Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:39–41
2:39Page 7
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٩
And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."
ولَمّا بَشَّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الهُدى أتْبَعَهُ إنْذارَ الكافِرِينَ الَّذِينَ نابَذُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هَذا مِن أسْوَأِ الكُفْرِ، (p-٣٠١)لِأنَّهُ كُفْرٌ بِالآياتِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِلْمًا عَلى غَيْبِ عَهْدِهِ وهي ما تُدْرِكُهُ جَمِيعُ الحَواسِّ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ [الشورى: ٢٩] لِأنَّ الحَقَّ تَعالى أظْهَرَ الكَوْنَ كِتابَةً دالَّةً عَلى أمْرِهِ وجَعَلَ في العَقْلِ نُورًا يُقْرَأُ بِهِ كِتابُهُ، فَمَن لا نُورَ لَهُ فَهو مِن أصْحابِ النّارِ، فَهو إمّا تابِعُ هُدًى بِنُورِ العَقْلِ وتَنْبِيهِ الإيمانِ، وإمّا صاحِبُ نارٍ، فَقالَ: ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِكِتابِ الخَلْقِ مِن تَقَبُّلِ الإيمانِ بِتَنْزِيلِ الأمْرِ اخْتَصَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ بِالَّذِينِ تَأكَّدَ كُفْرُهم بِالآياتِ المَرْئِيَّةِ بِتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ المُنَزَّلَةِ، فَكَفَرُوا بِما رَأوْا فَكانُوا عُمْيًا، وكَذَّبُوا بِما سَمِعُوا فَكانُوا صُمًّا. انْتَهى.
والمَعْنى أنَّهم جَمَعُوا بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بَيْنَ إنْكارِ القُلُوبِ (p-٣٠٢)والألْسِنَة ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ وبَيَّنَ اخْتِصاصَهم بِالخُلُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ فَعَلَيْهِمُ الخَوْفُ الدّائِمُ لِما يَأْتِي مِن أنْكالِها والحُزْنُ الدّائِمُ عَلى فَواتِ الجَنَّةِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، انْتِفاءُ الخَوْفِ والحُزْنِ مِنَ الأوَّلِ دالٌّ عَلى وُجُودِهِما في الثّانِي، ووُجُودُ النّارِ في الثّانِي دالٌّ عَلى انْتِفائِها ووُجُودُ الجَنَّةِ في الأوَّلِ، وقَدْ عُلِمَ مِن ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ ﴿مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] أنَّهُ لا بُدَّ مِن رُجُوعِهِمْ إلى تِلْكَ الدّارِ وكَيْفَ تَكُونُ مَنازِلُهم فِيها ! فَكَأنَّهُ جَوابُ سائِلٍ قالَ: هَلْ بَعْدَ هَذا الهُبُوطِ مِن صُعُودٍ ؟ قالَ الحَرالِّيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿هُمْ﴾ فِيهِ إشْعارٌ بِإشْرابِ العَذابِ بَواطِنَهم وبَلاغِهِ إلى أنْفُسِهِمْ بِعَذابِ الغَمِّ والحُزْنِ واليَأْسِ وغَيْرِ (p-٣٠٣)ذَلِكَ مِن إحْراقِ النّارِ بَواطِنَهم، وفِيهِ إشْعارٌ بِكَوْنِهِمْ فِيها في الوَقْتِ الحاضِرِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ - الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الذَّهَبِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ - والنّارُ أقْرَبُ إلى أحَدِهِمْ مِن شِراكِ نَعْلِهِ. فَهم فِيها خالِدُونَ وإنْ لَمْ يَحُسُّوا في الدُّنْيا بِحَقِيقَتِها، كَما أنَّ المُهْتَدِينَ في جَنَّةٍ في الدُّنْيا وإنْ لَمْ يَشْهَدُوا عَيانَها، فَكُلُّ خالِدٍ فِيما هو فِيهِ في الدُّنْيا غَيْبًا وفي الآخِرَةِ عَيانًا وفي القَبْرِ عَرْضًا ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وهُنا انْتَهى خِطابُ الفُرْقانِ المَخْصُوصُ بِدَعْوَةِ العَرَبِ الَّذِينَ هم رَأسُ أهْلِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ ﷺ: «النّاسُ كُلُّهم تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ، مُؤْمِنُهم لِمُؤْمِنِهِمْ، وكافِرُهم (p-٣٠٤)لِكافِرِهِمْ»، انْتَهى. يَعْنِي فَهُمُ المُرادُونَ بِهَذا بِالقَصْدِ الأوَّلِ، وهو شامِلٌ لِغَيْرِهِمْ، ومُرادٌ بِهِ ذَلِكَ الغَيْرُ بِالقَصْدِ الثّانِي، وهُنا آخِرُ الآياتِ الخاصَّةِ بِالنِّعَمِ العامَّةِ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ دالَّةً عَلى التَّوْحِيدِ مِن حَيْثُ إنَّها حادِثَةٌ فَلَها مُحْدِثٌ، وعَلى النُّبُوَّةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ ﷺ أخْبَرَ عَنْها مُوافِقًا لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن غَيْرِ تَعَلُّمٍ، وعَلى المَعادِ مِن حَيْثُ إنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِها ابْتِداءً قَدَرَ عَلى إعادَتِها - ذَكَرَهُ الأصْفَهانِيُّ عَنِ الإمامِ - وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى الكِتابِ الَّذِي هو هُدًى لِلْمُتَّقِينَ المُشْتَمِلُ عَلى الأحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي مَن أقْبَلَ عَلى حَرْفٍ مِنها حَقَّ الإقْبالِ كَفاهُ، ومَنِ اشْتَغَلَ عَنْها بِالمَتاعِ الأدْنى خَسِرَ دُنْياهُ وأُخْراهُ.
قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في التَّمْهِيدِ لِشَرْطِ مِثالِ القِراءَةِ لِحُرُوفِهِ السَّبْعَةِ وعِلْمِها والعَمَلِ بِها: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ ورَزَقَهُ نُورًا مِن نُورِهِ، فَلِأنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدِهِ كانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ خَلْقًا، ولِأنَّهُ نَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ كانَ أكْمَلَ حَياةً قَبْضًا وبَسْطًا، ولِأنَّهُ رَزَقَهُ نُورًا مِن نُورِهِ كانَ أصْفى عَقْلًا وأخْلَصَ لُبًّا وأفْصَحَ نُطْقًا وأعْرَبَ بَيانًا جَمْعًا وفَصْلًا، وأطْلَعَهُ عَلى ما كَتَبَ مِن حُرُوفِ مَخْلُوقاتِهِ إدْراكًا وحِسًّا، وعَقَّلَهُ ما أقامَ مِن أمْرِهِ فَهْمًا وعِلْمًا، (p-٣٠٥)ونَبَّهَهُ عَلى ما أوْدَعَهُ في ذاتِهِ عِرْفانًا ووَجْدًا؛ ثُمَّ جَعَلَ لَهُ فِيما سَخَّرَ لَهُ مِن خَلْقِهِ مَتاعًا وأُنْسًا فَأناسَهُ ورَدَّدَهُ مِن بَيْنِ إقْبالٍ وإدْبارٍ وقَبُولٍ وإعْراضٍ، فَمَن شُغِلَ بِالِاسْتِمْتاعِ الأدْنى عَنِ الِاطِّلاعِ الأعْلى كانَ سَفِيهًا، ومَن شَغَلَهُ الِاطِّلاعُ الأعْلى عَنِ الِاسْتِمْتاعِ الأدْنى كانَ حَنِيفًا ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف: ١٠١] ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] ولَمّا كانَ مَتاعُ الخَلْقِ في الأرْضِ إلى حِينٍ وشَغَلَ أكْثَرَهم أكْلُهم وتَمَتُّعُهم وألْهاهم أمَلُهم عَنْ حَظِّهِمْ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ بِما أُوتِيَ العَقْلُ مِنَ التَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ نَظَرًا واعْتِبارًا اصْطَفى اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الحُنَفاءِ مُنَبَّهِينَ عَلى النَّظَرِ الَّذِي اشْتَغَلَ عَنْهُ المُعْرِضُونَ وأنِفَ مِنهُ واسْتَكْبَرَ عَنْهُ المُدْبِرُونَ، وأكَّدُوا تَنْبِيهَهم بِما أسْمَعُوهم مِن نَبَأِ ما وراءَ يَوْمِ الدُّنْيا مِن أمْرِ اللَّهِ في اليَوْمِ الآخِرِ وما تَتَمادى إلَيْهِ أيّامُ اللَّهِ، وذَكَّرُوهم بِما مَضى مِن أيّامِ اللَّهِ، وأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَعَهم كُتُبًا يَتْلُونَها عَلَيْهِمْ ويُبَيِّنُونَها لَهم عِلْمًا وعَمَلًا وحالًا، فَقَبِلَ ما جاؤُوا بِهِ وصَدَّقَهُ واسْتَبْشَرَ بِهِ الحَنِيفِيُّونَ وأُنْذِرَ بِهِ المُدْبِرُونَ والمُعْرِضُونَ، فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ، آمَنَ مَن تَنَبَّهَ لِلنَّظَرِ والِاعْتِبارِ وألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، (p-٣٠٦)وكَفَرَ مَن آثَرَ مَتاعَهُ بِالعاجِلَةِ الَّتِي تَراها الأعْيُنُ عَلى وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ في الآجِلَةِ الَّتِي إنَّما يَعِيها القَلْبُ وتَسْمَعُها الأُذُنُ، وكَما شَغَلَ المَدْعُوِّينَ إلى الإسْلامِ كُفْرُهم ودُنْياهم كَذَلِكَ شَغَلَ المُوَلَّدِينَ في الإسْلامِ غَفْلَتُهم ودُنْياهم ولَعِبُهم في صِباهم ولَهْوُهم في شَبابِهِمْ وتَكاثُرُهم في الأمْوالِ في اكْتِهالِهِمْ وتَكاثُرُهم في الأوْلادِ في شَياخِهِمْ، فاشْتَرَكَ المَدْعُوُّ إلى الإسْلامِ والمُوَلَّدُ فِيهِ الغافِلُ في عَدَمِ الإقْبالِ والقَبُولِ في تَرْكِ الِاهْتِمامِ في الآجِلَةِ واخْتِصارِهِما عَلى الِاهْتِمامِ بِالعاجِلَةِ، وكِلاهُما جَعَلَ القُرْآنَ وراءَ ظَهْرِهِ، المَدْعُوُّ لَفْظًا وعِلْمًا والمُوَلَّدُ الغافِلُ عِلْمًا وعَمَلًا، فَلَمْ يَسْمَعْهُ المَدْعُوُّ ولَمْ يَفْهَمْهُ الغافِلُ فَجَعَلَهُ بِالحَقِيقَةِ وراءَ ظَهْرِهِ، ومَن جَعَلَ القُرْآنَ خَلْفَهُ ساقَهُ إلى النّارِ، وإنَّما جَعَلَهُ أمامَهُ مَن قَرَأهُ عِلْمًا وحالًا وعَمَلًا، ومَن جَعَلَ القُرْآنَ أمامَهُ قادَهُ إلى الجَنَّةِ؛ ولَمّا قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِقِراءَتِهِ إذْ لَمْ يُجاوِزْ حَناجِرَهم كانُوا أشَدَّ مِنَ الكُفّارِ عَذابًا في النّارِ، أكْثَرُ مُنافِقِي أُمَّتِي قُرّاؤُها،
﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فَإذًا لا بُدَّ في قِراءَةِ القُرْآنِ مِن تَجْدِيدِ إقْبالٍ وتَهَيُّؤٍ لِقَبُولِ وتَحْقِيقِ تَقْوًى لِأنَّهُ إنَّما هو هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وإجْماعٌ عَلى الِاهْتِمامِ، وكَما أنَّ أُمُورَ الدُّنْيا لا تَحْصُلُ لِأهْلِها (p-٣٠٧)إلّا عَلى قَدْرِ عَزائِمِهِمْ واهْتِمامِهِمْ فَأحْرى أنْ لا يُحَصَّلَ أمْرُ الأُخْرى إلّا بِأشَدِّ عَزِيمَةٍ وأجْمَعِ اهْتِمامٍ، فَلا يَقْرَأِ القُرْآنَ مَن لَمْ يُقْبِلْ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّةِ ظاهِرِهِ ويَجْمَعِ اهْتِمامَهُ لَهُ بِكُلِّيَّةِ باطِنِهِ
﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] فَخذها بِقُوَّة ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢] فَشَرْطُ مَنالِ قِراءَتِهِ اهْتِمامُ القَلْبِ بِتَفَهُّمِهِ وإقْبالُ الحِسِّ عَلى اسْتِماعِهِ وتَدَبُّرِهِ؛ ولِكُلِّ حَرْفٍ شَرْطٌ يَخُصُّهُ. انْتَهى.
ولَمّا أقامَ سُبْحانَهُ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ أوَّلًا وعَقَّبَها بِذِكْرِ الإنْعاماتِ العامَّةِ داعِيًا لِلنّاسِ عامَّةً لا سِيَّما بَنِي إسْماعِيلَ العَرَبَ الَّذِينَ هم قَوْمُ الدّاعِي ﷺ وكانَ أحَقُّ مَن دُعِيَ بَعْدَ الأقارِبِ وأوْلاهُ بِالتَّقَدُّمِ أهْلَ العِلْمِ الَّذِينَ كانُوا عَلى حَقٍّ فَزاغُوا عَنْهُ ولا سِيَّما إنْ كانَتْ لَهم قُرابَةٌ لِأنَّهم جَدِيرُونَ بِالمُبادَرَةِ إلى الإجابَةِ بِأدْنى بَيانٍ وأيْسَرِ تَذْكِيرٍ، فَإنْ رَجَعُوا اقْتَدى بِهِمُ الجاهِلُ فَسَهُلَ أمْرُهُ وانْحَسَمَ شَرُّهُ، وإنْ لَمْ يَرْجِعُوا طالَ جِدالُهم فَبانَ لِلْجاهِلِ ضَلالُهم فَكانَ جَدِيرًا بِالرُّجُوعِ والكَفِّ عَنْ غَيِّهِ والنُّزُوعِ، وعُرِفَتْ مِن تَمادِي الكَلامِ مَعَهُمُ الأحْكامُ وبانَ الحَلالُ والحَرامُ؛ فَلِذَلِكَ لَمّا فَرَغَ مِن دَعْوَةِ العَرَبِ الجامِعَةِ لِغَيْرِهِمْ بِاخْتِصارٍ وخَتَمَ بِأنْ وعَدَ في (p-٣٠٨)اتِّباعِ الهُدى وتَوَعَّدَ، شَرَعَ سُبْحانَهُ يَخُصُّ العُلَماءَ مِنَ المُنافِقِينَ بِالذِّكْرِ وهم مَن كانَ أظْهَرَ الإسْلامَ مِن أهْلِ الكِتابِ عَلى وجْهٍ اسْتَلْزَمَ عُمُومَ المُصارِحِينَ مِنهم بِالكُفْرِ، إذْ كانُوا مِن أعْظَمِ مَن خُصَّ بِإتْيانِ ما أشارَ إلَيْهِ مِنَ الهُدى والبَيانِ بِما فِيهِ الشِّفاءُ، وكانَ كِتابُهُمُ المُشْتَمِلُ عَلى الهُدى مِن أعْظَمِ الكُتُبِ وأشْهَرِها وأجْمَعِها فَقَصَّ عَلَيْهِمْ ما مِثْلُهُ يُلِينُ الحَدِيدَ ويُخْشِعُ الجَلامِيدَ فَقالَ تَعالى مُذَكِّرًا لَهم بِنِعَمِهِ الخاصَّةِ بِهِمْ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠] ويَجُوزُ أنْ تُقَرَّرَ المُناسَباتُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ فَيُقالُ: لَمّا (p-٣٠٩)كانَ الكُفّارُ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ مَحَّضَ كُفْرَهُ، وقِسْمٌ شابَهَ بِنِفاقٍ وخِداعٍ، وكانَ الماحِضُ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ لا عِلْمَ لَهُ مِن جِهَةِ كِتابٍ سَبَقَ وهم مُشْرِكُو العَرَبِ، وقِسْمٌ لَهُ كِتابٌ يَعْلَمُ الحَقَّ مِنهُ، ذَكَرَ تَعالى قِسْمَ الماحِضِ بِما يَعُمُّ قِسْمَيْهِ العالِمَ والجاهِلَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] إلى آخِرِهِ. ثُمَّ أتْبَعَهُ قِسْمَ المُنافِقِ، لِأنَّهُ أهَمُّ بِسَبَبِ شِدَّةِ الِاخْتِلاطِ بِالمُؤْمِنِينَ وإظْهارِهِمْ أنَّهم مِنهم لِيَكُونُوا مِن خِداعِهِمْ عَلى حَذَرٍ، فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا﴾ [البقرة: ٨] إلى آخِرِهِ؛ ولَمّا فَرَغَ مِن ذَلِكَ ومِمّا اسْتَتْبَعَهُ مِنَ الأمْرِ بِالوَحْدانِيَّةِ وإقامَةِ دَلائِلِها وإفاضَةِ فَضائِلِها، ومِنَ التَّعْجِيبِ مِمَّنْ كَفَرَ مَعَ قِيامِ الدَّلائِلِ، والتَّخْوِيفِ مِن تِلْكَ الغَوائِلِ، والِاسْتِعْطافِ بِذِكْرِ النِّعَمِ؛ شَرَعَ في ذِكْرِ قِسْمٍ مِنَ الماحِضِ هو كالمُنافِقِ في أنَّهُ يَعْرِفُ الحَقَّ ويُخْفِيهِ (p-٣١٠)فالمُنافِقُ ألِفَ الكُفْرَ ثُمَّ أقْلَعَ عَنْهُ وأظْهَرَ التَّلَبُّسَ بِالإسْلامِ واسْتَمَرَّ عَلى الكُفْرِ باطِنًا، وهَذا القِسْمُ كانَ عَلى الإيمانِ بِهَذا النَّبِيِّ قَبْلَ دَعْوَتِهِ، فَلَمّا دَعاهم مَحَوُا الإيمانَ الَّذِي كانُوا مُتَلَبِّسِينَ بِهِ وأظْهَرُوا الكَفْرَ واسْتَمَرَّتْ حالَتُهم عَلى إظْهارِ الكُفْرِ وإخْفاءِ المَعْرِفَةِ الَّتِي هي مَبْدَأُ الإيمانِ، فَحالُهم كَما تَرى أشْبَهُ شَيْءٍ بِحالِ المُنافِقِينَ، ولِهَذا تَراهم مَقْرُونِينَ بِهِمْ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ، وأخَّرَهم لِطُولِ قِصَّتِهِمْ وما فِيها مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ وأعْلامِ الرِّسالَةِ بِما أبْدى مِمّا أخْفَوْهُ مِن دَقائِقِ عُلُومِهِمْ، فَإنَّ مُجادَلَةَ العالِمَ تُرْسِلُ في مَيادِينِ العِلْمِ أفْراسَ الأفْكارِ فَتُسْرِعُ في أقْطارِ الأوْطارِ حَتّى تَصِيرَ كالأطْيارِ وتَأْتِي بِبَدائِعِ الأسْرارِ، ولَقَدْ نَشَرَ سُبْحانَهُ في غُضُونِ مُجادَلَتِهِمْ وغُضُونِ مُحاوَرَتِهِمْ ومُقاوَلَتِهِمْ مِنَ الجُمَلِ الجامِعَةِ في شَرائِعِ الدِّينِ الَّتِي فِيها بُغْيَةُ المُهْتَدِينَ ما أقامَ البُرْهانَ عَلى أنَّهُ هُدًى لِلْعالَمِينَ؛ هَذا إجْمالُ الأمْرِ، وفي تَفاصِيلِهِ كَما سَتَرى مِن بَدائِعِ الوَصْفِ أُمُورٌ تَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ، تُذاقُ بِحُسْنِ التَّعْلِيمِ ويُشْفى عَيُّ جاهِلِها بِلَطِيفِ التَّكْلِيمِ - واللَّهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ والهادِي إلى أقْوَمِ طَرِيقٍ.
(p-٣١١)وقالَ الحَرالِّيُّ: ثُمَّ أقْبَلَ الخِطابُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مُنْتَظِمًا بِابْتِداءِ خِطابِ العَرَبِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] وكَذَلِكَ انْتِظامُ القُرْآنِ إنَّما يَنْتَظِمُ رَأْسُ الخِطابِ فِيهِ بِرَأْسِ خِطابٍ آخَرَ يُناسِبُهُ في جُمْلَةِ مَعْناهُ ويَنْتَظِمُ تَفْصِيلَهُ بِتَفْصِيلِهِ، فَكانَ أوَّلَ وأُولى مَن خُوطِبَ بَعْدَ العَرَبِ الَّذِينَ هم خِتامٌ بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ هُمُ ابْتِداءٌ بِما هم أوَّلُ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الكِتابُ الأوَّلُ مِنَ التَّوْراةِ الَّتِي افْتَتَحَ اللَّهُ بِها كُتَبَهُ تِلْوَ صُحُفِهِ وألْواحِهِ. ثُمَّ قالَ: لَمّا انْتَظَمَ إقْبالُ الخِطابِ عَلى العَرَبِ الَّتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها هُدًى بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ انْتَظَمَ بِخِطابِ العَرَبِ خِطابُ بَنِي إسْرائِيلَ بِما تَقَدَّمَ لَها مِن هُدًى في وقْتِها ﴿إنّا أنْـزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] (p-٣١٢)وبِما عَهِدَ إلَيْها مَن تَضاعُفِ الهُدى بِما تَقَدَّمَ لَها في ارْتِقائِهِ مِن كَمالِ الهُدى بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِهَذا القُرْآنِ، فَكانَ لِذَلِكَ الأوْلى مُبادَرَتُهم إلَيْهِ حَتّى يَهْتَدِيَ بِهِمُ العَرَبُ لِيَكُونُوا أوَّلَ مُؤْمِنٍ بِما عِنْدَهم مِن عِلْمِهِ السّابِقِ، انْتَهى.
2:40Page 7
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٤٠
O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.
وابْتَدَأ سُبْحانَهُ بِتَذْكِيرِهِمْ بِما خَصَّهم بِهِ عَنِ النَّوْعِ الآدَمِيِّ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي كانُوا يُقابِلُونَها بِالكُفْرانِ وما عامَلَهم بِهِ مِن إمْهالِهِمْ عَلى مُرْتَكَباتِهِمْ ومُعامَلَتِهِمْ بِالعَفْوِ والإقالَةِ مِمّا يُبَيِّنُ سِعَةَ رَحْمَتِهِ وعَظِيمَ حِلْمِهِ، وابْتَدَأ مِن أوامِرِهِمْ بِالإيفاءِ بِالعُهُودِ الَّتِي مِن أعْظَمِها مُتابَعَةُ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ والإيمانُ بِكِتابِهِ الَّذِي نَفى عَنْهُ الرَّيْبَ فَقالَ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيِ الَّذِي شَرَّفْتُهُ (p-٣١٣)وشَرَّفْتُ بَنِيهِ مِن أجْلِهِ ﴿اذْكُرُوا﴾ مِنَ الذِّكْرِ بِالكَسْرِ والضَّمِّ بِمَعْنًى واحِدٍ يَكُونانِ بِاللِّسانِ وبِالجَنانِ، وقالَ الكِسائِيُّ: هو بِالكَسْرِ بِاللِّسانِ، وبِالضَّمِّ بِالقَلْبِ، والَّذِي بِالقَلْبِ ضِدُّهُ النِّسْيانُ، والَّذِي بِاللِّسانِ ضِدُّهُ الصَّمْتُ، نَقَلَهُ الأصْفَهانِيُّ. وقالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الذِّكْرِ وهو اسْتِحْضارُ ما سَبَقَهُ النِّسْيانُ.
﴿نِعْمَتِيَ﴾ وهي إنالَةُ الشَّخْصِ ما يُوافِقُ نَفْسَهُ وبَدَنَهُ وعِنْدَ المُتَفَطِّنِ ما يُوافِقُ باطِنَهُ وظاهِرَهُ مِمّا بَيْنَ قَلْبِهِ وشُعُوبِهِ مِن أهْلِهِ وحَشَمِهِ ”الَّتِي“ تِي مِنها إشارَةٌ لِباطِنٍ نازِلٍ مُتَخَيَّلٍ مُبْهَمٍ تُفَسِّرُهُ صِلَتُهُ بِمَنزِلَةِ [ ذِي ] و”ألْ“ مِنها إشارَةٌ لِذَلِكَ المَعْنى بِالإشارَةِ المُتَخَيَّلَةِ - انْتَهى ﴿أنْعَمْتُ﴾ أيْ بِها ودَلَّلْتُ عَلى شَرَفِها بِإضافَتِها إلى ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وتِلْكَ النِّعْمَةُ الشَّرِيفَةُ هي (p-٣١٤)الإتْيانُ بِالهُدى مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ الَّذِي اسْتَنْقَذْتُكم بِهِ مِن هَوانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿وأوْفُوا﴾ مِنَ الوَفاءِ وهو عَمَلٌ لاحِقٌ بِمُقْتَضى تَقَدُّمِ عِلْمٍ سابِقٍ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿بِعَهْدِي﴾ أيِ الَّذِي أخَذْتُهُ عَلَيْكم في لُزُومِ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن مُتابَعَةِ نَبِيِّكم ومَن آمُرُكم بِاتِّباعِهِ مِن بَعْدِهِ، والعَهْدُ التَّقَدُّمُ في الشَّيْءِ خُفْيَةً اخْتِصاصًا لِمَن يَتَقَدَّمُ لَهُ فِيهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ، وقالَ الأصْفَهانِيُّ: حِفْظُ الشَّيْءِ (p-٣١٥)ومُراعاتُهُ حالًا فَحالًا، قالَ الخَلِيلُ: أصْلُهُ الِاحْتِفاظُ بِالشَّيْءِ وإجْدادُ العَهْدِ بِهِ،
﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أيْ في جَعْلِكم مِمَّنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا حُزْنٌ بِسَعَةِ العَيْشِ والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ كَما يَأْتِي عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ في مَظانِّهِ مِن هَذا الكِتابِ ﴿وإيّايَ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿فارْهَبُونِ﴾ أيْ ولا تَزِلُّوا اجْعَلْكم في مَصِيرِ الكافِرِينَ بَعْدَ الضَّرْبِ بِأنْواعِ الهَوانِ في الدُّنْيا، والرَّهَبُ حَذَرُ النَّفْسِ مِمّا شَأْنُها مِنهُ الهَرَبُ لِأذًى تَتَوَقَّعُهُ، وخُوطِبُوا بِالرَّهْبَةِ لِاسْتِبْطانِها فِيما يَخْتَصُّ لِمُخالَفَةِ العِلْمِ، قالَ الحَرالِّيُّ: وأطالَ سُبْحانَهُ في حِجاجِهِمْ جَرْيًا عَلى قانُونِ النَّظَرِ في جِدالِ العالِمِ الجاحِدِ وخِطابِ المُنْكِرِ المُعانِدِ،
2:41Page 7
وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ٤١
And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآمِنُوا بِما أنْـزَلْتُ﴾ (p-٣١٦)أيْ أوْجَدْتُ إنْزالَهُ ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِـ ”ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ“، وأُمِرُوا كَما قالَ الحَرالِّيُّ تَجْدِيدَ الإيمانُ بِالقُرْآنِ لِما فِيهِ مِن إنْباءٍ بِأُمُورٍ مِنَ المُغَيَّباتِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ في كِتابِهِمْ كَتَفاصِيلِ أُمُورِ الآخِرَةِ الَّتِي اسْتَوْفاها القُرْآنُ، لِأنَّهُ خاتَمٌ لَيْسَ وراءَهُ كِتابٌ يُنْتَظَرُ فِيهِ بَيانٌ، وقَدْ أبْقى لِكُلِّ كِتابٍ قَبْلَهُ بَقِيَّةً أُحِيلَ فِيها عَلى ما بَعْدَهُ، لِيَتَناءى البَيانُ إلى غايَةِ ما أنْزَلَ بِهِ القُرْآنَ حِينَ لَمْ يَعْهَدْ إلَيْهِمْ إلّا في أصْلِهِ عَلى الجُمْلَةِ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ مَعْنًى دَقِيقٌ في تَبْكِيتِهِمْ وأمْرٌ جَلِيلٌ مِن تَعْنِيفِهِمْ وذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن ”أوَّل“ ظاهِرَ مَعْناهُ المُتَبادِرِ إلى الذِّهْنِ، فَإنَّ العَرَبَ (p-٣١٧)كَثِيرًا ما تُطْلِقُ الأوَّلَ ولا تُرِيدُ حَقِيقَتَهُ بَلِ المُبالَغَةَ في السَّبْقِ، كَما قالَ مِقْيَسُ بْنُ صُبابَةَ وقَدْ قَتَلَ شَخْصًا مِنَ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كانَ قَتَلَ أخاهُ خَطَأً ورَجَعَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا:
؎حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وأدْرَكْتُ ثُؤْرَتِ وكُنْتُ إلى الأوْثانِ أوَّلَ راجِعِ
هَذا في جانِبِ الإثْباتِ، فَإذا نَفَيْتَ ناهِيًا فَقُلْتَ: لا تَكُنْ أوَّلَ فاعِلٍ لِكَذا، فَمَعْناهُ إنَّكَ إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ صِفَتُكَ إلّا كَذَلِكَ، فَهو خارِجٌ مَخْرَجَ المُبالِغَةِ في الذَّمِّ بِما هو صِفَةُ المَنهِيِّ فَلا مَفْهُومَ لَهُ، وعَبَّرَ بِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لَمّا تَرَكُوا اتِّباعَ هَذا الكِتابِ [ كانُوا ] لِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِصِحَّتِهِ في غايَةِ اللَّجاجَةِ فَكانَ عَمَلُهم في كُفْرِهِمْ وإنَّ تَأخَّرَ (p-٣١٨)عَمَلُ مَن يُسابِقُ شَخْصًا إلى شَيْءٍ، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهم لَمْ يَمْنَعْهم مِنَ الإيمانِ بِهِ جَهْلٌ بِالنَّظَرِ ولا عَدَمُ اطِّلاعٍ عَلى ما أتى بِهِ أنْبِياؤُهم مِنَ البَشَرِ بَلْ مُجَرَّدُ الحَسَدِ لِلْعَرَبِ أنْ يَكُونَ مِنهم نَبِيٌّ المُسْتَلْزِمُ لِحَسَدِ هَذا النَّبِيِّ بِعَيْنِهِ، لِأنَّ الحُكْمَ عَلى الأعَمِّ يَسْتَلْزِمُ الحُكْمَ عَلى الأخَصِّ بِما هو مِن أفْرادِ الأعَمِّ. فَصارَتْ رُتْبَةُ كُفْرِهِمْ قَبْلَ رُتْبَةِ كُفْرِ العَرَبِ الجاهِلِينَ بِهِ أوِ الحاسِدِينَ لَهُ ﷺ بِخُصُوصِهِ لا لِعُمُومِ العَرَبِ، فَكانَ أهْلُ الكِتابِ أوَّلَ كافِرٍ بِهِ لا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ كُفْرُهم إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي هو أقْبَحُ الوُجُوهِ، فالمَعْنى لا تَكْفُرُوا بِهِ، فَإنَّهُ إنْ وقَعَ مِنكم كُفْرٌ بِهِ كانَ أوَّلَ كُفْرٍ، لِأنَّ رُتْبَتَهُ أوَّلُ رُتَبِ الكُفْرِ الواقِعِ مِمَّنْ سِواكم فَكُنْتُمْ أوَّلَ كافِرٍ فَوَقَعْتُمْ في أقْبَحِ وُجُوهِ الكُفْرِ، ولِذا أفْرَدَ ولَمْ يَقُلْ: كافِرِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا نَهاهم عَنِ الكُفْرِ بِالآياتِ نَهاهم عَنِ الحامِلِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا﴾ (p-٣١٩)أيْ تَتَكَلَّفُوا وتُلِحُّوا في أنْ تَسْتَبْدِلُوا ﴿بِآياتِي﴾ أيِ الَّتِي تَعْلَمُونَها في الأمْرِ بِاتِّباعِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ وهو رِياسَةُ قَوْمِكم وما تَأْخُذُونَهُ مِنَ المُلُوكِ وغَيْرِهِمْ عَلى حَمْلِ الشَّرِيعَةِ، والقِلَّةُ ما قُصِرَ عَنِ الكِفايَةِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.
﴿وإيّايَ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿فاتَّقُونِ﴾ أيِ اجْعَلُوا لَكم وِقايَةً مِن إنْزالِ غَضَبِي، فالتَّقْوى نَتِيجَةُ الرَّهْبَةِ كَما أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ نَتِيجَةُ ما في آيَةِ الرَّهْبَةِ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences