُوا دَوامَ لُبْسِ الخَلْقِ الجَدِيدِ في كُلِّ خَلْقٍ عَلى حَسَبِ ما مِنهُ فَطَرَ خَلْقَهُ؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَخْلُوقًا مِن صَفاوَةِ كُلِّ شَيْءٍ تَوَسَّعَ لَهُ بِجِهاتِ الِانْتِفاعِ بِكُلِّ شَيْءٍ إلّا ما اسْتَثْنى مِنهُ بِحَرْفِ الحَرامِ ووَجْهِهِ كَما اسْتَثْنى لِآدَمَ أكْلَ الشَّجَرَةِ مِن مُتَّسَعِ رَغَدِ الجَنَّةِ فَكانَ لَهُ المَتاعُ بِجَمِيعِهِ إلّا ما أضَرَّ بِبَدَنِهِ أوْ خُبْثَ نَفْسِهِ أوْ رانَ عَلى عِلْمِ قَلْبِهِ وذَلِكَ بِأنْ يَسُوغَ لَهُ طَبْعًا وتَحْسُنَ مَغَبَّتُهُ في أخْلاقِ نَفْسِهِ ويُسْنِدُهُ قَلْبُهُ لِمُنْعِمِهِ الَّذِي يَشْهَدُ مِنهُ بِداياتِهِ وتَكَمُّلاتِهِ تَجْرِبَةً ثُمَّ كَمَّلَ القُرْآنُ ذَلِكَ بِإخْلاصِهِ لِلْمُنْعِمِ مِن غَيْرِ أثَرٍ لِما سِواهُ فِيهِ وجامِعِ مَنزِلِهِ بِحَسَبِ تَرْتِيبِ [القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ومِن أوائِلِهِ بِحَسَبِ تَرْتِيبِ ] البَيانِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ (p-٣٢٢)ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] الآيَةُ وسائِرُ الآياتِ الوارِدَةِ في سُورَةِ النَّحْلِ وفي سُورَةِ يس إذْ هي القَلْبُ الَّذِي مِنهُ مِدادُ القُرْآنِ كُلِّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣] الآياتِ إلى سائِرِ ما في القُرْآنِ مِن نَحْوِهِ، ومِن مُتَّسَعٍ خِلالَ هَذا الحَرْفِ وقَعَتِ الفِتْنَةُ عَلى الخَلْقِ بِما زُيِّنَ لَهم مِنهُ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤] الآيَةَ ووَجْهُ فِتْنَتِهِ أنَّ عَلى قَدْرِ التَّبَسُّطِ فِيهِ يَحْرُمُ مِن طِيبِ الآخِرَةِ ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف: ٢٠] «إنَّما يَلْبَسُ هَذِهِ مَن لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ» ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩] ومِن رُؤْيَةِ سُوءِ هَذا المَخْبَرِ نَشَأ زُهْدُ الزّاهِدِينَ، ومِن رُؤْيَةِ حُسْنِ المَتْجَرِ ورِبْحِهِ وتَضاعُفِهِ إلى ما لا يُدْرَكُ مَداهُ ونَعِيمُهُ في بَيْعِ خَلاقِ الدُّنْيا بِخَلاقِ الآخِرَةِ نَشَأ ورَعُ المُتَوَرِّعِينَ؛ فاسْتَراحَتْ قُلُوبُهم بِالزُّهْدِ، وانْكَفَؤُوا بِالوَرَعِ عَنِ الكَدِّ، وتَفَرَّغَتْ قُلُوبُهم وأعْمالُهم لِبَذْلِ الجِدِّ في سَبِيلِ الحَمْدِ، وتَمَيَّزَ الشَّقِيُّ مِنَ السَّعِيدِ بِالرَّغْبَةِ فِيهِ أوْ عَنْهُ، فَمَن رَغِبَ في الحَلالِ شَقِيَ ومَن رَغِبَ عَنْهُ سَعِدَ؛ وهو الحَرْفُ الَّذِي (p-٣٢٣)قَبَضَ بَسْطَهُ حَرْفُ النَّهْيِ حَتّى لَمْ يَبْقَ لِابْنِ آدَمَ حَظٌّ فِيما زادَ عَلى جِلْفِ الطَّعامِ وهي كِسْرَةٌ وثَوْبٌ يَسْتُرُهُ وبَيْتٌ يُكِنُّهُ، وما زادَ عَلَيْهِ مَتْجَرٌ إنْ أنْفَقَهُ رَبِحَهُ وقَدَّمَ عَلَيْهِ وإنِ ادَّخَرَهُ خَسِرَهُ ونَدِمَ عَلَيْهِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأحَدٍ في أكْلِهِ حَتّى يَتَّصِفَ بِالطَّيِّبِ لِلنّاسِ الَّذِينَ هم أدْنى المُخاطَبِينَ بِانْسِلاخِ أكْثَرِهِمْ مِنَ العَقْلِ والشُّكْرِ والإيمانِ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] ومَحا اسْمَهُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وهُمُ الَّذِينَ لا يَثْبُتُونَ ولا يَدُومُونَ عَلى خَيْرِ أحْوالِهِمْ بَلْ يُخْلِصُونَ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] وهو ما طَيَّبَهُ حَرْفُ النَّهْيِ عِلْمًا، وبَرِئَ مِن حَوادِّ القُلُوبِ طُمَأْنِينَةً، وتَمَّمَ وأنْهى صَفْوَةً لِلْمُرْسَلِينَ فَقالَ ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] ووَرَدَ جَوابًا لِسُؤالِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة: ٤] فَمَن آثَرَ حَرْفَ النَّهْيِ عَلى حَرْفِ الحَلالِ فَقَدْ تَزَكّى واتَّبَعَ الأحْسَنَ وصَحَّ هُداهُ وصَفا لُبُّهُ (p-٣٢٤)ومَن آثَرَ حَرْفَ الحَلالِ عَلى حَرْفِ النَّهْيِ فَقَدْ تَدَسّى وحُرِمَ هُدى الكُتُبِ وعِلْمَ الحِكْمَةِ ومَزِيدَ التَّأْبِيدِ بِما فاتَهُ مِنَ التَّزْكِيَةِ وتَوَرَّطَ فِيهِ مِنَ التَّدْسِيَةِ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ. ثُمَّ قالَ فِيما بِهِ تَحْصُلُ قِراءَتُهُ: اعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ لَمّا كانَ جامِعًا كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُنْتَفِعًا أمّا في حالِ السِّعَةِ فَمَعَ اسْتِثْناءِ أشْياءَ يَسِيرَةٍ مِمّا يَضُرُّهُ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ أوْ رَبِّهِ عَلى ما ذُكِرَ في الفَصْلِ الأوَّلِ أيْ: حَرْفُ الحَرامِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ: وأمّا في حالِ الضَّرُورَةِ فَبِغَيْرِ اسْتِثْناءٍ البَتَّةَ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] والَّذِي تَحْصُلُ بِهِ قِراءَةُ هَذا الحَرْفِ أمّا مِن جِهَةِ القَلْبِ فَمَعْرِفَةُ حِكْمَةِ اللَّهِ في المُتَناوَلِ مِن مَخْلُوقاتِهِ ومَعْرِفَةُ أخَصِّ مَنافِعِها مِمّا خَلَقَهُ، لِيَكُونَ غِذاءً في سِعَةٍ أوْ ضَرُورَةٍ وإدامًا أوْ فاكِهَةً أوْ دَواءً كَذَلِكَ؛ ومَعْرِفَةُ مُوازَنَةِ ما بَيْنَ الِانْتِفاعِ بِالشَّيْءِ ومَضَرَّتِهِ واسْتِعْمالِهِ عَلى حُكْمِ الأغْلَبِ مِن مَنفَعَتِهِ، أوِ اجْتِنابِهِ عَلى حُكْمِ الأغْلَبِ مِن مَضَرَّتِهِ ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ (p-٣٢٥)لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩] وذَلِكَ مُدْرَكٌ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِاعْتِبارِ العَقْلِ وإدْراكِ الحِسِّ في مَخْلُوقاتِهِ كَما أدْرَكَهُ الحَنِيفِيُّونَ، كانَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَدْ حَرَّمَ الخَمْرَ عَلى نَفْسِهِ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ إذا أُخِذَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ يَقُولُ: واللَّهِ لَوْ أصَبْتُ شَيْئًا أشْتَرِيهِ بِمالِي كُلِّهِ يَزِيدُ في عَقْلِي لَفَعَلْتُ فَكَيْفَ أشْتَرِي بِمالِي شَيْئًا يُنْقِصُ مِن عَقْلِي ! وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا ما يُنَبِّهُ عَلى حِكْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في الأشْياءِ الَّتِي بِها تُتَناوَلُ أوْ تُجْتَنَبُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعالى

﴿ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] «فَقالَ لِطَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَدْ ناوَلَهُ سَفَرْجَلَةً ”تَذْهَبُ بِطَخاءِ الفُؤادِ“» «وقالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو رَمِدٌ في خُبْزِ الشَّعِيرِ والسِّلْقِ: ”كُلْ مِن هَذا فَإنَّهُ أوْفَقُ لَكَ“» «وقالَ في التَّمْرِ والقِثّاءِ: ”حَرُّ هَذا يَكْسِرُ بَرْدَ هَذا“» وقالَ لِرَمِدٍ: «أتَأْكُلُ التَّمْرَ وأنْتَ رَمِدٌ» «وقالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها في الماءِ المُشَمَّسِ: ”لا تَفْعَلِي يا حُمَيْراءُ ! فَإنَّهُ يُوَلِّدُ البَرَصَ“» وقالَ: «اسْتاكُوا بِكُلِّ عُودٍ ما خَلا الآسَ والرُّمّانَ فَإنَّهُما يُهَيِّجانِ عِرْقَ الجُذامِ» «وقالَ لِامْرَأةٍ اسْتَطْلَقَتْ بالشُّبْرُمِ: ”حارٌّ جارٌّ، ألا اسْتَطْلَقْتِ بِالسَّنا ؟ فَإنَّهُ لَوْ كانَ (p-٣٢٦)شَيْءٌ يُذْهِبُ الدّاءَ لَأذْهَبَهُ السَّنا“» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا إذا أباحَهُ أوْ حَظَرَهُ نَبَّهَ عَلى حِكْمَتِهِ. وكانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها تَقُولُ لِلْمَرِيضِ: اصْنَعُوا لَهُ خَزِيرَةً فَإنَّها مُجِمَّةٌ لِفُؤادِ المَرِيضِ وتُذْهِبُ بَعْضَ الحَزَنِ. ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن كَلامِ العُلَماءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ومُجَرَّباتِ الحُكَماءِ ومَعارِفِ الحُكَماءِ الحُنَفاءِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الطَّيِّباتُ ما اسْتَطابَتْهُ نُفُوسُ العَرَبِ، والخَبائِثُ ما اسْتَخْبَثَتْهُ نُفُوسُ العَرَبِ؛ هَذا مِن جِهَةِ [القَلْبِ ] وأمّا مِن جِهَةِ النَّفْسِ فَسَخاؤُها بِما يَقَعُ فِيهِ الِاشْتِراكُ [مِنَ ] المُنْتَفَعاتِ المُحَلَّلاتِ، لِأنَّ الشُّحَّ بِالحَلالِ عَنْ مُسْتَحَقِّهِ مُحْظَرٌ لَهُ عَلى المُخْتَصِّ بِهِ الضِّيافَةُ عَلى أهْلِ الوَبَرِ ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ [النساء: ٨] ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ (p-٣٢٧)والمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] وكَذَلِكَ صَبْرُها عَمّا تَشْتَهِيهِ مِنَ المُضِرّاتِ مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] وكَذَلِكَ التَّراضِي وطِيبُ النَّفْسِ فِيما يَقَعُ فِيهِ الِاشْتِراكُ ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] هَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلاثَةُ مِنَ السَّخاءِ والصَّبْرِ والتَّراضِي في النَّفْسِ، وأمّا في العَمَلِ وتَناوُلِ اليَدِ فَأوَّلُ ذَلِكَ ذِكْرُ اللَّهِ والتَّسْمِيَةُ عِنْدَ كُلِّ مُتَناوَلٍ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ لِلَّهِ فَما تُنُووِلَ بِاسْمِهِ أُخِذَ بِإذْنِهِ وما تُنُووِلَ بِغَيْرِ اسْمِهِ أُخِذَ تَلَصُّصًا عَلى غَيْرِ وجْهِهِ وشارَكَ الشَّيْطانُ في تَناوُلِهِ فَتَبِعَهُ المُتَناوِلُ مَعَهُ في خُطُواتِهِ وشارَكَهم في الأمْوالِ والأوْلادِ؛ «جاءَ أعْرابِيٌّ وصَبِيٌّ لِيَأْكُلا طَعامًا بَيْنَ أيْدِي النَّبِيِّ ﷺ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ فَأخَذَ بِأيْدِيهِما وقالَ ”إنَّ الشَّيْطانَ جاءَ لِيَسْتَحِلَّ بِهِما هَذا الطَّعامَ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! إنَّ يَدَهُ في يَدِي مَعَ أيْدِيهِما“ فَسَمّى النَّبِيُّ ﷺ (p-٣٢٨)وأكَلَ ثُمَّ أطْلَقَها وقالَ: ”كُلا بِاسْمِ اللَّهِ“ وقالَ لِغُلامٍ آكِلٍ: ”يا غُلامُ ! سَمِّ اللَّهَ“» والثّانِي التَّناوُلُ بِاليَمِينِ، لِأنَّ الشَّيْطانَ يَأْكُلُ بِشِمالِهِ ويَشْرَبُ بِشِمالِهِ، واليَمِينُ خادِمُ ما عَلا مِنَ الجَسَدِ والشِّمالُ خادِمُ ما سَفَلَ مِنهُ. والثّالِثُ أنْ يَتَناوَلَ تَناوُلَ تَقَنُّعٍ وتَرَفُّعٍ عَنْ تَناوُلِ النُّهْبَةِ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلاثَةِ أصابِعَ”“ويَشْرَبُ مَصًّا في ثَلاثٍ”وقالَ:“هُوَ أبْرَأُ وأمْرَأ وأهْنَأُ» وقالَ: «الكُبادُ مِنَ العَبِّ» والرّابِعُ الِاكْتِفاءُ بِما دُونَ الشِّبَعِ لِما في ذَلِكَ مِن حُسْنِ اغْتِذاءِ البَدَنِ وحِفْظِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ؛ ومِن عَلاماتِ السّاعَةِ ظُهُورُ السِّمَنِ عَنِ الأكْلِ في الرِّجالِ؛ و«ما مَلَأ ابْنُ آدَمَ وِعاءً شَرًّا مِن بَطْنٍ» و«ما دَخَلَتِ الحِكْمَةُ مَعِدَةً مُلِئَتْ طَعامًا» و«المُؤْمِنُ يَأْكُلُ في مِعًى واحِدٍ والكافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءَ» لِتَوَكُّلِ المُؤْمِنِ في قِوامِهِ ولِاتِّكالِ الكافِرِ عَلى الغِذاءِ في قُوَّتِهِ: «وحَسْبَ المُؤْمِنِ لُقَيْماتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإنْ كانَ ولا بُدَّ فاعِلًا فَثُلُثٌ لِلطَّعامِ وثُلُثٌ لِلشَّرابِ وثُلُثٌ (p-٣٢٩)لِلنَّفَسِ» انْتَهى. قُلْتُ: ولَعَلَّ المُرادَ أنَّ الكافِرَ يَأْكُلُ شِبَعًا فَيَأْكُلُ مِلْأ بَطْنِهِ لِأنَّ الأمْعاءَ كَما قالُوا سَبْعَةٌ، والمُؤْمِنُ يَأْكُلُ تَقَوُّتًا فَيَأْكُلُ في مِعًى واحِدٍ وهو سُبُعُ بَطْنِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَفي مِعاءَيْنِ وشَيْءٍ وهو الثُّلُثُ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. قالَ الحَرالِّيُّ: والخامِسُ حَمْدُ اللَّهِ تَعالى في الخِتامِ، لِأنَّ مَن لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ في الخِتامِ كَفَرَ بِنِعْمَتِهِ. ومَن حَمِدَ غَيْرَ اللَّهِ آمَنَ بِطاغُوتِهِ؛ فَبِهَذِهِ الأُمُورِ مَعْرِفَةً في القَلْبِ وحالًا في النَّفْسِ وآدابًا في العَمَلِ تَصِحُّ قِراءَةُ حَرْفِ الحَلالِ ويَحْصُلُ خَيْرُ الدُّنْيا ويَتَمَدَّدُ الأساسُ لِبِناءِ خَيْرِ الآخِرَةِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ. انْتَهى.

2:170Page 26

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠

And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?

ولَمّا نَهاهم سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ مُتابَعَةِ العَدُوِّ ذَمَّهم بِمُتابَعَتِهِ مَعَ أنَّهُ عَدُوٌّ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ لِلْجَهَلَةِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ١٦٥] مُعَجِّبًا مِنهم: ﴿وإذا قِيلَ﴾ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ. ولَمّا كانَ الخِطابُ لِلنّاسِ عامَّةً وكانَ أكْثَرُهم مُقَلِّدًا ولا سِيَّما لِلْآباءِ أعادَ الضَّمِيرَ والمُرادُ أكْثَرُهم فَقالَ: ﴿لَهُمُ اتَّبِعُوا﴾ أيِ: اجْتَهِدُوا (p-٣٣٠)فِي تَكْلِيفِ أنْفُسِكُمُ الرَّدَّ عَنِ الهَوى الَّذِي نَفَخَهُ فِيها الشَّيْطانُ، وفي قَوْلِهِ لَهُ ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ العِلْمُ الشّامِلُ والقُدْرَةُ التّامَّةُ انْعِطافٌ عَلى ذَلِكَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ وما شاكَلَهُ ﴿قالُوا بَلْ﴾ أيْ: لا نَتَّبِعُ ما أنْزَلَ اللَّهُ بَلْ ﴿نَتَّبِعُ﴾ أيْ: نَجْتَهِدُ في تَبَعِ ﴿ما ألْفَيْنا﴾ أيْ: وجَدْنا، قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الإلْفاءِ وهو وِجْدانُ الأمْرِ عَلى ما ألِفَهُ المُتَبَصِّرُ فِيهِ أوِ النّاظِرُ إلَيْهِ ﴿عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أيْ: عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ والعَجْزِ، قالَ: فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ عَوائِدَ الآباءِ مَنهِيَّةٌ حَتّى يَشْهَدَ لَها شاهِدُ أُبُوَّةِ الدِّينِ فَفِيهِ التَّحْذِيرُ في رُتَبِ ما بَيْنَ حالِ الكُفْرِ إلى أدْنى الفِتْنَةِ الَّتِي شَأْنُ النّاسِ أنْ يَتَّبِعُوا فِيها عَوائِدَ آبائِهِمْ. انْتَهى. (p-٣٣١)ولَمّا أبَوْا إلّا إلْفَ وِهادِ التَّقْلِيدِ فَدَنَوْا عَنِ السُّمُوِّ إلى عِدادِ أُولِي العِلْمِ بِالنَّظَرِ السَّدِيدِ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ فَقالَ مُبَكِّتًا لَهم: ﴿أوَلَوْ﴾ أيْ: أيَتَّبِعُونَ آباءَهم والحالُ أنَّهُ ﴿كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ بِبَصائِرِ قُلُوبِهِمْ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ المَعْقُولَةِ ﴿ولا يَهْتَدُونَ﴾ بِأبْصارِ عُيُونِهِمْ إلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ.

2:171Page 26

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَثَلُهم حِينَئِذٍ كَمَن تَبِعَ أعْمى في طَرِيقٍ وعِرٍ خَفِيٍّ [فِي فَلَواتٍ ] شاسِعَةٍ كَثِيرَةِ الخَطَرِ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُرْشِدُ إلى تَقْدِيرِهِ مِن قَوْلِهِ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم صارُوا بِهَذا كالبَهائِمِ بَلْ أضَلُّ لِأنَّها وإنْ كانَتْ لا تَعْقِلُ فَهي تَسْمَعُ وتُبْصِرُ فَتَهْتَدِي إلى مَنافِعِها ﴿ومَثَلُ﴾ وبَيَّنَ الوَصْفَ الَّذِي حَمَلَهم عَلى هَذا الجَهْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا ما يَعْلَمُونَ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ بِما عِنْدَهم مِنَ الهَوى في أنَّهم لا يَسْمَعُونَ مِنَ الدُّعاءِ إلّا جَرْسَ النَّغْمَةِ ودَوِيَّ الصَّوْتِ مِن غَيْرِ إلْقاءِ أذْهانٍ ولا اسْتِبْصارٍ ﴿كَمَثَلِ﴾ (p-٣٣٢)قالَ الحَرالِّيُّ: المَثَلُ ما يَتَحَصَّلُ في باطِنِ الإدْراكِ مِن حَقائِقِ الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ فَيَكُونُ ألْطَفَ مِنَ الشَّيْءِ المَحْسُوسِ فَيَقَعُ لِذَلِكَ جالِيًا لِمَعْنى مِثْلِ المَعْنى المَعْقُولِ ويَكُونُ الأظْهَرُ مِنهُما مَثَلًا لِلْأخْفى، فَلِذَلِكَ يَأْتِي اسْتِجْلاءُ المَثَلِ بِالمَثَلِ، لِيَكُونَ فِيهِ تَلْطِيفٌ لِلظّاهِرِ المَحْسُوسِ وتَنْزِيلٌ لِلْغائِبِ المَعْلُومِ؛ فَفي هَذِهِ الآيَةِ يَقَعُ الِاسْتِجْلاءُ بَيْنَ المَثَلَيْنِ لا بَيْنَ المَمْثُولَيْنِ لِتَقارُبِ المَثَلَيْنِ يَعْنِي وهو وجْهُ الشَّبَهِ وتَباعُدِ المَمْثُولَيْنِ، وفي ذِكْرِ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ تَقابُلٌ يُفْهِمُ مَثَلَيْنِ آخَرَيْنِ، فاقْتَضى ذَلِكَ تَمْثِيلَيْنِ في مَثَلٍ واحِدٍ كَأنَّ وفاءَ اللَّفْظِ الَّذِي أفْهَمُهُ [هَذا الإيجازُ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ومَثَلُ راعِيهِمْ كَمَثَلِ الرّاعِي ومَثَلِ ما يُرْعى مِنَ البَهائِمِ وهو مِن أعْلى خِطابِ فُصَحاءِ العَرَبِ، ومَن لا يَصِلُ فَهْمُهُ ] إلى جَمْعِ المَثَلَيْنِ يَقْتَصِرُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِمَثَلٍ واحِدٍ فَيُقَدِّرُ في الكَلامِ: ومَثَلُ داعِي الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ أيْ: يَصِيحُ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّأْوِيلَ يُحْمَلُ عَلى الإضْمارِ والتَّقْدِيرِ، والفَهْمُ يَمْنَعُ مِنهُ ويُوجِبُ فَهْمَ إيرادِ القُرْآنِ عَلى حَدِّهِ ووَجْهِهِ؛ وقالَ: ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ شَيْءٍ مِنَ البَهائِمِ الَّتِي لا عَقْلَ لَها فَهو ﴿يَسْمَعُ إلا دُعاءً﴾ أيْ: مِنَ النّاطِقِ فِيما (p-٣٣٣)يُدْعى إلَيْهِ مِن قِوامِ غِذائِهِ ونَسْلِهِ ﴿ونِداءً﴾ فِيما ساقَ إلَيْهِ بِمَحَلِّ دُعائِهِ مِن حَيْثُ إنَّ النِّداءَ يُشْعِرُ [بِالبُعْدِ والدُّعاءَ يُشْعِرُ ] بِالشُّرُوعِ في القَصْدِ. انْتَهى.

فالكافِرُونَ في كَوْنِهِمْ لا يَرْجِعُونَ عَنْ غَيِّهِمْ لِما يَسْمَعُونَ مِنَ الأدِلَّةِ وهم أُولُو عَقْلٍ وسَمْعٍ وبَصَرٍ كالبُهْمِ الَّتِي تَسْمَعُ (p-٣٣٤)وتُبْصِرُ ولَكِنَّها لِكَوْنِها لا تَعْقِلُ [لا تَرْجِعُ ] بِالكَلامِ لِأنَّها لا تَسْمَعُ إلّا ظاهِرَ الصَّوْتِ ولا تَفْهَمُ ما تَحْتَهُ بَلْ بِالحَجَرِ والعَصا، فَإنَّ الرّاعِيَ إذا أرادَ رُجُوعَها عَنْ ناحِيَةٍ صاحَ بِها ورَمى بِحَجَرٍ إلى ما أمامَها فَتَرْجِعُ، فَهي مَحَلُّ مَثَلِهِمُ الَّذِي هو عَدَمُ الإدْراكِ، والبُهْمُ في كَوْنِها لا تَرْجِعُ بِالنِّداءِ بَلْ بِقارِعٍ كالأصَمِّ الأبْكَمِ الأعْمى الَّذِي لا يَرْجِعُ إلّا بِقارِعٍ يَصُكُّهُ في وجْهِهِ فَيَنْكِصُ عَلى عَقِبِهِ فَهو مَحَلُّ مَثَلِها، وداعِيهِمْ في كَوْنِهِ يَتَكَلَّمُ فَلا يُؤَثِّرُ كَلامُهُ مَعَ المُبالَغَةِ فِيهِ كَراعِي البُهْمِ فَهو مَوْضِعُ مَثَلِهِ، وراعِي البُهْمِ مِن حَيْثُ إنَّ بُهْمَهُ لا تَرْجِعُ إلّا بِضَرْبَةٍ بِالحَجَرِ أوْ غَيْرِهِ كالسَّوْطِ الَّذِي يُقْمَعُ بِهِ الأصَمُّ أوْ كَضارِبِ الأصَمِّ المَذْكُورِ فَهو مَحَلُّ مَثَلِهِ؛ فَلِذَلِكَ كانَتْ نَتِيجَةُ التَّمْثِيلِ قَوْلَهُ: ﴿صُمٌّ﴾ أيْ: لا يَسْمَعُونَ ﴿بُكْمٌ﴾ أيْ: لا يَنْطِقُونَ ﴿عُمْيٌ﴾ أيْ: لا يُبْصِرُونَ، وقَدْ عُلِمَ بِهَذا أنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ مَثَلُ الدّاعِي لِدَلالَةِ النّاعِقِ عَلَيْهِ ومِنَ الثّانِي المَنعُوقُ بِهِ لِدَلالَةِ المَدْعُوِّينَ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ مَوْجُودُ إدْراكِ العَقْلِ هو حَقائِقُ المَحْسُوساتِ وقَدْ نَفى عَنْهُمُ الحِسَّ المُدْرِكَ لِلْمَحْسُوساتِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (p-٣٣٥)﴿فَهُمْ﴾ بِالفاءِ رَبْطًا وتَعْقِيبًا وتَسْبِيبًا ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِعُقُولِهِمْ كَما أنَّ هَذا الأصَمَّ كَذَلِكَ، ونَفاهُ بِلا النّافِيَةِ لِلْمُمْتَنِعِ وصِيغَةِ المُضارِعِ المُنْبِئَةُ عَنِ الدَّوامِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.

2:172Page 26

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢

O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ الدُّعاءَ لا يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا رُقِّيَ الخِطابُ [مِنَ النّاسِ ] إلى أعْلى مِنهم رُتْبَةً فَقالَ آمِرًا لَهم أمْرَ إباحَةٍ أيْضًا وهو إيجابٌ في تَناوُلِ ما يُقِيمُ البَيِّنَةَ ويَحْفَظُها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا﴾ . وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا كانَ تَقَدُّمُ الخِطابِ في أمْرِ الدِّينِ في رُتْبَتَيْنِ أُولاهُما ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] وثانِيَتُهُما ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] فَأمَرَ النّاسَ فِيهِ بِالعِبادَةِ وأمَرَ الَّذِينَ آمَنُوا بِحُسْنِ الرِّعايَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، كَذَلِكَ هُنا أمَرَ النّاسَ (p-٣٣٦)بِالأكْلِ مِمّا في الأرْضِ ونَهى عَنِ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وأشْعَرَ الخِطابُ بِأنَّهم مِمَّنْ يَتَوَجَّهُ الشَّيْطانُ نَحْوَهم لِلْأمْرِ بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ والقَوْلِ بِالهَوى، وأمَرَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالأكْلِ ﴿مِن طَيِّباتِ﴾ فَأعْرَضَ في خِطابِهِمْ عَنْ ذِكْرِ الأرْضِ لِتَناوُلِهِمُ الرِّزْقَ مِنَ السَّماءِ، فَإنَّ أدْنى الإيمانِ عِبادَةُ مَن في السَّماءِ واسْتِرْزاقُ مَن في السَّماءِ كَما قالَ لِلسَّوْداءِ: «أيْنَ اللَّهُ ؟ قالَتْ: في السَّماءِ، قالَ: أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] فَأطْعَمَ الأرْضِيِّينَ وهُمُ النّاسُ مِمّا في الأرْضِ وأطْعَمَ السَّماوِيِّينَ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن رِزْقِ السَّماءِ كَذَلِكَ، وخُصَّ هَذا الخِطابُ بِلَفْظِ الحَلالِ لَمّا كانَ آخِذًا رِزْقَهُ مِنَ السَّماءِ مُتَناوِلًا طَيِّبَةً لِبَراءَتِهِ مِن حالِ مِمّا في الأرْضِ مِمّا شَأْنُهُ ضُرٌّ في ظاهِرٍ أوْ أذًى في باطِنٍ، ولِذَلِكَ ”ولَوْ كانَتِ الدُّنْيا دَمًا عَبِيطًا لَكانَ قُوتُ المُؤْمِنِ مِنها حَلالًا“، فالمُسْتَرْزِقُ مِنَ السَّماءِ يَصِيرُ المُحَرَّمُ لَهُ حَلالًا لِأخْذِهِ مِنهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ تَقَوُّتًا لا تَشَهِّيًا، ويَصِيرُ الحَلالُ لَهُ طَيِّبًا لِاقْتِناعِهِ مِنهُ (p-٣٣٧)بِالكَفافِ دُونَ التَّشَهِّي ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة: ٤] وفي مَوْرِدِ هَذَيْنِ الخِطابَيْنِ بَيانُ أنَّ كَلِمَةَ ”لِلنّاسِ“ واقِعَةٌ عَلى سِنٍّ مِن أسْنانِ القُلُوبِ وكَلِمَةَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واقِعَةٌ عَلى سِنِّ فَوْقِهِ ولَيْسَ يَقَعُ عَلى عُمُومٍ يَشْمَلُ جَمِيعَ الأسْنانِ القَلْبِيَّةِ، فَتَوَهَّمَ ذَلِكَ مِن أقْفالِ القُلُوبِ الَّتِي تَمْنَعُ تَدَبُّرَ القُرْآنِ، لِأنَّ خِطابَ القُرْآنِ يَتَوَجَّهُ لِكُلِّ أُولِي سِنٍّ عَلى حَسَبِ سِنِّ قُلُوبِهِمْ، لا يَصْلُحُ خِطابُ كُلِّ سِنٍّ إلّا لَهُ يَتَقاصَرُ عَنْهُ مَن دُونَهُ ولا يَحْتاجُ إلَيْهِ مَن فَوْقَهُ، وهي أسْنانٌ مُتَعَدِّدَةٌ: سِنَّ الإنْسانِ ثُمَّ سِنُّ النّاسِ، ثُمَّ سِنُّ الَّذِينَ آمَنُوا، ثُمَّ سِنُّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ سِنُّ المُؤْمِنِينَ، [ثُمَّ سِنُّ المُؤْمِنِينَ ] حَقًّا، ثُمَّ سِنُّ المُحْسِنِينَ؛ هَذِهِ أسْنانٌ سَبْعَةٌ خِطاباتُها مُتَرَتِّبَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومَن وراءَ ذَلِكَ أسْنانٌ فَوْقَها مِن سِنِّ المُوقِنِينَ وما وراءَ ذَلِكَ إلى أحْوالِ أثْناءِ هَذِهِ الأسْنانِ مِن حالِ الَّذِينَ أسْلَمُوا والمُسْلِمِينَ ومَن يُوصَفُ بِالعَقْلِ والذِّكْرِ والفِكْرِ والسَّماعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي تُلازِمُ تِلْكَ الأسْنانَ في رُتَبٍ مُتَراقِيَةٍ لا يَشْمَلُ أدْناها أعْلاها ولا يَنْهَضُ أدْناها لِرُتْبَةِ خِطابِ أعْلاها (p-٣٣٨)إلى ما وراءَ ذَلِكَ مِن خُصُوصِ خِطابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِهِ وبِمَن هو مِنهُ مِن إلَهٍ، وفي انْتِظامِ تَفْصِيلِ هَذِهِ الرُّتَبِ جامِعَةٌ لِما يَقَعُ مِن مَعْناهُ في سائِرِ القُرْآنِ. انْتَهى. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الرُّتْبَةُ كَما تَقَدَّمَ أرْفَعَ مِن رُتْبَةِ النّاسِ خَصَّ في خِطابِهِمْ بَعْدَ بَيانِ أنَّ ما لَمْ يَحِلَّ خَبِيثٌ فَقالَ: ﴿مِن طَيِّباتِ﴾ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ العُمُومِ الَّذِي تَأْلَفُ بِهِ النّاسُ.

ولَمّا كانُوا في أوَّلِ طَبَقاتِ الإيمانِ نَبَّهَهم عَلى الشُّكْرِ بِقَوْلِهِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿ما رَزَقْناكُمْ﴾ وأخْلَصْناهُ لَكم مِنَ الشُّبَهِ، ولا تَعْرِضُوا لِما فِيهِ دَنَسٌ كَما أحَلَّهُ المُشْرِكُونَ مِنَ المُحَرَّماتِ، ولا تُحَرِّمُوا ما أحَلُّوا مِنها مِنَ السّائِبَةِ وما مَعَها ثُمَّ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ [آمِرًا أمْرَ إيجابٍ ]: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ أيْ: وخُصُّوا شُكْرَكم بِالمُنْعِمِ الَّذِي لا نِعْمَةَ إلّا مِنهُ، (p-٣٣٩)وهَذا بِخِلافِ ما يَأْتِي في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ خِطابًا لِأعْلى طَبَقاتِ الخُلَّصِ وهُمُ الرُّسُلُ.

ولَمّا كانَ الشُّكْرُ لا يَصِحُّ إلّا بِالتَّوْحِيدِ عَلَّقَهُ بِاخْتِصاصِهِمْ إيّاهُ بِالعِبادَةِ فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿تَعْبُدُونَ﴾ فَإنَّ اخْتِصاصَهُ بِذَلِكَ سَبَبٌ لِلشُّكْرِ، فَإذا انْتَفى الِاخْتِصاصُ الَّذِي هو السَّبَبُ انْتَفى الشُّكْرُ، وأيْضًا إذا انْتَفى المُسَبَّبُ الَّذِي هو الشُّكْرُ انْتَفى الِاخْتِصاصُ لِأنَّ السَّبَبَ واحِدٌ، فَهُما مُتَساوِيانِ يَرْتَفِعُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِارْتِفاعِ الآخَرِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ هَذا الخِطابُ مُنْتَظِمًا لِتَناوُلِ الطَّيِّبِ والشُّكْرِ وحَقِيقَتُهُ البَذْلُ مِنَ الطَّيِّبِ فَشُكْرُ كُلِّ نِعْمَةٍ إظْهارُها عَلى حَدِّها مِن مالٍ أوْ جاهٍ أوْ عِلْمٍ أوْ طَعامٍ أوْ شَرابٍ أوْ غَيْرِهِ وإنْفاقُ فَضْلِها والِاقْتِناعُ مِنها بِالأدْنى والتِّجارَةُ بِفَضْلِها لِمُبْتَغى الأجْرِ وإبْلاغُها إلى أهْلِها لِمُؤَدِّي (p-٣٤٠)الأمانَةِ لِأنَّ أيْدِيَ العِبادِ خَزائِنُ المَلِكِ الجَوّادِ ”دَعُوا النّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ“ . فَلَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المُخْلِفِ عَلى مَن أنْفَقَ كَما قالَ ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ [سبإ: ٣٩] نُبِّهُوا عَلى عَهْدِهِمُ الَّذِي لُقِّنُوهُ في سُورَةِ الفاتِحَةِ في قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَقِيلَ لَهم: كُلُوا واشْكُرُوا إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ؛ فَمَن عَرَفَ اللَّهَ بِالكَرَمِ هانَ عَلَيْهِ أنْ يَتَكَرَّمَ ومَن عَرَفَ اللَّهَ بِالإنْعامِ والإحْسانِ هانَ عَلَيْهِ أنْ يُحْسِنَ وهو شُكْرُهُ لِلَّهِ، مَن أيْقَنَ بِالخُلْفِ جادَ بِالعَطِيَّةِ. انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском