Al-Biqa'iAl‑Baqarah · 2:71–80

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:71–80

2:71Page 11

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ ٧١

He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.'" They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.

﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها﴾ أيْ هَذِهِ البَقَرَةُ الَّتِي أطَلْتُمُ التَّعَنُّتَ في أمْرِها ﴿بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ مِنَ الذُّلِّ وهو حُسْنُ الِانْقِيادِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ ثُمَّ وصَفَ الذَّلُولَ بِقَوْلِهِ ﴿تُثِيرُ الأرْضَ﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ مِنها إثارَتُها بِالحَرْثِ كُلَّ وقْتٍ مِنَ الإثارَةِ قالَ الحَرالِّيُّ: وهي إظْهارُ الشَّيْءِ مِنَ الثَّرى، كَأنَّها تُخْرِجُ الثَّرى مِن مُحْتَوى اليُبْسِ؛ ولَمّا كانَ الذُّلُّ وصْفًا لازِمًا عَبَّرَ في وصْفِها بِانْتِفائِهِ بِالِاسْمِ المُبالَغِ فِيهِ، أيْ لَيْسَ الذُّلُّ وصْفًا لازِمًا لَها لا أنَّها بِحَيْثُ لا يُوجَدُ مِنها ذُلٌّ أصْلًا، فَإنَّها لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ كانَتْ وحْشِيَّةً لا يُقْدَرُ عَلَيْها أصْلًا.

(p-٤٧١)ولَمّا كانَ لا يَتِمُّ وصْفُها بِانْتِفاءِ الذُّلِّ إلّا بِنَفْيِ السَّقْيِ عَنْها وكانَ أمْرًا يَتَجَدَّدُ لَيْسَ هو صِفَةً لازِمَةً كالذُّلِّ عَبَّرَ فِيهِ بِالفِعْلِ وأصْحَبَهُ لا عَطْفًا عَلى الوَصْفِ لا عَلى تُثِيرُ لِئَلّا يَفْسُدَ المَعْنى فَقالَ واصِفًا لِلْبَقَرَةِ ﴿ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ مِنها سَقْيُهُ بِالسّانِيَةِ كُلَّ وقْتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إثْباتُ ”لا“ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى حَذْفِها قَبْلَ ”تُثِيرُ“، فَيَكُونُ الفِعْلانِ المَنفِيّانِ تَفْسِيرًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ لِلذَّلُولِ، وحَذَفَ ”لا“ قَبْلَ ”تُثِيرُ“ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ مَعَها وصْفٌ لِذَلُولٍ فَيَفْسَدَ المَعْنى، والمُرادُ أنَّها لَمْ تُذَلَّلْ بِحَرْثٍ ولا سَقْيٍ ومَعْلُومٌ مِنَ القُدْرَةِ عَلى ابْتِياعِها وتَسَلُّمِها لِلذَّبْحِ أنَّها لَيْسَتْ في غايَةِ الإباءِ كَما آذَنَ بِهِ الوَصْفُ بِذَلُولٍ، كُلُّ ذَلِكَ لِما في التَّوَسُّطِ مِنَ الجَمْعِ لِأشْتاتِ الخَيْرِ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ أيْ مِنَ العُيُوبِ ﴿لا شِيَةَ﴾ أيْ عَلامَةَ (p-٤٧٢)﴿فِيها﴾ تَخالِفُ لَوْنَها بَلْ هي صَفْراءُ كُلُّها حَتّى قَرْنُها وظِلْفُها ﴿قالُوا الآنَ﴾ أيْ في هَذا الحَدِّ مِنَ الزَّمانِ الكائِنِ الفاصِلِ بَيْنَ الماضِي والآتِي ﴿جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ أيِ الأمْرِ الثّابِتِ المُسْتَقِرِّ البَيِّنِ مِن بَيانِ وصْفِ البَقَرَةِ فَحَصَّلُوها ﴿فَذَبَحُوها﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَمّا تَقَدَّمَ كُلُّهُ أنَّهم ذَبَحُوها ﴿وما كادُوا﴾ أيْ قارَبُوا قَبْلَ هَذِهِ المُراجَعَةِ الأخِيرَةِ ﴿يَفْعَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً ما لَأجْزَأتْهم لَكِنَّهم شَدَّدُوا في السُّؤالِ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ - يَعْنِي أنَّهم كُلِّفُوا بِالأسْهَلِ فَشَدَّدُوا فَنُسِخَ بِالأشَقِّ، وهو دَلِيلُ جَوازِ النَّسْخِ قَبْلَ الفِعْلِ، أوْ يُقالُ إنَّهُ لَمّا كانَ السَّبْتُ إنَّما وجَبَ عَلَيْهِمْ (p-٤٧٣)وابْتُلُوا بِالتَّشْدِيدِ فِيهِ بِاقْتِراحِهِمْ لَهُ وسُؤالِهِمْ إيّاهُ بَعْدَ إبائِهِمْ لِلْجُمْعَةِ كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى

﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] كانَ أنْسَبُ الأشْياءِ تَعْقِيبَهُ بِقِصَّةِ البَقَرَةِ الَّتِي ما شَدَّدَ عَلَيْهِمْ في أمْرِها إلّا لِتَعَنُّتِهِمْ فِيهِ وإبائِهِمْ لِذَبْحِ أيِّ بَقَرَةٍ تَيَسَّرَتْ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ لَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ ما اسْتَخَفُّوا بِهِ السَّبْتَ المُسارَعَةُ إلى إزْهاقِ ما لا يُحْصى مِنَ الأرْواحِ المَمْنُوعِينَ مِنها مِنَ الحِيتانِ وكانَ في قِصَّةِ البَقَرَةِ التَّعَنُّتُ والتَّباطُؤُ عَنْ إزْهاقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ أُمِرُوا بِها تَلاهُ بِها، ومِن أحاسِنِ المُناسَباتِ أنَّ في كُلٍّ مِن آيَتَيِ القِرْدَةِ والبَقَرَةِ تَبْدِيلُ حالِ الإنْسانِ بِمُخالَطَةِ لَحْمِ بَعْضِ الحَيَواناتِ العُجْمِ، فَفي الأُولى إخْراسُهُ بَعْدَ نُطْقِهِ بِلَحْمِ السَّمَكِ، وفي الثّانِيَةِ إنْطاقُهُ بَعْدَ خَرْسِهِ بِالمَوْتِ بِلَحْمِ البَقَرِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ لَحْمِ البَقَرِ بِهَذا الأمْرِ لِإيقاظِهِمْ مِن رَقْدَتِهِمْ وتَنْبِيهِهِمْ مِن غَفْلَتِهِمْ عَنْ عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لِيَنْزِعَ مِن قُلُوبِهِمُ التَّعَجُّبَ مِن خُوارِ العِجْلِ الَّذِي عَبَدُوهُ. وقالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ: وفي ذَلِكَ تَشامٌّ بَيْنَ أحْوالِهِمْ في اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ وفي طَلَبِهِمْ ذَلِكَ، وفي كُلِّ ذَلِكَ مُناسَبَةٌ بَيْنَ طِباعِهِمْ وطِباعِ البَقَرَةِ المَخْلُوقَةِ لِلْكَدِّ وعَمَلِ الأرْضِ الَّتِي مَعَها التَّعَبُ والذُّلُّ والتَّصَرُّفُ فِيما هو مِنَ الدُّنْيا تَوَغُّلًا فِيها وفِيهِ نَسَمَةُ مَطْلَبِهِمْ ما تُنْبِتُ الأرْضُ الَّذِي هو (p-٤٧٤)أثَرُ الحَرْثِ - يَعْنِي الَّذِي أُبْدِلُوا الحِطَّةَ بِهِ وهو حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ، فَكَأنَّهم بِذَلِكَ أرْضِيُّونَ تُرابِيُّونَ لا تَسْمُو طِباعُ أكْثَرِهِمْ إلى الأُمُورِ الرُّوحانِيَّةِ العُلْوِيَّةِ، فَإنَّ جِبِلَّةَ كُلِّ نَفْسٍ تُناسِبُ ما تَنْزِعُ إلَيْهِ وتَلْهَجُ بِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ [الشورى: ١١] - انْتَهى. ولَمّا قُسِّمَتِ القِصَّةُ شَطْرَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى النِّعْمَتَيْنِ: نِعْمَةِ العَفْوِ عَنِ التَّوَقُّفِ عَنِ الأمْرِ ونِعْمَةِ البَيانِ لِلْقاتِلِ بِالأمْرِ الخارِقِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ لَهم بِذَلِكَ تَقْرِيعَيْنِ: أحَدُهُما بِإساءَةِ الأدَبِ في الرَّمْيِ بِالِاسْتِهْزاءِ والتَّوَقُّفِ عَنِ الِامْتِثالِ والثّانِي عَلى قَتْلِ النَّفْسِ وما تَبِعَهُ، ولَوْ رُتِّبَتْ تَرْتِيبَها في الوُجُودِ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ، وقُدِّمَ الشَّطْرُ الأنْسَبُ لِقِصَّةِ السَّبْتِ؛ أتْبَعَهُ الآخَرُ.

(p-٤٧٥)وقالَ الحَرالِّيُّ: قَدَّمَ نَبَأ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ذِكْرِ تَدارُئِهِمْ في القَتِيلِ ابْتِداءً بِأشْرَفِ القَصْدَيْنِ مِن مَعْنى التَّشْرِيعِ الَّذِي هو القائِمُ عَلى أفْعالِ الِاعْتِداءِ وأقْوالِ الخُصُومَةِ. انْتَهى.

2:72Page 11

وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰءۡتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٧٢

And [recall] when you slew a man and disputed1 over it, but Allāh was to bring out that which you were concealing.

فَقالَ تَعالى ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرُوا إذْ، وأسْنَدَ القَتْلَ إلى الكُلِّ والقاتِلُ واحِدٌ لِأنَّ ذَلِكَ عادَةُ العَرَبِ، لِأنَّ عادَةَ القَبِيلَةِ المُدافِعَةِ عَنْ أحَدِهِمْ فَقالَ ﴿قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ تَوْبِيخًا لَهم وإشارَةً إلى أنَّ المَوْجُودِينَ مِنهم راضُونَ بِما مَضى مِن أسْلافِهِمْ وأنَّ مَن ودَّ شَيْئًا كانَ مِن عُمْلَتِهِ.

ولَمّا كانُوا قَدْ أنْكَرُوا القَتْلَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ مُشِيرًا إلى إخْفائِهِ بِالإدْغامِ ﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ أيْ تَدافَعْتُمْ فَكانَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنكم يَرُدُّ القَتْلَ إلى الآخَرِ فَكانَ لَكم بِذَلِكَ ثَلاثَةُ آثامٍ: إثْمُ الكَبِيرَةِ، وإثْمُ الإصْرارِ (p-٤٧٦)وإثْمُ الِافْتِراءِ بِالدَّفْعِ؛ قالَ الكَلْبِيُّ: وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ القَسامَةِ في التَّوْراةِ، كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى ما أذْكُرُهُ عَنْها قَرِيبًا.

ولَمّا كانَ فِعْلُهم في المُدارَةِ فِعْلَ غافِلٍ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِ الخالِقِ سُبْحانَهُ قالَ يَحْكِي حالَهم إذْ ذاكَ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿مُخْرِجٌ﴾ بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وعَظِيمِ شَأْنِهِ ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ وفي تَقْدِيمِهِ أيْضًا زِيادَةُ تَبْكِيتٍ لَهم بِتَوَقُّفِهِمْ في ذَبْحِ بَقَرَةٍ أُمِرُوا بِذَبْحِها لِمَصْلَحَةٍ لَهم عَظِيمَةٍ بَعْدَ مُبادَرَةِ بَعْضِهِمْ إلى قَتْلِ إنْسانٍ مِثْلِهِ بَعْدَ النَّهْيِ الشَّدِيدِ عَنْهُ وقالَ مُنَبِّهًا بِالِالتِفاتِ إلى أُسْلُوبِ العَظَمَةِ عَلى ما في الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ مِنها

2:73Page 11

فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٧٣

So We said, "Strike him [i.e., the slain man] with part of it."1 Thus does Allāh bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.

﴿فَقُلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿اضْرِبُوهُ﴾ (p-٤٧٧)وأضْمَرَ ذِكْرَ البَقَرَةِ ولَمْ يُظْهِرْ دَلالَةً عَلى اتِّحادِ هَذا الشِّقِّ الأوَّلِ مِنَ القِصَّةِ الَّذِي جُعِلَ ثانِيًا بِالشِّقِّ الَّذِي قَبْلَهُ في أنَّهُما قِصَّةٌ واحِدَةٌ فَقالَ ﴿بِبَعْضِها﴾ قالَ الإمامُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في كِتابِ الحُجَّةِ: قُلْنا اضْرِبُوا المَقْتُولَ بِبَعْضِ البَقَرَةِ فَضَرَبُوهُ بِهِ فَحَيِيَ، يَعْنِي والدَّلِيلُ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ هَذا الإحْياءِ العَظِيمِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الغَرِيبَةِ ﴿يُحْيِي اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿المَوْتى﴾ مَثَلَ هَذا الإحْياءِ الَّذِي عُويِنَ وشُوهِدَ. انْتَهى. رُوِيَ أنَّهم لَمّا ضَرَبُوهُ قامَ وقالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ وفُلانٌ لِابْنَيْ عَمِّهِ ثُمَّ سَقَطَ مَيِّتًا فَأُخِذا وقُتِلا ولَمْ يُوَرَّثْ قاتِلٌ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وهَذِهِ الخارِقَةُ كَما أخْبَرَ نَبِيَّنا ﷺ ذِراعُ الشّاةِ المَسْمُومَةِ بِأنَّهُ مَسْمُومٌ لَمّا سَمَّتْهُ اليَهُودِيَّةُ الَّتِي كانَتْ في قَوْمِها هَذِهِ الآيَةُ، وجُعِلَ هَذا التَّنْبِيهُ عَلى البَعْثِ في قِصَصِهِمْ، لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ، وقَدْ وقَعَ مِنهم ما ساغَ مَعَهُ عَدُّهم مُنْكِرِينَ وهو قَوْلُهم لِلْمُشْرِكِينَ: دِينُكم خَيْرٌ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ، أوْ أنَّ هَذا تَنْبِيهٌ مَقْصُودٌ بِهِ حَثُّ العَرَبِ عَلى سُؤالِ مَنِ (p-٤٧٨)اسْتَنْصَحُوهم في السُّؤالِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ العِلْمِ الأوَّلِ، فَهو مُلْزِمٌ لَهم بِاعْتِقادِ البَعْثِ أوِ اعْتِقادِ كَذِبِ اليَهُودِ، وعَبَّرَ بِالِاسْمِ العَلَمِ لِأنَّ الإحْياءَ مِن أخَصِّ الآياتِ بِصِفَةِ الإلَهِيَّةِ كَما أنَّ الإرْزاقَ أخَصُّ الآياتِ بِالرُّبُوبِيَّةِ ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ فِيما يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا بِرُؤْيَةِ تِلْكَ الآياتِ الشّاهِدَةِ لَهُ عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يَحْصُلَ لَكم عَقْلٌ فَيُرْشِدُكم إلى اعْتِقادِ البَعْثِ وغَيْرِهِ مِمّا تُخْبِرُ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى.

2:74Page 11

ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٧٤

Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allāh. And Allāh is not unaware of what you do.

ولَمّا كانَ حُصُولُ المَعْصِيَةِ مِنهم بَعْدَ رُؤْيَةِ هَذِهِ الخارِقَةِ مُسْتَبْعَدَ (p-٤٧٩)التَّصَوُّرِ فَضْلًا عَنِ الوُقُوعِ أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ قَسَتْ﴾ مِنَ القَسْوَةِ وهي اشْتِدادُ التَّصَلُّبِ والتَّحَجُّرِ ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ ولَمّا كانَتْ لَهم حالاتٌ يُطِيعُونَ فِيها أتى بِالجارِّ فَقالَ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما تَقَدَّمَ وصْفُهُ مِنَ الخَوارِقِ في المُراجَعاتِ وغَيْرِها تَذْكِيرًا لَهم بِطُولِ إمْهالِهِ لَهم سُبْحانَهُ (p-٤٨٠)مَعَ تَوالِي كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، وتَحْذِيرًا مِن مِثْلِ ما أحَلَّ بِأهْلِ السَّبْتِ ﴿فَهِيَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ قَسْوَتِها أنْ كانَتْ ﴿كالحِجارَةِ﴾ الَّتِي هي أبْعَدُ الأشْياءِ عَنْ حالِها، فَإنَّ القَلْبَ أحْيى حَيٍّ والحَجَرَ أجْمَدُ جامِدٍ، ولَمْ يُشَبِّهْها بِالحَدِيدِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ، ولِأنَّهُ قَدْ يَلِينُ.

ولَمّا كانَتِ القُلُوبُ بِالنَّظَرِ إلى حَياتِها ألْيَنَ لَيِّنٍ وبِالنَّظَرِ إلى ثَباتِها عَلى حالَةٍ أصْلَبَ شَيْءٍ كانَتْ بِحَيْثُ تُحَيِّرُ النّاظِرَ في أمْرِها فَقالَ ﴿أوْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هي كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى بَهْمِ الأمْرِ وخُفْيَتِهِ فَيَقَعُ الإبْهامُ والإيهامُ. انْتَهى.

(p-٤٨١)وهَذا الإبْهامُ بِالنِّسْبَةِ إلى الرّائِينَ لَهم مِنَ الآدَمِيِّينَ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَهو العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ خَلْقِهِ كَعِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ خَلْقِهِ وزادَ ”أشَدَّ“ مَعَ صِحَّةِ بِناءِ أفْعَلَ مِن قَسى لِلدَّلالَةِ عَلى فَرْطِ القَسْوَةِ فَقالَ ﴿أشَدُّ قَسْوَةً﴾ لِأنَّها لا تَلِينُ لِما حَقُّهُ أنْ يُلِينَها والحَجَرُ يَلِينُ لِما حَقُّهُ أنْ يُلِينَهُ وكُلُّ وصْفٍ لِلْحَيِّ يُشابِهُ بِهِ ما دُونَهُ أقْبَحُ فِيهِ مِمّا دُونَهُ مِن حَيْثُ إنَّ الحَيَّ مُهَيَّأٌ لِضِدِّ تِلْكَ المُشابَهَةِ بِالإدْراكِ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ الحِجارَةَ تَنْفَعِلُ بِالمُزاوَلَةِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - مُشِيرًا إلى مَزِيدِ قَسْوَتِهِمْ وجَلافَتِهِمْ بِالتَّأْكِيدِ - قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ وزادَ في التَّأْكِيدِ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿لَما يَتَفَجَّرُ﴾ أيْ يَتَفَتَّحُ بِالسِّعَةِ (p-٤٨٢)والكَثْرَةِ ﴿مِنهُ الأنْهارُ﴾ ذَكَرَ الكَثِيرَ مِن ذَلِكَ وتَذْكِيرًا بِالحَجْرِ المُتَفَجِّرِ لَهم مِنهُ الأنْهارُ بِضَرْبِ العَصا ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ ما هو دُونَهُ فَقالَ: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ﴾ أيْ يَسِيرًا بِتَكَلُّفٍ بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الإدْغامُ والتَّفَعُّلُ مِنَ التَّشَقُّقِ وهو تَفَعُّلُ صِيغَةِ التَّكَلُّفِ مِنَ الشَّقِّ وهو مَصِيرُ الشَّيْءِ في الشَّقَّيْنِ أيْ ناحِيَتَيْنِ مُتَقابِلَتَيْنِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.

﴿فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ﴾ الَّذِي هو دُونَ النَّهْرِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى هَذا ما هو أنْزَلُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ يَنْتَقِلُ مِن مَكانِهِ مِن أعْلى الجَبَلِ إلى أسْفَلِهِ لِأمْرِ المَلِكِ الأعْلى لَهُ بِذَلِكَ وقُلُوبُكم لا تَنْقادُ لِشَيْءٍ مِنَ الأوامِرِ فَجَعَلَ الأمْرَ في حَقِّ القُلُوبِ لِما فِيها مِنَ العَقْلِ كالإرادَةِ في حَقِّ الحِجارَةِ لِما لَها مِنَ الجَمادِيَّةِ وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِالحِجارَةِ المُتَهافِتَةِ مِنَ الطُّورِ (p-٤٨٣)عِنْدَ تَجَلِّي الرَّبِّ. قالَ الحَرالِّيُّ: والخَشْيَةُ وجَلُ نَفْسِ العالِمِ مِمّا يَسْتَعْظِمُهُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَما أعْمالُكم - أوْ: فَما أعْمالُهم، عَلى قِراءَةِ الغَيْبِ - مِمّا يُرْضِي اللَّهَ ؟ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وما﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن قُلُوبِكم أيْ قَسَتْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿بِغافِلٍ﴾ والغَفْلَةُ فَقْدُ الشُّعُورِ بِما حَقُّهُ أنْ يُشْعَرَ بِهِ ﴿عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فانْتَظِرُوا عَذابًا مِثْلَ عَذابِ أصْحابِ السَّبْتِ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ، ولَمْ أرَ ذِكْرَ قِصَّةِ البَقَرَةِ في التَّوْراةِ فَلَعَلَّهُ مِمّا أخْفَوْهُ لِبَعْضِ نَجاساتِهِمْ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ (p-٤٨٤)بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] والَّذِي رَأيْتُ فِيها مِمّا يُشْبِهُ ذَلِكَ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُسَبَّبًا عَنْهُ أنَّهُ قالَ في السِّفْرِ الخامِسِ مِنها ما نَصُّهُ: فَإذا وجَدْتُمْ قَتِيلًا في الأرْضِ الَّتِي يُعْطِيكُمُ اللَّهُ رَبُّكم مَطْرُوحًا لا يُعْرَفُ قاتِلُهُ، يَخْرُجُ أشْياخُكم وقُضاتُكم ويَذْرَعُونَ ما بَيْنَ القَتِيلِ والقَرْيَةِ، فَأيَّةُ قَرْيَةٍ كانَتْ قَرِيبَةً مِنَ القَتِيلِ يَأْخُذْ أشْياخُ تِلْكَ القَرْيَةِ عِجْلًا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ عَمَلٌ ولَمْ يُحْرَثْ بِهِ حَرْثٌ، فَيُنْزِلْ أشْياخُ تِلْكَ القَرْيَةِ العِجْلَ إلى الوادِي الَّذِي لَمْ يُزْرَعْ ولَمْ يُحْرَثْ فِيهِ حَرْثٌ يَذْبَحُونَ العِجْلَ في ذَلِكَ الوادِي ويَتَقَدَّمُ الأحْبارَ بَنُو لاوى الَّذِينَ اخْتارَهُمُ اللَّهُ رَبُّكم أنْ يَخْدِمُوا ويُبارِكُوا اسْمَ الرَّبِّ وعَنْ قَوْلِهِمْ يَقْضِي كُلَّ قَضاءٍ ويَضْرِبُ كُلَّ مَضْرُوبٍ، وجَمِيعُ أشْياخِ تِلْكَ القَرْيَةِ القَرِيبَةِ مِنَ القَتِيلِ يَغْسِلُونَ أيْدِيَهم فَوْقَ العِجْلِ المَذْبُوحِ في الوادِي ويَحْلِفُونَ ويَقُولُونَ: ما سَفَكَتْ أيْدِينا هَذا الدَّمَ وما رَأيْنا مَن قَتَلَهُ فاغْفِرْ يا رَبُّ لِآلِ إسْرائِيلَ شَعْبِكَ الَّذِينَ خَلَّصْتَ، ولا تُؤاخِذْ شَعْبَكَ بِالدَّمِ الزَّكِيِّ، ويَغْفِرُ لَهم عَلى الدَّمِ وأنْتُمْ فافْحَصُوا عَنِ الدَّمِ واقْضُوا بِالحَقِّ وأبْعِدُوا عَنْكُمُ الإثْمَ واعْمَلُوا الحَسَناتِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ رَبِّكم. انْتَهى. وهو كَما تَرى يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ فَرْعَ هَذا الأصْلِ المَذْكُورِ في القُرْآنِ العَظِيمِ واللَّهُ أعْلَمُ.

2:75Page 11

۞ أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥

Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allāh and then distort it [i.e., the Torah] after they had understood it while they were knowing?

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ قُلُوبَهم صارَتْ مِن كَثْرَةِ المَعاصِي وتَوالِي التَّجَرُّؤِ عَلى بارِئِها مَحْجُوبَةً بِالرَّيْنِ كَثِيفَةَ الطَّبْعِ بِحَيْثُ إنَّها أشَدُّ قَسْوَةً مِن (p-٤٨٥)الحِجارَةِ تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ بُعْدُهم عَنِ الإيمانِ فالتَفَتَ إلى المُؤْمِنِينَ يُؤَيِّسُهم مِن فَلاحِهِمْ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ عَمّا كانَ يَشْتَدُّ حِرْصُهُ عَلَيْهِ مِن طَلَبِ إيمانِهِمْ في مَعْرِضِ التَّنْكِيتِ عَلَيْهِمْ والتَّبْكِيتِ لَهم مُنْكِرًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ بَعْدَما قَرَّرَ أنَّهُ تَكَرَّرَ مِن كُفْرانِهِمْ فَقالَ: ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ والطَّمَعُ تَعَلُّقُ البالِ بِالشَّيْءِ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ سَبَبٍ لَهُ ﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أظْهُرِكم وقَدْ سَمِعْتُمْ ما اتَّفَقَ لِأسْلافِهِمْ مِنَ الكَثافَةِ وهم (p-٤٨٦)راضُونَ بِذَلِكَ وإلّا لَآمَنُوا بِمُجَرَّدِ هَذا الإخْبارِ عَنْ هَذِهِ القِصَصِ مِن هَذا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يَحْصُلُ التَّحْقِيقُ بِأنَّهُ لا مُعْلِمَ لَهُ بِها إلّا اللَّهُ مُعْتَرِفِينَ ”لَكم وقَدْ“ أيْ والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿كانَ فَرِيقٌ﴾ أيْ ناسٌ يَقْصِدُونَ الفُرْقَةَ والشَّتاتَ ﴿مِنهُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الفَرْقِ وهو اخْتِصاصٌ بِرَأْيِ وُجْهَةٍ عَمَّنْ حَقُّهُ أنْ يَتَّصِلَ بِهِ ويَكُونَ مَعَهُ. انْتَهى. و﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ المُسْتَحِقِّ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، والكَلامُ قالَ الحَرالِّيُّ: هو إظْهارُ ما في الباطِنِ عَلى الظّاهِرِ لِمَن يَشْهَدُ ذَلِكَ الظّاهِرَ بِكُلِّ نَحْوٍ مَن أنْحاءِ الإظْهارِ. انْتَهى.

﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أيْ يُزِيلُونَهُ عَنْ وجْهِهِ بِرَدِّهِ عَلى حَرْفِهِ، وفي ذِكْرِ الفَرِيقِ مَعَ المَعْطُوفاتِ عَلَيْهِ تَأْكِيدٌ لِعَظِيمِ تَهَكُّمِهِمْ في العِصْيانِ (p-٤٨٧)بِأنَّهم كانُوا بَعْدَما وُصِفَ مِن أحْوالِهِمُ الخَبِيثَةِ فِرَقًا في الكُفْرِ والعُدْوانِ والتَّبَرُّؤِ مِن جِلْبابِ الحَياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ مَعَ كَوْنِهِ تَوْطِيَةً لِما يَأْتِي مِن أمْرِ الفَسْخِ مُشِيرًا إلى أنَّ تَحْرِيفَهم لَمْ يَكُنْ في مَحَلِّ إشْكالٍ لِكَوْنِهِ مُدْرَكًا بِالبَدِيهَةِ، وأثْبَتَ الجارَّ لِاخْتِلافِ أحْوالِهِمْ.

ولَمّا كانَ هَذا مَعَ أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّهم عَلى جِبِلّاتِ إبائِهِمْ وإلى أنَّ مَنِ اجْتَرَأ عَلى اللَّهِ لَمْ يَنْبَغِ لِعِبادِ اللَّهِ أنْ يَطْمَعُوا في صَلاحِهِ لَهم، لِأنَّهُ إذا اجْتَرَأ عَلى العالِمِ بِالخَفِيّاتِ كانَ عَلى غَيْرِهِ أجْرَأ مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ خَتَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم مَعَ العَقْلِ حامِلُونَ لِلْعِلْمِ فاهِمُونَ لَهُ غَيْرُ غافِلِينَ بَلْ مُتَعَمِّدُونَ.

2:76Page 11

وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٧٦

And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allāh has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?

ولَمّا كانَ الكَلامُ مُرْشِدًا إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَهم لِجَرْأتِهِمْ عَلى اللَّهِ (p-٤٨٨)إذا سَمِعُوا كِتابَكم حَرَّفُوهُ وإذا حَدَّثُوا عِبادَ اللَّهِ لا يَكادُونَ يَصْدُقُونَ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿قالُوا﴾ نِفاقًا مِنهم ﴿آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهُمْ﴾ أيِ المُنافِقِينَ ﴿إلى بَعْضٍ قالُوا﴾ لائِمِينَ لَهم ظَنًّا مِنهم جَهْلًا بِاللَّهِ لَمّا وجَدُوا كَثِيرًا مِن أسْرارِهِمْ وخَفِيِّ أخْبارِهِمْ مِمّا هو في كِتابِهِمْ مِنَ الدَّقائِقِ وغَيْرِ ذَلِكَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ مَعَ اجْتِهادِهِ في إخْفائِها أنَّ بَعْضَهم أفْشاها فَعُلِمَتْ مِن قِبَلِهِ ﴿أتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ مِنَ التَّحْدِيثِ وهو تَكْرارُ حَدَثِ القَوْلِ أيْ واقِعِهِ ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ﴾ ذُو الجَلالِ والجَمالِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مِنَ العِلْمِ القَدِيمِ الَّذِي أتاكم عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكم أوْ بِما عُذِّبَ بِهِ بَعْضُكم. والفَتْحُ قالَ الحَرالِّيُّ تَوْسِعَةُ الضَّيِّقِ حِسًّا ومَعْنًى (p-٤٨٩)﴿لِيُحاجُّوكُمْ﴾ أيِ المُؤْمِنُونَ ﴿بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ والمُحاجَّةُ تَثْبِيتُ القَصْدِ والرَّأْيِ بِما يُصَحِّحُهُ. ولَمّا كانَ عِنْدَهم أنَّ إفْشاءَهم لِمِثْلِ هَذا مِن فِعْلِ مَن لا يَفْعَلُ قالُوا إنْكارًا مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ المُخاطَبِينَ يَتَطَمَّعُونَ، أيْ أفَلا يَكُونُ لَكم عَقْلٌ لِيَرُدَّكم ذَلِكَ عَنْ تَعْلِيقِ الأمَلِ بِإيمانِهِمْ.

2:77Page 12

أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٧

But do they not know that Allāh knows what they conceal and what they declare?

ولَمّا كانَ ظَنُّهم هَذا أقْبَحَ الفَسادِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ لَمْ يَقْدِرْ غَيْرُهُ أنْ يُعَبِّرَ عَنْهُ بِعِبارَةٍ تَعْجِزُ الخَلائِقُ عَنْ مُماثَلَتِها وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ مُوَبِّخًا لَهم ﴿أوَلا﴾ أيْ ألا يَعْلَمُونَ أنَّ عِلْمَ المُؤْمِنِينَ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا عَنِ اللَّهِ لِما قامَ عَلَيْهِ مِن دَلِيلِ الإعْجازِ أوَلا ﴿يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ﴾ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ أيْ يُخْفُونَ مِن قَوْلِهِمْ لِأصْحابِهِمْ ومِن غَيْرِهِ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ يُظْهِرُونَ (p-٤٩٠)مِن ذَلِكَ فَيُخْبِرُ بِهِ أوْلِياءَهُ.

2:78Page 12

وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٧٨

And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except [indulgement in] wishful thinking, but they are only assuming.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذا الفَرِيقَ الَّذِي هو مِن أعْلاهم كُفْرًا وأعْتاهم أمْرًا عَطَفَ عَلَيْهِ قِسْمًا أعْتى مِنهُ وأفَظَّ لِأنَّ العالِمَ يُرْجى لَفْتُهُ عَنْ رَأْيِهِ أوْ تَخْجِيلُهُ بِالحِجاجِ بِخِلافِ المُقَلِّدِ العاتِي الكَثِيفِ الجافِي فَقالَ ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمْ مَن لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ ومَن يُحْسِنُها وهو غَلِيظُ الطَّبْعِ بَعِيدٌ عَنِ الفَهْمِ، لِأنَّ الأُمِّيَّ في اللُّغَةِ مَن لا يَكْتُبُ أوْ مَن عَلى خِلْقَةِ الأُمَّةِ لَمْ يَتَعَلَّمِ الكِتابَةَ وهو باقٍ عَلى جِبِلَّتِهِ وحالِ وِلادَتِهِ والغَبِيُّ الجِلْفُ الجافِي القَلِيلُ الكَلامِ، فالمَعْنى أنَّهم قِسْمانِ: كَتَبَةٌ وغَيْرُ كَتَبَةٍ، (p-٤٩١)وهُمُ المُرادُ بِالأُمِّيِّينَ، وهَؤُلاءِ مَعَ كَوْنِهِمْ لا يُحْسِنُونَ الكِتابَ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّمُوا القِراءَةَ تَلْقِينًا ولا يَفْهَمُونَ المَعانِيَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم قِسْمانِ: عُلَماءُ نَحارِيرُ عارِفُونَ بِالمَعانِي، وجَهَلَةٌ غَبِيُّونَ لا حَظَّ لَهم مِنَ التَّوْراةِ إلّا القِراءَةُ الخالِيَةُ عَنِ التَّدَبُّرِ المَقْرُونَةُ بِالتَّمَنِّي ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ أيْ بِخِلافِ القِسْمِ الَّذِي أكَّدَ فِيهِ كَوْنَهم مِن أهْلِ العِلْمِ.

ولَمّا كانَ المُرادُ سَلْبَ العِلْمِ عَنْهم رَأْسًا أبْرَزَ الِاسْتِثْناءَ مَعَ كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا في صُورَةِ المُتَّصِلِ فَقالَ: ﴿إلا أمانِيَّ﴾ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وهي تَقْدِيرُ الوُقُوعِ فِيما يَتَرامى إلَيْهِ الأمَلُ، ويُقالُ إنَّ مَعْناهُ يَجْرِي في التِّلاوَةِ لِلَّفْظِ كَأنَّها تَقْدِيرٌ بِالإضافَةِ لِمَن يَتَحَقَّقُ لَهُ المَعْنى - قالَهُ الحَرالِّيُّ. أيْ إنْ كانَتِ (p-٤٩٢)الأمانِيُّ مِمّا يَصِحُّ وصْفُهُ بِالعِلْمِ فَهي لَهم لا غَيْرُها مِن جَمِيعِ أنْواعِهِ. ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ التَّقْدِيرَ: ما هم إلّا يُقَدِّرُونَ تَقْدِيراتٍ لا عِلْمَ لَهم بِها؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ تَأْكِيدًا لِنَفْيِ العِلْمِ عَنْهم.

2:79Page 12

فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ ٧٩

So woe1 to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allāh," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.

ولَمّا أثْبَتَ لِهَذا الفَرِيقِ القَطْعَ عَلى اللَّهِ بِما لا عِلْمَ لَهم بِهِ وكانَ هَذا مَعْلُومَ الذَّمِّ مَحْتُومَ الإثْمِ سُبِّبَ عَنْهُ الذَّمَّ والإثْمَ بِطَرِيقِ الأُولى لِفَرِيقٍ هو أرَدَؤُهم وأضَرُّهم لِعِبادِ اللَّهِ وأعْداهم فَقالَ: ﴿فَوَيْلٌ﴾ والوَيْلُ جِماعُ الشَّرِّ كُلِّهِ - قالَهُ الحَرالِّيُّ.

﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ أيْ مِنهم ومِن غَيْرِهِمُ ﴿الكِتابَ﴾ أيِ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِهِمْ لا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾ وأشارَ إلى قُبْحِ هَذا الكَذِبِ وبُعْدِ رُتْبَتِهِ في الخُبْثِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾ لِما كَتَبُوهُ كَذِبًا وبُهْتانًا ﴿هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ المَلِكِ الأعْظَمِ ثُمَّ بَيَّنَ بِالعِلَّةِ الحامِلَةِ لَهم عَلى ذَلِكَ خَساسَتَهم وتَرامِيَهم إلى النَّجاسَةِ ودَناءَتَهم فَقالَ: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾ أيْ بِهَذا الكَذِبِ الَّذِي صَنَعُوهُ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ (p-٤٩٣)لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مِن ذَلِكَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ ﴿ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ يَجِدُونَ كَسْبَهُ مِمّا اشْتَرَوْهُ بِهِ، وجَرَّدَ الفِعْلَ لِوُضُوحِ دَلالَتِهِ عَلى الخُبْثِ بِقَرِينَةِ ما تَقَدَّمَ وإذا كانَ المُجَرَّدُ كَذَلِكَ كانَ غَيْرُهُ أوْلى قالَ الحَرالِّيُّ: والكَسْبُ ما يَجْرِي مِنَ الفِعْلِ والقَوْلِ والعَمَلِ والآثارِ عَلى إحْساسٍ بِمُنَّةٍ فِيهِ وقُوَّةٍ عَلَيْهِ. انْتَهى. وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ لِما شَرُفَ بِهِ كِتابُنا مِن أنَّهُ لِإعْجازِهِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَأْتِيَ مِن عِنْدِهِ بِما يَدُسُّهُ فِيهِ فَيُلَبِّسُ بِهِ - فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْنا والفَضْلُ.

2:80Page 12

وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٠

And they say, "Never will the Fire touch us, except for [a few] numbered days." Say, "Have you taken a covenant with Allāh? For Allāh will never break His covenant. Or do you say about Allāh that which you do not know?"

ولَمّا أرْشَدَ الكَلامُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَحَرَّفُوا كَثِيرًا في كِتابِ اللَّهِ وزادُوا ونَقَصُوا، عَطَفَ عَلَيْهِ ما بَيَّنَ بِهِ جَرْأتَهم وجَفاهم وعَدَمَ اكْتِراثِهِمْ بِما يَرْتَكِبُونَهُ مِنَ الجَرائِمِ الَّتِي هم أعْلَمُ النّاسِ بِأنَّ بَعْضَها مُوجِبٌ لِلْخُلُودِ في النّارِ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالُوا (p-٤٩٤)لَنْ تَمَسَّنا﴾ مِنَ المَسِّ وهو مُلاقاةُ ظاهِرِ الشَّيْءِ ظاهِرَ غَيْرِهِ ﴿النّارُ﴾ أيِ المُعَدَّةُ في الآخِرَةِ ﴿إلا أيّامًا﴾ ولَمّا كانَ مُرادُهم بِذَلِكَ أنَّهم لا يُخَلَّدُونَ فِيها وكانَ جَمْعُ القِلَّةِ وإنْ كانَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لَكِنَّهُ رُبَّما اسْتُعِيرَ لِلْكَثْرَةِ فَدَلَّ عَلى ما لا آخِرَ لَهُ أوْ ما يَعْسُرُ عَدُّهُ زادُوا المَعْنى تَأْكِيدًا وتَصْرِيحًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَعْدُودَةً﴾ أيْ مُنْقَضِيَةً، لِأنَّ كُلَّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: والعَدُّ اعْتِبارُ الكَثْرَةِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، واقْتَصَرَ عَلى الوَصْفِ بِالمُفْرِدِ لِكِفايَتِهِ (p-٤٩٥)فِي هَذا المَعْنى بِخِلافِ ما في آلِ عِمْرانَ.

ولَمّا ادَّعَوْا ذَلِكَ ادَّعَوْا أنَّ المُسْلِمِينَ يُخَلِّفُونَهم بَعْدَ ذَلِكَ فِيها، رَوى البُخارِيُّ في الجِزْيَةِ والمُغازِي والطِّبِّ، والدّارِمِيُّ في أوَّلِ المُسْنَدِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شاةٌ فِيها سُمٌّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اجْمَعُوا لِي مَن كانَ هَهُنا مِن يَهُودَ، فَجَمَعُوا لَهُ فَقالَ: إنِّي سائِلُكم عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ عَنْهُ ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: مَن أبُوكم ؟ قالُوا فُلانٌ، فَقالَ: كَذَبْتُمْ، بَلْ أبُوكم فُلانٌ، قالُوا: صَدَقْتَ وبَرَرْتَ، قالَ: فَهَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إنْ سَألْتُكم عَنْهُ ؟ قالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ، وإنْ كَذَبْنا عَرَفْتَ كَذِبَنا كَما عَرَفْتَهُ في أبِينا، فَقالَ لَهم: مَن أهْلُ النّارِ ؟ قالُوا: نَكُونُ فِيها يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونا فِيها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: اخْسَؤُوا فِيها ! واللَّهِ لا نَخْلُفُكم فِيها أبَدًا، ثُمَّ قالَ: هَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إنْ سَألْتُكم عَنْهُ ؟ فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ، قالَ: هَلْ جَعَلْتُمْ في هَذِهِ الشّاةِ سُمًّا ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: ما حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ ؟ قالُوا: أرَدْنا إنْ كُنْتَ كاذِبًا أنْ نَسْتَرِيحَ مِنكَ، وإنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ "» ولَمّا ادَّعَوْا ذَلِكَ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فِيماذا نَرُدُّ عَلَيْهِمْ ؟ فَقالَ ﴿قُلْ﴾ مُنْكِرًا لِقَوْلِهِمْ ﴿أتَّخَذْتُمْ﴾ في ذَلِكَ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿عَهْدًا فَلَنْ﴾ (p-٤٩٦)أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ يُوفِي بِعَهْدِهِ، لِأنَّهُ ﴿يُخْلِفَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿عَهْدَهُ أمْ﴾ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأنْتُمْ ﴿تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ﴾ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ومَعْنى الإنْكارِ في الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ لَيْسَ واحِدٌ مِنَ الأمْرَيْنِ واقِعًا، لا اتَّخَذْتُمْ عَهْدًا ولا قُلْتُمْ ذَلِكَ جَهْلًا، بَلْ قُلْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ خِلافَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском