Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:59–60

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:59–60

2:59Page 9

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٥٩

But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment [i.e., plague] from the sky because they were defiantly disobeying.

ولَمّا كانَ هَذا التَّصْرِيحُ بِالتَّرْغِيبِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّلْوِيحِ بِالتَّرْهِيبِ مُقْتَضِيًا لِلْعاقِلِ المُبادَرَةَ إلى الطّاعَةِ بَيَّنَ أنَّهُ تَسَبَّبَ عَنْهُ أنَّ بَعْضَهم عَصَوْا وكَفَرُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى تَرْكِ هَذا الأمْرِ بَلْ بَدَّلُوهُ بِدُخُولِهِمْ كَما في الحَدِيثِ: ”يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ قائِلِينَ: حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ“ أيْ جِنْسُ الحَبِّ في جِنْسِ الشَّعْرَةِ أيْ في الغَرائِرِ مَطْلُوبُنا لا الحِطَّةُ وهي غُفْرانُ (p-٣٩٩)الذُّنُوبِ. قالَ الحَرالِّيُّ: أُمِرُوا بِالإخْلاصِ لِلَّهِ نَظَرًا إلى حَياةِ قُلُوبِهِمْ فَطَلَبُوا الحِنْطَةَ نَظَرًا إلى حَياةِ جُسُومِهِمْ فَقالَ تَعالى ﴿فَبَدَّلَ﴾ مِنَ التَّبْدِيلِ وهو تَعْوِيضُ شَيْءٍ مَكانَ شَيْءٍ. انْتَهى.

﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وأسْقَطَ: ”مِنهم“؛ لِما يَأْتِي في الأعْرافِ ﴿قَوْلا﴾ أيْ مَكانَ القَوْلِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ.

ولَمّا كانَ التَّبْدِيلُ وإنْ كانَ يُفْهِمُ التَّغْيِيرَ لَكِنَّهُ يَصْدُقُ بِأدْنى تَغْيِيرٍ ولَوْ أنَّهُ في اللَّفْظِ وإنِ اتَّحَدَ المَعْنى بَيَّنَ أنَّهُ مُضادٌّ لَهُ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ اجْتِماعُهُما بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ فَإنَّ غَيْرًا كَما قالَ الحَرالِّيُّ (p-٤٠٠)كَلِمَةٌ تُفْهِمُ انْتِفاءَ وإثْباتَ ضِدِّ ما انْتَفى، وقالَ: ذَكَرَ تَعالى عُدُولَهم عَنْ كُلِّ ذَلِكَ واشْتِغالَهم بِبُطُونِهِمْ وعاجِلِ دُنْياهم فَطَلَبُوا طَعامَ بُطُونِهِمُ الَّتِي قَدْ فَرَغَ مِنها التَّقْدِيرُ وأظْهَرَ لَهم الغَناءَ عَنْها في حالِ التِّيهِ بِإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى إظْهارًا لِبَلادَةِ طِباعِهِمْ وغَلَبَةِ حُبِّ العاجِلَةِ عَلَيْهِمْ فَبَدَّلُوا كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وهي الحِطَّةُ بِطَلَبِ الحِنْطَةِ ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] (p-٤٠١)﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] ”مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ“ . انْتَهى. وبَيَّنَ أنَّهُ خَصَّ المُبَدِّلِينَ بِالعِتابِ نِعْمَةً مِنهُ مَعَ أنَّ لَهُ أنْ يَعُمَّ فَقالَ ﴿فَأنْـزَلْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ خاصَّةً ﴿رِجْزًا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هو أشَدُّ العَذابِ، وما جَرَّهُ أيْضًا يُسَمّى رِجْزًا مِمّا يَجِبُ (p-٤٠٢)أنْ يَزْجُرَ عَنْهُ والزَّجْرُ كَفُّ البَهائِمِ عَنْ عَدْواها. انْتَهى. ولَمّا كانَ الإنْزالُ مُفْهِمًا لِلسَّماءِ حَقَّقَهُ تَعْظِيمًا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ بِما﴾ أيْ بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الخُرُوجَ مِنَ الطّاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ في كُلِّ وقْتٍ. فَفي إفْهامِهِ أنَّهم يَعُودُونَ إلى الطّاعَةِ بَعْدَ الخُرُوجِ مِنها وذَلِكَ مُقْتَضٍ لِأنْ يَكُونَ يَظْلِمُونَ أشَدَّ مِنهُ كَما يَأْتِي. قالَ الحَرالِّيُّ: فَبِحَقٍّ يَجِبُ عَلى مَن دَخَلَ مِن بابِ جَبَلٍ أوْ قَرْيَةٍ أنْ يَقُولَ في وصِيدِها: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لِيُحَطَّ عَنْهُ ماضِي ذُنُوبِهِ، فَكَأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ في بابِ المَدِينَةِ والشِّعْبِ ذَكاةٌ لِذَلِكَ المَدْخَلِ، فَمَن لَمْ يَدْخُلْهُ مُذَكِّيًا دَخَلَهُ فاسِقًا ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فَلِذَلِكَ ما انْخَتَمَ ذِكْرُهم في الآيَةِ بِالفِسْقِ. انْتَهى.

2:60Page 9

۞ وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٦٠

And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people [i.e., tribe] knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allāh, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

(p-٤٠٣)ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِالإمْكانِ مِنَ القَرْيَةِ بِالنَّصْرِ عَلى أهْلِها والتَّمَتُّعِ بِمَنافِعِها وخَتَمَهُ بِتَعْذِيبِهِمْ بِما يُمِيتُ أوْ يُحْرِقُ وتَبَيَّنَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّ قُلُوبَهم أشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ كَما سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى في قِصَّةِ البَقَرَةِ وأنَّها لا مَنفَعَةَ فِيها أتْبَعَهُ التَّذْكِيرَ بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ في البَرِيَّةِ بِما يُبَرِّدُ الأكْبادَ ويُحْيِي الأجْسادَ فَذَكَرَ انْفِجارَ الماءِ مِنَ الحَجْرِ الَّذِي عَمَّهم نَفْعُهُ وأنْقَذَهم مِنَ المَوْتِ نَبْعُهُ ودَلَّهم عَلى التَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ أصْلُهُ وفَرْعُهُ بِقُدْرَةِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ جَمْعًا لَهم بِذَلِكَ بَيْنَ نِعْمَتَيِ الدِّينِ والدُّنْيا فَقالَ تَعالى ﴿وإذِ اسْتَسْقى﴾ أيْ طَلَبَ السُّقْيا. قالَ الحَرالِّيُّ: والسُّقْيا فُعْلى صِيغَةُ مُبالَغَةٍ فِيما يَحْصُلُ بِهِ الرَّيُّ مِنَ السَّقْيِ والسَّقْيُ إحْياءُ مَواتٍ (p-٤٠٤)شَأْنُهُ أنْ يَطْلُبَ الإحْياءَ حالًا أوْ مَقالًا؛ قالَ ﷺ: «اللَّهُمَّ اسْقِ عِبادَكَ ! ثُمَّ قالَ: وأحْيِ بَلَدَكَ المَيِّتَ» انْتَهى.

﴿مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ أيْ لَمّا خافُوا المَوْتَ مِنَ العَطَشِ ﴿فَقُلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ حِينَ خَفِيَتْ عَنْهم ﴿اضْرِبْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الضَّرْبِ وهو وقْعُ الشَّيْءِ عَلى الشَّيْءِ بِقُوَّةٍ ﴿بِعَصاكَ﴾ والعَصا كَأنَّها ما يُكَفُّ بِهِ العاصِي، وهو مِن ذَواتِ الواوِ، والواوُ فِيهِ إشْعارٌ بِعُلُوٍّ كَأنَّها آلَةٌ تَعْلُو مَن قارَفَ ما تُشْعِرُ فِيهِ الياءُ بِنُزُولِ عَمَلِهِ بِالمَعْصِيَةِ، كَأنَّ العَصْوَ أدَبُ العِصِيِّ، يُقالُ عَصا يَعْصُو أيْ ضَرَبَ بِالعَصا اشْتِقاقٌ ثانٍ، وعَصى يَعْصِي إذا خالَفَ الأمْرَ. انْتَهى.

﴿الحَجَرَ﴾ أيْ جِنْسَهُ فَضَرَبَ حَجَرًا ﴿فانْفَجَرَتْ﴾ وما أنْسَبَ ذِكْرَ الِانْفِجارِ هُنا بَعْدَ خَتْمِ ما قَبْلُ بِالفِسْقِ لِاجْتِماعِهِما في الخُرُوجِ عَنْ مُحِيطِ، (p-٤٠٥)هَذا خُرُوجٌ يُحْيِي وذاكَ خُرُوجٌ يُمِيتُ. قالَ الحَرالِّيُّ: الِانْفِجارُ انْبِعاثُ وحْيٍّ مِن شَيْءٍ مُوَعّى أوْ كَأنَّهُ مُوَعًّى انْشَقَّ وانْفَلَقَ عَنْهُ وِعاؤُهُ ومِنهُ الفَجْرُ وانْشِقاقُ اللَّيْلِ عَنْهُ. انْتَهى. ولِأنَّ هَذا سِياقُ الِامْتِنانِ عَبَّرَ بِالِانْفِجارِ الَّذِي يَدُورُ مَعْناهُ عَلى انْشِقاقٍ فِيهِ سَيَلانٌ وانْبِعاثٌ مَعَ انْتِشارٍ واتِّساعٍ وكَثْرَةٍ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ ﴿مِنهُ﴾ أيِ الحَجَرِ الَّذِي ضَرَبَهُ ﴿اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ، والعَيْنُ قالَ الحَرالِّيُّ هو بادٍ نامٍ قَيِّمٌ يَبْدُو بِهِ غَيْرُهُ، (p-٤٠٦)فَما أجْزَأ مِنَ الماءِ في رَيٍّ أوْ زَرْعٍ فَهو عَيْنٌ، وما مَطَرَ مِنَ السَّماءِ فَأغْنى فَهو عَيْنٌ، يُقالُ إنَّ العَيْنَ مَطَرُ أيّامٍ لا يُقْلَعُ وإنَّما هو مَطَرٌ يُغْنِي ويَنْجَعُ، وما تَبْدُو بِهِ المَوْزُوناتُ عَيْنٌ، وما تَبْدُو بِهِ المَرْئِيّاتُ مِنَ الشَّمْسِ عَيْنٌ، وما تُنالُ بِهِ الأعْيانُ مِنَ الحَواسِّ عَيْنٌ، والرَّكِيَّةُ وهي بِئْرُ السُّقْيا عَيْنٌ، وهي الَّتِي يُصَحِّفُها بَعْضُهم فَيَقُولُ: الرُّكْبَةُ - بِالباءِ يَعْنِي المُوَحَّدَةَ - وإنَّما هي الرَّكِيَّةُ - بِالياءِ المُشَدَّدَةِ - كَذا قالَ، وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ عَيْنَ الرُّكْبَةِ؛ وعَدَّ في القامُوسِ المَعانِيَ الَّتِي لِهَذا اللَّفْظِ نَحْوَ أرْبَعِينَ، مِنها نَقْرَةُ الرُّكْبَةِ (p-٤٠٧)أيْ بِالمُوَحَّدَةِ، ومِنها مُفَجَّرُ ماءِ الرَّكِيَّةِ بِالتَّحْتانِيَّةِ مُشَدَّدَةً.

ولَمّا تَوَقَّعَ السّامِعُ إخْبارَ المُتَكَلِّمِ هَلْ كانَتِ الأعْيُنُ مُوَزَّعَةً بَيْنَهم مَعْرُوفَةً أوْ مُلْبِسَةً قالَ ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ أيْ مِنهم. قالَ الحَرالِّيُّ: وهو اسْمُ جَمْعٍ مِنَ الأُنْسِ بِالضَّمِّ - كالنّاسِ اسْمُ جَمْعٍ مِنَ النَّوْسِ، قالَ: فَلَمْ يُسَمِّهِمْ بِاسْمٍ مِن أسْماءِ الدِّينِ لِأنَّ الأسْماءَ تَجْرِي عَلى حَسَبِ الغالِبِ عَلى المُسَمِّينَ بِها مِن أحْوالِ تَدَيُّنٍ أوْ حالِ طَبْعٍ أوْ تَطَبُّعٍ ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ مُكْتَفاهم مِنَ الشُّرْبِ المُرَدَّدِ مَعَ الأيّامِ ومَعَ الحاجاتِ في كُلِّ وقْتٍ بِما يُفْهِمُهُ المُفْعِلُ اسْمُ مَصْدَرٍ ثانٍ مُشْتَقٌّ مِن مُطْلَقِ الشُّرْبِ أوْ اسْمُ مَحَلٍّ يَلْزَمُهُ (p-٤٠٨)التَّكْرارُ عَلَيْهِ والتَّرَدُّدُ، فَجَعَلَ سُبْحانَهُ سُقْياهم آيَةً مِن آياتِهِ في عَصاهُ، كَما كانَتْ آيَتُهُ في عَصاهُ عَلى عَدُوِّهِ الكافِرِ، فَكانَ فِيها نِقْمَةٌ ورَحْمَةٌ؛ وظَهَرَ بِذَلِكَ كَمالُ تَمْلِيكِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ كانَ يَنْبَعُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ الماءُ غَنِيًّا في نُبُوعِهِ عَنْ آلَةِ ضَرْبٍ أوْ حَجَرٍ، وتَمْلِيكُ الماءِ مِن أعْظَمِ التَّمْكِينِ، لِأنَّهُ تَمْكِينٌ فِيما هو بَزَرُ كُلِّ شَيْءٍ ومِنهُ كُلُّ حَيٍّ وفِيهِ كُلُّ مَجْعُولٍ ومُصَوَّرٍ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الخارِقَةَ دُونَ ما نَبَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ، ودُونَ ما نَبَعَ بِوَضْعِ أصْحابِهِ سَهْمًا مِن سِهامِهِ في بِئْرِ الحُدَيْبِيَةِ وقَدْ كانَتْ لا ماءَ فِيها، ونَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلِامْتِنانِ وكانَ الإيجادُ لا تَسْتَلْزِمُ التَّحْلِيلَ لِلتَّناوُلِ قالَ زِيادَةً عَلى ما في الأعْرافِ مُمْتَنًّا عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ الإحْلالِ بَعْدَ الإيجادِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ تَقْدِيرُهُ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ﴾ (p-٤٠٩)أيِ الَّذِي رَزَقَكُمُوهُ مَن لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ مِن غَيْرِ كَدٍّ ولا نَصَبٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا لَمْ يَكُنْ في مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ جَرْيٌ لِعادَةِ حِكْمَتِهِ في الأرْضِ فَكانَ مِن غَيْبٍ فَأُضِيفَ ذِكْرُهُ لِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي هو غَيْبٌ ﴿ولا (p-٤١٠)تَعْثَوْا﴾ مِنَ العَثْوِ وهو أشَدُّ الفَسادِ وكَذَلِكَ العَثْيُ إلّا أنَّهُ يُشْعِرُ هَذا التَّقابُلُ بَيْنَ الواوِ والياءِ أنَّ العَثْوَ إفْسادُ أهِلِ القُوى بِالسَّطْوَةِ، والعَثْيَ إفْسادُ أهْلِ المَكْرِ بِالحِيلَةِ. انْتَهى.

﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ عامَّةً، لِأنَّ مَن أفْسَدَ في شَيْءٍ مِنها بِالفِعْلِ فَقَدْ أفْسَدَ فِيها كُلِّها بِالقُوَّةِ. وإتْباعُ ما مَعْناهُ الفَسادُ قَوْلَهُ﴿مُفْسِدِينَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَعْنى ولا تُسْرِعُوا إلى فِعْلِ ما يَكُونُ فَسادًا قاصِدِينَ بِهِ الفَسادَ، فَإنَّ العَثْيَ والعَيْثَ الإسْراعُ في الفَسادِ، لَكِنْ قَدْ يُقْصَدُ بِصُورَةِ الفَسادِ الخَيْرُ فَيَكُونُ صَلاحًا في المَعْنى، كَما فَعَلَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّفِينَةِ والغُلامِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالإسْراعِ التَّقْيِيدَ بَلْ الإشارَةُ إلى أنَّهُ لِمُلاءَمَتِهِ لِلْهَوى لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ، سَيَأْتِي لَهُ في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مَزِيدُ بَيانٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ إشْعارٌ (p-٤١١)بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم، لِأنَّ في كُلِّ نَهْيٍ إشْعارًا بِمُخالَفَتِهِ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ، وفي كُلِّ أمْرٍ إشْعارًا بِمُوافَقَتِهِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ، لِأنَّ ما جُبِلَ عَلَيْهِ المَرْءُ لا يُؤْمَرُ بِهِ لِاكْتِفاءِ إجْبارِهِ فِيهِ طَبْعًا عَنْ أمْرِهِ، وما مُنِعَ مِنهُ لا يُنْهى عَنْهُ لِاكْتِفاءِ إجْبارِهِ عَنْ أمْرِهِ، وإنَّما مَجْرى الأمْرِ والنَّهْيِ تَوْطِئَةٌ لِإظْهارِ الكِيانِ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مُطِيعٍ وعاصٍ، فَكانَ مِنهم لِذَلِكَ مِنَ العَثْيِ ما أوْجَبَ ما أخْبَرَ بِهِ الحَقُّ عَنْهم مِنَ الهَوانِ، وأشَدُّ الإفْسادِ إفْسادُ بُنْيانِ الحَقِّ الَّذِي خَلَقَهُ بِيَدِهِ وهي مَبانِي أجْسادِ بَنِي آدَمَ فَكَيْفَ بِالمُؤْمِنِينَ مِنهم (p-٤١٢)فَكَيْفَ بِالأنْبِياءِ مِنهم. انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском