Al-Biqa'iAl‑Anbya · 21:12–29

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:12–29

21:12Page 323

فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ ١٢

And when they [i.e., its inhabitants] perceived Our punishment, at once they fled from it.

ثُمَّ بَيَّنَ حالَها عِنْدَ إحْلالِ البَأْسِ بِها فَقالَ: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا﴾ أيْ أدْرَكَ أهْلُها بِحَواسِّهِمْ ﴿بَأْسَنا﴾ أيْ بِما فِيهِ مِنَ العَظَمَةِ ﴿إذا هُمْ﴾ (p-٣٩٥)أيْ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ أصْلًا ﴿مِنها﴾ أيِ القَرْيَةِ ﴿يَرْكُضُونَ﴾ هارِبِينَ عَنْها مُسْرِعِينَ كَمَن يَرْكُضُ الخَيْلَ - أيْ يُحَرِّكُها - لِلْعَدْوِ، بَعْدَ تَجَبُّرِهِمْ عَلى الرُّسُلِ وقَوْلِهِمْ لَهم ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ [إبراهيم: ١٣] فَناداهم لِسانُ الحالِ تَقْرِيعًا تَبْشِيعًا لِحالِهِمْ وتَفْظِيعًا:

21:13Page 323

لَا تَرۡكُضُواْ وَٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰ مَآ أُتۡرِفۡتُمۡ فِيهِ وَمَسَٰكِنِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡـَٔلُونَ ١٣

[Some angels said], "Do not flee but return to where you were given luxury and to your homes - perhaps you will be questioned."1

﴿لا تَرْكُضُوا﴾ وصَوَّرَ التَّهَكُّمَ بِهِمْ بِأعْظَمِ صُورَةٍ فَقالَ: ﴿وارْجِعُوا﴾ إلى قَرْيَتِكم ﴿إلى ما﴾

ولَمّا كانَ التَّأْسِيفُ إنَّما هو عَلى العَيْشِ الرّافِهِ لا عَلى كَوْنِهِ مِن مُعْطٍ مُعَيَّنٍ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ أيْ مِنها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ إشارَةً إلى غَفْلَتِهِمْ عَنِ العِلْمِ لِمَن أتْرَفَهم أوْ إلى أنَّهم كانُوا يَنْسُبُونَ [نِعْمَتَهم -] إلى قُواهُمْ، ولَوْ عَدُّوها مِنَ اللَّهِ لَشَكَرُوهُ فَنَفَعَهم. ولَمّا كانَ أعْظَمَ ما يُؤْسَفُ عَلَيْهِ بَعْدَ العَيْشِ النّاعِمِ المَسْكَنُ، [قالَ-]: ﴿ومَساكِنِكُمْ﴾ أيِ الَّتِي كُنْتُمْ تَفْتَخِرُونَ بِها عَلى الضُّعَفاءِ مِن عِبادِي بِما أتْقَنْتُمْ مِن بِنائِها، وأوْسَعْتُمْ مِن فِنائِها، وعَلَّيْتُمْ مِن مَقاعِدِها، وحَسَّنْتُمْ مِن مَشاهِدِها ومَعاهِدِها ﴿لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ في (p-٣٩٦)الإيمانِ بِما كُنْتُمْ تُسْألُونَ، فَتَأْبَوْا بِما عِنْدَكم مِنَ الأنَفَةِ ومَزِيدِ الحَمِيَّةِ والعَظَمَةِ، أوْ تُسْألُونَ في الحَوائِجِ والمُهِمّاتِ، كَما يَكُونُ الرُّؤَساءُ في مَقاعِدِهِمُ العَلِيَّةِ، ومَراتِبِهِمُ البَهِيَّةِ، فَيُجِيبُونَ سائِلَهم بِما شاؤُوا عَلى تُؤَدَةٍ وأحْوالِ مَهْلٍ تُخالِفُ أحْوالَ الرّاكِضِ العَجِلِ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]

21:14Page 323

قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ١٤

They said, "O woe to us! Indeed, we were wrongdoers."

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِما أجابُوا هَذا المَقالَ؟ قِيلَ ﴿قالُوا﴾ حِينَ لا نَفْعَ لِقَوْلِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ البَأْسِ: ﴿يا ويْلَنا﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ حَلَّ بِهِمْ لِأنَّهُ لا يُنادى إلّا القَرِيبُ، وتَرَفُّقًا لَهُ كَما يَقُولُ الشَّخْصُ لِمَن يَضْرِبُهُ: يا سَيِّدِي - كَأنَّهُ يَسْتَغِيثُ بِهِ لِيَكُفَّ عَنْهُ، وذَلِكَ غَباوَةٌ مِنهُمْ، وعَمىً عَنِ الَّذِي أحَلَّهُ بِهِمْ، لِأنَّهم كالبَهائِمِ لا يَنْظُرُونَ إلّا السَّبَبَ الأقْرَبَ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا حُلُولَهُ بِهِمْ تَأْكِيدًا لِتَرَفُّقِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا﴾ أيْ جِبِلَّةً لَنا وطَبْعًا ﴿ظالِمِينَ﴾ حَيْثُ كَذَّبْنا الرُّسُلَ، وعَصَيْنا أمْرَ رَبِّنا، فاعْتَرَفُوا حَيْثُ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الاعْتِرافُ لِفَواتِ مَحَلِّهِ

21:15Page 323

فَمَا زَالَت تِّلۡكَ دَعۡوَىٰهُمۡ حَتَّىٰ جَعَلۡنَٰهُمۡ حَصِيدًا خَٰمِدِينَ ١٥

And that declaration of theirs did not cease until We made them [as] a harvest [mowed down], extinguished [like a fire].

﴿فَما﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ إحْلالِنا ذَلِكَ البَأْسَ بِهِمْ أنَّهُ ما ﴿زالَتْ تِلْكَ﴾ أيِ الدَّعْوَةُ البَعِيدَةُ عَنِ الخَيْرِ والسَّلامَةِ، وهي قَوْلُهُمْ: يا ويْلَنا ﴿دَعْواهُمْ﴾ يُرَدِّدُونَها لا يَكُونُ (p-٣٩٧)دَعْوى لَهم غَيْرُها، لِأنَّ الوَيْلَ مُلازِمٌ لَهم غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْهُمْ، وتَرَفُّقَهم لَهُ غَيْرُ نافِعِهِمْ ﴿حَتّى جَعَلْناهُمْ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿حَصِيدًا﴾ كالزَّرْعِ المَحْصُودِ.

ولَمّا كانَ هَذا وما بَعْدَهُ [مِثْلَ -] حُلْوٍ حامِضٍ في الزَّمانِ، جُعِلا خَبَرًا واحِدًا لِيَكُونَ ”جَعَلَ“ مُقْتَصِرًا عَلى مَفْعُولَيْنِ فَقالَ:﴿خامِدِينَ﴾ أيْ جامِعِينَ لِلِانْقِطاعِ والخُفُوتِ، لا حَرَكَةَ لَهم ولا صَوْتَ، كالنّارِ المُضْطَرِمَةِ إذا بَطَلَ لَهِيبُها ثُمَّ جَمْرُها وصارَتْ رَمادًا، ولَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم واعْتِرافُهم بِالظُّلْمِ وخُضُوعُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا.

21:16Page 323

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ١٦

And We did not create the heaven and earth and that between them in play.

ولَمّا ذَمَّهم بِاللَّعِبِ وبَيَّنَ أنَّهُ يَفْعَلُ في إهْلاكِ الظُّلْمِ وإنْجاءِ العَدْلِ فِعْلَ الجادِّ بِإحْقاقِ الحَقِّ بِالِانْتِقامِ لِأهْلِهِ، وإزْهاقِ الباطِلِ بِاجْتِثاثِهِ مِن أصْلِهِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: وما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَفْعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِن أفْعالِ الحِكْمَةِ العَرِيَّةِ عَنِ اللَّعِبِ، فَلَمْ نَخْلُقِ النّاسَ عَبَثًا يَعْصُونَنا ولا يُؤاخَذُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما خَلَقْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي تَقْتَضِي الجِدَّ ولا بُدَّ.

ولَمّا كانَ خَلْقُ السَّماءِ واحِدَةً يَكْفِي في الدَّلالَةِ عَلى الحِكْمَةِ فَكَيْفَ بِأكْثَرَ مِنها! وحَّدَ فَقالَ: ﴿السَّماءَ﴾ أيْ عَلى عُلُوِّها وإحْكامِها (p-٣٩٨)﴿والأرْضَ﴾ عَلى عِظَمِها واتِّساعِها ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مِمّا دَبَّرْناهُ لِتَمامِ المَنافِعِ مِن أصْنافِ البَدائِعِ وغَرائِبِ الصَّنائِعِ ﴿لاعِبِينَ﴾ غَيْرَ مُرِيدِينَ بِذَلِكَ تَحْقِيقَ الحَقائِقِ وإبْطالَ الأباطِيلِ، بَلْ خَلَقْنا [لَكم -] ذَلِكَ آيَةً عَظِيمَةً كافِيَةً في الوُصُولِ إلَيْنا لِيَظْهَرَ العَدْلُ في جَزاءِ كُلٍّ بِما يَسْتَحِقُّ، مَشْحُونَةً بِما يَقُوتُ الأجْسامَ، ويُهَيِّجُ النُّفُوسَ، ويَشْرَحُ الصُّدُورَ، ويُرَوِّحُ الأرْواحَ ويَبْعَثُ إلى الِاعْتِبارِ، كُلَّ مَن لَهُ اسْتِبْصارٌ، لِلدَّلالَةِ عَلى حِكْمَتِنا ووُجُوبِ وحْدانِيَّتِنا فاتَّخَذْتُمْ أنْتُمْ ما زادَ عَلى الحاجَةِ لَهْوًا صادًّا عَنِ الخَيْرِ، داعِيًا إلى الضَّيْرِ.

21:17Page 323

لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٧

Had We intended to take a diversion,1 We could have taken it from [what is] with Us - if [indeed] We were to do so.

ولَمّا نَفى عَنْهُ اللَّعِبَ، أتْبَعَهُ دَلِيلَهُ فَقالَ: ﴿لَوْ أرَدْنا﴾ أيْ [عَلى -] عَظَمَتِنا ﴿أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ يَكُونُ لَنا ومَنسُوبًا في لَهْوِهِ إلَيْنا، واللَّهْوُ - قالَ الأصْفَهانِيُّ: صَرْفُ الهَمِّ عَنِ النَّفْسِ بِالقَبِيحِ.

﴿لاتَّخَذْناهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِن لَدُنّا﴾ أيْ مِمّا يَلِيقُ أنْ يُنْسَبَ إلى حَضْرَتِنا بِما لَنا مِن تَمامِ القُدْرَةِ وكَمالِ العَظَمَةِ، وباهِرِ الجَلالَةِ والحِكْمَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ مَحْضَ لَهْوٍ لا جِدَّ فِيهِ أصْلًا، ولا يَخْلِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الكَدَرِ، (p-٣٩٩)ولا يَتَوَقَّفُ مَن يَراهُ في تَسْمِيَتِهِ لَهْوًا، لا يَكُونُ لَهُ عِنْدَهُ اسْمٌ غَيْرُ ذَلِكَ كَما لَوْ أنَّ شَمْسًا أُخْرى وُجِدَتْ لَمْ يَتَوَقَّفْ أحَدٌ في تَسْمِيَتِها شَمْسًا كَما قالَ تَعالى في السُّورَةِ الماضِيَةِ ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] أيْ فَهو بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ أحَدٌ في أنَّهُ مِن عِنْدِنا، وأنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ كَما مَضى، لَكِنّا لَمْ نُرِدْ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ، وما اتَّخَذْتُمُوهُ لَهْوًا فَإنّا خَلَقْناهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ ما فِيهِ مِنَ الشَّواغِلِ والمُنَغِّصاتِ والقَواطِعِ فاتَّخَذْتُمُوهُ أنْتُمْ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم لَهْوًا، فَكانَ أكْثَرُهُ لَكم ضُرًّا وعَلَيْكم شَرًّا، وخَصَّ الحَرالِّيُّ ”عِنْد“ بِما ظَهَرَ، و”لَدْن“ بِما بَطَنَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ: مِن حَضْرَتِنا الخاصَّةِ بِنا الخَفِيَّةِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها غَيْرُنا، لِأنَّ ما لِلْمَلِكِ لا يَكُونُ مُبْتَذَلًا، وكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ إلّا ما يَتَحَقَّقُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ رُؤْيَتَهُ فَوَحَّدَ السَّماءَ هُنا وجَمَعَها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ لِاقْتِضاءِ الحالِ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَنْبَغِي أنْ تُنَزَّهَ الحَضْرَةُ القُدُّوسِيَّةُ عَنْهُ وعَنْ مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ ولَوْ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِأداةِ شَرْطٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ لَهُ، ولَكِنَّهُ لا يَلِيقُ بِجَنابِنا فَلَمْ نَفْعَلْهُ ولا نَكُونُ فاعِلِينَ لَهُ

21:18Page 323

بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨

Rather, We dash the truth upon falsehood, and it destroys it,1 and thereupon it departs. And for you is destruction from that which you describe.2

﴿بَلْ﴾ وإشْعارًا لِهَذا المَعْنى بِالقَذْفِ والدَّمْغِ تَصْوِيرًا لِلْحَقِّ بِجَعْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ جِرْمٌ صُلْبٌ كالصَّخْرَةِ قَذَفَ بِها عَلى جِرْمٍ رَخْوٍ (p-٤٠٠)أجْوَفَ فَقالَ: ﴿نَقْذِفُ﴾ أيْ إنَّما شَأْنُنا أنْ نَرْمِيَ رَمْيًا شَدِيدًا ﴿بِالحَقِّ﴾ الَّذِي هو هَذا الذِّكْرُ الحَكِيمُ الَّذِي أنْزَلْناهُ جِدًّا كُلَّهُ وثَباتًا جَمِيعَهُ لا لَهْوَ فِيهِ ولا باطِلَ، ولا هو مُقارِبٌ لِشَيْءٍ مِنهُما، ولا تَقْدِرُونَ أنْ تَتَّخِذُوا شَيْئًا مِنهُ لَهْوًا اتِّخاذًا يُطابِقُكم عَلَيْهِ مُنْصِفٌ، فَنَحْنُ نَقْذِفُ بِهِ ﴿عَلى الباطِلِ﴾ الَّذِي أحْدَثْتُمُوهُ مِن غَيْرِ أنْفُسِكم ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أيْ فَيَمْحَقُهُ مَحْقَ المَكْسُورِ الدِّماغِ ﴿فَإذا هُوَ﴾ في الحالِ ﴿زاهِقٌ﴾ أيْ ذاهِبُ الرُّوحِ أيْ هالِكٌ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ما أفادَتْهُ ”إذا“ قَوْلَهُ: ﴿ولَكُمُ﴾ أيْ وإذًا لَكم أيُّها المُبْطِلُونَ ﴿الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ أيْ مِن وصْفِكم لِكُلِّ شَيْءٍ بِما تَهْوى أنْفُسُكم مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنّا [لَكُمْ-]، لِأنَّكم لا تَقِفُونَ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ، فَإنْ وصَفْتُمُ القُرْآنَ بِشَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَذَفْنا عَلَيْهِ بِما يُبَيِّنُ بُطْلانَهُ، بانَ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكم أنْ تُنادِمُوا الوَيْلَ بِمَيْلِكم كُلَّ المَيْلِ، وإنْ وصَفْتُمُ اللَّهَ أوِ الدُّنْيا أوْ غَيْرَهُما فَكَذَلِكَ إنَّما أنْتُمْ مُتَعَلِّقُونَ بِقُشُورٍ وظَواهِرَ لا يَرْضاها إلّا بَعِيدٌ عَنِ العَقْلِ مَحْجُوبٌ عَنِ الإدْراكِ؛

21:19Page 323

وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ ١٩

To Him belongs whoever is in the heavens and the earth. And those near Him [i.e., the angels] are not prevented by arrogance from His worship, nor do they tire.

ثُمَّ عَطَفَ أيْضًا عَلى ما لَزِمَ مِن ذَلِكَ القَذْفِ قَوْلَهُ: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ﴾ أيِ الأجْرامِ العالِيَةِ وهي ما تَحْتَ العَرْشِ، وجَمَعَ السَّماءَ هُنا لِاقْتِضاءِ تَعْمِيمِ المِلْكِ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَتْ عُقُولُهم لا تُدْرِكُ تَعَدُّدَ الأراضِي، وحَّدَ فَقالَ: (p-٤٠١)﴿والأرْضِ﴾ [أيْ ومَن فِيها -]، وذَلِكَ شامِلٌ - عَلى أنَّ التَّعْبِيرَ [بِمَن -] لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ - لِلسَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ الأرْضَ في السَّماواتِ، وكُلُّ سَماءٍ في الَّتِي فَوْقَها، والعُلْيا في العَرْشِ وهو سُبْحانَهُ ذُو العَرْشِ العَظِيمِ - كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَدَلَّ ذَلِكَ دَلالَةً عَقْلِيَّةً عَلى أنَّهُ مالِكُ الكُلِّ ومَلِكُهُ.

ولَمّا كانُوا يَصِفُونَ المَلائِكَةَ بِما لَهُمُ الوَيْلُ مِن وصْفِهِ، خَصَّهم بِالذِّكْرِ مُعَبِّرًا عَنْ خُصُوصِيَّتِهِمْ وقُرْبِهِمْ بِالعِنْدِيَّةِ تَمْثِيلًا بِما نَعْرِفُ مِن أصْفِياءِ المُلُوكِ عِنْدَ التَّعْبِيرِ بِعِنْدَ مِن مُجَرَّدِ القُرْبِ في المَكانَةِ لا في المَكانِ فَقالَ: ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ أيْ [هم لَهُ -] حالَ كَوْنِهِمْ لا ﴿يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ بِنَوْعِ كِبْرٍ طَلَبًا ولا إيجادًا ﴿ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أيْ ولا يَطْلُبُونَ أنْ يَنْقَطِعُوا عَنْ ذَلِكَ فَأنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ:

21:20Page 323

يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ ٢٠

They exalt [Him] night and day [and] do not slacken.

﴿يُسَبِّحُونَ﴾ أيْ يُنَزِّهُونَ المُسْتَحِقَّ لِلتَّنْزِيهِ بِأنْواعِ التَّنْزِيهِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ [الَّتِي هي عِبادَةٌ، فَهي مُقْتَضِيَةٌ مَعَ نَفْيِ النَّقائِصِ إثْباتَ الكَمالِ -] ﴿اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ [فِي جَمِيعِ آنائِهِما [دائِمًا. [ولَمّا لَمْ يُصَرِّحْ هُنا بِإنْكارٍ مِنهُمْ، ولا ما يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الاسْتِكْبارِ، لَمْ يُؤَكِّدْ ولا عَطَفَ بِالواوِ فَقالَ -]: ﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ [بِخِلافِ ما في ”فَصَلَتْ“ فَإنَّ الأمْرَ فِيها مَبْنِيٌّ عَلى حَدِّ اسْتِكْبارِهِمُ المُسْتَلْزِمِ (p-٤٠٢)لِإنْكارِهِمُ المُقْتَضِي لِلتَّأْكِيدِ -]، وكُلُّ هَذا في حَيِّزِ ”إذا“ أيْ إذا أنْزَلْنا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ مُنَبِّهًا عَلى أقاوِيلِكم مُبَيِّنًا لِأباطِيلِكُمْ، فاجَأهُ ظُهُورُ الزَّهُوقِ لِلْباطِلِ، والوَيْلُ لَكم والمُلْكُ لَهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ نَقْصٍ [ثابِتًا لَهُ بِالعِبادَةِ كُلُّ كَمالٍ -]، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ﴿نَقْذِفُ﴾ [الأنبياء: ١٨]

21:21Page 323

أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ ٢١

Or have they [i.e., men] taken for themselves gods from the earth who resurrect [the dead]?

ولَمّا كانُوا عِنْدَ هَذا البَيانِ جَدِيرِينَ بِأنْ يُبادِرُوا إلى التَّوْحِيدِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، كانُوا حَقِيقِينَ بَعْدَ الإعْراضِ عَنْهم - بِالتَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ والتَّعْنِيفِ فَقالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا﴾ أيْ أعَلِمُوا أنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ نافِذٌ فِيهِ أمْرُهُ فَرَجَعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ، أمْ لَمْ يَعْلَمُوهُ، أوْ عَمِلُوا ما يُنافِيهِ فاتَّخَذُوا ﴿آلِهَةً﴾

ولَمّا كانَتْ مَعْبُوداتُهم أصْنامًا أرْضِيَّةً مِن حِجارَةٍ ونَحْوِها قالَ: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ [أيِ -] الَّتِي هم مُشاهِدُونَ لِأنَّها وكُلَّ ما فِيها طَوْعُ مَشِيئَتِهِ ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿يُنْشِرُونَ﴾ أيْ يُحْيُونَ شَيْئًا مِمّا فِيها مِنَ الأجْسامِ النّامِيَةِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ صِفَةَ الإلَهِيَّةِ، وإفادَةُ السِّياقِ الحَصْرَ تُفِيدُ أنَّهُ لَوْ وقَعَ الإنْشاءُ لِأحَدٍ عَلى وجْهٍ يُجَوِّزُ مُشارَكَةَ غَيْرِهِ لَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ العِبادَةَ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ بِالإشارَةِ إلى أنَّهم عَبَدُوا ما هو [مِن -] أدْنى ما في الأرْضِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ ما يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، لِأنَّ الإنْسانَ أشْرَفُ ما فِيها، ولا يَخْفى ما لَهُ مِنَ (p-٤٠٣)الحاجَةِ المُبْعِدَةِ مِن تِلْكَ الرُّتْبَةِ الشَّمّاءِ.

21:22Page 323

لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢

Had there been within them [i.e., the heavens and earth] gods besides Allāh, they both would have been ruined. So exalted is Allāh, Lord of the Throne, above what they describe.

ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لَمْ يَتَّخِذُوا آلِهَةً بِهَذا الوَصْفِ، ولا شَيْءَ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ يَسْتَحِقُّ وصْفَ الإلَهِيَّةِ، أقامَ البُرْهانَ القَطْعِيَّ عَلى صِحَّةِ نَفْيِ إلَهٍ غَيْرِهِ بِبُرْهانِ التَّمانُعِ، وهو أشَدُّ بُرْهانٍ لِأهْلِ الكَلامِ فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما﴾ أيْ [فِي -] السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ في تَدْبِيرِهِما.

ولَمّا كانَ الأصْلُ فِيما بَعْدَ كُلٍّ مِن ”إلّا“ و”غَيْرِ“ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ ما قَبْلَهُما وإنْ كانَ مُغايِرًا لَهُ في العَيْنِ، صَحَّ وضْعُ كُلٍّ مِنهُما مَوْضِعَ الآخَرِ، واخْتِيرَ هُنا التَّعْبِيرُ بِأداةِ الِاسْتِثْناءِ والمَعْنى لِلصِّفَةِ إذْ هي تابِعَةٌ لِجَمِيعٍ مَنكُورٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ لِإفادَةِ إثْباتِ الإلَهِيَّةِ لَهُ سُبْحانَهُ مَعَ النَّفْيِ عَمّا عَداهُ، لِأنَّ ”لَوْلا“ - لِما فِيها مِنَ الامْتِناعِ - مُفِيدَةٌ لِلنَّفْيِ، فالكَلامُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ ”ما فِيهِما“ ﴿آلِهَةٌ إلا اللَّهُ﴾ أيْ مُدَبِّرُونَ غَيْرُ مَن تَفَرَّدَ بِصِفاتِ الكَمالِ، ولَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ غَيْرُهُ ﴿لَفَسَدَتا﴾ لِقَضاءِ العادَةِ بِالخِلافِ بَيْنَ المُتَكافِئِينَ المُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، ولِقَضاءِ العَقْلِ بِإمْكانِ الِاخْتِلافِ اللّازِمِ مِنهُ [إمْكانُ التَّمانُعِ اللّازِمِ مِنهُ إمْكانُ عَجْزِ أحَدِهِما اللّازِمِ مِنهُ -] أنْ لا يَكُونُ إلَهًا لِحاجَتِهِ، [وإذا انْتَفى الجَمْعُ، انْتَفى الِاثْنانِ مِن بابِ الأوْلى، لِأنَّ الجَمْعَ كُلَّما زادَ حارَبَ بَعْضُهم بَعْضًا فَقَلَّ الفَسادُ كَما نُشاهِدُ -].

ولَمّا أفادَ هَذا الدَّلِيلُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُدَبِّرُ لَها إلّا واحِدًا، وأنَّ ذَلِكَ الواحِدَ لا يَكُونُ إلّا اللَّهَ قالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ (p-٤٠٤)ذَلِكَ تَنَزُّهُ المُتَّصِفِ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿رَبِّ العَرْشِ﴾ [أيِ -] الَّذِي هو نِهايَةُ المَعْلُوماتِ مِنَ الأجْسامِ، [ورَبِّ ما دُونَهُ مِنَ السَّماواتِ والأراضِي وما فِيهِما -] المُتَفَرِّدِ بِالتَّدْبِيرِ، كَما يَتَفَرَّدُ المَلِكُ الجالِسُ عَلى السَّرِيرِ ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِمّا يُوهِمُ نَقْصًا ما،

21:23Page 323

لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣

He is not questioned about what He does, but they will be questioned.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُسْألُ﴾ أيْ مِن سائِلٍ [ما -] ﴿عَمّا يَفْعَلُ﴾ أيْ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لا كُفْؤَ لَهُ في عِلْمٍ ولا حِكْمَةٍ ولا قُدْرَةٍ [ولا عَظَمَةٍ -] ولا غَيْرِ ذَلِكَ، [فَلَيْسَ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ لِإتْقانِها مَوْضِعُ سُؤالٍ -]، فَمَهْما أرادَ كانَ ومَهْما قالَ فالحَسَنَ الجَمِيلَ، فَلَوْ شاءَ لَعَذَّبَ أهْلَ سَماواتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ، وكانَ ذَلِكَ مِنهُ عَدْلًا حَسَنًا، وهَذا مِمّا يَتَمادَحُ بِهِ أُولُو الهِمَمِ العَوالِي، كَما قالَ عامِرٌ الخَصَفِيُّ في هاشِمِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ الأشْعَرِ:

؎أحْيا أباهُ هاشِمَ بْنَ حَرْمَلَةْ يَوْمَ الهَباءاتِ ويَوْمَ اليَعْمَلَةْ

؎تَرى المُلُوكَ عِنْدَهُ مُغَرْبَلَةْ ∗∗∗ يَقْتُلُ ذا الذَّنْبِ ومَن لا ذَنْبَ لَهْ

قالَ ابْنُ هِشامٍ في مُقَدِّمَةِ السِّيرَةِ قَبْلَ ”أمْرِ البَسْلِ“ بِقَلِيلٍ: أنْشَدَنِي (p-٤٠٥)أبُو عُبَيْدَةَ هَذِهِ الأبْياتَ وحَدَّثَنِي أنَّ هاشِمًا قالَ لِعامِرٍ: قُلْ فِيَّ بَيْتًا جَيِّدًا أُثِبْكَ عَلَيْهِ، فَقالَ عامِرٌ البَيْتَ الأوَّلَ فَلَمْ يُعْجِبْ هاشِمًا، ثُمَّ قالَ البَيْتَ الثّانِي فَلَمْ يُعْجِبْهُ، ثُمَّ قالَ الثّالِثَ فَلَمْ يُعْجِبْهُ، فَلَمّا قالَ [الرّابِعَ -]

؎”ويَقْتُلُ ذا الذَّنْبِ ومَن لا ذَنْبَ لَهْ“

أعْجَبَهُ فَأثابَهُ عَلَيْهِ، [ومِن أعْجَبِ ما رَأيْتُ في حِكَمِ الأقْدَمِينَ أنَّ الشَّهْرِسْتانِيَّ قالَ في المِلَلِ: وقَدْ سَألَ بَعْضُ الدَّهْرِيَّةِ أرِسْطاطالِيسَ فَقالَ: إذا كانَ لَمْ يَزَلْ ولا شَيْءَ غَيْرُهُ ثُمَّ أحْدَثَ العالَمَ فَلِمَ أحْدَثَهُ؟ فَقالَ: ”لِمَ“ غَيْرُ جائِزٍ عَلَيْهِ، لِأنَّ لِمَ تَقْتَضِي عِلَّةً والعِلَّةُ مَحْمُولَةٌ فِيما هي عِلَّةٌ لَهُ مِن مُعِلٍّ فَوْقَهُ ولا عِلَّةَ فَوْقَهُ، ولَيْسَ بِمُرَكَّبٍ فَتَحْمِلُ ذاتُهُ العِلَلَ، فَلِمَ عَنْهُ مَنفِيَّةٌ-].

﴿وهم يُسْألُونَ﴾ مِن كُلِّ سائِلٍ لِما في أفْعالِهِمْ مِنَ الاخْتِلالِ بَلْ يُمْنَعُونَ عَنْ أكْثَرِ ما يُرِيدُونَ.

21:24Page 323

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤

Or have they taken gods besides Him? Say, [O Muḥammad], "Produce your proof. This [Qur’ān] is the message for those with me and the message of those before me."1 But most of them do not know the truth, so they are turning away.

ولَمّا قامَ الدَّلِيلُ، ووَضَحَ السَّبِيلُ، واضْمَحَلَّ كُلُّ قالٍ وقِيلٍ، فانْمَحَقَتِ الأباطِيلُ، قالَ مُنَبِّهًا لَهم عَلى ذَلِكَ: ﴿أمِ﴾ أيْ أرَجَعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ لَمّا بانَ [لَهم -] غَيُّهم فِيهِ فَوَحَّدُوا اللَّهَ أمْ ﴿اتَّخَذُوا﴾ ونَبَّهَ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ دُونَهُ وأثْبَتَ أنَّ آلِهَتَهم بَعْضٌ مِن ذَلِكَ بِإثْباتِ (p-٤٠٦)الجارِّ فَقالَ [مُنَبِّهًا لَهم -] مُكَرِّرًا لِما مَضى عَلى وجْهٍ أعَمَّ، طالِبًا البُرْهانَ تَلْوِيحًا إلى التَّهْدِيدِ: ﴿مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ مِنَ السَّماءِ أوِ الأرْضِ وغَيْرِهِما.

ولَمّا كانَ جَوابُهُمُ: اتَّخَذْنا، ولا يَرْجِعُ أمْرُهُ بِجَوابِهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ عَلى ما ادَّعَيْتُمُوهُ مِن عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ كَما أثْبَتُّ أنا بِبُرْهانِ النَّقْلِ المُؤَيَّدِ بِالعَقْلِ.

ولَمّا كانَ الكَرِيمُ سُبْحانَهُ لا يُؤاخِذُ بِمُخالَفَةِ العَقْلِ ما لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ دَلِيلُ النَّقْلِ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ مُشِيرًا إلى ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الرُّسُلَ مِنَ الكُتُبِ: ﴿هَذا ذِكْرُ﴾ أيْ مَوْعِظَةُ [وشَرَفُ -] ﴿مَن مَعِيَ﴾ مِمَّنْ آمَنَ بِي وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ بِعَجْزِكم عَنْ مُعارَضَتِهِ فانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيهِ شَيْئًا يُؤَيِّدُ أمْرَكم ﴿وذِكْرُ﴾ أيْ وهَذا ذِكْرُ ﴿مَن قَبْلِي﴾ فاسْألُوا أهْلَ الكِتابَيْنِ هَلْ في الكِتابِ مِنهُما بُرْهانٌ لَكم.

ولَمّا كانُوا لا يَجِدُونَ شُبْهَةً لِذَلِكَ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ اقْتَضى الحالُ الإعْراضَ عَنْهم غَضَبًا، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ بُرْهانًا ﴿بَلْ أكْثَرُهُمْ﴾ [أيْ هَؤُلاءِ المَدْعُوِّينَ -] ﴿لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ﴾ بَلْ هم جَهَلَةٌ والجَهْلُ أصْلُ الشَّرِّ والفَسادِ، [فَهم يَكْفُرُونَ تَقْلِيدًا ﴿فَهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ جَهْلِهِمْ ما افْتَتَحْنا بِهِ السُّورَةَ مِن أنَّهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عَنْ ذِكْرِكَ وذِكْرِ (p-٤٠٧)مَن قَبْلَكَ غَفْلَةً مِنهم عَمّا يُرادُ بِهِمْ وفِعْلًا بِاللَّعِبِ فِعْلَ القاصِرِ عَنْ دَرَجَةِ العَقْلِ، وبَعْضُهم مُعانِدٌ مَعَ عِلْمِهِ الحَقَّ]، وبَعْضُهم يَعْلَمُ فَيَفْهَمُ - كَما أفْهَمَهُ التَّقْيِيدُ بِالأكْثَرِ.

21:25Page 324

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥

And We sent not before you any messenger except We revealed to him that, "There is no deity except Me, so worship Me."

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ [بَيانًا لِما في الذِّكْرَيْنِ -]: ولَوْ أقْبَلُوا عَلى الذِّكْرِ لَعَلِمُوا أنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ في هَذا الذِّكْرِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا، ما أرْسَلْناكَ إلّا لِنُوحِيَ إلَيْكَ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا.

ولَمّا كانَ الإرْسالُ بِالفِعْلِ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِلزَّمانِ المُتَقَدِّمِ لِأنَّهُ كَما أنَّ الرِّسالَةَ لا يَقُومُ بِها كُلُّ أحَدٍ، فَكَذَلِكَ الإرْسالُ لا يَصْلُحُ لَهُ كُلُّ زَمَنٍ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾ في شِيَعِ الأوَّلِينَ ﴿إلا نُوحِي إلَيْهِ﴾ مِن عِنْدِنا ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾ ولَمْ يَقُلْ: نَحْنُ، لِئَلّا يَجْعَلُوها وسِيلَةً إلى شُبْهَةٍ، ولِذا قالَ: ﴿فاعْبُدُونِ﴾ بِالإفْرادِ، وتَرَكَ التَّصْرِيحَ بِالأمْرِ بِالتَّخْصِيصِ بِالعِبادَةِ لِفَهْمِهِ مِنَ المَقامِ والحالِ، فَإنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَهُ ولَكِنَّهم يُشْرِكُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ عِبادَةٍ فِيها شَوْبُ شِرْكٍ عَدَمٌ.

21:26Page 324

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦

And they say, "The Most Merciful has taken a son." Exalted is He! Rather, they1 are [but] honored servants.

ولَمّا دَلَّ عَلى نَفْيِ مُطْلَقِ الشَّرِيكِ عَقْلًا ونَقْلًا، فانْتَفى بِذَلِكَ كُلُّ فَرْدٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذا الِاسْمُ، عَجِبَ مِنَ ادِّعائِهِمُ الشِّرْكَةَ المُقَيَّدَةَ بِالوَلَدِ، فَقالَ (p-٤٠٨)عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [الأنبياء: ٣] ﴿وقالُوا﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ لِخُزاعَةَ حَيْثُ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: لِلْيَهُودِ [حَيْثُ -] قالُوا: إنَّهُ سُبْحانَهُ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ مِنهُمُ المَلائِكَةُ: ﴿اتَّخَذَ﴾ أيْ تَكَلَّفَ كَما يَتَكَلَّفُ مَن يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [أيِ -] الَّذِي كُلُّ مَوْجُودٍ مِن فَيْضِ نِعْمَتِهِ ﴿ولَدًا﴾

ولَمّا كانَ ذَلِكَ أعْظَمَ الذَّنْبِ، نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ عَنْهُ بِمَجْمَعِ التَّنْزِيهِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ تَنَزَّهَ [عَنْ -] أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي المُجانَسَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَلَدِ، ولا يَصِحُّ مُجانَسَةُ النِّعْمَةِ لِلْمُنْعِمِ الحَقِيقِيِّ ﴿بَلْ﴾ الَّذِي جَعَلُوهم لَهُ ولَدًا وهُمُ المَلائِكَةُ ﴿عِبادٌ﴾ مِن عِبادِهِ، أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإيجادِ كَما أنْعَمَ عَلى غَيْرِهِمْ لا أوْلادٌ، فَإنَّ العُبُودِيَّةَ تُنافِي الوَلَدِيَّةَ ﴿مُكْرَمُونَ﴾ بِالعِصْمَةِ مِنَ الزَّلَلِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ الإكْرامَ بِقَوْلِهِ:

21:27Page 324

لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ ٢٧

They cannot precede Him in word, and they act by His command.

﴿لا يَسْبِقُونَهُ﴾ [أيْ لا يَسْبِقُونَ إذْنَهُ -] ﴿بِالقَوْلِ﴾ أيْ [بِقَوْلِهِمْ، لِأنَّهم -] لا يَقُولُونَ شَيْئًا لَمْ يَأْذَنْ لَهم فِيهِ ويُطْلِقْهُ لَهم.

ولَمّا كانَ الواقِفُ عَمّا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ قَدْ لا يَفْعَلُ ما أُمِرَ بِهِ قالَ: ﴿وهم بِأمْرِهِ﴾ أيْ خاصَّةً إذا أمَرَهم ﴿يَعْمَلُونَ﴾ لا بِغَيْرِهِ لِأنَّهم (p-٤٠٩)فِي غايَةِ المُراقَبَةِ لَهُ فَجَمَعُوا في الطّاعَةِ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ وذَلِكَ غايَةُ الطّاعَةِ؛

21:28Page 324

يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨

He knows what is [presently] before them and what will be after them,1 and they cannot intercede except on behalf of one whom He approves. And they, from fear of Him, are apprehensive.

ثُمَّ عَلَّلَ إخْبارَهُ بِذَلِكَ بِعِلْمِهِ بِما هَذا المُخْبَرُ بِهِ مُنْدَرِجٌ فِيهِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ مِمّا [لَمْ -] يَعْمَلُوهُ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ مِمّا عَمِلُوهُ، أوْ يَكُونُ الأوَّلُ لِما عَمِلُوهُ والثّانِي لِما لَمْ يَعْمَلُوهُ، لِأنَّكَ تَطَّلِعُ عَلى ما قُدّامَكَ ويَخْفى عَلَيْكَ ما خَلْفَكَ، أيْ أنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِأحْوالِهِمْ ماضِيًا وحالًا ومَآلًا، لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِلازِمِ الجُمْلَةِ الأُولى فَقالَ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ﴾ [أيْ -] في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ ﴿إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ فَلا تَطْمَعُوا في شَفاعَتِهِمْ لَكم بِغَيْرِ رِضاهُ، وبِلازِمِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ فَقالَ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ﴾ أيْ لا مِن غَيْرِها ﴿مُشْفِقُونَ﴾ أيْ دائِمًا.

21:29Page 324

۞ وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩

And whoever of them should say, "Indeed, I am a god besides Him" - that one We would recompense with Hell. Thus do We recompense the wrongdoers.

ولَمّا نَفى الشَّرِيكَ مُطْلَقًا ثُمَّ مُقَيَّدًا بِالوَلَدِيَّةِ، أتْبَعَهُ التَّهْدِيدَ عَلى ادِّعائِهِ بِتَعْذِيبِ المَتْبُوعِ المُوجِبِ لِتَعْذِيبِ التّابِعِ فَقالَ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن كُلِّ مَن قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ حَتّى العِبادُ المُكْرَمُونَ الَّذِينَ وصَفَ كَرامَتَهم وقُرْبَ مَنزِلَتِهِمْ عِنْدَهُ وأثْنى عَلَيْهِمْ كَما رَواهُ البَيْهَقِيُّ في الخَصائِصِ مِنَ الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: (p-٤١٠)﴿إنِّي إلَهٌ﴾ ولَمّا كانَتِ الرُّتَبُ الَّتِي تَحْتَ رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ كَثِيرَةً، بَعَّضَ لِيَدُلَّ عَلى مَنِ اسْتَغْرَقَ بِطَرِيقِ الأوْلى فَقالَ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِن دُونِ اللَّهِ ﴿فَذَلِكَ﴾ [أيِ -] اللَّعِينُ الَّذِي لا يَصْلُحُ لِلتَّقْرِيبِ أصْلًا ما دامَ عَلى ذَلِكَ ﴿نَجْزِيهِ﴾ [أيْ -] بِعَظَمَتِنا ﴿جَهَنَّمَ﴾ لِظُلْمِهِ، فَأفْهَمَ تَعْذِيبُ مُدَّعِي الشِّرْكِ تَعْذِيبَ أتْباعِهِ مِن بابِ الأوْلى، وهو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّمْثِيلِ في المَلائِكَةِ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَكُونُ، وما ذاكَ إلّا لِقَصْدِ تَفْظِيعِ أمْرِ الشِّرْكِ وتَعْظِيمِ شَأْنِ التَّوْحِيدِ، [وفِي دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ في بابِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ والخَصائِصِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ [الفتح: ٢] دَلِيلٌ عَلى فَضْلِهِ ﷺ عَلى أهْلِ السَّماءِ -].

ولَمّا كانَ مُقْتَضِيًا لِلسُّؤالِ عَنْ غَيْرِ هَذا مِنَ الظَّلَمَةِ، قِيلَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الجَزاءِ الفَظِيعِ جِدًّا ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ كُلَّهم ما دامُوا عَلى ظُلْمِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском