Al-Biqa'iTaha · 20:91–111

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Taha 20:91–111

20:91Page 318

قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ ٩١

They said, "We will never cease being devoted to it [i.e., the calf] until Moses returns to us."

ولَمّا كانَ هَذا مَوْضِعَ أنْ يُسْألَ ما جَوابُهم لِهَذا -] الأمْرِ الواضِحِ الَّذِي لا غُبارَ عَلَيْهِ، قِيلَ: ﴿قالُوا﴾ بِفَظاظَةٍ وجُمُودٍ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى هَذا العِجْلِ ﴿عاكِفِينَ﴾ أيْ مُقِيمِينَ مُسْتَدِيرِينَ مُجْتَمِعِينَ وإنْ حارَبْنا في ذَلِكَ ﴿حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ فَدافَعَهُمْ، (p-٣٣٣)فَهَمُّوا بِهِ، وكانَ مُعْظَمُهم قَدْ ضَلَّ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَن يَقْوى بِهِمْ، فَخافَ أنْ يُجاهِدَ بِهِمُ الكافِرِينَ فَلا يُفِيدُ ذَلِكَ شَيْئًا، ويَقْتُلَ بَعْضَهم فَيَحْمى لَهُ آخَرُونَ مِن ذَوِي رَحِمِهِ الأقْرَبِينَ، فَيَصِيرَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ فُرْقَةٌ يَبْعُدُ ضَمُّ شَتاتِها وتَلافِي دَهْمائِها، وكانُوا قَدْ غَيَّوُا الرُّجُوعَ [بِرُجُوعِ -] مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِجِهادِ مَن ضَلَّ، إنَّما قالَ لَهُ ﴿وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] فَرَأى مِنَ الإصْلاحِ اعْتِزالَهم إلى أنْ يَأْتِيَ،

20:92Page 318

قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ ٩٢

[Moses] said, "O Aaron, what prevented you, when you saw them going astray,

فَلَمّا ذَكَرَ ما قالَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ، [التَفَتَتِ النَّفْسُ إلى عِلْمِ ما قالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ -] لِأنَّهُ خَلِيفَتُهُ عَلَيْهِمْ، مَعَ كَوْنِهِ رَأْسًا في نَفْسِهِ، فَدَفَعَ هَذا العَناءَ بِقَوْلِهِ، مُسْقِطًا [أخْذَهُ -] بِرَأْسِ أخِيهِ لِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِهِ ويَأْتِي هُنا مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، ولَمْ تَدْعُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي مِن أعْظَمِ مَقاصِدِها الدَّلالَةُ عَلى تَلْيِينِ القُلُوبِ: ﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى: ﴿يا هارُونُ﴾ أنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وأخِي ووَزِيرِي وخَلِيفَتِي فَأنْتَ أوْلى النّاسِ بِأنْ ألُومَهُ، وأحَقُّهم بِأنْ أُعاتِبَهُ ﴿ما مَنَعَكَ إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ عَنْ طَرِيقِ الهُدى، واتَّبَعُوا سَبِيلَ الرَّدى، مِنَ اتِّباعِي في سِيرَتِي فِيهِمْ مِنَ الأخْذِ عَلى يَدِ الظّالِمِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، (p-٣٣٤)اتِّباعًا لا تَزِيغُ فِيهِ عَمّا نَهَجْتُهُ لَكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ شَيْئًا مِن زَيْغٍ، وعَبَّرَ عَنْ هَذا التَّأْكِيدِ بِزِيادَةِ ”لا“ في قَوْلِهِ:

20:93Page 318

أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي ٩٣

From following me? Then have you disobeyed my order?"

﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ النّافِيَ إذا زِيدَ في الكَلامِ كانَ نافِيًا لِضِدِّ مَضْمُونِهِ فَيُفِيدُ إثْباتًا لِلْمَضْمُونِ ونَفْيًا لِضِدِّهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في غايَةِ التَّأْكِيدِ ﴿أفَعَصَيْتَ﴾ أيْ أتَكَبَّرْتَ عَنِ اتِّباعِي فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّكَ عَصَيْتَ ﴿أمْرِي﴾ وأخَذَ بِلِحْيَتِهِ وبِرَأْسِهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالَ لَهُ؟ فَقِيلَ:

20:94Page 318

قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي ٩٤

[Aaron] said, "O son of my mother, do not seize [me] by my beard or by my head. Indeed, I feared that you would say, 'You caused division among the Children of Israel, and you did not observe [or await] my word.'"

﴿قالَ﴾ مُجِيبًا لَهُ مُسْتَعْطِفًا بِذِكْرِ أوَّلِ وطَنٍ ضَمَّهُما بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ مَعَ ما لَهُ مِنَ الرِّقَّةِ والشَّفَقَةِ: ﴿يا ابْنَ أُمَّ﴾ فَذَكَّرَهُ بِها خاصَّةً وإنْ كانَ شَقِيقَهُ لِأنَّهُ يَسُوءُها ما يَسُوءُهُ، وهي أرَقُّ مِنَ الأبِ ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ أيْ بِشَعْرِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ﴾ إنِ اشْتَدَدْتُ عَلَيْهِمْ حَتّى يَصِلَ الأمْرُ إلى القِتالِ ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِفِعْلِكَ هَذا الَّذِي لَمْ يُجْدِ شَيْئًا لِقِلَّةِ مَن كانَ مَعَكَ وضَعْفِكم عَنْ رَدِّهِمْ ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] ولَمْ تَقُلْ وارْدُدْهم ولَوْ أدّى الأمْرُ إلى السَّيْفِ، وهَذا كَما كانَ النَّبِيُّ ﷺ مَأْمُورًا بِالصَّفْحِ والحِلْمِ والمُدافَعَةِ بِاللِّينِ عِنْدَ ضَعْفِ النّاصِرِ وقِلَّةِ المُعِينِ. (p-٣٣٥)

20:95Page 318

قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ ٩٥

[Moses] said, "And what is your case, O Sāmirī?"

ولَمّا فَرَغَ مِن نَصِيحَةِ أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وأحَقِّهِمْ بِنَصِيحَتِهِ وحِفْظِهِ عَلى الهُدى إذْ كانَ رَأْسَ الهُداةِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما كانَ مِن غَيْرِهِ، فاسْتَأْنَفَ تَعالى ذِكْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِرَأْسِ أهْلِ الضَّلالِ مُعْرِضًا عَنْ أخِيهِ بَعْدَ قَبُولِ عُذْرِهِ. جاعِلًا ما نُسِبَ إلَيْهِ سَبَبًا لِسُؤالِهِ عَنِ الحامِلِ لَهُ عَلَيْهِ: ﴿فَما خَطْبُكَ﴾ أيْ أمْرُكَ هَذا العَجِيبُ العَظِيمُ الَّذِي حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ وأخْبَرَنِي العَزِيزُ العَلِيمُ [أنَّكَ -] أنْتَ أضْلَلْتَهم بِهِ ﴿يا سامِرِيُّ﴾

20:96Page 318

قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي ٩٦

He said, "I saw what they did not see, so I took a handful [of dust] from the track of the messenger1 and threw it,2 and thus did my soul entice me."

﴿قالَ﴾ السّامِرِيُّ مُجِيبًا لَهُ: ﴿بَصُرْتُ﴾ مِنَ البَصَرِ والبَصِيرَةِ ﴿بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ مِن أمْرِ الرَّسُولِ الَّذِي أجازَ بِنا البَحْرَ ﴿فَقَبَضْتُ﴾ أيْ فَكانَ ذَلِكَ [سَبَبًا -] لِأنْ قَبَضْتُ ﴿قَبْضَةً﴾ أيْ مَرَّةً مِنَ القَبْضِ، أطْلَقَها عَلى المَقْبُوضِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ ﴿مِن أثَرِ﴾ فَرَسِ ذَلِكَ ﴿الرَّسُولِ﴾ أيِ المَعْهُودِ ﴿فَنَبَذْتُها﴾ في الحُلِيِّ المُلْقى في النّارِ، أوْ في العِجْلِ ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ وكَما سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أخْذَ أثَرِهِ ﴿سَوَّلَتْ﴾ أيْ حَسَّنَتْ وزَيَّنَتْ ﴿لِي نَفْسِي﴾ نَبْذَها في الحُلِيِّ فَنَبَذْتُها، فَكانَ مِنها ما كانَ، ولَمْ يَدْعُنِي إلى ذَلِكَ داعٍ ولا حَمَلَنِي عَلَيْهِ حامِلٌ غَيْرُ التَّسْوِيلِ.

20:97Page 318

قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا ٩٧

[Moses] said, "Then go. And indeed, it is [decreed] for you in [this] life to say, 'No contact.'1 And indeed, you have an appointment [in the Hereafter] you will not fail to keep. And look at your 'god' to which you remained devoted. We will surely burn it and blow it [i.e., its ashes] into the sea with a blast.

ولَمّا كانَ فِعْلُهُ هَذا مُفَرِّقًا لِبَنِي إسْرائِيلَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ (p-٣٣٦)الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وجامِعًا لَهم عَلى تِمْثالِ حَيَوانٍ هو مِن أخَسِّ الحَيَواناتِ، وعَلى نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ صارَ مَتْبُوعًا في ذَلِكَ الضَّلالِ، لِكَوْنِهِ كانَ سَبَبَهُ، عُوقِبَ بِالنَّفْرَةِ مِنَ الإنْسانِ الَّذِي هو أشْرَفُ الحَيَوانِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِضِدِّ ما تَسَبَّبَ عَنْ فِعْلِهِ، فَيُعاقَبُ بِالدُّنْيا بِعُقُوبَةٍ لا شَيْءَ أشَدُّ مِنها وذَلِكَ أنَّهُ مُنِعَ مِن مُخالَطَةِ النّاسِ مَنعًا كُلِّيًّا فَلا يَتَّصِلُ بِأحَدٍ ولا يَتَّصِلُ بِهِ أحَدٌ، بَلْ يَكُونُ وحِيدًا طَرِيدًا ما دامَ حَيًّا، فَلِذَلِكَ اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ﴾ أيْ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فاذْهَبْ﴾ أيْ تَسَبَّبَ عَنْ فِعْلِكَ أنِّي أقُولُ لَكَ: اذْهَبْ [مِن بَيْنِنا، أوْ -] حَيْثُ ذَهَبْتَ ﴿فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ﴾ أيْ ما دُمْتَ حَيًّا ﴿أنْ تَقُولَ﴾ لِكُلِّ مَن رَأيْتَهُ: ﴿لا مِساسَ﴾ أيْ لا تَمَسُّنِي ولا أمَسُّكَ، فَلا تَقْدِرُ أنْ تَنْفَكَّ عَنْ ذَلِكَ لِإرادَةِ الإلَهِ الحَقِّ ذَلِكَ بِكَ وتَرْغِيبِكَ فِيهِ - بِما أفادَتْهُ اللّامُ، لِتَعْلَمَ أنْتَ ومَن تَبِعَكَ أنَّكم كُنْتُمْ عَلى أعْظَمِ ضَلالٍ في تَرْكِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، واتِّباعِ ما لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى شَيْءٍ ﴿وإنَّ لَكَ﴾ بَعْدَ المَماتِ ﴿مَوْعِدًا﴾ لِلثَّوابِ إنْ تُبْتَ، ولِلْعِقابِ إنْ أبَيْتَ (p-٣٣٧)﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ولِلْمَفْعُولِ، أيْ لا يَكُونُ خَلْفَكَ ولا تَكُونُ أنْتَ خَلْفَهُ، بَلْ يَكُونُ كُلٌّ مِنكُما مُواجِهًا لِصاحِبِهِ، لا انْفِكاكَ لَهُ عَنْهُ، كَما أنَّكَ في الحَياةِ لا تَقْدِرُ أنْ تَنْفَكَّ عَنِ النَّفْرَةِ مِنَ النّاسِ، فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو.

ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْإلَهِ الحَقِّ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ في الدّارَيْنِ، أتْبَعَهُ عَجْزَ العِجْلِ فَقالَ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ﴾ أيْ بِزَعْمِكَ ﴿الَّذِي ظَلْتَ﴾ أيْ دُمْتَ [فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ جِدًّا - بِما أشارَ إلَيْهِ تَخْفِيفُ التَّضْعِيفِ -] ﴿عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ أيْ مُقْبِلًا مُقارِبًا مُواظِبًا [جَهارًا -] ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ أيْ بِالنّارِ وبِالمِبْرَدِ - كَما سَلَفَ عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ، وكانَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ أحْماهُ حَتّى لانَ فَهانَ عَلى المَبارِدِ ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ أيْ لَنُذَرِّيَنَّهُ [إذا صارَ سُحالَةً -] ﴿فِي اليَمِّ﴾ أيِ البَحْرِ الَّذِي [أغْرَقَ اللَّهُ فِيهِ آلَ فِرْعَوْنَ و-] هو أهْلٌ لِأنْ يُقْصَدَ [فَيَجْمَعُ اللَّهُ سُحالَتَهُ الَّتِي هي مِن حُلِيِّهِمْ وأمْوالِهِمْ فَيُحْمِيها في نارِ جَهَنَّمَ ويَكْوِيهِمْ ويَجْعَلُها مِن أشَدِّ العَذابِ عَلَيْهِمْ، وأكَّدَ الفِعْلَ إظْهارًا لِعَظَمَةِ اللَّهِ الَّذِي أمَرَهُ بِذَلِكَ، وتَحْقِيقًا لِلصِّدْقِ في الوَعْدِ فَقالَ -]: ﴿نَسْفًا﴾

20:98Page 318

إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا ٩٨

Your god is only Allāh, except for whom there is no deity. He has encompassed all things in knowledge."

ولَمّا أراهم بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ بِالعِيانِ، أخْبَرَهم بِالحَقِّ عَلى وجْهِ الحَصْرِ (p-٣٣٨)فَقالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ﴾ جَمِيعًا ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ثُمَّ كَشَفَ المُرادَ مِن ذَلِكَ وحَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ لا يَصْلُحُ لِهَذا المَنصِبِ أحَدٌ غَيْرُهُ لِأنَّهُ ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، أيْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَكانَ عَلى كُلِّ [شَيْءٍ مُمْكِنٍ قَدِيرًا، فَكانَ كُلُّ شَيْءٍ إلَيْهِ فَقِيرًا، وهو غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وُجُودُهُ يُبايِنُ وُجُودَ غَيْرِهِ، وذاتُهُ تُبايِنُ ذاتَ غَيْرِهِ، وصِفاتُهُ تُبايِنُ صِفاتِ غَيْرِهِ، وأمّا العِجْلُ الَّذِي عَبَدُوهُ فَلَوْ كانَ حَيًّا كانَ مَثَلًا في الغَباوَةِ، فَلا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ بِوَجْهٍ ولا [فِي -] عِبادَتِهِ شَيْءٌ مِن حَقٍّ، وكانَ القِياسُ عَلى ما يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ حَيْثُ نَفى عَنْهُ العِلْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا﴾ [طه: ٨٩] والقُدْرَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] أنْ يُثْبَتا هُنا لِلْإلَهِ الحَقِّ، ولَكِنَّهُ اعْتَنى بِإثْباتِ العِلْمِ الواسِعِ لِاسْتِلْزامِهِ لِلْقُدْرَةِ عَلى كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ، بِإفادَةِ الأسْبابِ لِلشَّيْءِ المُرادِ، ومَنعِ المَوانِعِ عَنْهُ فَيَكُونُ لا مَحالَةَ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَ التَّخَلُّفُ لِلْجَهْلِ إمّا بِما يُفِيدُ مُقْتَضِيًا أوْ يَمْنَعُ مانِعًا، وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] ولا يَسْتَلْزِمُ إثْباتُ القُدْرَةِ المُحِيطَةِ العِلْمَ الشّامِلَ لِخُرُوجِ قِسْمِ (p-٣٣٩)المُحالِ الَّذِي لَيْسَ مِن شَأْنِ القُدْرَةِ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ.

20:99Page 319

كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا ٩٩

Thus, [O Muḥammad], We relate to you from the news of what has preceded. And We have certainly given you from Us a message [i.e., the Qur’ān].

ولَمّا تَمَّتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ الأعْظَمِ، والسَّبِيلِ الأقْوَمِ، مُتَكَفِّلَةً بِالدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ عَلى ما وقَعَتْ إلَيْهِ الإشارَةُ مِنَ البِشارَةِ أوَّلَ السُّورَةِ بِتَكْثِيرِ هَذِهِ الأُمَّةِ ورَدِّ العَرَبِ عَنْ غَيِّهِمْ بَعْدَ طُولِ التَّمادِي في العِنادِ، والتَّنَكُّبِ عَنْ سَبِيلِ الرَّشادِ، إلى ما تَخَلَّلَها مِنَ التَّسْلِيَةِ بِأحْوالِ السَّلَفِ الصّالِحِ والتَّأْسِيَةِ، مُفَصِّلَةً مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ، بِما يَبْعَثُ الهِمَمَ، عَلى مَعالِي الشِّيَمِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يُعادُ شَيْءٌ مِنَ القِصَصِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ البَدِيعِ والمِثالِ الرَّفِيعِ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا القَصِّ العالِي، في هَذا النَّظْمِ العَزِيزِ الغالِي، لِقِصَّةِ مُوسى ومَن ذُكِرَ مَعَهُ ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يُعْجِزُها شَيْءٌ؛ وأشارَ إلى جَلالَةِ عِلْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أنْباءِ﴾ أيْ أخْبارِ ﴿ما قَدْ سَبَقَ﴾ مِنَ الأزْمانِ والكَوائِنِ الجَلِيلَةِ، زِيادَةً في عِلْمِكَ، وإجْلالًا لِمِقْدارِكَ، وتَسْلِيَةً لِقَلْبِكَ، وإذْهابًا لِحُزْنِكَ، بِما اتَّفَقَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ [وتَكْثِيرًا لِأتْباعِكَ وزِيادَةً في مُعْجِزاتِكَ، ولِيَعْتَبِرَ السّامِعُ ويَزْدادَ المُسْتَبْصِرُ في دِينِهِ بَصِيرَةً وتَأكُّدَ الحُجَّةِ عَلى مَن عابَهُ -]: ﴿وقَدْ آتَيْناكَ﴾ مِن عَظَمَتِنا (p-٣٤٠)تَشْرِيفًا لَكَ وتَعْظِيمًا لِقَدْرِكَ ﴿مِن لَدُنّا﴾ أيْ مِن عِنْدِنا مِنَ الأمْرِ الشَّرِيفِ بِمَزِيدِ خُصُوصِيَّتِهِ بِنا ولَطِيفِ اتِّصالِهِ بِحَضْرَتِنا [مِن -] غَيْبٍ غَيْبًا ﴿ذِكْرًا﴾ عَظِيمًا جَلِيلًا جامِعًا لِما أظْهَرْناهُ مِن أمْرِنا في التَّوْراةِ، وما أبْطَنّاهُ مِن سِرِّنا في الإنْجِيلِ، وما أوْدَعْناهُ مِن سَكِينَتِنا في الزَّبُورِ، مَعَ ما خَصَصْناهُ بِهِ مِن لَطائِفِ المَزايا، وعَظائِمِ الأسْرارِ، يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ تِلاوَتِهِ أنَّهُ مِن عِنْدِنا لِما يُشْهَدُ لَهُ مِنَ الرُّوحِ، ويُذاقُ لَهُ مِنَ الإخْباتِ والسُّكُونِ، ويُرى لَهُ مِنَ الجَلالَةِ في الصُّدُورِ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ أنْ يُعارِضَهُ، وضَمَّنّاهُ تِلْكَ القِصَصَ مَعَ ما زِدْنا فِيهِ عَلى ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والأحْكامِ ودَقائِقِ إشاراتِ الحَقائِقِ، مُتَكَفِّلًا بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ وحُسْنى الحُسْنَيَيْنِ، فَمَن أقْبَلَ عَلَيْهِ كانَ مُذَكِّرًا لَهُ بِكُلِّ ما يُرِيدُ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ.

20:100Page 319

مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا ١٠٠

Whoever turns away from it - then indeed, he will bear on the Day of Resurrection a burden [i.e., great sin],

ولَمّا اشْتَمَلَ هَذا الذِّكْرُ عَلى جَمِيعِ أبْوابِ الخَيْرِ، فَكانَ كُلُّ ما لَيْسَ لَهُ فِيهِ أصْلٌ شَقاوَةً مَحْضَةً وضَلالًا بَعِيدًا، قالَ يَقُصُّ عَلَيْهِ مِن أنْباءِ ما يَأْتِي كَما قَصَّ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنْ ذَلِكَ الذِّكْرِ، وهو عامٌّ في جَمِيعِ مَن يُمْكِنُ دُخُولُهُ في مَعْنى ”مَن“ مِنَ العالَمِينَ ﴿فَإنَّهُ يَحْمِلُ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ اسْتِغْراقَ الوَقْتِ قالَ: (p-٣٤١)﴿يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ أيْ حِمْلًا ثَقِيلًا مِنَ العَذابِ الَّذِي سَبَّبَهُ الوِزْرُ وهو الذَّنْبُ، جَزاءً لِإعْراضِهِ عَنْهُ [واشْتِغالِهِ بِغَيْرِهِ -]

20:101Page 319

خَٰلِدِينَ فِيهِۖ وَسَآءَ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ حِمۡلٗا ١٠١

[Abiding] eternally therein,1 and evil it is for them on the Day of Resurrection as a load -

﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ وجَمَعَ هُنا حَمْلًا عَلى المَعْنى بَعْدَ الإفْرادِ لِلَّفْظِ، تَنْبِيهًا عَلى العُمُومِ لِئَلّا يُغْفَلَ عَنْهُ بِطُولِ الفَصْلِ، أوْ يُظَنَّ أنَّ الجَماعَةَ يُمْكِنُهُمُ المُدافَعَةُ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالوِزْرِ الحِمْلُ الثَّقِيلُ مِنَ الإثْمِ، ويَكُونَ الضَّمِيرُ في ”فِيهِ“ لِلْعَذابِ المُسَبَّبِ عَنْهُ فَيَكُونَ اسْتِخْدامًا كَقَوْلِهِ:

إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا

ولَمّا كانُوا مُنْكِرِينَ لِيَوْمِ القِيامَةِ، صَرَّحَ بِذِكْرِهِ ثانِيًا مَعَ قُرْبِ العَهْدِ، قارِعًا لِأسْماعِهِمْ بِهِ، مُجْرِيًا لَهُ إجْراءَ ما هو بِهِ جَدِيرٌ مِن أنَّهُ مُتَحَقِّقٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ فَقالَ: ﴿وساءَ﴾ أيْ وبِئْسَ؛ وبَيَّنَ أصْحابَ السُّوءِ فَقالَ: ﴿لَهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الحِمْلُ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾

20:102Page 319

يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا ١٠٢

The Day the Horn will be blown. And We will gather the criminals, that Day, blue-eyed.1

ثُمَّ شَرَحَ لَهم بَعْضَ أحْوالِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ ابْتِدائِهِ، فَقالَ مُبْدِلًا مِن ”يَوْمَ القِيامَةِ“: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا - عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ودَلَّ عَلى تَناهِي العَظَمَةِ بِطَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ في قِراءَةِ الباقِينَ بِالياءِ (p-٣٤٢)مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿فِي الصُّورِ﴾ فَيَقُومُ المَوْتى مِنَ القُبُورِ ﴿ونَحْشُرُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿المُجْرِمِينَ﴾ مِنهُمُ الَّذِينَ قَطَعُوا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ، وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: ونَحْشُرُهم - لِبَيانِ الوَصْفِ الَّذِي جَرَّهُ لَهُمُ الإعْراضُ عَنِ الذِّكْرِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَكُونُ لَهم ما تَقَدَّمَ ﴿زُرْقًا﴾ أيْ زُرْقَ العُيُونِ والجُسُومِ عَلى هَيْئَةِ مَن ضُرِبَ فَتَغَيَّرَ جِسْمُهُ، حالَ كَوْنِهِمْ

20:103Page 319

يَتَخَٰفَتُونَ بَيۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرٗا ١٠٣

They will murmur among themselves, "You remained not but ten [days in the world]."

﴿يَتَخافَتُونَ﴾ .

ولَمّا كانَ التَّخافُتُ - وهو المُسارَّةُ بِالكَلامِ - قَدْ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِن قَبِيلَتَيْنِ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنهُما خائِفًا مِن قَوْمِهِ أقَلَّ عارًا مِمّا لَوْ كانا مِن قَبِيلَةٍ واحِدَةٍ، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الخَوْفَ طَبْعٌ لازِمٌ، قالَ دالًّا عَلى لُزُومِهِ وعُمُومِهِ: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ يَتَكَلَّمُونَ خافِضِي أصْواتِهِمْ مِنَ الهَيْبَةِ والجَزَعِ.

ولَمّا كانَتِ الزُّرْقَةُ أبْغَضَ ألْوانِ العُيُونِ إلى العَرَبِ [لِعَدَمِ إلْفِهِمْ لَها -]، والمُخافَتَةُ أبْغَضَ الأصْواتِ إلَيْهِمْ لِأنَّها تَدُلُّ عِنْدَهم عَلى سُفُولِ الهِمَّةِ والجُبْنِ [وكانُوا مِنَ الزُّرْقَةِ أشَدَّ نَفْرَةً لِأنَّ المُخافَتَةَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِها غَرَضٌ. رَتَّبَهُما سُبْحانَهُ كَذَلِكَ -]، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَتَخافَتُونَ بِهِ فَقالَ: (p-٣٤٣)﴿إنْ﴾ أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما ﴿لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في الدُّنْيا [اسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ إقامَتِهِمْ في غَيْبِ ما بَدا لَهم مِنَ المَخاوِفِ، أوْ غَلَطًا ودَهْشَةً -] ﴿إلا عَشْرًا﴾ أيْ عَقْدًا واحِدًا، لَمْ يَزِدْ عَلى الآحادِ إلّا بِواحِدٍ، وهو [لَوْ أنَّهُ سِنُونَ -] سِنُّ مَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ، [فَكَيْفَ إذا كانَ شُهُورًا أوْ أيّامًا -] فَلَمْ يَعْرِفُوا لَذَّةَ العَيْشِ بِأيِّ تَقْدِيرٍ كانَ.

20:104Page 319

نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذۡ يَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِيقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا يَوۡمٗا ١٠٤

We are most knowing of what they say when the best of them in manner [i.e., wisdom or speech] will say, "You remained not but one day."

ولَمّا كانَ عِلْمُ ما يَأْتِي أخْفى مِن عِلْمِ ما سَبَقَ، أتى [فِيهِ -] بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ﴾ مِن كُلِّ أحَدٍ ﴿بِما يَقُولُونَ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾ في الدُّنْيا فِيما يَحْسَبُونَ، [أيْ أقْرَبُهم إلى أنْ تَكُونَ طَرِيقَتُهُ مِثْلَ ما يُطْلَبُ مِنهُ -]: ﴿إنْ﴾ [أيْ ما -] ﴿لَبِثْتُمْ﴾ [ودَلَّ عَلى أنَّ المَعْدُودَ المَحْذُوفَ مِنَ الأوَّلِ الأيّامُ بِقَوْلِهِ -]: ﴿إلا يَوْمًا﴾ أيْ مَبْدَأ الآحادِ، لا مَبْدَأ العُقُودِ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] فَلا يَزالُونَ في إفْكٍ وصَرْفٍ عَنِ الحَقِّ في الدّارَيْنِ، لِأنَّ الإنْسانَ يَمُوتُ عَلى ما عاشَ عَلَيْهِ، ويُبْعَثُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ [أنَّ -] مَن قالَ: إنَّ لُبْثَهم يَوْمٌ واحِدٌ، أمْثَلُهم في نَفْسِ الأمْرِ، لِأنَّ الزَّمانَ وإنْ طالَ إنَّما هو يَوْمٌ مُتَكَرِّرٌ، لَيْسَ مُرادًا لِنَفْسِهِ، وإنَّما هو مُرادٌ (p-٣٤٤)لِما يَكُونُ فِيهِ فَإنْ كانَ خَيْرًا كانَ صاحِبُهُ مَحْمُودًا [و -] لَمْ يَضُرَّهُ قِصَرُهُ، وإنْ كانَ شَرًّا كانَ مَذْمُومًا ولَمْ يَنْفَعْهُ طُولُهُ، [ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّثَ أوَّلًا إرادَةً لِلَّيالِي، لِأنَّها مَحَلُّ الرّاحَةِ المَقْصُودَةِ بِالذّاتِ، فَكانَ كَأنَّهم قالُوا: لَمْ يَكُنْ لَنا راحَةٌ إلّا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ جِدًّا أكْثَرَ أوَّلِ العُقُودِ، ونَصَّ الأمْثَلُ عَلى اليَوْمِ الَّذِي يَكُونُ الكَدُّ فِيهِ لِلرّاحَةِ في اللَّيْلِ إشارَةً إلى أنَّهم ما كانَ لَهم في اللُّبْثِ في الدُّنْيا راحَةٌ أصْلًا، ولَمْ يَكُنْ سَعْيُهم إلّا نَكِدًا كُلُّهُ كَما يَكُونُ السَّعْيُ في يَوْمٍ لا لَيْلَةَ يُسْتَراحُ فِيها. وإنْ كانَتْ فِيهِ راحَةٌ فَهي ضِمْنِيَّةٌ لا أصْلِيَّةٌ -].

20:105Page 319

وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا ١٠٥

And they ask you about the mountains, so say, "My Lord will blow them away with a blast.1

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ بَعْضِ ما سَبَقَ ثُمَّ عَنْ بَعْضِ ما يَأْتِي مِن أحْوالِ المُعْرِضِينَ عَنْ هَذا الذِّكْرِ فِيما يُنْتِجُهُ لَهم إعْراضُهم عَنْهُ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِاسْتِقْصارِهِمْ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في هَذِهِ الدّارِ، أخْبَرَ عَنْ بَعْضِ أحْوالِهِمْ في الإعْراضِ فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ ما يَكُونُ حالُها يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ؟ شَكًّا مِنهم في البَعْثِ وُقُوفًا مَعَ الوَهْمِ في أنَّها تَكُونُ مَوْجُودَةً عَلى قِياسِ جُمُودِهِمْ لا مَحالَةَ، لِأنَّها أشَدُّ الأشْياءِ قُوَّةً، وأطْوَلُها لُبْثًا، وأبْعَدُها مُكْثًا، فَتَمْنَعُ بَعْضَ النّاسِ مِن سَماعِ النَّفْخِ في الصُّورِ، وتُخَيِّلُ لِلْبَعْضِ بِحُكْمِ رَجْعِ الهَواءِ الحامِلِ لِلصَّوْتِ أنَّهُ آتٍ مِن غَيْرِ جِهَتِهِ فَلا يَسْتَقِيمُ القَصْدُ إلى الدّاعِي﴿فَقُلْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ عِلْمِنا بِأنَّهم يَسْألُونَكَ هَذا (p-٣٤٥)السُّؤالَ أنّا نَقُولُ لَكَ: قُلْ، أوْ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ، أيْ فَإذا سَألُوكَ فَقُلْ لَهُمْ، [و -] هَذا بِخِلافِ ما نَزَلَ بَعْدَ وُقُوعِ السُّؤالِ عَنْهُ مِثْلِ الرُّوحِ [و -] قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ فَإنَّ الأمْرَ بِجَوابِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ لِما هُناكَ مِنَ اسْتِشْرافِ النَّفْسِ لِلْجَوابِ ﴿يَنْسِفُها﴾ أيْ يَقْلَعُها مِن أماكِنِها ويُذَرِّيها بِالهَواءِ ﴿رَبِّي﴾ المُحْسِنُ إلَيَّ بِنَصْرِي في [يَوْمِ ] القِيامَةِ نَصْرًا لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ ﴿نَسْفًا﴾ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى

20:106Page 319

فَيَذَرُهَا قَاعٗا صَفۡصَفٗا ١٠٦

And He will leave it [i.e., the earth] a level plain;

﴿فَيَذَرُها﴾ أيْ أماكِنَها ﴿قاعًا﴾ أيْ أرْضًا مَلْساءَ ﴿صَفْصَفًا﴾ أيْ مُسْتَوِيًا كَأنَّهُ صَفٌّ واحِدٌ لا أثَرَ لِلْجِبالِ فِيهِ

20:107Page 319

لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا ١٠٧

You will not see therein a depression or an elevation."

﴿لا تَرى﴾ أيْ بِالبَصَرِ [و -] لا بِالبَصِيرَةِ ﴿فِيها﴾ أيْ مَواضِعِ الجِبالِ ﴿عِوَجًا﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وعَبَّرَ هُنا بِالكَسْرِ وهو لِلْمَعانِي، ولَمْ يُعَبِّرْ بِالفَتْحِ الَّذِي يُوصَفُ [بِهِ -] الأعْيانُ، ومَواضِعُ الجِبالِ أعْيانٌ لا مَعانٍ، نَفْيًا لِلِاعْوِجاجِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، بِمَعْنى أنَّكَ لَوْ جَمَعْتَ أهْلَ الخِبْرَةِ بِتَسْوِيَةِ الأراضِي لاتَّفَقُوا عَلى الحُكْمِ بِاسْتِوائِها، ثُمَّ لَوْ جَمَعْتَ أهْلَ الهَنْدَسَةِ فَحَكَّمُوا مَقايِيسَهُمُ العِلْمِيَّةَ فِيها لَحَكَمُوا بِمِثْلِ ذَلِكَ ﴿ولا أمْتًا﴾ أيْ شَيْئًا مُرْتَفِعًا كالكُدْيَةِ أوْ نُتُوًّا يَسِيرًا أوْ شَقًّا [أوِ اخْتِلافًا -]؛ وقالَ البَيْضاوِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: الأمْتُ النُّتُوُّ اليَسِيرُ، قالَ الغَزالِيُّ في الدُّرَّةِ الفاخِرَةِ: (p-٣٤٦)يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَطايَرُ الجِبالُ، وتُفَجَّرُ الأنْهارُ بَعْضُها في بَعْضٍ، فَيَمْتَلِئُ عالَمُ الهَواءِ [ماءً -]، وتَنْتَثِرُ الكَواكِبُ وتَتَغَيَّرُ السَّماءُ والأرْضُ، ويَمُوتُ العالَمُونَ فَتَخْلُو الأرْضُ والسَّماءُ؛ قالَ: ثُمَّ يَكْشِفُ سُبْحانَهُ عَنْ بَيْتٍ في سَقَرَ فَيَخْرُجُ لَهِيبُ النّارِ فَيَشْتَعِلُ في البُحُورِ فَتَنْشَفُ، ويَدَعُ الأرْضَ جَمْرَةً سَوْداءَ، والسَّماواتِ كَأنَّها عَكِرُ الزَّيْتِ والنُّحاسُ المُذابُ، ثُمَّ يَفْتَحُ تَعالى خِزانَةً مِن خَزائِنِ العَرْشِ فِيها بَحْرُ الحَياةِ، فَيُمْطِرُ بِهِ الأرْضَ، وهو كَمَنِيِّ الرِّجالِ فَتَنْبُتُ الأجْسامُ عَلى هَيْئَتِها، الصَّبِيُّ صَبِيٌّ، والشَّيْخُ شَيْخٌ، وما بَيْنَهُما، ثُمَّ تَهُبُّ مِن تَحْتِ العَرْشِ نارٌ لَطِيفَةٌ فَتَبْرُزُ الأرْضُ لَيْسَ فِيها جَبَلٌ ولا عِوَجٌ ولا أمْتٌ، ثُمَّ يُحْيِي اللَّهُ إسْرافِيلَ فَيَنْفُخُ في الصُّورِ مِن صَخْرَةِ القُدْسِ، فَتَخْرُجُ الأرْواحُ مِن ثَقْبٍ في الصُّورِ بِعَدَدِها كُلُّ رُوحٍ إلى جَسَدِها حَتّى الوَحْشُ والطَّيْرُ فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ.

20:108Page 319

يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا ١٠٨

That Day, they [i.e., everyone] will follow [the call of] the Caller1 [with] no deviation therefrom, and [all] voices will be stilled before the Most Merciful, so you will not hear except a whisper [of footsteps].

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِزَوالِ ما يَكُونُ مِنهُ العِوَجُ في الصَّوْتِ قالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتُنْسَفُ الجِبالُ ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ أيْ أهْلُ المَحْشَرِ [بِغايَةِ جُهْدِهِمُ -] ﴿الدّاعِيَ﴾ أيْ بِالنَّفْخِ مُنْتَصِبِينَ إلَيْهِ عَلى الِاسْتِقامَةِ ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ أيِ الدّاعِي في شَيْءٍ مِن قَصْدِهِمْ إلَيْهِ، (p-٣٤٧)لِأنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ ما يُحْوِجُهم إلى التَّعْرِيجِ ولا يَمْنَعُ الصَّوْتَ مِنَ النُّفُوذِ عَلى السَّواءِ؛ وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ لا عِوَجَ لِدُعائِهِ، بَلْ يُسْمِعُ جَمِيعَهم فَلا يَمِيلُ إلى ناسٍ دُونَ ناسٍ.

ولَمّا أخْبَرَ بِخُشُوعِهِمْ في الحَدِيثِ والِانْقِيادِ لِلدَّعْوَةِ، أخْبَرَ بِخُشُوعِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأصْواتِ الَّتِي جَرَتِ العادَةُ بِكَوْنِها عَنِ الاجْتِماعِ فَقالَ: ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾ أيِ ارْتَخَتْ وخَفِيَتْ و[خُفِّضَتْ و-] تَطامَنَتْ لِخُشُوعِ أهْلِها ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ أيِ [الَّذِي -] عَمَّتْ نِعَمُهُ، فَيُرْجى كَرَمُهُ، ويُخْشى نِقَمُهُ ﴿فَلا﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ رَخاوَتِها أنَّكَ ﴿تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ أخْفى ما يَكُونُ مِنَ الأصْواتِ، [وقِيلَ: أخْفى شَيْءٍ مِن أصْواتِ الأقْدامِ -].

20:109Page 319

يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا ١٠٩

That Day, no intercession will benefit except [that of] one to whom the Most Merciful has given permission and has accepted his word.

[ولَمّا تَقَرَّرَ ما لِلْأصْواتِ -] مِنَ الانْخِفاتِ، وكانَ قَدْ أُشِيرَ [فِيما مَضى -] إلى وُقُوعِ الشَّفاعَةِ مِن بَعْضِ أخِصّائِهِ بِإذْنِهِ، وكانَ الحَشْرُ لِلْحِسابِ بِمَعْرِضِ التَّقْرِيبِ لِبَعْضٍ والتَّبْعِيدِ لِبَعْضٍ، وكانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ المُقَرَّبَ يَشْفَعُ لِلْمُبْعَدِ، لِما بَيْنَ أهْلِ الجَمْعِ مِنَ الوَصْلِ والأسْبابِ المُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ، وكانَ الكُفّارُ يَزْعُمُونَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم (p-٣٤٨)قالَ نافِيًا لِأنْ تَقَعَ شَفاعَةٌ [بِغَيْرِ إذْنِهِ -]، [مُعَظِّمًا ذَلِكَ اليَوْمَ بِالإنْذارِ مِنهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ -]: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [أيْ إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ -] ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ أيْ لا تَكُونُ شَفاعَةٌ لِيَكُونَ لَها نَفْعٌ، لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِما مَضى أنَّهُ لا صَوْتَ، وتَقَرَّرَ في تَحْقِيقِ المَحْصُوراتِ مِن عِلْمِ المِيزانِ أنَّ السّالِبَةَ الحَقِيقِيَّةَ لا تَسْتَدْعِي وُجُودَ المَوْضُوعِ في الخارِجِ، وإنَّما حَوَّلَ العِبارَةَ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ النَّفْعُ، فَنَفْيُهُ بادِئَ بَدْءٍ أفْظَعُ، وقَرْعُ السَّمْعِ بِهِ أوَّلًا أهْوَلُ وأفْزَعُ ﴿إلا﴾ أيْ إلّا شَفاعَةُ ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ العامُّ النِّعْمَةِ ﴿ورَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ ولَوِ الإيمانَ المُجَرَّدَ.

20:110Page 319

يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا ١١٠

He [i.e., Allāh] knows what is [presently] before them and what will be after them,1 but they do not encompass it [i.e., what He knows] in knowledge.

ولَمّا نَفى أنْ تَقَعَ الشَّفاعَةُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، عَلَّلَ ذَلِكَ - كَما سَلَفَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ - بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيِ الخَلائِقِ [وهُوَ كُلُّ ما يَعْلَمُونَهُ -] ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ وهو كُلُّ ما غابَ عَنْهم عِلْمُهُ، أيْ عِلْمُهُ [سُبْحانَهُ -] مُحِيطٌ بِهِمْ، فَهو يَمْنَعُ قُلُوبَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ بِما يُوجِدُ مِنَ الأسْبابِ أنْ تَهِمَّ بِما لا يَرْضاهُ ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ لِيَحْتَرِزُوا عَمّا يُقَدِّرُهُ عَلَيْهِمْ، و﴿عِلْمًا﴾ تَمْيِيزٌ مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِ، (p-٣٤٩)[أيْ -] ولا يُحِيطُ عِلْمُهم بِهِ - قالَ أبُو حَيّانَ. والأقْرَبُ عِنْدِي كَوْنُهُ مَنقُولًا عَنِ المَفْعُولِ الَّذِي تَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، أيْ ولا يُحِيطُونَ بِعِلْمِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى ما في آيَةِ الكُرْسِيِّ.

20:111Page 319

۞ وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَيِّ ٱلۡقَيُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمٗا ١١١

And [all] faces will be humbled before the Ever-Living, the Self-Sustaining.1 And he will have failed who carries injustice.2

ولَمّا ذَكَرَ خُشُوعَ الأصْواتِ، أتْبَعَهُ خُضُوعَ دُونِها فَقالَ: ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ أيْ ذَلَّتْ وخَضَعَتْ واسْتَسْلَمَتْ [وُجُوهُ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ -]، وخَصَّها لِشَرَفِها ولِأنَّها أوَّلُ ما يَظْهَرُ فِيهِ الذُّلُّ ﴿لِلْحَيِّ﴾ الَّذِي هو مُطَّلِعٌ عَلى الدَّقائِقِ والجَلائِلِ، وكُلُّ ما سِواهُ جَمادٌ حَيْثُ ما نُسِبَتْ حَياتُهُ إلى حَياتِهِ ﴿القَيُّومِ﴾ الَّذِي لا يَغْفُلُ عَنِ التَّدْبِيرِ ومُجازاةِ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴿وقَدْ خابَ﴾ أيْ خَسِرَ [خَسارَةً ظاهِرَةً -] ﴿مَن حَمَلَ﴾ مِنهم [أوْ مِن غَيْرِهِمْ -] ﴿ظُلْمًا﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском