Al-Biqa'iAl‑Anbya · 21:47–67

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:47–67

21:47Page 326

وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ٤٧

And We place the scales of justice for the Day of Resurrection, so no soul will be treated unjustly at all. And if there is [even] the weight of a mustard seed,1 We will bring it forth. And sufficient are We as accountant.

ولَمّا بَيَّنَ ما افْتَتَحَتِ السُّورَةَ مِنَ اقْتِرابِ السّاعَةِ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ واقْتِضاءِ الحِكْمَةِ لَهُ، وأنَّ كُلَّ أحَدٍ مَيِّتٌ لا يَسْتَطِيعُ شَيْئًا مِنَ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وخُتِمَتِ الآياتُ بِإقْرارِ الظّالِمِ بِظُلْمِهِ، وكانَتْ عادَةُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ الجَوْرَ عِنْدَ القُدْرَةِ، بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ بِخِلافِ ذَلِكَ فَذَكَرَ بَعْضَ ما يَفْعَلُ في حِسابِ السّاعَةِ مِنَ العَدْلِ فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ [الأنبياء: ٤٠] ﴿ونَضَعُ﴾ فَأبْرَزَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى هَوانِهِ عِنْدَهُ وإنْ كانَ لِكَثْرَةِ الخَلائِقِ وأعْمالِ كُلٍّ مِنهم مُتَعَذِّرًا عِنْدَنا ﴿المَوازِينَ﴾ المُتَعَدِّدَةَ لِتَعَدُّدِ المَوْزُوناتِ أوْ أنْواعِها. ولَمّا كانَتِ المَوازِينُ آلَةَ العَدْلِ، وصَفَها بِهِ مُبالَغَةً فَقالَ ﴿القِسْطَ﴾ أيِ العَدْلَ المُمَيِّزَ لِلْأقْسامِ عَلى السَّوِيَّةِ. (p-٤٢٩)ولَمّا كانَ الجَزاءُ عِلَّةً في وضْعِ المَقادِيرِ، عَبَّرَ بِاللّامِ لِيَشْمَلَ - مَعَ ما يُوضَعُ [فِيهِ -] - ما وُضِعَ الآنَ لِأجْلِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِيهِ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَنْهُ - لِإعْراضِكم عَنِ الذِّكْرِ - غافِلُونَ. ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ المَلِكَ قَدْ يَكُونُ عادِلًا فَظَلَمَ بَعْضَ أتْباعِهِ، بَيَّنَ أنَّ عَظَمَتَهُ في إحاطَةِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ تَأْبى ذَلِكَ، فَبَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ فَقالَ: ﴿فَلا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الوَضْعِ أنَّهُ لا ﴿تُظْلَمُ﴾ [أيْ مِن ظالِمٍ ما -] ﴿نَفْسٌ شَيْئًا﴾ مِن عَمَلِها ﴿وإنْ كانَ﴾ أيِ العَمَلُ ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالنَّصْبِ.

والتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ بِالرَّفْعِ: وإنْ وقَعَ أوْ وُجِدَ ﴿مِن خَرْدَلٍ﴾ أوْ أحْقَرَ مِنهُ، وإنَّما مَثَّلَ بِهِ لِأنَّهُ غايَةٌ عِنْدَنا في القِلَّةِ، [وزادَ في تَحْقِيرِهِ بِضَمِيرِ التَّأْنِيثِ لِإضافَتِهِ إلى المُؤَنَّثِ فَقالَ -]: ﴿أتَيْنا بِها﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ في العِلْمِ والقُدْرَةِ وجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَحاسَبْناهُ عَلَيْها، والمِيزانُ حَقِيقِيٌّ. ووَزْنُ الأعْمالِ عَلى صِفَةٍ يَصِحُّ وزْنُها مَعَها بِقُدْرَةِ مَن لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.

ولَمّا كانَ حِسابُ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ عَلى ما صَدَرَ مِنهم أمْرًا باهِرًا لِلْعَقْلِ، حَقَّرَهُ عِنْدَ عَظَمَتِهِ فَقالَ: ﴿وكَفى بِنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ (p-٤٣٠)﴿حاسِبِينَ﴾ أيْ لا يَكُونُ في الحِسابِ أحَدٌ مِثْلُنا، فَفِيهِ [تَوَعُّدٌ مِن جِهَةِ أنَّ مَعْناهُ أنَّهُ لا يَرُوجُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن خِداعٍ ولا يَقْبَلُ -] غَلَطًا، ولا يَضِلُّ ولا يَنْسى، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما يَلْزَمُ مِنهُ نَوْعُ لَبْسٍ أوْ شَوْبُ نَقْصٍ، [ووَعْدٌ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَطَّلِعُ عَلى كُلِّ حَسَنٍ فَقِيدٍ وإنْ دَقَّ وخَفِيَ -].

21:48Page 326

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨

And We had already given Moses and Aaron the criterion and a light and a reminder1 for the righteous

ولَمّا قَدَّمَ [فِي قَوْلِهِ -] ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء: ٢] - الآيَةِ وغَيْرِهِ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْ هَذا الذِّكْرِ تَعَلُّلًا بِأشْياءَ مِنها طَلَبُ آياتِ الأوَّلِينَ، ونَبَّهَ عَلى إفْراطِهِمْ في الجَهْلِ بِما رَدُّوا مِنَ الشَّرَفِ بِقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] ومَرَّ إلى أنْ خَتَمَ بِالتَّهْدِيدِ بِعَذابِهِ، وأنَّهُ يَحْكُمُ بِالقِسْطِ، وكانَ كِتابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ القُرْآنِ أعْظَمَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وكانَ أهْلُ الكِتابِ قَدْ أعْرَضُوا عَنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَلى زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِعِبادَةِ العِجْلِ وغَيْرِهِ وبَعْدَ مَوْتِهِ مَعَ كَوْنِ المُرْسَلِ بِهِ اثْنَيْنِ تَعاضَدا عَلى إبْلاغِهِ وتَقْرِيرِ أحْكامِهِ بَعْدَ أنْ بَهَرا العُقُولَ بِما أتَيا بِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي مِنها - كَما بَيَّنَ في [سُورَةِ البَقَرَةِ والأعْرافِ] - التَّصَرُّفُ في العَناصِرِ الأرْبَعَةِ الَّتِي هي أصْلُ الحَيَوانِ الَّذِي بَدَأ اللَّهُ مِنها خَلْقَهُ. ومَقْصُودُ السُّورَةِ الدَّلالَةُ عَلى إعادَتِهِ، ومِنها ما عَذَّبَ بِهِ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ الَّذِي هو مِيزانُ العَدْلِ لِما نَشَرَ مِنَ الضِّياءِ المُورِثِ لِلتَّبْصِرَةِ الماحِقَةِ لِلظَّلامِ، فَلا يَقَعُ مُتَّبِعُهُ في (p-٤٣١)ظُلْمٍ، وكانَ الحِسابُ تَفْصِيلَ الأُمُورِ ومُقابَلَةَ كُلٍّ مِنها بِما يَلِيقُ بِهِ، وذَلِكَ بِعَيْنِهِ هو الفُرْقانُ، قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ آيَةِ الحِسابِ عاطِفًا عَلى ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا﴾ [الأنبياء: ١٠] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ أخاهُ الَّذِي سَألَ أنْ يُشَدَّ أزْرُهُ بِهِ ﴿الفُرْقانَ﴾ الَّذِي تَعاضَدا عَلى إبْلاغِهِ والإلْزامِ بِما دَعا إلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، لا يَدَعُ لَبْسًا في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿وضِياءً﴾ لا ظَلامَ مَعَهُ، فَلا ظُلْمَ لِلْمُسْتَبْصِرِ بِهِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ مَن كانَ في الضِّياءِ أنْ لا يَضَعَ شَيْئًا إلّا في مَوْضِعِهِ ﴿وذِكْرًا﴾ أيْ وعْظًا وشَرَفًا.

ولَمّا كانَ مَن لا يَنْتَفِعُ بِالشَّيْءِ لا يَكُونُ لَهُ مِنهُ شَيْءٌ، قالَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صارَ [هَذا -] الوَصْفُ لَهم شِعارًا حامِلًا [لَهم -] عَلى التَّذْكِيرِ لِما يَدْعُو إلَيْهِ الكِتابُ مِنَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أصْلُ المُراقَبَةِ؛

21:49Page 326

ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ ٤٩

Who fear their Lord unseen,1 while they are of the Hour apprehensive.

ثُمَّ بَيَّنَ التَّقْوى [بِوَصْفِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾ أيْ يَخافُونَ خَوْفًا عَظِيمًا ﴿رَبَّهُمْ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْهِمْ بَعْدَ الإيجادِ بِالتَّرْبِيَةِ وأنْواعِ الإحْسانِ ﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ قَبْلَ أنْ يَكْشِفَ لَهُمُ الحِجابَ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ﴾ الَّتِي نَضَعُ فِيها المَوازِينَ وقَدْ أعْرَضَ عَنْها الجاهِلُونَ مَعَ كَوْنِها أعْظَمَ حامِلٍ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، ومُبْعِدٍ مِن كُلِّ ضَيْرٍ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ لِأنَّهم لِقِيامِها مُتَحَقِّقُونَ، وبِنَصْبِ المَوازِينِ فِيها عالِمُونَ.

21:50Page 326

وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٠

And this [Qur’ān] is a blessed message which We have sent down. Then are you with it unacquainted?1

(p-٤٣٢)ولَمّا ذَكَرَ فُرْقانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ العَرَبُ يُشاهِدُونَ إظْهارَ اليَهُودِ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ والمُقاتَلَةِ عَلى ذَلِكَ والِاغْتِباطِ، حَثَّهم عَلى كِتابِهِمُ الَّذِي هو أشْرَفُ مِنهُ فَقالَ: ﴿وهَذا﴾ فَأشارَ إلَيْهِ بِأداةِ القُرْبِ [إيماءً -] إلى سُهُولَةِ تَناوُلِهِ عَلَيْهِمْ ﴿ذِكْرٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ، ودَلَّهم عَلى أنَّهُ أثْبَتُ الكُتُبِ وأكْثَرُها فَوائِدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُبارَكٌ﴾ ودَلَّهم عَلى زِيادَةِ عَظَمَتِهِ بِما لَهُ مِن قُرْبِ الفَهْمِ والإعْجازِ وغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ -]: ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ رَدَّهُ ووَبَّخَهم في سِياقٍ دالٍّ عَلى أنَّهم أقَلُّ مِن أنْ يَجْتَرِئُوا عَلى ذَلِكَ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم أوْلى بِالمُجاهَدَةِ في هَذا الكِتابِ مِن أهْلِ الكِتابِ في كِتابِهِمْ فَقالَ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ﴾ أيْ لِتَكُونُوا دُونَ أهْلِ الكِتابِ بِرَدِّ ما أُنْزِلَ لِتَشْرِيفِكم عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ مَعَ أنَّكم لا تُنْكِرُونَ كِتابَهم ﴿مُنْكِرُونَ﴾ أيْ أنَّهُ لَوْ أنْكَرَهُ غَيْرُكم لَكانَ يَنْبَغِي لَكم مُناصَبَتُهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ الإنْكارُ مِنكُمْ؟

21:51Page 326

۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ٥١

And We had certainly given Abraham his sound judgement before,1 and We were of him well-Knowing

ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ الدَّلالَةَ عَلى القُدْرَةِ عَلى ما اسْتَبْعَدَهُ العَرَبُ مِن إعادَةِ الحَيَوانِ بَعْدَ كَوْنِهِ تُرابًا، وبَدَأ ذِكْرَ الأنْبِياءِ بِمَن صَرَفَهُ في العَناصِرِ الأرْبَعَةِ كَما تَقَدَّمَ قَصُّ ذَلِكَ مِنَ التَّوْراةِ في [سُورَتَيِ البَقَرَةِ والأعْرافِ] إشارَةً إلى مَنِ اسْتَبْعَدَ عَلَيْهِ ما جَعَلَهُ إلى بَعْضِ عَبِيدِهِ (p-٤٣٣)أعْمى النّاسِ، تَلاهُ مِنَ الأنْبِياءِ بِمَن سَخَّرَ لَهُ واحِدًا مِن تِلْكَ العَناصِرِ، مُرَتِّبًا لَهم عَلى الأخَفِّ في ذَلِكَ فالأخَفِّ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي، فَبَدَأهم بِذِكْرِ مَن سَخَّرَ لَهُ عُنْصُرَ النّارِ، مَعَ التَّنْبِيهِ لِلْعَرَبِ عَلى عَماهم عَنِ الرُّشْدِ بِإنْكارِهِ لِلشِّرْكِ بِعِبادَةِ الأوْثانِ عَلى أبِيهِ وغَيْرِهِ، ودُعائِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ، والمُجاهَدَةِ في اللَّهِ عَلى ذَلِكَ حَقَّ الجِهادِ، وهو أعْظَمُ آباءِ الرّادِّينَ لِهَذا الذِّكْرِ، والمُسْتَمْسِكِينَ بِالشِّرْكِ تَقْلِيدًا لِلْآباءِ، إثْباتًا لِلْقُدْرَةِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ الدّاعِي إلَيْهِ جَمِيعُ هَؤُلاءِ الأصْفِياءِ، هَذا مَعَ مُشارَكَتِهِ بِإنْزالِ الصُّحُفِ عَلَيْهِ لِمُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُشارَكَتِهِ لَهُما في الهِجْرَةِ، وإذا تَأمَّلْتَ ما في سُورَتَيِ الفُرْقانِ والشُّعَراءِ ازْدادَ ما قُلْتُهُ وُضُوحًا، فَإنَّهُ لَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم قالُوا ﴿لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] بَدَأ بِقِصَّةِ مُوسى الَّذِي كَتَبَ لَهُ رَبُّهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وقَوْمُهُ مُقِرُّونَ بِعَظَمَةِ كِتابِهِ وأنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما بَهَرَ العُقُولَ، وكَفَرَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ [كَثِيرٌ مِنهم -]. ولَمّا قالَ في الشُّعَراءِ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء: ٥] الآيَةَ كَما هُنا، صَنَعَ كَما صَنَعَ هُنا مِنَ البَداءَةِ بِقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإيلائِها ذِكْرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ [بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ -] ﴿إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيْ صَلاحَهُ (p-٤٣٤)وإصابَتَهُ وجْهَ الأمْرِ واهْتِداءَهُ إلى عَيْنِ الصَّوابِ وأدَلِّ الدَّلالَةِ وأعْرَفِ العُرْفِ وأشْرَفِ القَصْدِ الَّذِي جَلَبْناهُ عَلَيْهِ؛ وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: والرُّشْدُ قُوَّةٌ بَعْدَ الهِدايَةِ - انْتَهى. وأضافَهُ إلَيْهِ إشارَةً إلى أنَّهُ رُشْدٌ يَلِيقُ بِهِ عَلى عُلُوِّ مَقامِهِ وعِظَمِ شَأْنِهِ لا جَرَمَ ظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُ ذَلِكَ مِن بَيْنِ أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ كُلِّهِمْ فَآثَرَ الإسْلامَ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المِلَلِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿وكُنّا﴾ [بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ -] ﴿بِهِ﴾ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿عالِمِينَ﴾ بِأنَّهُ جِبِلَّةً خَيْرٌ يَدُومُ عَلى الرُّشْدِ ويَتَرَقّى فِيهِ إلى أعْلى دَرَجاتِهِ لِما طَبَعْناهُ عَلَيْهِ بِعَظَمَتِنا مِن طَبائِعِ الخَيْرِ؛ وتَعْلِيقُ

21:52Page 326

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ ٥٢

When he said to his father and his people, "What are these statues to which you are devoted?"

﴿إذْ قالَ﴾ [أيْ إبْراهِيمُ -] ﴿لأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ بِـ ﴿عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] إشارَةٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ لَمّا كانَ بِإذْنٍ مِنّا ورِضىً لَنا نَصَرْناهُ - وهو وحْدَهُ - عَلى قَوْمِهِ كُلِّهِمْ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ يُرْضِينا لَمَنَعْناهُ مِنهُ بِنَصْرِ قَوْمِهِ عَلَيْهِ وتَمْكِينِ النّارِ مِنهُ، فَهو مِثْلُ ما مَضى في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٤] ومَفْهُومُ هَذا القَيْدِ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ لا يُحْصِي ما يَنْفِيهِ مِنَ المَنطُوقاتِ، وإنْ شِئْتَ فَعَلِّقْهُ بِـ ”آياتنا“؛ ثُمَّ ذَكَرَ مَقُولَ القَوْلِ في قَوْلِهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُحَقِّرًا لِأصْنامِهِمْ في أُسْلُوبِ التَّجاهُلِ لِإثْباتِ دَعْوى جَهْلِهِمْ بِدَلِيلٍ: (p-٤٣٥)﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ أيِ الصُّوَرُ الَّتِي صَنَعْتُمُوها مُماثِلِينَ بِها ما فِيهِ رُوحٌ، جاعِلِينَ بِها ما لا يَكُونُ إلّا لِمَن لا مِثْلَ لَهُ، وهي الأصْنامُ ﴿الَّتِي أنْتُمْ لَها﴾ أيْ لِأجْلِها وحْدَها، مَعَ كَثْرَةِ ما يُشابِهُها وما هو أفْضَلُ مِنها ﴿عاكِفُونَ﴾ أيْ مُوقِعُونَ الإقْبالَ عَلَيْها مُواظِبُونَ عَلى ذَلِكَ، فَبِأيِّ مَعْنىً اسْتَحَقَّتْ مِنكم هَذا الِاخْتِصاصَ، وإنَّما هي مِثالٌ لِلْحَيِّ في الصُّورَةِ وهو أعْلى مِنها بِالحَياةِ الَّتِي أفاضَها اللَّهُ عَلَيْهِ.

21:53Page 326

قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ ٥٣

They said, "We found our fathers worshippers of them."

ولَمّا أتاهم بِهَذا القاصِمِ، اسْتَأْنَفَ الخَبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ مُسَوِّينَ أنْفُسَهم بِالبَهائِمِ الَّتِي تُقادُ ولا عِلْمَ بِما قِيدَتْ لَهُ: ﴿وجَدْنا آباءَنا لَها﴾ خاصَّةً ﴿عابِدِينَ﴾ فاقْتَدَيْنا بِهِمْ لا حُجَّةَ لَنا غَيْرُ ذَلِكَ.

21:54Page 326

قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٥٤

He said, "You were certainly, you and your fathers, in manifest error."

ولَمّا غَلَوْا في الجَهْلِ غَيْرَ مُحْتَشِمِينَ مِن إقْرارِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِهِ، بِالِاسْتِنادِ إلى مَحْضِ التَّقْلِيدِ بَعْدَ إفْلاسِهِمْ مِن أدْنى شُبْهَةٍ فَضْلًا عَنْ دَلِيلٍ، اسْتَأْنَفَ اللَّهُ تَعالى الإخْبارَ عَنْ جَوابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ مُنَبِّهًا لَهم بِسَوْطِ التَّقْرِيعِ عَلى أنَّ الكَلامَ مَعَ آبائِهِمْ كالكَلامِ مَعَهُمْ: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ﴾ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ﴾ لِأجْلِ صِحَّةِ العَطْفِ لِأنَّ الضَّمِيرَ [المَرْفُوعَ -] المُتَّصِلَ حُكْمُهُ حُكْمُ جُزْءِ الفِعْلِ، هَذا مَعَ الإشارَةِ إلى الحُكْمِ عَلى (p-٤٣٦)ظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿وآباؤُكُمْ﴾ أيْ مِن قَبْلِكم ﴿فِي ضَلالٍ﴾ قَدْ أحاطَ بِكم إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ والمَسْلُوكِ بِالسِّلْكِ ﴿مُبِينٍ﴾ لَيْسَ بِهِ نَوْعٌ مِنَ الخَفاءِ.

21:55Page 326

قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ ٥٥

They said, "Have you come to us with truth, or are you of those who jest?"

ولَمّا لَمْ تَكُنْ عادَتُهُ مُواجَهَةَ أحَدٍ بِما يَكْرَهُ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْهم بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿قالُوا﴾ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ: ﴿أجِئْتَنا﴾ في هَذا الكَلامِ ﴿بِالحَقِّ﴾ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ ﴿أمْ أنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ﴾ فَظاهِرُ كَلامِكَ غَيْرُ حَقٍّ

21:56Page 326

قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٦

He said, "[No], rather, your Lord is the Lord of the heavens and the earth who created them, and I, to that, am of those who testify.

﴿قالَ﴾ [بانِيًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ -]: لَيْسَ كَلامِي لَعِبًا، بَلْ هو جِدٌّ، وهَذِهِ التَّماثِيلُ لَيْسَتْ أرْبابًا ﴿بَلْ رَبُّكُمْ﴾ الَّذِي يَسْتَحِقُّ مِنكُمُ اخْتِصاصَهُ بِالعِبادَةِ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُدَبِّرُهُنَّ القائِمُ بِمَصالِحِهِنَّ ﴿الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ أوْجَدَهُما وشَقَّ بِهِما ظُلْمَةَ العَدَمِ، وأنْتُمْ وتَماثِيلُكم مِمّا فِيهِما مِن مَصْنُوعاتِهِ أنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِذَلِكَ إذا رَجَعْتُمْ إلى عُقُولِكم مُجَرَّدَةً عَنِ الهَوى ﴿وأنا عَلى ذَلِكُمْ﴾ الأمْرِ البَيِّنِ مِن أنَّهُ رَبُّكم وحْدَهُ فَلا تَجُوزُ عِبادَةُ غَيْرِهِ ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلى إقامَةِ الدَّلِيلِ (p-٤٣٧)عَلى ما يَشْهَدُونَ بِهِ لِأنَّهم لَمْ يَشْهَدُوا إلّا عَلى ما هو عِنْدَهم مِثْلُ الشَّمْسِ، لا كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ حِينَ اضْطَرَّكُمُ السُّؤالُ إلى الضَّلالِ.

21:57Page 326

وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ ٥٧

And [I swear] by Allāh, I will surely plan against your idols after you have turned and gone away."

ولَمّا أقامَ البُرْهانَ عَلى إثْباتِ الإلَهِ الحَقِّ، أتْبَعَهُ البُرْهانَ عَلى إبْطالِ الباطِلِ [فَقالَ-]: ﴿وتاللَّهِ﴾ وهو القَسَمُ، والأصْلُ في القَسَمِ الباءُ المُوَحَّدَةُ، والواوُ بَدَلٌ مِنها، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، وفِيها - مَعَ كَوْنِها بَدَلًا - زِيادَةٌ عَلى التَّأْكِيدِ بِالتَّعَجُّبِ: قالَ الأصْبَهانِيُّ: كَأنَّهُ تَعَجَّبَ مِن تَسَهُّلِ الكَيْدِ عَلى يَدِهِ - انْتَهى. وفِيها أيْضًا أنَّها تَدُلُّ عَلى رُجُوعِ التَّسَبُّبِ باطِنًا، فَكَأنَّها إشارَةٌ إلى أنَّهُ بَعْدَ أنْ تَسَبَّبَ في رَدِّهِمْ عَنْ عِبادَتِها ظاهِرًا بِما خاطَبَهم بِهِ، تَسَبَّبَ مِن ذَلِكَ ثانِيًا باطِنًا بِإفْسادِها ﴿لأكِيدَنَّ﴾ أكَّدَ لِأنَّهُ مِمّا يُنْكَرُ لِشِدَّةِ عُسْرِهِ؛ والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ في الضَّرَرِ ﴿أصْنامَكُمْ﴾ أيْ هَذِهِ الَّتِي عَكَفْتُمْ عَلَيْها ناسِينَ الَّذِي خَلَقَكم وإيّاها، أيْ لَأفْعَلَنَّ بِها ما يَسُوءُكم بِضَرْبٍ مِنَ الحِيلَةِ.

ولَمّا كانَ عَزْمُهُ عَلى إيقاعِ الكَيْدِ في جَمِيعِ الزَّمانِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ تَوَلِّيهِمْ في أيِّ جُزْءٍ تَيَسَّرَ لَهُ مِنهُ، أسْقَطَ الجارَّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا﴾ أيْ تُوقِعُوا التَّوَلِّيَ عَنْها، وحَقَّقَ مُرادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُدْبِرِينَ﴾ (p-٤٣٨)لِأُنْزِلَكم مِنَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَلى تَحْقِيقِ الحَقِّ إذْ لَمْ تَكُونُوا مِن أهْلِهِ إلى الدَّلِيلِ الحِسِّيِّ عَلى إبْطالِ الباطِلِ.

21:58Page 327

فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ ٥٨

So he made them into fragments, except a large one among them, that they might return to it [and question].

ولَمّا كانُوا في غايَةِ التَّعْظِيمِ لِأصْنامِهِمْ لِرُسُوخِ أقْدامِهِمْ في الجَهْلِ، لَمْ يَقَعْ في أوْهامِهِمْ قَطُّ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُقْدِمُ عَلى ما قالَ، وعَلى تَقْدِيرِ إقْدامِهِ الَّذِي هو عِنْدَهم مِن قَبِيلِ المُحالِ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، فَتَوَلَّوْا إلى عِيدِهِمْ، وقَصَدَ هو ما كانَ عَزَمَ عَلَيْهِ فَشَمَّرَ في إنْجازِهِ تَشْمِيرًا يَلِيقُ بِتَعْلِيقِهِ اليَمِينَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ أيْ عَقِبَ تَوَلِّيهِمْ ﴿جُذاذًا﴾ قِطَعًا مُهَشَّمَةً مُكَسَّرَةً مُفَتَّتَةً، مِنَ الجَذِّ وهو القَطْعُ ﴿إلا كَبِيرًا﴾ واحِدًا ﴿لَهُمْ﴾ أيْ لِلْأصْنامِ أوْ لِعُبّادِها فَإنَّهُ لَمْ يَكْسِرْهُ وجَعَلَ الفَأْسَ مَعَهُ ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيْ أهْلَ الضَّلالِ ﴿إلَيْهِ﴾ وحْدَهُ ﴿يَرْجِعُونَ﴾ عِنْدَ إلْزامِهِ لَهم بِالسُّؤالِ فَتَقُومُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ، إذْ لَوْ تَرَكَ غَيْرَهُ مَعَهُ لَرُبَّما زَعَمُوا أنَّ كُلًّا يَكِلُ الكَلامَ إلى الآخَرِ عِنْدَ السُّؤالِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، فَلَمّا عادُوا إلى أصْنامِهِمْ فَوَجَدُوها عَلى تِلْكَ الحالِ عُلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ مِن أمْرٍ هائِلٍ، فاسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ:

21:59Page 327

قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٩

They said, "Who has done this to our gods? Indeed, he is of the wrongdoers."

﴿قالُوا﴾ أيْ أهْلُ الضَّلالِ: ﴿مَن فَعَلَ هَذا﴾ (p-٤٣٩)الفِعْلَ الفاحِشَ ﴿بِآلِهَتِنا﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا الخَبَرَ عَنِ الفاعِلِ فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ ما أقامَهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى بُطْلانِها يُمِيلُ القُلُوبَ إلى اعْتِقادِ أنَّ هَذا الفِعْلَ حَقٌّ: ﴿إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ حَيْثُ وضَعَ الإهانَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، فَإنَّ الآلِهَةَ حَقُّها الإكْرامُ، لا الإهانَةُ والِانْتِقامُ

21:60Page 327

قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ ٦٠

They said, "We heard a young man mention them who is called Abraham."

﴿قالُوا﴾ أيْ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿سَمِعْنا﴾ ولَمْ يُرِيدُوا تَعْظِيمَهُ مَعَ شُهْرَتِهِ وشُهْرَةِ أبِيهِ وعَظَمَتِهِما فِيهِمْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهِ مَن لا يَعْرِفُهُ فَنَكَّرُوهُ [بِقَوْلِهِمْ-]:﴿فَتًى﴾ [أيْ -] شابًّا مِنَ الشُّبّانِ ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾ أيْ بِالنَّقْصِ والعَيْبِ ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ يَعْنُونَ: فَهو الَّذِي يُظَنُّ أنَّهُ فَعَلَهُ

21:61Page 327

قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ ٦١

They said, "Then bring him before the eyes of the people that they may testify."1

﴿قالُوا﴾ مُسَبِّبِينَ عَنْ هَذا كارِهِينَ لِأنْ يَأْخُذُوهُ سِرًّا فَيُقالَ: أُخِذَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وهم كَفَرَةٌ وهو قَدْ خالَفَهم في دِينِهِمْ فَإلى اللَّهِ المُشْتَكى مِن قَوْمٍ يَأْخُذُونَ أكابِرَ أهْلِ دِينِهِمْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ بَلْ ولا ظِنَّةٍ ﴿فَأْتُوا بِهِ﴾ إلى هُنا أيْ إلى بَيْتِ الأصْنامِ ﴿عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ أيْ جَهْرَةً، والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ نَظَرًا لا خَفاءَ مَعَهُ حَتّى كَأنَّهُ ماشٍ عَلى أبْصارِهِمْ، مُتَمَكِّنٌ مِنها تَمَكُّنَ الرّاكِبِ عَلى المَرْكُوبِ، وعَبَّرَ بِالعَيْنِ عَنِ البَصَرِ لِيُفْهِمَ الأكابِرَ، وبِجْمَعِ القِلَّةِ لِإفادَةِ السِّياقِ الكَثْرَةَ، فَيُفِيدُ الأمْرانِ قِلَّةً ما، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن جَمْعِ الكَثْرَةِ جَمِيعُ النّاسِ مُطْلَقًا ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ إذا رَأوْهُ ﴿يَشْهَدُونَ﴾ أيْ أنَّهُ فَعَلَ بِالآلِهَةِ هَذا (p-٤٤٠)الفِعْلَ، أوْ أنَّهُ ذَكَرَها بِسُوءٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِأخْذِهِ بِذَلِكَ، أوْ يَشْهَدُ بِفِعْلِهِ بَعْضُهُمْ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا حَضَرَ كانَتْ أحْوالُهُ بِالذِّكْرِ أوْلى مِنها إذا كانَ غائِبًا، وكانَ هَذا عَيْنَ ما قَصَدَهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُبَيِّنَ - في هَذا المَحْفِلِ الَّذِي لا يُوجَدُ مِثْلُهُ - ما هم عَلَيْهِ مِن واضِحِ الجَهْلِ المُتَضَمِّنِ قِلَّةَ العَقْلِ.

21:62Page 327

قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ٦٢

They said, "Have you done this to our gods, O Abraham?"

ولَمّا كانَ إحْضارُهُ مَعْلُومًا أنَّهم لا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ، اسْتَأْنَفَ إخْبارَهُ لِما يَقَعُ التَّشَوُّفُ لَهُ فَقالَ: ﴿قالُوا﴾ مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ مُقَرِّرِينَ، لَهُ بَعْدَ حُضُورِهِ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ: ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ الفِعْلَ الفاحِشَ ﴿بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾

21:63Page 327

قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ ٦٣

He said, "Rather, this - the largest of them - did it, so ask them, if they should [be able to] speak."

﴿قالَ﴾ مُتَهَكِّمًا لَهم ومُلْزِمًا بِالحُجَّةِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ غَيْرَةً مِن أنْ يُعْبَدَ مَعَهُ مَن هو دُونَهُ، وهَذا عَلى طَرِيقِ إلْزامِ الحُجَّةِ؛ وتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا﴾ إشارَةً إلى الَّذِي تَرَكَهُ بِغَيْرِ كَسْرٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ فِيهِمْ كَبِيرٌ غَيْرُهُ. وكَذا التَّنْكِيرُ فِيما مَضى مِن قَوْلِهِ ﴿إلا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٨] وهَذا - مَعَ كَوْنِهِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وكِنايَةً عَنْ أنَّهم لا عَقْلَ لَهم لِعِبادَتِهِمْ مَن يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلٍ ما - تَنْبِيهٌ عَلى قَباحَةِ الشِّرْكِ، وأنَّهُ لا يَرْضى بِهِ إلَهٌ بَلْ يُهْلِكُ مَن عَبَدَ غَيْرَهُ وكُلَّ ما عُبِدَ مِن دُونِهِ إنْ كانَ قادِرًا، غَيْرَةً عَلى مَقامِهِ العَظِيمِ، ومَنصِبِهِ الجَسِيمِ.

ولَمّا أخْبَرَ بِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ رَآهُ حَتّى يَشْهَدَ عَلى فِعْلِهِ، وكانُوا (p-٤٤١)قَدْ أحَلُّوهم بِعِبادَتِهِمْ ووَضْعِ الطَّعامِ لَهم مَحَلَّ مَن يَعْقِلُ، سَبَّبَ عَنْهُ أمْرَهم بِسُؤالِهِمْ فَقالَ: ﴿فاسْألُوهُمْ﴾ أيْ عَنِ الفاعِلِ لِيُخْبِرُوكم بِهِ ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ عَلى زَعْمِكم أنَّهم آلِهَةٌ يَضُرُّونَ ويَنْفَعُونَ، فَإنْ قَدَرُوا عَلى النُّطْقِ أمْكَنَتْ مِنهُمُ القُدْرَةُ وإلّا فَلا، أمّا سُؤالُ الصَّحِيحِ فَواضِحٌ، وأمّا غَيْرُهُ فَكَما يَسْألُ النّاسُ مَن جُرِحَ أوْ قُطِعَتْ يَدُهُ أوْ رِجْلُهُ أوْ ضُرِبَ وسَطُهُ وبَقِيَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِن رَمَقٍ، وإسْنادُهُ الفِعْلَ إلى ما لا يَصِحُّ إسْنادُهُ إلَيْهِ وأمْرُهُ بِسُؤالِهِ بَعْدَ الإضْرابِ عَنْ فِعْلِهِ مُتَضَمِّنٌ لِأنَّهُ هو الفاعِلُ.

21:64Page 327

فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٦٤

So they returned to [blaming] themselves and said [to each other], "Indeed, you are the wrongdoers."

ولَمّا كانَ رُوحُ الكَلامِ إقْرارَهُ بِالفِعْلِ وجَعْلَهم مَوْضِعَ الهُزْءِ لِأنَّهم عَبَدُوا ما لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى دِفاعٍ أصْلًا تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى الدّالُّ عَلى خِزْيِهِمْ: ﴿فَرَجَعُوا﴾ أيِ الكَفَرَةُ ﴿إلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِمَعْنى أنَّهم فَكَّرُوا فِيما قالَ فاضْطَرَّهُمُ الدَّلِيلُ إلى أنْ تَحَقَّقُوا أنَّهم عَلى مَحْضِ الباطِلِ وأنَّ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ المُمْكِنَةَ عَقْلًا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ عادَةً ﴿فَقالُوا﴾ يُخاطِبُ بَعْضُهم بَعْضًا [مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ حالَهم يَقْتَضِي إنْكارَهم لِظُلْمِهِمْ -]: ﴿إنَّكم أنْتُمُ﴾ خاصَّةً ﴿الظّالِمُونَ﴾ لِكَوْنِكم وضَعْتُمُ العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، لا إبْراهِيمُ فَإنَّهُ أصابَ في إهانَتِهِمْ سَواءَ المَحَزِّ ووافَقَ عَيْنَ الغَرَضِ، (p-٤٤٢)وفِي أنَّكم بَعْدَ أنْ عَبَدْتُمُوها ولا قُدْرَةَ لَها تَرَكْتُمُوها بِلا حافِظٍ.

21:65Page 327

ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥

Then they reversed themselves,1 [saying], "You have already known that these do not speak!"

ولَمّا كانَ رُجُوعُهم إلى الضَّلالِ بَعْدَ هَذا الإقْرارِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ في غايَةِ البُعْدِ، عَبَّرَ بِأداتِهِ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا﴾ أيِ انْقَلَبُوا في الحالِ غَيْرَ مُسْتَحِينَ مِمّا يَلْزَمُهم مِنَ الإقْرارِ بِالسَّفَهِ حَتّى كَأنَّهم قَلَبَهم قالِبٌ لَمْ يُمْكِنْهم دَفْعُهُ ﴿عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ فَصارَ أعْلاهم أسْفَلَهم بِرُجُوعِهِمْ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، مِن قَوْلِهِمْ: نُكِسَ المَرِيضُ - إذا رَجَعَ إلى حالِهِ الأوَّلِ، قائِلِينَ في مُجادَلَتِهِ عَنْ شُرَكائِهِمْ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا إبْراهِيمُ! ﴿ما هَؤُلاءِ﴾ لا صَحِيحُهم ولا جَرِيحُهم ﴿يَنْطِقُونَ﴾ فَكانُوا بِما فاهُوا بِهِ ظانِّينَ أنَّهُ يَنْفَعُهُمْ، مُمَكِّنِينَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جَلائِلِ المَقاتِلِ.

21:66Page 327

قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ ٦٦

He said, "Then do you worship instead of Allāh that which does not benefit you at all or harm you?

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا إقْرارُهم بِأنَّهم لا فائِدَةَ فِيهِمْ، فاتَّجَهَتْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمُ، اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُوَبِّخًا لَهم مُسَبِّبًا عَنْ إقْرارِهِمْ هَذا: ﴿أفَتَعْبُدُونَ﴾ ونَبَّهَهم عَلى أنَّ جَمِيعَ الرُّتَبِ تَتَضاءَلُ دُونَ رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مِن أدْنى رُتْبَةٍ مِن تَحْتِ رُتْبَةِ المَلِكِ الَّذِي لا ضُرَّ ولا نَفْعَ إلّا بِيَدِهِ لِاسْتِجْماعِهِ صِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا كانُوا في مَحَلِّ ضَرُورَةٍ بِسَبَبِ تَكْسِيرِ (p-٤٤٣)أصْنامِهِمْ، راجِينَ مَن يَنْفَعُهم في ذَلِكَ، قَدَّمَ النَّفْعَ فَقالَ: ﴿ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا﴾ لِتَرْجُوهُ ﴿ولا يَضُرُّكُمْ﴾ شَيْئًا لِتَخافُوهُ.

21:67Page 327

أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٧

Uff1 to you and to what you worship instead of Allāh. Then will you not use reason?"

ولَمّا أثْبَتَ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ هَذِهِ في حَيِّزِ العَدَمِ، فَكانُوا لِعِبادَتِها دُونَها، اسْتَأْنَفَ تَبْكِيتَهم لِذَلِكَ بِأعْلى كَلِماتِ التَّحْقِيرِ الَّتِي لا تُقالُ إلّا لِما هو غايَةٌ في القَذارَةِ فَقالَ: ﴿أُفٍّ﴾ أيْ تَقَذُّرٌ وتَحْقِيرٌ مِنِّي، وفي الأحْقافِ ما يَتَعَيَّنُ اسْتِحْضارُهُ هُنا، ثُمَّ خَصَّ ذَلِكَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكم ولِما تَعْبُدُونَ﴾ [ولَمّا كانَتْ -] عِبادَتُهم عَلى وجْهِ الإشْراكِ، وكانَتْ [جَمِيعُ الرُّتَبِ تَحْتَ رُتْبَتِهِ تَعالى، وكانَتْ أصْنامُهم هَذِهِ في رُتَبٍ مِنها سافِلَةٍ جِدًّا أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ -]: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى لِدَناءَتِكم وقَذارَتِكم.

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ فِعْلِهِمْ هَذا وُضُوحُ أنَّهُ لا يُقِرُّ بِهِ عاقِلٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ووَبَّخَهم عَلى تَرْكِ الفِكْرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ فَسادَ ما هم عَلَيْهِ يُدْرَكُ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ فَقالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ وأنْتُمْ شُيُوخٌ قَدْ مَرَّتْ بِكُمُ الدُّهُورُ وحَنَّكَتْكُمُ التَّجارِبُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском