Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:275–281

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:275–281, continued

ولَمّا كانَ المُرْبُونَ بَعْدَ هَذِهِ الزَّواجِرِ بَعِيدِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ عَبَّرَ عَنْهم سُبْحانَهُ وتَعالى بِأداةِ البُعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن عادَ﴾ أيْ إلى تَحْلِيلِ الرِّبا بَعْدَ انْتِهائِهِ عَنْهُ نُكُوبًا عَنْ حِكْمَةِ رَبِّهِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ مِنَ اللَّهِ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ ولَمّا كانَتْ نَتِيجَةُ الصُّحْبَةِ المُلازَمَةَ قالَ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾

2:276Page 47

يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦

Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.

ولَمّا كانَ المُرَغِّبُ في الرِّبا ما فِيهِ مِنَ الرِّبْحِ النّاجِزِ المُشاهَدِ، والمُفَتِّرُ عَنِ الصَّدَقَةِ كَوْنَها نَقْصًا مُحَقَّقًا بِالحِسِّ بَيَّنَ أنَّ الرِّبا [وإنْ كانَ بِصُورَةِ الزِّيادَةِ فَهو نَقْصٌ وأنَّ الصَّدَقَةَ وإنْ كانَتْ بِصُورَةِ النَّقْصِ فَهي زِيادَةٌ] لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِيَدِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَما شاءَ مَحَقَهُ وإنْ كانَ كَثِيرًا (p-١٣٤)أوْ ما أرادَ نَمّاهُ وإنْ كانَ يَسِيرًا فَقالَ كالتَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالصَّدَقَةِ والنَّهْيِ عَنِ الرِّبا ولِكَوْنِ فاعِلِهِ مِن أهْلِ النّارِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ والقُدْرَةِ ﴿الرِّبا﴾ بِما يَفْتَحُ لَهُ مِن أبْوابِ المَصارِفِ. قالَ الحَرالِّيُّ: والمَحْقُ الإذْهابُ بِالكُلِّيَّةِ بِقُوَّةٍ وسَطْوَةٍ ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ أيْ يَزِيدُ الصَّدَقاتِ بِما يَسُدُّ عَنْها مِثْلَ ذَلِكَ ويُرْبِحُ في تَقَلُّباتِها؛ ويَجُوزُ كَوْنُهُ اسْتِئْنافًا وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ أنَّ فاعِلِيهِ مِن أصْحابِ النّارِ ساقَهُ مَساقَ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: وإنْ تَصَدَّقُوا مِن أمْوالِ الرِّبا وأنْفَقُوا في سَبِيلِ الخَيْرِ! إعْلامًا بِأنَّ الرِّبا مُنافٍ لِلْخَيْرِ فَهو مِمّا يَكُونُ هَباءً مَنثُورًا. ولَمّا آذَنَ جَعْلُهم مِن أصْحابِ النّارِ أنَّ مَن لَمْ يَنْتَهِ عَنِ الرِّبا أصْلًا أوِ انْتَهى وعادَ إلى فِعْلِهِ مُرْتَبِكٌ في شَرَكِ الشِّرْكِ قاطِعٌ نَحْوَهُ عَقَباتٍ: ثِنْتانِ مِنها في انْتِهاكِ حُرْمَةِ [اللَّهِ: سَتْرِ آياتِهِ في عَدَمِ الِانْتِهاءِ، والِاسْتِهانَةِ بِها في العَوْدِ إلَيْهِ، الثّالِثَةُ انْتِهاكُ حُرْمَةِ] عِبادِ اللَّهِ فَكانَ إثْمُهُ مُتَكَرِّرًا مُبالَغًا فِيهِ لا يَقَعُ إلّا كَذَلِكَ عَبَّرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِصِيغَةِ (p-١٣٥)المُبالَغَةِ في قَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَهُ: فالمُتَصَدِّقُ مُؤْمِنٌ كَرِيمٌ والمُرْبِي كَفّارٌ أثِيمٌ: ﴿واللَّهُ﴾ المُتَّصِفُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ﴾ أيْ في واجِبِ الحَقِّ بِجَحْدِ ما شَرَعَ مِن آياتِهِ وسَتْرِها والِاسْتِهانَةِ بِها، أوْ كَفّارٍ لِنِعْمَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالِاسْتِطالَةِ بِما أعْطاهُ عَلى سَلْبِ ما أعْطى عِبادَهُ ﴿أثِيمٍ﴾ في واجِبِ الخُلُقِ، أيْ مُنْهَمِكٍ في تَعاطِي ما حَرَّمَ مِنَ اخْتِصاصاتِهِمْ بِالرِّبا وغَيْرِهِ، فَلِذا لا يَفْعَلُ مَعَهم سُبْحانَهُ وتَعالى فِعْلَ المُحِبِّ لا بِالبَرَكَةِ في أمْوالِهِمْ ولا بِاليُمْنِ في أحْوالِهِمْ، وهَذا النَّفْيُ مِن عُمُومِ السَّلْبِ، وطَرِيقُهُ أنَّكَ تَعْتَبِرُ النَّفْيَ أوَّلًا ثُمَّ تَنْسُبُهُ إلى الكُلِّ، فَيَكُونُ المَعْنى: انْتَفى عَنْ كُلِّ كَفّارٍ أثِيمٍ حُبُّهُ، وكَذا كُلُّ ما ورَدَ عَلَيْكَ مِن أشْباهِهِ إنِ اعْتَبَرْتَ النِّسْبَةَ إلى الكُلِّ أوَّلًا ثُمَّ نَفَيْتَ فَهو لِسَلْبِ العُمُومِ، وإنِ اعْتَبَرْتَ النَّفْيَ أوَّلًا ثُمَّ نَسَبْتَهُ إلى الكُلِّ فَلِعُمُومِ السَّلْبِ، وكَذَلِكَ جَمِيعُ القُيُودِ؛ فالكَلامُ المُشْتَمِلُ عَلى نَفْيٍ وقَيْدٍ قَدْ يَكُونُ لِنَفْيِ التَّقْيِيدِ وقَدْ يَكُونُ لِتَقْيِيدِ النَّفْيِ، فَمِثْلُ: ما ضَرَبْتُهُ تَأْدِيبًا، أيْ بَلْ إهانَةً، سَلْبٌ لِلتَّعْلِيلِ والعَمَلِ (p-١٣٦)لِلْفِعْلِ، وما ضَرَبْتُهُ إكْرامًا لَهُ، أيْ تَرَكْتُ ضَرْبَهُ لِلْإكْرامِ، تَعْلِيلٌ لِلسَّلْبِ والعَمَلِ لِلنَّفْيِ، وما جاءَنِي راكِبًا، أيْ بَلْ ماشِيًا، نَفْيٌ لِلْكَيْفِيَّةِ، وما حَجَّ مُسْتَطِيعًا، أيْ تَرَكَ الحَجَّ مَعَ الِاسْتِطاعَةِ، تَكْيِيفٌ لِلنَّفْيِ؛ وقَدْ أشْبَعَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى الكَلامَ في ذَلِكَ في شَرْحِهِ لِلْمَقاصِدِ في بَحْثِ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ اسْتِدْلالِ المُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]

2:277Page 47

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧

Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ما سَلَبَهُ عَنِ الكافِرِينَ مِن مَحَبَّتِهِ أتْبَعَهُ ما أثْبَتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ مِن رَحْمَةِ المُلَوِّحِ إلَيْهِمْ فِيما قَبْلُ بِالعَطْفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ ظاهِرٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا عَلى وجْهٍ لَمْ يُخْلِهِ مِن ذِكْرِ النَّفَقَةِ فَقالَ تَعالى مُشِيرًا إلى قَسِيمِ ﴿ومَن عادَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ صَدَّقُوا بِجَمِيعِ ما أتَتْهم بِهِ الرُّسُلُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ ائْتِمارًا (p-١٣٧)وانْتِهاءً لا سِيَّما تَرْكُ الرِّبا.

ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ زُبْدَةَ الدِّينِ فِيما بَيْنَ الحَقِّ والخَلْقِ خَصَّها بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ بِجَمِيعِ حُدُودِها ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولَمّا كانَ الإيثارُ أجَلَّ ما بَيْنَ الحَقِّ والخَلْقِ وزُبْدَتُهُ إخْراجَ الواجِبِ مِنَ المالِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ قالَ: ﴿وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ فَضْلًا عَنْ أنْ يَبْخَلُوا فَضْلًا عَنْ أنْ يُرْبُوا ودَلَّ عَلى أنَّ جَزاءَهم بِحَسَبِ النِّيّاتِ لِثَباتِهِمْ في فِتْنَةِ الرِّدَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ وأعْلَمَ بِحِفْظِهِ وتَنْمِيَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وآذَنَ بِتَمامِ الِانْتِفاعِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ مِن طارِقٍ يَطْرُقُهم بِغَيْرِ ما يُلائِمُهم لِأنَّهم في كَنَفِ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى شَيْءٍ فاتَهم فَهم في غايَةِ الرِّضى بِما هم فِيهِ، ولِعَظِيمِ الجَدْوى في ذَلِكَ كَرَّرَهُ في هَذِهِ الآياتِ غَيْرَ مَرَّةٍ ونَوَّهَ بِهِ كَرَّةً في أثَرِ كَرَّةٍ.

2:278Page 47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨

O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.

ولَمّا كانَتْ نَتِيجَةُ الآيَةِ الماضِيَةِ في الِاعْتِمادِ عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأجْرِ وعَدَمِ الحُزْنِ عَلى ما فاتَ مِن رِبًا وغَيْرِهِ والخَوْفِ (p-١٣٨)مِن شَيْءٍ آتٍ مِن فَقْرٍ أوْ غَيْرِهِ تَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ يُنْسَبُ إلى الرِّبا [و] كانَ بَيْنَ أهْلِ الإسْلامِ وأهْلِ الجاهِلِيَّةِ وبَيْنَ بَعْضِهِمْ [و] بَعْضٍ مُعامَلاتٌ في الجاهِلِيَّةِ رِبَوِيَّةٌ لَمْ تَتِمَّ بَعْدُ بَيَّنَ أمْرَها نَفْيًا لِما قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِهِ سابِقًا ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] مِن تَحْلِيلِ بَقايا الرِّبا وأنَّ النَّهْيَ خاصٌّ بِما تَجَدَّدَ مِنهُ فَقالَ مُخاطِبًا لِأقْرَبِ مَن ذَكَرَهُ مِمَّنْ تَلَبَّسَ بِالإيمانِ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى غَيْرِهِمْ تَشْرِيفًا لَهُمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالتَّصْدِيقِ بِألْسِنَتِهِمْ. ولَمّا كانَ الرِّبا قَدْ يَكُونُ مُؤَجَّلًا فَيَكُونُ صاحِبُهُ قَدْ مَضَتْ [عَلَيْهِ] مُدَدٌ وهو مُوَطِّنٌ نَفْسَهُ عَلى أخْذِهِ فَيَصِيرُ الكَفُّ عَنْهُ يَعْدِلُ المَوْتَ عِنْدَهُ أبْلَغَ سُبْحانَهُ وتَعالى في التَّشْدِيدِ في هَذِهِ المَواعِظِ فَقالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ تَصْدِيقًا لِإقْرارِكم ﴿وذَرُوا﴾ أيِ اتْرُكُوا أيَّ تَرْكٍ كانَ ﴿ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ أيِ الَّذِي كُنْتُمْ تَتَعامَلُونَ بِهِ فَلا تَسْتَحِلُّوهُ ولا تَأْكُلُوهُ.

ولَمّا لَوَّحَ في أوَّلِ الآيَةِ [إلى] أنَّ مَن أصَرَّ فَهو غَيْرُ صادِقٍ (p-١٣٩)فِي دَعْوى الإيمانِ صَرَّحَ بِذَلِكَ في آخِرِها فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مُتَّصِفِينَ بِما ذَكَرْتُمُوهُ بِألْسِنَتِكم. قالَ الحَرالِّيُّ: فَبَيَّنَ أنَّ الرِّبا والإيمانَ لا يَجْتَمِعانِ وأكْثَرُ بَلايا هَذِهِ الأُمَّةِ حَتّى أصابَها ما أصابَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ البَأْسِ الشَّنِيعِ والِانْتِقامِ بِالسِّنِينَ إنَّما هو مِن عَمَلِ مَن عَمِلَ بِالرِّبا، وهَذِهِ الآيَةُ [أصْلٌ] عَظِيمٌ في أحْكامِ الكُفّارِ إذا أسْلَمُوا فَما مَضى مِنها لَمْ يَنْقُصْ وما لَمْ يَمْضِ لَمْ يُفْعَلْ. نَبَّهَ عَلَيْهِ الأصْبَهانِيُّ.

2:279Page 47

فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩

And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.

ولَمّا كانَ مِن حَقِّ مَن عانَدَ السَّيِّدَ الأخْذُ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ تَرْكَ الرِّبا. قالَ الحَرالِّيُّ: في إشْعارِهِ أنَّ طائِفَةً مِنهم لا يَذَرُونَهُ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ بِما أنَّهم لَيْسُوا مِنَ الَّذِينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ. انْتَهى.

﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ أيْ عَظِيمَةٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: والحَرْبُ مُدافَعَةٌ بِشِدَّةٍ عَنِ اتِّساعٍ، المُدافِعُ بِما يَطْلُبُ مِنهُ الخُرُوجَ عَنْهُ فَلا يَسْمَحُ بِهِ ويُدافِعُ عَنْهُ بِأشَدِّ مُسْتَطاعٍ؛ ثُمَّ عَظَّمَ أمْرَها بِإيرادِ الِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ العَظِيمِ الجَلِيلِ ﴿ورَسُولِهِ﴾ ﷺ الَّذِي هو أعْظَمُ الخَلائِقِ بِتَشْرِيفِهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وقالَ (p-١٤٠)الحَرالِّيُّ: الَّذِي هَيَّأهُ لِلرَّحْمَةِ، فَكانَ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ مُحارِبًا لَهُ، فانْقَطَعَتْ وصْلَتُهُ مِنَ الرَّحِيمِ والشَّفِيعِ. انْتَهى.

﴿وإنْ تُبْتُمْ﴾ أيْ فَعَلْتُمْ بَعْدَ الإذْنِ بِالقِتالِ أوْ قَبْلَهُ ما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِن تَرْكِ ما بَقِيَ مِنهُ ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ أيْ كَما هو حالُ البَيْعِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ هو العَدْلَ لِأنَّهُ الحَقُّ قالَ: ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾ أيْ بِأخْذِ شَيْءٍ مِمّا بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصٍ مِن رَأْسِ المالِ أوْ دَفْعٍ بِمِطالٍ لِأنَّهُ الحَقُّ.

2:280Page 47

وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٨٠

And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.

[ولَمّا كانَ] النّاسُ مُنْقَسِمِينَ إلى مُوسِرٍ ومُعْسِرٍ أيْ غَنِيٍّ وفَقِيرٍ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا حُكْمُ المُوسِرِ ﴿وإنْ كانَ﴾ أيْ وُجِدَ مِنَ المَدِينِينَ ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ لا يَقْدِرُ عَلى الأداءِ في هَذا الوَقْتِ ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ أيْ فَعَلَيْكم نَظْرَةٌ لَهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهو التَّأْخِيرُ المُرْتَقَبُ نُجازُهُ ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ إنْ لَمْ تَرْضَوْا إلّا بِأخْذِ أمْوالِكُمْ؛ وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ بِضَمِّ السِّينِ؛ قالَ الحَرالِّيُّ: إنْباءٌ عَنِ اسْتِيلاءِ اليُسْرِ وهي أوْسَعُ النَّظْرَتَيْنِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ إنْباءً عَنْ تَوَسُّطِها لِيَكُونَ اليُسْرُ (p-١٤١)فِي مَرْتَبَتَيْنِ، فَمَنِ انْتَظَرَ إلى أوْسَعِ اليُسْرَيْنِ كانَ أفْضَلَ تَوْبَةً. انْتَهى.

﴿وأنْ تَصَدَّقُوا﴾ أيْ وصَدَقَتُكم عَلى المُعْسِرِ بِتَرْكِهِ لَهُ، ذَلِكم ﴿خَيْرٌ﴾ في الدُّنْيا بِما يُبارِكُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿لَكُمْ﴾ ويُعَوِّضُكم وفي الآخِرَةِ بِما يُجْزِلُ لَكم مِنَ الأجْرِ.

ولَمّا كانَ كُلُّ أحَدٍ يَدَّعِي العِلْمَ ويَأْنَفُ أشَدَّ أنَفَةٍ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الجَهْلِ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ مِن ذَوِي العِلْمِ فَأنْتُمْ تَعْرِفُونَ صِحَّةَ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِمّا يَقْتَضِي الإدْبارَ عَنْهُ أوِ الإقْبالَ عَلَيْهِ، فَإذا تَحَقَّقْتُمْ ذَلِكَ فامْتَثِلُوهُ فَإنَّهُ يَقْبُحُ عَلى العِلْمِ بِقُبْحِ الشَّيْءِ الإصْرارُ عَلَيْهِ وإلّا فَبَيِّنُوا أنَّهُ لَيْسَ بِخَيْرٍ وإلّا فَأنْتُمْ مِن أهْلِ الِاعْوِجاجِ بِالجَهْلِ تَقُومُونَ بِالحَرْبِ والضَّرْبِ والطَّعْنِ كالسِّباعِ الضّارِيَةِ والذِّئابِ العاوِيَةِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ مَن وضَعَ (p-١٤٢)كِيانَهُ لِلْعِلْمِ فَكانَ مِمَّنْ يَدُومُ عِلْمُهُ؟ تَنَبَّهَ لِأنَّ خَيْرَ التَّرْكِ خَيْرٌ مِن خَيْرِ الأخْذِ فَأحْسَنَ بِتَرْكِ جَمِيعِهِ. انْتَهى.

ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: ”لَمّا أُنْزِلَتِ الآياتُ الأواخِرُ - وفي رِوايَةٍ: مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في الرِّبا - قَرَأهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ وفي رِوايَةٍ: عَلى النّاسِ في المَسْجِدِ - ثُمَّ حَرَّمَ التِّجارَةَ في الخَمْرِ“ ولَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ”آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ آيَةُ الرِّبا“ ولِأبِي عُبَيْدٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: آخِرُ القُرْآنِ عَهْدًا بِالعَرْشِ آيَةُ الرِّبا وآيَةُ الدَّيْنِ. ولَهُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] قالَ: زَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ بَعْدَها تِسْعَ لَيالٍ وبُدِئَ بِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وماتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ». انْتَهى. ولا مُخالَفَةَ لِأنَّها مِن آيَةِ الرِّبا والدَّيْنِ. ورَوى الحَدِيثَ أبُو عَمْرٍو الدّانِي في كِتابِ ”البَيانُ في عَدَدِ آيِ القُرْآنِ“ وقالَ فِيهِ: ”قالَ المَلَكُ: اجْعَلْها عَلى (p-١٤٣)رَأْسِ ثَمانِينَ ومِائَتَيْنِ مِنَ البَقَرَةِ“.

2:281Page 47

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٨١

And fear a Day when you will be returned to Allāh. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَدْفَعُهُ حُجَّةٌ كانَ التَّقْدِيرُ: فامْتَثِلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ واجْتَنِبُوا ما نُهِيتُمْ عَنْهُ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ تَخْوِيفًا مِن يَوْمِ العَرْضِ عَلَيْهِ والمُجازاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ - وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا أنْهى الخِطابَ بِأمْرِ الدِّينِ [و] عَلَنِهِ وأمْرِ الآخِرَةِ عَلى وُجُوهِها وإظْهارِ حِكْمَتِها المُرْتَبِطَةِ بِأمْرِ الدُّنْيا وبَيَّنَ أمْرَ الإنْفاقِ والرِّبا الَّذِي هو غايَةُ أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا في صَلاحِهِما وأنْهى ذَلِكَ إلى المَوْعِظَةِ بِمَوْعُودِ جَزائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أجْمَلَ المَوْعِظَةَ بِتَقْوى يَوْمِ الرَّجْعَةِ إلى إحاطَةِ أمْرِهِ لِيَقَعَ الخَتْمُ بِأجْمَلِ مَوْعِظَةٍ وأشْمَلِها لِيَكُونَ انْتِهاءُ الخِطابِ عَلى تَرْهِيبِ الأنْفُسِ لِتَجْتَمِعَ عَزائِمُها عَلى ما هو مِلاكُ أمْرِها مِن قَبُولِ صَلاحِ دِينِها ودُنْياها ومَعادِها مِن خِطابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَها فَخَتَمَ ذَلِكَ بِكَمالِ مَعْناهُ بِهَذِهِ الآيَةِ كَما أنَّها هي الآيَةُ الَّتِي خُتِمَ بِها التَّنْزِيلُ أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ هو في الشِّكايَةِ وهي آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في مُقابَلَةِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] الَّذِي هو أوَّلُ مَنزِلِ النُّبُوَّةِ (p-١٤٤)[و] ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] الَّذِي هو أوَّلُ مَنزِلِ الرِّسالَةِ فَكانَ أوَّلُ الأمْرِ نِذارَةً وآخِرُهُ مَوْعِظَةً تَبْعَثُ النَّفْسَ عَلى الخَوْفِ وتَبْعَثُ القَلْبَ عَلى الشَّوْقِ [مِن] مَعْنى ما انْخَتَمَ بِهِ أمْرُ خِطابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في آيَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] انْتَهى. فَقالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ أيْ في غايَةِ العِظَمِ ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ حِسًّا بِذَواتِكم كَما أنْتُمْ في الدُّنْيا ومَعْنىً بِجَمِيعِ أُمُورِكم رُجُوعًا ظاهِرًا لا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ مِنَ الأسْبابِ ولا يَحُولُ دُونَهُ عارِضُ ارْتِيابٍ ﴿إلى اللَّهِ﴾ [الَّذِي] لا يَحْصُرُ عَظَمَتَهُ وصْفٌ ولا يُحِيطُ بِها حَدٌّ، فَيَكُونُ حالُكم بَعْدَ النَّقْلَةِ مِنَ الدُّنْيا كَحالِكم قَبْلَ البُرُوزِ إلَيْها مِنَ البَطْنِ لا تَصَرُّفَ لَكم أصْلًا ولا مُتَصَرِّفَ فِيكم إلّا اللَّهُ ويَكُونُ حالُكم في ذَلِكَ اليَوْمِ الإعْسارَ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أحَدٌ أنْ يُكافِئَ ما لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ، فَمَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ؛ فَإنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ المُجاوَزَةَ عَنْكم هُنالِكَ (p-١٤٥)فَتَجاوَزُوا أنْتُمْ عَنْ إخْوانِكُمُ اليَوْمَ، وتَصَدَّقُوا ما دُمْتُمْ قادِرِينَ عَلى الصَّدَقَةِ، واتَّقُوا النّارَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ؛ وأشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى طُولِ وُقُوفِهِمْ ذَلِكَ المَوْقِفَ في مَقامِ الهَيْبَةِ وتَمادِي حَبْسِهِمْ في مَشْهَدِ الجَلالِ والعَظَمَةِ بِأداةِ التَّراخِي في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ وقِيلَ:

”يا رَسُولَ اللَّهِ! أيْنَ يَكُونُ النّاسُ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ؟ قالَ: في الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ“ وقالَ ﷺ: «يُقِيمُونَ في الظُّلْمَةِ ألْفَ سَنَةٍ» ووَرَدَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في تَفْصِيلِ مَواقِفِ يَوْمِ الجَزاءِ أنَّ الخَلْقَ يُوقَفُونَ عَلى قُبُورِهِمْ ألْفَ سَنَةٍ ويُساقُونَ إلى المَحْشَرِ ألْفَ سَنَةٍ، ويُوقَفُونَ في الظُّلْمَةِ ألْفَ سَنَةٍ؛ ثُمَّ يَكُونُ انْشِقاقُ [السَّماواتِ] السَّبْعِ وتَبْدِيلُ الأرْضِ وما شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن أمْرِهِ انْتِظارًا لِمَجِيئِهِ؛ فَفي عِبْرَةِ مَقالِهِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ سِتَّةَ آلافِ (p-١٤٦)سَنَةٍ وأنَّها كَما بُنِيَتْ في سِتَّةِ أيّامٍ تُهْدَمُ في سِتَّةِ أيّامٍ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] فَيَكُونُ ذَلِكَ تِسْعَةَ أيّامٍ؛ ويَكُونُ مَجِيئُهُ في اليَوْمِ العاشِرِ الَّذِي هو يَوْمُ عاشُوراءَ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي تَكَرَّرَ مَجِيءُ أمْرِهِ فِيهِ في يَوْمِ الدُّنْيا. ثُمَّ وصَفَ ﷺ المَواقِفَ إلى مُنْتَهاها. انْتَهى.

ولَمّا كانَ إيقافُ الإنْسانِ عَلى كُلِّ ما عَمِلَ مِن سِرٍّ وعَلَنٍ في غايَةِ الكَراهَةِ إلَيْهِ فَضْلًا عَنْ جَزائِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ [مِنهُ] لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَوْقِفٍ مُعَيَّنٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿تُوَفّى﴾ أيْ تُعْطى عَلى سَبِيلِ الوَفاءِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. قالَ الحَرالِّيُّ: جاءَ بِصِيغَةِ فَعَلَ المُشْعِرِ بِجَرْيِ العَمَلِ عَلى غَيْرِ تَكَلُّفٍ وتَحَمُّلٍ، فَفي إشْعارِهِ أنَّها تُوَفّى ما كَسَبَتْ مِنَ الخَيْرِ وما كَوَّنَتْ لَهُ مِنَ الشَّرِّ وأنَّ ما تَكَلَّفَتْهُ مِنَ الشَّرِّ وفي دُخْلَتِها كَراهِيَةٌ رُبَّما غَفَرَ لَها حَيْثُ لَمْ تَكُنْ تُوَفّى ما كَسَبَتْ وما اكْتَسَبَتْ كَما قالَ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها ﴿لَها (p-١٤٧)ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَكانَ مُكْتَسَبُها عَلَيْها ورُبَّما غَفَرَ لَها فَإنَّها وُفِّيَتْ ما كَسَبَتْهُ مِنَ الشَّرِّ واشْتَمَلَ عَلَيْهِ ظاهِرُها وباطِنُها حَتّى يُسِّرَتْ لَهُ. انْتَهى.

ولَمّا كانَتْ عادَةُ النّاسِ أنَّهُ إذا بَقِيَ شَيْءٌ يَسِيرٌ وقَعَ في مَحَلِّ المُسامَحَةِ وكانَ اليَسِيرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأصْلِ فالألْفُ مَثَلًا يُتَسامَحُ فِيهِ بِمِائَةٍ مَثَلًا بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ عِنْدَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ولَوْ قَلَّ، وهَذا إشارَةٌ إلى العَدْلِ بَيْنَ عِبادِهِ قالَ الحَرالِّيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ خَتْمٌ لِلتَّنْزِيلِ وخَتْمٌ لِتَمامِ المَعْنى في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي هي سَنامُ القُرْآنِ وفُسْطاطُهُ وخَتْمٌ لِكُلِّ مَوْعِظَةٍ وكُلِّ خَتْمٍ، فَهو مِن خَواصِّ المُحَمَّدِيَّةِ الجامِعَةِ المُفَصَّلَةِ مِن سُورَةِ الحَمْدِ المُشِيرَةِ إلى تَفاصِيلِ عَظِيمِ أمْرِ اللَّهِ في حَقِّهِ وفي خَلْقِهِ وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ. انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском