Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:54–58

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:54–58

2:54Page 8

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٥٤

And [recall] when Moses said to his people, "O my people, indeed you have wronged yourselves by your taking of the calf [for worship]. So repent to your Creator and kill yourselves [i.e., the guilty among you]. That is best for [all of] you in the sight of your Creator." Then He accepted your repentance; indeed, He is the Accepting of Repentance, the Merciful.

”وإذْ“ .

قالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا تَكَمَّلَ إقْبالُ الخِطابِ عَلَيْهِمْ مَرّاتٍ بِما تَقَدَّمَ مِن نِدائِهِمْ والعَطْفِ عَلى ما في صِلَتِهِ صَرَفَ الحَقُّ وجْهَ الخِطابِ عَنْهم إلى ذِكْرِ خِطابِ نَبِيِّهِ ﷺ لَهم، فَإنَّ اللَّهَ يُخاطِبُ العِبادَ بِإسْقاطِ الواسِطَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم تَرْفِيعًا لِأقْدارِهِمْ لَدَيْهِ، فَيَرْفَعُ مَن شاءَ فَيُجِيبُهُ بِما شاءَ، ويُوقِفُ مَن شاءَ فَيَجْعَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ في الخِطابِ واسِطَةً مِن نَبِيِّهِ، فَلَمّا قَرَّرَهم بِما مَضى مِنَ التَّذْكِيرِ عَلى ما واجَهَهم بِهِ الحَقُّ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرَهم عَلى ما خاطَبَهم بِهِ نَبِيُّهم حِينَ أعْرَضَ الحَقُّ عَنْ خِطابِهِمْ (p-٣٧٢)بِما أصابُوهُ مِن قَبِيحِ خَطِيئَتِهِمْ. انْتَهى.

فَقالَ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ العابِدِ لِلْعِجْلِ والسّاكِتِ عَنْهُ، والقَوْمُ قالَ الحَرالِّيُّ اسْمُ مَن لَهم مِنَّةٌ في القِيامِ بِما هم مَذْكُورُونَ بِهِ، ولِذَلِكَ يُقابَلُ بِلَفْظِ النِّساءِ لِضَعْفِهِنَّ فِيما يُحاوِلْنَهُ؛ وفِيهِ تَخْوِيفٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم في خِطابِ رَبِّهِمْ فَيُعْرِضُ عَنْهم. انْتَهى.

﴿يا قَوْمِ﴾ وأكَّدَ لِعَراقَتِهِمْ في الجَهْلِ بِعَظِيمِ ما ارْتَكَبُوهُ وتَهاوُنِهِمْ بِهِ لِما أُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمْ مِنَ الهَوى فَقالَ ﴿إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ ظُلْمًا تَسْتَحِقُّونَ بِهِ العُقُوبَةَ ﴿بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾ أيْ إلَهًا مِن دُونِ اللَّهِ، فَجَعَلْتُمْ أنْفُسَكم مُتَذَلِّلَةً لِمَن لا يَمْلِكُ لَها شَيْئًا ولِمَن هي أشْرَفُ مِنهُ، فَأنْزَلْتُمُوها مِن رُتْبَةِ عِزِّها بِخُضُوعِها لِمَوْلاها الَّذِي لا يَذِلُّ مَن والاهُ ولا يَعِزُّ مَن عاداهُ إلى ذُلِّها بِخُضُوعِها لِمَن هو دُونَكم أنْتُمْ، هَذا هو أسْوَأُ الظُّلْمِ، فَإنَّ المَرْءَ لا يَصْلُحُ أنْ يَتَذَلَّلَ ويَتَعَبَّدَ لِمَثَلِهِ، فَكَيْفَ (p-٣٧٣)لِمَن دُونَهُ مِن حَيَوانٍ ! فَكَيْفَ بِما يُشَبَّهُ بِالحَيَوانِ مِن جَمادِ الذَّهَبِ الَّذِي هو مِنَ المَعادِنِ وهو أخْفَضُ المَوالِيدِ رُتْبَةً حِينَ لَمْ تُبَلِّغْها حَياتُها أنْ تَبْدُوَ فَوْقَ الأرْضِ كالنَّباتِ مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ ولِما فِيهِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِما يَكُونُ مِنَ الحَبِّ والثَّمَرِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ غِذاءً ودَواءً، والمَعادِنُ لا يُنْتَفَعُ بِها إلّا آلاتٍ ونُقُودًا، مَنفَعَتُها إخْراجُها لا إثْباتُها، قالَهُ الحَرالِّيُّ ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ﴾ الَّذِي فَطَرَكم مِن قَبْلِ أنْ تَتَّخِذُوا العِجْلَ بَرِيئِينَ مِنَ العَيْبِ (p-٣٧٤)مَعَ إحْكامِ الخَلْقِ عَلى الأشْكالِ المُخْتَلِفَةِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: البارِئُ اسْمٌ قائِمٌ بِمَعْنى البُرْءِ وهو إصْلاحُ المَوادِّ لِلتَّصْوِيرِ، كالَّذِي يَقْطَعُ الجِلْدَ والثَّوْبَ لِيَجْعَلَهُ خُفًّا وقَمِيصًا، وكالَّذِي يَطْحَنُ القَمْحَ ويَعْجِنُ الطِّينَ لِيَجْعَلَهُ خُبْزًا وفَخّارًا ونَحْوَ ذَلِكَ، ومَعْناهُ التَّدْقِيقُ لِلشَّيْءِ بِحَسَبِ التَّهَيُّؤِ لِصُورَتِهِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَتْ تَوْبَتُهم بِقَتْلِ أقارِبِهِمْ وإنْ كانُوا آباءً أوْ أبْناءً عَبَّرَ عَنْهم بِالنَّفْسِ لِذَلِكَ وإشارَةً إلى خُبْثِ ما ارْتَكَبُوا فَقالَ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيِ الَّتِي أوْجَدَها فَقادَتْكم إلى غَيْرِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: والقَتْلُ قَصْلُ الحَيَوانِ قَبْلَ انْتِهاءِ قُوَّتِهِ بِمَنزِلَةِ قَصْلِ الزَّرْعِ قَبْلَ اسْتِحْصادِهِ. انْتَهى. ولَمّا كانَ (p-٣٧٥)ما أمَرَهم بِهِ أمْرًا لا يَكادُ يُسْمَحُ بِهِ عَظَّمَ الرَّغْبَةَ فِيهِ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ وهو القَتْلُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ والخَيْرُ قالَ الحَرالِّيُّ ما يَصْلُحُ في الِاخْتِيارِ مِن مَحْسُوسِ الأشْياءِ وما هو الأصْلَحُ وما هو الأخْيَرُ، ورُبَّما اسْتُعْمِلَتْ مِنهُ خَيْرٌ مَحْذُوفَةً فَيُقالُ: هو خَيْرٌ في نَفْسِهِ، أيْ مِمّا يُخْتارُ، ويُقالُ: هَذا خَيْرٌ مِن هَذا، أيْ أخْيَرُ مِنهُ أيْ أصْلَحُ في الِاخْتِيارِ، وكَذَلِكَ لَفْظُ شَرٍّ في مُقابِلِهِ وهُما مُشْعِرانِ بِمُتَوَسِّطٍ مِنَ الأشْياءِ لا يُخْتارُ لِأجْلِ زِيادَةِ صَلاحٍ ولا يُطَّرَحُ لِأجْلِ أذًى ولا مَضَرَّةٍ ”عند“ كَلِمَةٌ تُفْهِمُ اخْتِصاصَ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ بِوَجْهٍ ما عامٍّ وأخَصُّ مِنهُ ”لَدُنْ“، فَـ ”لَدُنْ“ خاصَّتُها و”عِنْدَ“ عامَّتُها، كالَّذِي يَمْلِكُ الشَّيْءَ فَهو عِنْدَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في حَضْرَتِهِ، انْتَهى. (p-٣٧٦)﴿بارِئِكُمْ﴾ أيِ القادِرِ عَلى إعْدامِكم كَما قَدَرَ عَلى إيجادِكم، وفي التَّعْبِيرِ بِالبارِئِ تَرْغِيبٌ لَهم في طاعَتِهِ بِالتَّذْكِيرِ بِالإحْسانِ وتَرْهِيبٌ بِإيقاعِ الهَوانِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَفَعَلْتُمُ التَّوْبَةَ المَأْمُورَ بِها، بِأنْ قَتَلَ بَعْضُكم بَعْضًا بِتَوْفِيقِهِ لَكم سُبْحانَهُ مَعَ ما فِيهِ مِن عِظَمِ المَشَقَّةِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ مَعَ عِظَمِ جُرْمِكم، ولَوْلا تَوْبَتُهُ عَلَيْكم ما تُبْتُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ لِأنَّهُ ﴿هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ ما زالَ هَذا صِفَةً لَهُ لا لِاسْتِحْقاقٍ مِنكم عَلَيْهِ قالَ الحَرالِّيُّ: وفي إظْهارِ ”هو“ مَفْصُولَةً مِن ضَمِيرِ (p-٣٧٧)وصْلِها إثْباتُ مَعْنى الرَّحْمَةِ لِلَّهِ ثَبْتًا لا يَتَبَدَّلُ ولا يَتَغَيَّرُ إلّا أنَّهُ مِن وراءِ غَيْبٍ ما شاءَ اللَّهُ مِن أدَبٍ وامْتِحانٍ وعِقابٍ، فَلِذَلِكَ خَتَمَهُ بِاسْمِهِ الرَّحِيمِ، لِأنَّ الخَتْمَ أبْدى إظْهارٍ لِلْمَعْنى الأخْفى مِن مَضْمُونِ ما فِيهِ الخَتْمُ. انْتَهى.

2:55Page 8

وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٥

And [recall] when you said, "O Moses, we will never believe you until we see Allāh outright"; so the thunderbolt took you while you were looking on.

ولَمّا اسْتُتِيبُوا عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ الَّتِي تَقَيَّدُوا فِيها بِالمَحْسُوسِ الَّذِي هو مَثَلٌ في الغَباوَةِ طَلَبُوا رُؤْيَةَ بارِئِهِمْ بِالحِسِّ عَلى ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي تَأْبى الِابْتِذالَ ناسِينَ لِجَمِيعِ النِّعَمِ والنِّقَمِ مُسْرِعِينَ في الكُفْرِ الَّذِي هو مِن شَأْنِ الحائِرِ والحالُ أنَّ الفُرْقانَ الَّذِي لا يَدَعُ شُبْهَةً ولا يُبْقِي حَيْرَةً قائِمٌ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، لِأنَّهم مِنَ الجُمُودِ والوُقُوفِ مَعَ الوَهْمِ والحِسِّ بِمَكانٍ عَظِيمٍ، فَذَكَّرَهم سُبْحانَهُ ذَلِكَ مُسَلِّيًا لِلنَّبِيِّ ﷺ في إبائِهِمْ لِلْإيمانِ بِهِ بِما فَعَلُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أحَدُهم (p-٣٧٨)فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْتُمْ﴾ أيْ بَعْدَما رَأيْتُمْ مِنَ الآياتِ وشاهَدْتُمْ مِنَ الأُمُورِ البَيِّناتِ ﴿يا مُوسى﴾ فَدَعَوْتُمُوهُ بِاسْمِهِ جَفاءً وغِلْظَةً كَما يَدْعُو بَعْضُكم بَعْضًا ولَمْ تَخُصُّوهُ بِما يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِهِ لِما رَأيْتُمْ مِن إكْرامِ اللَّهِ لَهُ وإكْرامِكم عَلى يَدِهِ ﴿لَنْ﴾ وهي كَلِمَةٌ تُفْهِمُ نَفْيَ مَعْنًى باطِنٍ كَأنَّها ”لا أنْ“ يُسِّرَ بِالتَّخْفِيفِ لَفْظُها - قالَهُ الحَرالِّيُّ.

﴿نُؤْمِنَ لَكَ﴾ أيْ لِأجْلِ قَوْلِكَ. قالَ (p-٣٧٩)الحَرالِّيُّ: وجاءَ بِاللّامِ لِأنَّهم قَدْ كانُوا آمَنُوا بِهِ فَتَوَقَّفُوا عَنِ الإيمانِ لَهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِأُمُورٍ مِن تَفاصِيلِ ما يَأْتِيهِمْ بِهِ، فَمَن آمَنَ لِأحَدٍ فَقَدْ آمَنَ بِأُمُورٍ لِأجْلِهِ، ومَن آمَنَ بِهِ فَقَدْ قَبِلَ أصْلَ رِسالَتِهِ ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]؛ ”حَتّى“ كَلِمَةٌ تُفْهِمُ غايَةً مَحُوطَةً يَدْخُلُ ما بَعْدَها في حُكْمِ ما قَبْلَها مُقابِلَ مَعْنى لِكَيْ ﴿نَرى﴾ مِنَ الرُّؤْيَةِ وهي اطِّلاعٌ عَلى باطِنِ الشَّيْءِ الَّذِي أُظْهِرَ مِنهُ مُبْصِرُهُ الَّذِي أظْهَرَهُ مِنهُ مَنظَرُهُ، ومِنهُ يُقالُ في مَطْلَعِ المَنامِ: رُؤْيا، لِأنَّ ذَواتِ المَرْئِيِّ في المَنامِ هي أمْثالُ باطِنِهِ في صُورَةِ المَنظُورِ إلَيْهِ في اليَقَظَةِ. انْتَهى.

﴿اللَّهَ﴾ أيْ مَعَ ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ﴿جَهْرَةً﴾ أيْ عِيانًا مِن غَيْرِ خَفاءٍ ولا نَوْعِ لَبْسٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الجَهْرِ وهو الإعْلانُ بِالشَّيْءِ إلى حَدِّ الشُّهْرَةِ (p-٣٨٠)وبَلاغُهُ لِمَن لا يُقْصَدُ في مُقابَلَةِ السِّرِّ المُخْتَصِّ بِمَن يُقْصَدُ بِهِ، وهَذا المَطْلُوبُ مِمّا لا يَلِيقُ بِالجَهْرِ لِتَحْقِيقِ اخْتِصاصِهِ بِمَن يُكْشَفُ لَهُ الحِجابُ مِن خاصَّةِ مَن يَحُوزُهُ القُرْبُ مِن خاصَّةِ مَن يُقْبِلُ عَلَيْهِ النِّداءُ مِن خاصَّةِ مَن يَقَعُ عَنْهُ الإعْراضُ، فَكَيْفَ أنْ يُطْلَبَ ذَلِكَ جَهْرًا حَتّى يَنالَهُ مَن هو في مَحَلِّ البُعْدِ والطَّرْدِ ! وفِيهِ شَهادَةٌ بِتَبَلُّدِهِمْ عَنْ مَوْقِعِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ

﴿رَبِّ أرِنِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقالَ تَعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّكم تَرَوْنَ رَبَّكم» فالِاسْمُ المَذْكُورُ لِمَعْنى الرُّؤْيَةِ إنَّما هو الرَّبُّ لِما في اسْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لا يُذْكَرُ لِأجْلِهِ إلّا مَعَ ما هو فَوْتٌ لا مَعَ ما هو في المَعْنى نَيْلٌ، وذَلِكَ لِسِرٍّ مِن أسْرارِ (p-٣٨١)العِلْمِ بِمَواقِعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى فِيما يُناسِبُها مِن ضُرُوبِ الخِطابِ والأحْوالِ والأعْمالِ، وهو مِن أشْرَفِ العِلْمِ الَّذِي يُفْهَمُ بِهِ خِطابُ القُرْآنِ حَتّى يُضافَ لِكُلِّ اسْمٍ ما هو أعْلَقُ في مَعْناهُ وأوْلى بِهِ وإنْ كانَتِ الأسْماءُ كُلُّها تَرْجِعُ مَعانِي بَعْضِها لِبَعْضٍ،

﴿فَأخَذَتْكُمُ﴾ مِنَ الأخْذِ وهو تَناوُلُ الشَّيْءِ بِجُمْلَتِهِ بِنَوْعِ بَطْشٍ وقُوَّةٍ. انْتَهى. أيْ لِقَوْلِكم هَذا لِما فِيهِ مِنَ الفَظاعَةِ وانْتِهاكِ الحُرْمَةِ،

﴿الصّاعِقَةُ﴾ قِيلَ: هي صَيْحَةٌ، وقِيلَ: نارٌ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ فَأحْرَقَتْهم، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أيْ تِلْكَ (p-٣٨٢)الصّاعِقَةَ فَأماتَتْكم، لِأنَّكم كُنْتُمْ في طَلَبِكم رُؤْيَتَهُ عَلى ضَرْبٍ مِن حالِ عَبَدَةِ العِجْلِ، فَأماتَكم كَما أماتَهم بِالقَتْلِ.

2:56Page 8

ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٦

Then We revived you after your death that perhaps you would be grateful.

ولَمّا كانَ إحْياؤُهم مِن ذَلِكَ في الدّارِ في غايَةِ البُعْدِ وخَرْقِ العادَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِأداةِ التَّراخِي ومَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِالإحْياءِ. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ البَعْثِ وهو الِاسْتِثارَةُ مِن (p-٣٨٣)غَيْبٍ وخَفاءٍ، أشَدُّهُ البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، ودُونَهُ البَعْثُ مِنَ النَّوْمِ؛ قالَ: وتَجاوَزَ الخِطابُ ما كانَ مِن سَبَبِ بَعْثِهِمْ، وكَذَلِكَ كَلُّ مَوْضِعٍ يَقَعُ فِيهِ ثُمَّ، فَفِيهِ خِطابٌ مُتَجاوِزٌ مَدِيدُ الأمَدِ كَثِيرُ رُتَبِ العَدَدِ مَفْهُومٌ لِمَنِ اسْتَوْفى مَقاصِدَ ما وقَعَتْ كَلِمَةُ ثُمَّ بَيْنَهُ مِنَ الكَلامَيْنِ المُتَعاطِفَيْنِ؛ فَفي مَعْنى التَّجاوُزِ مِنَ الخِطابِ سُؤالُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ في بَعْثِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ ذَلِكَ فِتْنَةً عَلى سائِرِهِمْ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ البَعْثَ مِن غَشًى ونَحْوِهِ حَقَّقَ مَعْناهُ مُبَيِّنًا أنَّهُ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمَنَ البُعْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ أيْ هَذا بِتِلْكَ الصّاعِقَةِ، وقالَ دالًّا عَلى أنَّ البَعْثَ إلى هَذِهِ الدّارِ لا يَقْطَعُ ما بُنِيَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْلِيفِ لِأنَّها دارُ الأكْدارِ فَلا بُدَّ مِن تَصْفِيَةِ الأسْرارِ فِيها بِالأعْمالِ (p-٣٨٤)والأذْكارِ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ لِتَصِيرَ حالُكم حالَ مَن يَصِحُّ تَرَجِّي شُكْرِهِ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ؛ وكُلُّ ما جاءَ مِن لَعَلَّ المُعَلَّلِ بِها أفْعالُ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى يَنْبَغِي أنْ تُؤَوَّلَ بِنَحْوِ هَذا، فَإنَّ لَعَلَّ تَقْتَضِي الشَّكَّ لِأنَّها لِلطَّمَعِ والإشْفاقِ فَيُطْمَعُ في كَوْنِ مَدْخُولِهِا ويُشْفَقُ مِن أنْ لا يَكُونَ، وتارَةً يَكُونُ الشَّكُّ لِلْمُخاطَبِ وتارَةً يَكُونُ لِلْمُتَكَلِّمِ، ولَوْ قِيلَ: لِتَشْكُرُوا، لَمْ يَكُنْ هُناكَ شَكٌّ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقالَ الحَرالِّيُّ: وفي لَعَلَّ إبْهامُ مَعْلُومِهِ فِيهِمْ بِأنَّ مِنهم مَن يَشْكُرُ ومِنهم مَن لا يَشْكُرُ. انْتَهى. وسَيَأْتِي في سُورَةِ ”طَهَ“ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نَصِّ سِيبَوَيْهِ في ”كِتابِهِ“ ما يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْتُهُ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ وما تَقَدَّمَها مِن آيَةِ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ [البقرة: ٤٨] تَنْبِيهٌ لِلْعَرَبِ مِن غَفْلَتِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ وإرْشادٌ إلى سُؤالٍ مِمَّنْ يَغُرُّهم مِن أهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم أوْلى بِالحَقِّ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي وقَعَتْ لِأسْلافِهِمْ مِن إحْيائِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وكَذا ما أتى في مُحاوَراتِهِمْ مِن قِصَّةِ (p-٣٨٥)البَقَرَةِ ونَحْوِها مِمّا فِيهِ ذِكْرُ الإحْياءِ في هَذِهِ الدّارِ أوْ في القِيامَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ أيْ هَذا الخِطابِ آيَةٌ عَلى البَعْثِ الآخِرِ الَّذِي وُعِدَ بِهِ جِنْسُ بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ فَجْأةَ صَعْقٍ وسُرْعَةَ بَعْثٍ، فَإنَّ ما صَحَّ لِأحَدِهِمْ ولِطائِفَةٍ مِنهم أمْكَنَ عُمُومُهُ في كافَّتِهِمْ. انْتَهى.

2:57Page 8

وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٥٧

And We shaded you with clouds and sent down to you manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not - but they were [only] wronging themselves.

ولَمّا ذُكِرَتِ الصّاعِقَةُ النّاشِئَةُ غالِبًا مِنَ الغَمامِ كانَ أنْسَبَ الأشْياءِ إيلاؤُها ذِكْرَ تَظْلِيلِ الغَمامِ وناسَبَ التَّحْذِيرُ مِن نِقْمَةِ الإحْراقِ بِالصّاعِقَةِ والتَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ الإيجادِ مِنَ المَوْتِ الإتْباعَ بِذِكْرِ التَّنْعِيمِ في الإبْقاءِ بِالصِّيانَةِ عَنْ حَرِّ الظّاهِرِ بِالشَّمْسِ والباطِنِ بِالجُوعِ.

وقالَ الحَرالِّيُّ وعَطَفَ تَعالى عَلى ذِكْرِ البَعْثِ ذِكْرَ حالٍ مِن مِثْلِ أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِي يَنالُونَهُ بَعْدَ البَعْثِ، فَكَأنَّ عامَّتَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَمُوتُوا إنَّما شَرِكُوا هَؤُلاءِ المَبْعُوثِينَ لِكَوْنِهِمْ كَأنَّهم ماتُوا بِمَوْتِهِمْ وبُعِثُوا بِبَعْثِهِمْ، فَذَكَرَ ظِلَّ الغَمامِ وهو مِن أمْرِ ما بَعْدَ البَعْثِ، والأرْزاقَ بِغَيْرِ كَلَفَةٍ وهو مِن حالِ ما بَعْدَ البَعْثِ وأفْهَمَ ذَلِكَ أُمُورًا أُخَرَ في أحْوالِهِمْ كَما يُقالُ: إنْ مَلابِسَهم كانَتْ تَطُولُ مَعَهم كُلَّما طالُوا فَكَأنَّهم أُخْرِجُوا مِن أحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا بِالجُمْلَةِ إلى شِبْهِ أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ في مَحَلِّ تِيهِهِمْ ومُسْتَحَقِّ مَنالِ العُقُوبَةِ لَهم، كُلُّ ذَلِكَ إنْعامًا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ لَمْ يَزِيدُوا مَعَ (p-٣٨٦)ذَلِكَ إلّا بُعْدًا عَنِ التَّبْصِرَةِ في كُلِّ ما أُبْدِيَ لَهم مِنَ العَجائِبِ - حَدِّثْ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ ولا حَرَجَ - فَقالَ: ﴿وظَلَّلْنا﴾ مِنَ الظُّلَّةِ وهو وِقايَةٌ مِمّا يَنْزِلُ مِن سَماءِ المُوقِي و﴿عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ مِنَ الغَمِّ وهو ما يَغُمُّ النُّورَ أيْ يُغَطِّيهِ. (p-٣٨٧)انْتَهى. أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِتَرْفِيهِ أجْسامِكم وتَرْوِيحِ أرْواحِكم، وعَنْ مُجاهِدٍ: إنَّ الغَمامَ أبْرَدُ مِنَ السَّحابِ وأرَقُّ وأصْفى ﴿وأنْـزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هو ما جاءَ بِغَيْرِ كَلَفَةٍ، الكَمْأةُ مِنَ المَنِّ. انْتَهى.

﴿والسَّلْوى﴾ أيْ لِطَعامِكم عَلى أنَّ المَنَّ مِنَ الغَمامِ، وحَشَرَ السَّلْوى إلَيْهِمْ بِالرِّيحِ المُثِيرَةِ لَهُ فَنَظَمَها بِهِ عَلى غايَةِ التَّناسُبِ. قالَ الحَرالِّيُّ: والسَّلْوى اسْمُ صِنْفٍ مِنَ الطَّيْرِ يُقالُ هو السَّمّانِيُّ أوْ غَيْرُهُ. انْتَهى. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الأعْرافِ أنَّهُ غَيْرُ السَّمّانِيِّ وأنَّهم خُصُّوا بِهِ إيذانًا بِقَساوَةِ قُلُوبِهِمْ.

وهَذِهِ الخارِقَةُ قَدْ كانَ صَحابَةُ نَبِيِّنا ﷺ غَنِيِّينَ عَنْها بِما كانَ النَّبِيُّ ﷺ كُلَّما احْتاجُوا دَعا بِما عِنْدَهم مِن فَضَلاتِ الزّادِ فَيَدْعُو، فَيُكَثِّرُهُ اللَّهُ حَتّى يَكْتَفُوا مِن عِنْدِ آخِرِهِمْ، «وأعْطى أبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَمَراتٍ وأمَرَهُ أنْ يَجْعَلَها في مِزْوَدٍ وقالَ لَهُ: أنْفِقْ ولا تَنْثُرْها، فَأكَلَ مِنهُ سِنِينَ وأنْفَقَ مِنهُ أكْثَرَ مِن خَمْسِينَ وسْقًا» . وبارَكَ لِآخَرَ في قَلِيلِ شَعِيرٍ وأمَرَهُ أنْ لا يَكِيلُهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُنْفِقُ مِنهُ عَلى نَفْسِهِ (p-٣٨٨)وامْرَأتِهِ وضَيْفِهِ حَتّى كالَهُ فَفَنِيَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ لَمْ تَكِلْهُ؛ لَأكَلْتُمْ مِنهُ، ولَقامَ لَكم»، وكانَ نَحْوُ ذَلِكَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ . وكَذا لِأُمِّ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في عَكَّةِ سَمْنٍ لَمْ تَزَلْ تُقِيمُ لَها أُدْمَها حَتّى عَصَرَتْها. ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ وغَيْرِهِ. وقِيلَ لَكم ﴿كُلُوا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّهُ أكْثَرُ مِن كِفايَتِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿مِن طَيِّباتِ﴾ جَمْعُ طَيِّبَةٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: والطَّيِّبُ ما خَلَصَ مِن مُنازِعٍ يُشارِكُ فِيهِ وطَيَّبَهُ مِن سِوى الأكْلِ لَهُ أيْ لَمْ يُنازِعْهُ ولَيْسَ فِيهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ، ومِنهُ الطَّيِّبُ في المَذاقِ وهو الَّذِي لا يُنازِعُهُ تَكَرُّهٌ في طَعْمِهِ، وهَذا زادَ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمَلِ حَرْثٍ (p-٣٨٩)ولا مُعامَلَةٍ مَعَ خَلْقٍ. انْتَهى.

﴿ما رَزَقْناكُمْ﴾ أيْ عَلى عَظَمَتِنا الَّتِي لا تُضاهى.

ولَمّا لَمْ يَرْعَوْا هَذِهِ النِّعَمَ أعْرَضَ عَنْهم لِلْإيذانِ بِاسْتِحْقاقِ الغَضَبِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: ثُمَّ أعْرَضَ بِالخِطابِ عَنْهم وأقْبَلَ بِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ ومَن مَعَهُ. انْتَهى. فَقالَ ”وما“ أيْ فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا هَذِهِ النِّعَمَ كُلَّها وما ﴿ظَلَمُونا﴾ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿يَظْلِمُونَ﴾ لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَيْهِمْ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ إشْعارٌ بِتَحْذِيرِ هَؤُلاءِ أنْ يَرَوْا نَحْوًا مِمّا (p-٣٩٠)رَأوْا فَيَنالُهم نَحْوٌ مِمّا نالُوهُ، لِأنَّ قِصَصَ القُرْآنِ لَيْسَ مَقْصُودُهُ مَقْصُورًا عَلى ذِكْرِ الأوَّلِينَ فَقَطْ، بَلْ كُلُّ قِصَّةٍ مِنهُ إنَّما ذُكِرَتْ لِما يَلْحَقُ هَذِهِ الأمَةَ في أمَدِ يَوْمِها مِن شِبْهِ أحْوالِ مَن قُصَّ عَلَيْهِمْ قِصَصُهُ. انْتَهى.

2:58Page 9

وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨

And [recall] when We said, "Enter this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will in [ease and] abundance, and enter the gate bowing humbly1 and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins].' We will [then] forgive your sins for you, and We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن ظَلِّ الغَمامِ ولُزُومِ طَعامٍ واحِدٍ غَيْرَ مَأْلُوفٍ (p-٣٩١)لَهم مَعَ كَوْنِهِ نِعْمَةً دُنْيَوِيَّةً وكانَ المَأْلُوفُ أحَبَّ إلى النُّفُوسِ تَلاهُ بِالتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةٍ مَأْلُوفَةٍ مِنَ الِاسْتِظْلالِ بِالأبْنِيَةِ والأكْلِ مِمّا يُشْتَهى مَقْرُونَةً بِنِعْمَةٍ دِينِيَّةٍ. وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى عَظِيمَ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ في حالِ اسْتِحْقاقِ عُقُوبَتِهِمْ في تَظْلِيلِ الغَمامِ وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى وهو مُبْتَدَأُ أمْرِ تِيهِهِمْ حِينَ أبَوْا أنْ يُقاتِلُوا الجَبّارِينَ نَظَمَ بِهِ آخِرَ أمْرِ تِيهِهِمْ بَعْدَ وفاةِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ حِينَ دُخُولِهِمْ مَعَ يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما أُمِرُوا بِهِ مِن دُخُولِ البَلَدِ المُقَدَّسِ مُتَذَلِّلِينَ بِالسُّجُودِ الَّذِي هو أخَصُّ رُتَبِ العِبادَةِ وكَمالُ عَمَلِ العامِلِ ودُنُوٌّ مِنَ الحَقِّ. انْتَهى. فَقالَ تَعالى ﴿وإذْ قُلْنا﴾ أيْ لَكم ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ النَّصْرِ. قالَ الحَرالِّيُّ: الدُّخُولُ الوُلُوجُ في الشَّيْءِ بِالكُلِّيَّةِ حِسًّا بِالجِسْمِ ومَعْنًى بِالنَّظَرِ والرَّأْيِ، والقَرْيَةُ مِنَ القُرى وهو الجَمْعُ لِلْمَصالِحِ الَّتِي بِها يَحْصُلُ قِوامُ الدُّنْيا لِقُرى أهْلِ الدُّنْيا والَّتِي تَجْمَعُ مَصالِحَ أهْلِ الآخِرَةِ، لِقُرى أهْلِ الآخِرَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى» بِاسْتِيطانِها كَأنَّها تَسْتَقْرِي القُرى تَجْمَعُها (p-٣٩٢)إلَيْها، وقَدْ تَناوَبَتِ الياءُ والهَمْزَةُ والواوُ مَعَ القافِ والرّاءِ عَلى عامِّ هَذا المَعْنى. انْتَهى. وناسَبَ سِياقُ النِّعَمِ الدَّلالَةَ عَلى تَعْقِيبِ نِعْمَةِ الدُّخُولِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ وأتَمَّ النِّعْمَةَ بِقَوْلِهِ ﴿رَغَدًا﴾ مُوَسَّعًا عَلَيْكم طَيِّبًا. قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ أيْ هَذا الخِطابِ تَثْنِيَةٌ في ذِكْرِ الأرْضِ لِما تَقَدَّمَ مِن نَحْوِهِ لِآدَمَ في السَّماءِ، فَكانَ تَبْدِيلُهم لِذَلِكَ عَنْ فِسْقٍ لا عَنْ نِسْيانٍ كَما كانَ أمْرُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَأنَّهُمُ اقْتُطِعُوا عَنْ سُنَّتِهِ إلى حالِ الشَّيْطانِ الَّذِي كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، فَتَحَقَّقَ ظُلْمُهم حِينَ لَمْ يُشْبِهُوا آباءَهم وأشْبَهُوا عَدُوَّ أبِيهِمْ. انْتَهى. وأمَرَهم بِالشُّكْرِ عَلى نِعَمِ النَّصْرِ والإيواءِ وإدْرارِ الرِّزْقِ بِأمْرٍ يَسِيرٍ (p-٣٩٣)مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ، وقَدَّمَ الدُّخُولَ السّارَّ لِلنُّفُوسِ والسُّجُودَ الَّذِي هو أقْرَبُ مُقَرِّبٍ لِلْحَضْرَةِ الشَّرِيفَةِ لِأنَّهُ في سِياقِ عَدِّ النِّعَمِ عَلى القَوْلِ المُشْعِرِ بِالذَّنْبِ فَقالَ ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ وهو كَما قالَ الحَرالِّيُّ أوَّلُ مُسْتَفْتَحِ الأشْياءِ (p-٣٩٤)والأُمُورِ المُسْتَغْلِقَةِ حِسًّا أوْ مَعْنى حالِ كَوْنِكم ﴿سُجَّدًا وقُولُوا﴾ جامِعِينَ إلى نَدَمِ القَلْبِ وخُضُوعِ الجَوارِحِ الِاسْتِغْفارَ بِاللِّسانِ، ولَمّا كانَ القَوْلُ تُحْكى بِهِ الجُمَلُ فَتَكُونُ مَفْعُولًا بِها ويَعْمَلُ في المُفْرَدِ إذا كانَ مَصْدَرًا أوْ صِفَةً لِمَصْدَرٍ كَقُلْتُ حَقًّا أوْ مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ جُمْلَةٍ كَقُلْتُ شِعْرًا وما كانَ عَلى غَيْرِ هَذا كانَ إسْنادًا لَفْظِيًّا لا فائِدَةَ [ فِيهِ ] غَيْرَ مُجَرَّدِ الِامْتِثالِ رَفَعَ قَوْلَهُ ﴿حِطَّةٌ﴾ أيْ عَظِيمَةٌ لِذُنُوبِنا.

قالَ الكَشّافُ: والأصْلُ النَّصْبُ أيْ حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا إلّا أنَّهُ رَفَعَ لِيُعْطِيَ مَعْنى الثَّباتِ. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الحَطِّ وهو (p-٣٩٥)وضْعُ الحِمْلِ الثَّقِيلِ بِمُنَّةٍ وجِمامِ قُوَّةٍ يَكُونُ في الجِسْمِ، والمَعْنى أُمِرُوا بِقَوْلِ ما يَحُطُّ عَنْهم ذُنُوبَهُمُ الَّتِي عَوَّقَتْهم مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ مَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ بِشِعْبٍ مِنَ الشِّعابِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ - يَعْنِي في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ - فَقالَ: قُولُوا: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ - وعِنْدَ ذَلِكَ دُخُولُ الشِّعْبِ الَّذِي هو بابُ المَدْخَلِ مِن نَجْدِ الأرْضِ إلى سَهْلِها - فَقالُوها، فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! إنَّها لَلْحِطَّةُ الَّتِي عُرِضَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَقُولُوها فَبَدَّلُوها» . انْتَهى. وعَبَّرَ بِنُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ وإنْ عَظُمَ كاتِّخاذِ العِجْلِ إذا جُبَّ بِالتَّوْبَةِ، وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتَّحْتانِيَّةِ والفَوْقانِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِ الذُّنُوبِ إذا أرادَ غُفْرانَها بِحَيْثُ إنَّهُ بِأدْنى أمْرٍ وأدَقِّ إشارَةٍ بِمَحْوِها وهي أقَلُّ مِن أنْ يُباشِرَها بِنَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ، كُلُّ ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ إلى التَّوْبَةِ. والغَفْرُ (p-٣٩٦)قالَ الحَرالِّيُّ: سَتْرُ الذَّنْبِ أنْ يَظْهَرَ مِنهُ أثَرٌ عَلى المُذْنِبِ لا عُقُوبَةَ ولا ذِكْرَ، ثُمَّ قالَ: فَفي قِراءَةِ ”نَغْفِر“ تَوَلٍّ مِنَ الحَقِّ ومَن هو مِن حِزْبِهِ مِنَ المَلائِكَةِ والرُّسُلِ، وفي قِراءَةِ: ”تُغْفَرْ“ إبْلاغُ أمْرِ خِطابِهِمْ بِما يُفْهِمُهُ التَّأْنِيثُ مِن نُزُولِ القَدْرِ، وفي قِراءَةِ الياءِ تَوَسُّطٌ بَيْنَ طَرَفَيْ ما يُفْهِمُهُ عُلُوُّ قِراءَةِ النُّونِ ونُزُولُ قِراءَةِ التّاءِ، فَفي ذَلِكَ بِجُمْلَتِهِ إشْعارٌ بِأنَّ خَطاياهم كانَتْ في كُلِّ رُتْبَةٍ مِمّا يَرْجِعُ إلى عِبادَةِ رَبِّهِمْ وأحْوالِ أنْفُسِهِمْ ومُعامَلَتِهِمْ مَعَ غَيْرِهِمْ مِن أنْبِيائِهِمْ وأمْثالِهِمْ حَتّى جَمَعَتْ خَطاياهم جَمِيعَ جِهاتِ الخَطايا الثَّلاثِ، فَكَأنَّهم ثَلاثَةُ أصْنافٍ: صِنْفٌ بَدَّلُوا، وصِنْفٌ اقْتَصَدُوا، وصِنْفٌ أحْسَنُوا فَيَزِيدُهُمُ اللَّهُ ما لا يَسَعُهُ القَوْلُ و﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] انْتَهى. ولَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِتَعْدادِ النِّعَمِ حَسُنَ أنْ يُعَبِّرَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ بِجَمْعِ الكَثْرَةِ فَقالَ ﴿خَطاياكُمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم أصَرُّوا عَلَيْها (p-٣٩٧)بِحَيْثُ كادُوا أنْ يَجْعَلُوا بِإزاءِ كُلِّ نِعْمَةٍ ذَنْبًا، والخَطايا جَمْعُ خَطِيئَةٍ مِنَ الخَطَأِ وهو الزَّلَلُ عَنِ الحَدِّ عَنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ بَلْ مَعَ عَزْمِ الإصابَةِ أوْ ودِّ أنْ لا يُخْطِئَ، هَكَذا قالَ الحَرالِّيُّ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هُنا ما كانَ عَنْ عَمْدٍ كائِنًا ما كانَ، لِأنَّ ذَلِكَ أوْلى بِسِياقِ الِامْتِنانِ والعُقُوبَةِ بِالعِصْيانِ. قالَ في ”القامُوسِ“: والخَطِيئَةُ الذَّنْبُ أوْ ما تُعُمِّدَ مِنهُ والخَطَأُ ما لَمْ يُتَعَمَّدْ، جَمْعُهُ خَطايا، وقُرِئَ شاذًّا: ”خَطِيئاتِكم“ بِالجَمْعِ السّالِمِ الدّالِّ عَلى القِلَّةِ إشارَةً إلى أنَّها وإنْ تَكاثَرَتْ فَهي في جَنْبِ عَفْوِهِ قَلِيلٌ، وهَذا بِخِلافِ الأعْرافِ فَإنَّ السِّياقَ هُناكَ لِبَيانِ إسْراعِهِمْ في الكُفْرِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وناسَبَ عَدُّ النِّعَمِ العَطْفَ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنها بِقَوْلِهِ: ﴿وسَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ بَعْدَ غُفْرانِ ذُنُوبِهِمْ. قالَ الحَرالِّيُّ: جَمْعُ مُحْسِنٍ مِنَ الإحْسانِ (p-٣٩٨)وهُوَ البُلُوغُ إلى الغايَةِ في حُسْنِ العَمَلِ، فَيَكُونُ مَعَ الخَلْقِ رُؤْيَةَ المَرْءِ نَفْسَهُ في غَيْرِهِ فَيُوصِلُ لَهُ مِنَ البِرِّ ما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ مَعَهُ، ورُؤْيَةَ العَبْدِ رَبَّهُ في عِبادَتِهِ، فالإحْسانُ فِيما بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ أنْ يَغِيبَ عَنْ نَفْسِهِ ويَرى رَبَّهُ، والإحْسانُ فِيما بَيْنَ العَبْدِ وغَيْرِهِ أنْ يَغِيبَ عَنْ غَيْرِهِ ويَرى نَفْسَهُ، فَمَن رَأى نَفْسَهُ في حاجَةِ الغَيْرِ ولَمْ يَرَ نَفْسَهُ في عِبادَةِ الرَّبِّ فَهو مُحْسِنٌ، وذَلِكَ بُلُوغٌ في الطَّرَفَيْنِ إلى غايَةِ الحُسْنِ في العَمَلِ بِمَنزِلَةِ الحُسْنِ في الصُّورَةِ. انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском