Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:82–92
21:82Page 329
وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ ٨٢
And of the devils [i.e., jinn] were those who dived for him and did work other than that. And We were of them a guardian.1
ولَمّا ذَكَرَ تَسْخِيرَ الرِّيحِ لَهُ، ذَكَرَ أنَّهُ سَخَّرَ لَهُ ما أغْلَبُ عَناصِرِهِ النّارُ والرِّيحُ لِلْعَمَلِ في الماءِ، مُقابَلَةً لِارْتِفاعِ الحَمْلِ في الهَواءِ بِاسْتِفالِ الغَوْصِ في الماءِ فَقالَ: ﴿ومِنَ﴾ أيْ وسَخَّرْنا لَهُ مِنَ ﴿الشَّياطِينِ﴾ الَّذِينَ هم أكْثَرُ شَيْءٍ تَمَرُّدًا وعُتُوًّا، (p-٤٦٠)وألْطَفُ شَيْءٍ أجْسامًا ﴿مَن﴾ وعَبَّرَ بِالجَمْعِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى عِظَمِ التَّصَرُّفِ فَقالَ: ﴿يَغُوصُونَ لَهُ﴾ في المِياهِ لِما يَأْمُرُهم بِهِ مِنَ اسْتِخْراجِ الجَواهِرِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ، وذَلِكَ بِأنْ أكْثَفْنا أجْسامَهم مَعَ لَطافَتِها لِتَقْبَلَ الغَوْصَ في الماءِ مُعْجِزَةً في مُعْجِزَةٍ، [وقَدْ خَنَقَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ العِفْرِيتَ الَّذِي جاءَ بِشِهابٍ مِن نارٍ وأسَرَ جَماعَةٌ مِن أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عَفارِيتَ أتَوْا إلى ثَمَرِ الصَّدَقَةِ وأمْكَنَهُمُ اللَّهُ مِنهم -] ﴿ويَعْمَلُونَ عَمَلا﴾ أيْ عَظِيمًا جِدًّا.
ولَمّا كانَ إقْدارُهم عَلى الغَوْصِ أعْلى [ما -] يَكُونُ في أمْرِهِمْ، وكانَ المُرادُ اسْتِغْراقَ إقْدارِهِمْ عَلى ما هو أدْنى مِن ذَلِكَ مِمّا يُرِيدُهُ مِنهُمْ، نَزَعَ الجارَّ فَقالَ: ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ تَحْتَ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ أوْ غَيْرَهُ مِن بِناءِ ما يُرِيدُ، واصْطِناعِ ما يَشاءُ، مِنَ الصَّنائِعِ العَجِيبَةِ، والآثارِ الغَرِيبَةِ، وفي ذَلِكَ تَسْخِيرُ الماءِ والتُّرابِ بِواسِطَةِ الشَّياطِينِ، فَقَدْ خَتَمَ عِنْدَ انْتِهاءِ الإشارَةِ إلى تَسْخِيرِ العَناصِرِ - بِمَن سَخَّرَ لَهُ العَناصِرَ الأرْبَعَةَ كَما ابْتَدَأ بِذَلِكَ ﴿وكُنّا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي تَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿لَهم حافِظِينَ﴾ مِن أنْ يَفْعَلُوا غَيْرَ ما يُرِيدُ، ولَمْ يَذْكُرْ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا، وإنْ كانَ قَدْ سَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ، لِأنَّ عَمَلَها لَهُ كانَ عَلى مُقْتَضى (p-٤٦١)العادَةِ في التَّدْمِيرِ والأذى عِنْدَ عُصُوفِها وإنْ كانَ خارِقًا بِقُوَّتِهِ، والَّتِي لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلنَّجاةِ والمَنافِعِ، هَذا مَعَ تَكْرارِها فَأمْرُها أظْهَرُ، وفِعْلُها أزْكى وأطْهَرُ.
21:83Page 329
۞ وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣
And [mention] Job, when he called to his Lord, "Indeed, adversity has touched me, and You are the most merciful of the merciful."
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ذِكْرَ مَن سَخَّرَ لَهُمُ العَناصِرَ الَّتِي مِنها الحَيَوانُ المَحْتُومُ بِبِعْثَتِهِ [تَحْقِيقًا -] لِذَلِكَ، ذَكَرَ بَعْدَهم مَن وقَعَ لَهُ أمْرٌ مِنَ الخَوارِقِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، إمّا بِإعادَةٍ أوْ حِفْظٍ أوِ ابْتِداءٍ، بَدَأهم بِمَن أعادَ لَهُ ما كانَ أُعْدِمَهُ مِن أهْلٍ ومالٍ، وسَخَّرَ لَهُ عُنْصُرَ الماءِ في إعادَةِ لَحْمِهِ وجِلْدِهِ، لِأنَّ الإعادَةَ هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿وأيُّوبَ﴾ أيْ واذْكُرْ أيُّوبَ، قالُوا: وهو ابْنُ أمُوصَ بْنِ رُومَ بْنِ عِيصَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ صاحِبَ البَثَنِيَّةِ مِن بِلادِ الشّامِ، وكانَ اللَّهُ قَدْ بَسَطَ عَلَيْهِ الدُّنْيا فَشَكَرَهُ سُبْحانَهُ ثُمَّ ابْتَلاهُ [فَصَبَرَ -] ﴿إذْ نادى رَبَّهُ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْهِ في عافِيَتِهِ وضُرِّهِ بِما آتاهُ مِن صَبْرِهِ ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ بِتَسْلِيطِكَ الشَّيْطانَ عَلَيَّ في بَدَنِي وأهْلِي ومالِي وقَدْ طَمِعَ الآنَ في دِينِي، وذَلِكَ أنَّهُ زَيَّنَ لِامْرَأةِ أيُّوبَ (p-٤٦٢)عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ تَأْمُرَهُ أنْ يَذْبَحَ لِصَنَمٍ فَإنَّهُ يَبْرَأُ ثُمَّ يَتُوبُ، فَفَطِنَ لِذَلِكَ وحَلَفَ: لَيَضْرِبَنَّها إنْ بَرَأ، وجَزِعَ مِن ذَلِكَ، والشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ مِنَ الجَزَعِ فَلا تُنافِي الصَّبْرَ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ولا مَن شَكا [إلى -] النّاسِ وهو في شَكْواهُ راضٍ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى.
﴿وأنْتَ﴾ أيْ والحالُ أنَّكَ أنْتَ ﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فافْعَلْ بِي ما يَفْعَلُ الرَّحْمَنُ بِالمَضْرُورِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِسُؤالِ الرَّحْمَةِ حَيْثُ ذَكَرَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُ الرَّحْمَةَ، ورَبَّهُ بِأبْلَغِ صِفاتِها ولَمْ يُصَرِّحْ، فَكانَ ذَلِكَ ألْطَفَ في السُّؤالِ، فَهو أجْدَرُ بِالنَّوالِ
21:84Page 329
فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ ٨٤
So We responded to him and removed what afflicted him of adversity. And We gave him [back] his family and the like thereof with them as mercy from Us and a reminder for the worshippers [of Allāh].
﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ أوْجَدْنا إجابَتَهُ إيجادَ مَن كَأنَّهُ طالِبٌ لَها بِسَبَبِ نِدائِهِ، هَذا بِعَظَمَتِنا في قُدْرَتِنا عَلى الأُمُورِ الهائِلَةِ، وسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَكَشَفْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ بِأنْ أمَرْناهُ أنْ يَرْكُضَ بِرِجْلِهِ، فَتَنْبُعُ لَهُ عَيْنٌ مِن ماءٍ، فَيَغْتَسِلُ فِيها، فَيَنْبُتُ لَحْمُهُ وجِلْدُهُ أحْسَنَ ما كانَ وأصَحَّهُ ودَلَّ عَلى تَعاظُمِ هَذا الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ أهْلَهُ﴾ أيْ أوْلادَهُ وما تَبِعَهم مِن حَشَمِهِ، أحْيَيْناهم لَهُ بَعْدَ أنْ كانُوا ماتُوا ﴿ومِثْلَهُمْ﴾ أيْ وأوْجَدْنا لَهُ مِثْلَهم في الدُّنْيا، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَعَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى (p-٤٦٣)أنَّهم وُجِدُوا عِنْدَ وِجْدانِ الأهْلِ، حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الكَشْفِ والإيتاءِ ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ نِعْمَةً عَظِيمَةً تَدُلُّ عَلى شَرَفِهِ بِما شَأْنُهُ العَطْفُ والتَّحَنُّنُ، وهو مِن تَسْمِيَةِ المُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ، وفَخَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِنا﴾ بِحَيْثُ لا يَشُكُّ مَن يَنْظُرُ ذَلِكَ أنّا ما فَعَلْناهُ إلّا رَحْمَةً مِنّا لَهُ وأنَّ غَيْرَنا لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ﴿وذِكْرى﴾ أيْ عِظَةً عَظِيمَةً ﴿لِلْعابِدِينَ﴾ كُلِّهِمْ، لِيَتَأسَّوْا بِهِ فَيَصْبِرُوا إذا ابْتُلُوا بِفِتْنَةِ الضَّرّاءِ ولا يَظُنُّوا أنَّها لِهَوانِهِمْ، ويَشْكُرُوا إذا ابْتُلُوا بِنِعْمَةِ السَّرّاءِ لِئَلّا تَكُونَ عَيْنَ شَقائِهِمْ، وأتْبَعَهُ سُبْحانَهُ بِمَن أنْبَعَ لَهُ مِن زَمْزَمَ ماءً باقِيًا شَرِيفًا، إشارَةً إلى شَرَفِهِ وشَرَفِ ولَدِهِ خاتَمِ الرُّسُلِ بِبَقاءِ رِسالَتِهِ ومُعْجِزَتِهِ [فَقالَ -]:
21:85Page 329
وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٨٥
And [mention] Ishmael and Idrees and Dhul-Kifl; all were of the patient.
﴿وإسْماعِيلَ﴾ أيِ ابْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ الَّذِي سَخَّرْنا لَهُ مِنَ الماءِ بِواسِطَةِ الرُّوحِ الأمِينِ ما عاشَ بِهِ صَغِيرًا بَعْدَ أنْ كانَ هالِكًا لا مَحالَةَ، ثُمَّ جَعَلْناهُ طَعامَ طُعْمٍ وشِفاءَ سُقْمٍ دائِمًا، وصُنّاهُ - وهو كَبِيرٌ - مِنَ الذَّبْحِ فَذَبَحَهُ أبُوهُ واجْتَهَدَ في إتْلافِهِ امْتِثالًا لِأمْرِنا فَلَمْ يَنْذَبِحْ كَما اقْتَضَتْهُ إرادَتُنا ﴿وإدْرِيسَ﴾ أيِ ابْنَ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِي أحْيَيْناهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ مِن بَنِي آدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ (p-٤٦٤)﴿وذا الكِفْلِ﴾ [الَّذِي -] قَدَّرْناهُ عَلى النَّوْمِ الَّذِي هو المَوْتُ الأصْغَرُ، فَكانَ يَغْلِبُهُ فَلا يَنامُ أوْ إلّا قَلِيلًا، يَقُومُ اللَّيْلَ ولا يَفْتُرُ، ويَصُومُ النَّهارَ ولا يُفْطِرُ، ويَقْضِي بَيْنَ النّاسِ ولا يَغْضَبُ.
فَقَدَّرَهُ اللَّهُ عَلى الحَياةِ الكامِلَةِ في الدُّنْيا الَّتِي هي سَبَبُ الحَياةِ الكامِلَةِ في الأُخْرى [وهُوَ خَلِيفَةُ اليَسَعِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَخَلَّفَهُ عَلى أنْ يَتَكَفَّلَ لَهُ بِصِيامِ النَّهارِ وقِيامِ اللَّيْلِ وأنْ لا يَغْضَبَ، قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ نَبِيٌّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ إلْياسُ، وقِيلَ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونَ، وقِيلَ: زَكَرِيّا - عَلَيْهِمُ السَّلامُ].
ولَمّا قَرَنَ بَيْنَهم لِهَذِهِ المُناسَبَةِ، اسْتَأْنَفَ مَدْحَهم فَقالَ: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ﴿مِنَ الصّابِرِينَ﴾ عَلى ما ابْتَلَيْناهُ بِهِ، فَآتَيْناهم ثَوابَ الصّابِرِينَ
21:86Page 329
وَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٦
And We admitted them into Our mercy. Indeed, they were of the righteous.
﴿وأدْخَلْناهُمْ﴾ ودَلَّ عَلى عَظَمَةِ ما لَهم عِنْدَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي رَحْمَتِنا﴾ [فَفَعَلْنا بِهِمْ مِنَ الإحْسانِ ما يَفْعَلُهُ الرّاحِمُ بِمَن يَرْحَمُهُ عَلى وجْهٍ عَمَّهم مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، فَكانَ ظَرْفًا لَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ -]: ﴿إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لِكُلِّ ما يَرْضاهُ الحَكِيمُ مِنهُمْ، بِمَعْنى أنَّهم جُبِلُوا جِبِلَّةَ خَيْرٍ فَعَمِلُوا عَلى مُقْتَضى ذَلِكَ،
21:87Page 329
وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٧
And [mention] the man of the fish [i.e., Jonah], when he went off in anger1 and thought that We would not decree [anything] upon him.2 And he called out within the darknesses,3 "There is no deity except You; exalted are You. Indeed, I have been of the wrongdoers."
ثُمَّ أتْبَعَهم مَن هو أغْرَبُ حالًا مِنهم (p-٤٦٥)فِي الحِفْظِ [فَقالَ -]: ﴿وذا النُّونِ﴾ أيِ اذْكُرْهُ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ أيْ عَلى هَيْئَةِ الغاضِبِ لِقَوْمِهِ بِالهِجْرَةِ عَنْهُمْ، ولِرَبِّهِ بِالخُرُوجِ عَنْهم دُونَ الِانْتِظارِ لِإذْنٍ خاصٍّ مِنهُ بِالهِجْرَةِ، ورُوِيَ [عَنِ الحَسَنِ -] أنَّ مَعْنى ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أنْ لَنْ نُعاقِبَهُ بِهَذا الذَّنْبِ، أيْ ظَنَّ أنّا نَفْعَلُ مَعَهُ فِعْلَ مَن لا يَقْدِرُ، وهو تَعْبِيرٌ عَنِ اللّازِمِ بِالمَلْزُومِ مِثْلُ التَّعْبِيرِ عَنِ العُقُوبَةِ بِالغَضَبِ، وعَنِ الإحْسانِ بِالرَّحْمَةِ وفي أمْثالِهِ كَثْرَةٌ، فَهو أحْسَنُ الأقْوالِ وأقْوَمُها - رَواهُ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ قَتادَةَ عَنْهُ وعَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ وأسْنَدَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مَعْناهُ، و[كَذا -] قالَ الأصْبَهانِيُّ [عَنْهُ -] أنَّ مَعْناهُ: لَنْ نَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالعُقُوبَةِ، وأنَّهُ قالَ أيْضًا ما مَعْناهُ: فَظَنَّ أنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ الخُرُوجَ، مِنَ القَدْرِ الَّذِي مَعْناهُ الضِّيقُ، لا مِنَ القُدْرَةِ، ومِنهُ ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] ورَوى البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنِ الفَرّاءِ أنَّ نَقْدِرْ بِمَعْنى نُقَدِّرْ - مُشَدَّدًا - ونَحْكُمْ، وأنْشَدَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي صَخْرٍ الهُذَلِيِّ:
؎ولا عائِدًا ذاكَ الزَّمانُ الَّذِي مَضى تَبارَكْتَ ما نَقْدِرْ يَقَعْ [و -] لَكَ الشُّكْرُ
﴿فَنادى﴾ أيْ فاقْتَضَتْ حِكْمَتُنا أنْ عاتَبْناهُ حَتّى اسْتَسْلَمَ فَألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ فالتَقَمَهُ الحُوتُ وغاصَ بِهِ إلى قَرارِ البَحْرِ ومَنَعْناهُ مِن أنْ يَكُونَ (p-٤٦٦)لَهُ طَعامًا، فَنادى ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ مِن بَطْنِ الحُوتِ [الَّذِي -] في أسْفَلِ البَحْرِ في اللَّيْلِ، فَهي ظُلُماتٌ ثَلاثٌ - نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِما رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
﴿أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ﴾
ولَمّا نَزَّهَهُ عَنِ الشَّرِيكِ عَمَّ فَقالَ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ أيْ تَنَزَّهْتَ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، فَلا يَقْدِرُ عَلى الإنْجاءِ مِن مِثْلِ ما أنا فِيهِ غَيْرُكَ؛ ثُمَّ أفْصَحَ بِطَلَبِ الخَلاصِ بِقَوْلِهِ ناسِبًا إلى نَفْسِهِ مِنَ النَّقْصِ ما نَزَّهَ اللَّهَ عَنْ مِثْلِهِ: ﴿إنِّي كُنْتُ﴾ أيْ كَوْنًا كَبِيرًا ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ في خُرُوجِي مِن بَيْنِ قَوْمِي قَبْلَ الإذْنِ، فاعْفُ عَنِّي كَما هي شِيمَةُ القادِرِينَ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى مُسَبِّبًا عَنْ دُعائِهِ:
21:88Page 329
فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨
So We responded to him and saved him from the distress. And thus do We save the believers.
﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ أوْجَدْنا الإجابَةَ إيجادَ مَن هو طالِبٌ لَها تَصْدِيقًا لِظَنِّهِ أنْ لَنْ نُعاقِبَهُ «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» والآيَةُ تُفْهِمُ أنَّ شَرْطَ الكَوْنِ مَعَ مَن يَظُنُّ الخَيْرَ دَوامُ الذِّكْرِ وصِدْقُ الِالتِجاءِ، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وشَرْطُ كُلِّ مَن يَلْتَجِئُ إلى اللَّهِ أنْ يَبْتَدِئَ بِالتَّوْحِيدِ ثُمَّ بِالتَّسْبِيحِ والثَّناءِ ثُمَّ بِالِاعْتِرافِ والِاسْتِغْفارِ والِاعْتِذارِ، وهَذا شَرْطُ كُلِّ دُعاءٍ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَخَلَّصْناهُ مِمّا كانَ فِيهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، تَنْبِيهًا (p-٤٦٧)عَلى أنَّهُما نِعْمَتانِ لِأنَّ أمْرَهُ مَعَ صُعُوبَتِهِ كانَ في غايَةِ الغَرابَةِ: ﴿ونَجَّيْناهُ﴾ أيْ بِالعَظَمَةِ البالِغَةِ [تَنْجِيَةً عَظِيمَةً، وأنْجَيْناهُ إنْجاءً عَظِيمًا -] ﴿مِنَ الغَمِّ﴾ الَّذِي كانَ ألْجَأهُ إلى المُغاضَبَةِ ومِن غَيْرِهِ، قالَ الرّازِيُّ: وأصْلُ الغَمِّ الغِطاءُ عَلى القَلْبِ - انْتَهى. فَألْقاهُ الحُوتُ عَلى السّاحِلِ وأظَلَّهُ اللَّهُ بِشَجَرَةِ القَرْعِ.
ولَمّا كانَ هَذا وما تَقَدَّمَهُ أُمُورًا غَرِيبَةً، أشارَ إلى القُدْرَةِ عَلى أمْثالِها مِن جَمِيعِ المُمْكِناتِ، وأنَّ ما فَعَلَهُ مِن إكْرامِ أنْبِيائِهِ عامٌّ لِأتْباعِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْجاءِ العَظِيمِ الشَّأْنِ والتَّنْجِيَةِ ﴿نُنْجِي﴾ أيْ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾ [إنْجاءً عَظِيمًا ونُنْجِيهِمْ تَنْجِيَةً عَظِيمَةً، ذِكْرُ التَّنْجِيَةِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى مِثْلِها ثانِيًا، وذِكْرُ الإنْجاءِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى مِثْلِهِ أوَّلًا وسِرُّ ذَلِكَ الإشارَةُ إلى شِدَّةِ العِنايَةِ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم لَيْسَ لَهم كَصَبْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أشارَ إلَيْهِ بِحَدِيثِ «أشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأنْبِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» «يُبْتَلى المَرْءُ عَلى قَدْرِ دِينِهِ» فَيَسُلُّهم سُبْحانَهُ مِنَ البَلاءِ كَما تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعَ السُّرْعَةِ في لَطافَةٍ وهَناءٍ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ لِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ فِيهِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّ مَن دَعا مِنهم بِهَذا الدُّعاءِ أسْرَعَ نَجاتُهُ -]، فَإنَّ المُؤْمِنَ (p-٤٦٨)مَتى حَصَلَتْ لَهُ هَفْوَةٌ راجَعَ رَبَّهُ فَنادى مُعْتَرِفًا بِذَنْبِهِ هَذا النِّداءَ، ولاسِيَّما إنْ مَسَّهُ بِسَوْطِ الأدَبِ، فَبادَرَ إلَيْهِ الهَرَبَ.
21:89Page 329
وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٨٩
And [mention] Zechariah, when he called to his Lord, "My Lord, do not leave me alone [with no heir], while You are the best of inheritors."
ولَمّا كانَ حاصِلُ أمْرِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ خَرَجَ مِن بَطْنٍ لَمْ يُعْهَدِ الخُرُوجُ مِن مِثْلِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قِصَّةَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ في هِبَتِهِ لَهُ ولَدًا مِن بَطْنٍ لَمْ يُعْهَدِ [الحَمْلُ مِن -] مِثْلِهِ في العُقْمِ واليَأْسِ ناظِرًا إلى أبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلِ مَن ذَكَرَ تَصْرِيفَهُ في آحادِ العَناصِرِ فِيما اتَّفَقَ لَهُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ في ابْنِهِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَكْرِيرًا لِأعْلامِ القِيامَةِ وتَقْرِيرًا لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ فَقالَ: ﴿وزَكَرِيّا﴾ أيِ اذْكُرْهُ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ﴾ نِداءَ الحَبِيبِ القَرِيبِ فَقالَ: ﴿رَبِّ﴾ بِإسْقاطِ أداةِ البُعْدِ ﴿لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [أيْ -] مِن غَيْرِ ولَدٍ يَرِثُ ما آتَيْتَنِي مِنَ الحِكْمَةِ.
ولَمّا كانَ مِنَ الوارِثِ مَن يُحِبُّ مَن يَحْجُبُهُ مِنَ الإرْثِ أوْ يُشارِكُهُ فِيهِ، ومِنهم مَن لا يُحِبُّ ذَلِكَ ويَسْعى في إهْلاكِ مَن يَحْجُبُهُ -] أوْ يَنْقُصُهُ، ومِنهم مَن يَأْخُذُ الإرْثَ فَيَصْرِفُهُ في المَصارِفِ القَبِيحَةِ عَلى ما تَدْعُوهُ إلَيْهِ شَهْوَتُهُ وحاجَتُهُ، ومِنهم مَن يَأْخُذُهُ بِعِفَّةٍ فَيُنَفِّذُ وصايا المَوْرُوثِ (p-٤٦٩)ويَصِلُ ذا قَرابَتِهِ وأهْلَ وُدِّهِ، ويَتَصَدَّقُ عَنْهُ، ويُبادِرُ إلى كُلِّ ما كانَ يُحِبُّهُ ويَنْفَعُهُ، كُلُّ ذَلِكَ لِغِنى نَفْسِهِ وكَرَمِ طَبْعِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَجْبُولًا عَلى الحاجَةِ والنَّقْصِ، وكانَ اللَّهُ هو الغَنِيَّ الحَمِيدَ، الحَكِيمَ المَجِيدَ، قالَ مُلَوِّحًا بِمَقْصِدِهِ في أُسْلُوبِ الإلْهابِ والتَّهْيِيجِ: ”وأنْتَ“ [أيْ والحالُ أنَّكَ -] ﴿خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ لِأنَّكَ أغْناهم عَنِ الإرْثِ وأحْسَنُهم تَصَرُّفًا، وكَثِيرًا ما تَمْنَحُ إرْثَ بَعْضِ عَبِيدِكَ عَبِيدًا آخَرِينَ، فَأنْتَ الحَقِيقُ بِأنْ تَفْعَلَ في إرْثِي مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ ما أُحِبُّهُ، فَتَهَبُنِي ولَدًا تَمُنُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ
21:90Page 329
فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠
So We responded to him, and We gave to him John, and amended for him his wife. Indeed, they used to hasten to good deeds and supplicate1 Us in hope and fear, and they were to Us humbly submissive.
﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ بِعَظَمَتِنا وإنْ كانَ في حَدٍّ مِنَ السِّنِّ لا حَراكَ [بِهِ -] مَعَهُ وزَوْجُهُ في حالٍ مِنَ العُقْمِ لا يُرْجى مَعَهُ حَبَلُها، فَكَيْفَ وقَدْ جاوَزَتْ سِنَّ اليَأْسِ، ولِذَلِكَ [عَبَّرَ -] بِما يَدُلُّ عَلى العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ وارِثًا حَكِيمًا نَبِيًّا عَظِيمًا ﴿وأصْلَحْنا لَهُ﴾ خاصَّةً مِن [بَيْنِ -] أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ ﴿زَوْجَهُ﴾ أيْ جَعَلْناها صالِحَةً لِكُلِّ خَيْرٍ، خالِصَةً لَهُ ولا سِيَّما لِما مَنَنّا عَلَيْهِ بِهِ مِن هَذِهِ الهِبَةِ بَعْدَ أنْ كانَتْ بِعُقْمِها وكِبَرِها غَيْرَ صالِحَةٍ لَهُ بِوَجْهٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُنا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ البَيانَ لِخَيْرِيَّةِ المَوْرُوثِ والوارِثِ والمُصْلَحَةِ لِلْوِلادَةِ فَقالَ، مُؤَكِّدًا تَرْغِيبًا في مِثْلِ (p-٤٧٠)أحْوالِهِمْ وأنَّها مِمّا يُلْتَذُّ بِذِكْرِهِ ويُعْجَبُ مِن أمْرِهِ -]: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ مَجْبُولِينَ في أوَّلِ ما خَلَقْناهم جِبِلَّةَ خَيْرٍ، مُهَيَّئِينَ لِأنَّهم ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ أيْ يُبالِغُونَ في الإسْراعِ بِها مُبالَغَةَ مَن يُسابِقُ آخَرَ، ودَلَّ عَلى عَظِيمِ أفْعالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَدْعُونَنا﴾ مُسْتَحْضِرِينَ لِجَلالِنا وعَظَمَتِنا وكَمالِنا ﴿رَغَبًا﴾ في رَحْمَتِنا ﴿ورَهَبًا﴾ مِن سَطْوَتِنا ﴿وكانُوا﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿لَنا﴾ خاصَّةً ﴿خاشِعِينَ﴾ أيْ خائِفِينَ خَوْفًا عَظِيمًا يَحْمِلُهم عَلى الخُضُوعِ والِانْكِسارِ.
21:91Page 330
وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩١
And [mention] the one who guarded her chastity [i.e., Mary], so We blew into her [garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and We made her and her son a sign for the worlds.
ولَمّا اسْتَدَلَّ عَلى السّاعَةِ بِما وُهِبَ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ مِن أهْلِ الطّاعَةِ مِنَ التَّصَرُّفِ في العَناصِرِ وغَيْرِها إلى أنْ ذَكَرَ أنَّهُ خَرَقَ العادَةَ في إيداعِ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ والِدَيْنِ لا يُولَدُ لِمِثْلِهِما لِأنَّ أباهُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ صارَ إلى حالَةِ الكِبَرِ ويُبْسٍ مِنَ الأعْضاءِ عَظِيمَةٍ، وأُمَّهُ كانَتْ - مَعَ وُصُولِها إلى مِثْلِ تِلْكَ الحالِ - عاقِرًا في حالِ شَبابِها، تَلاهُ بِإبْداعِ ابْنِ خالَتِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي هو عِلْمٌ لِلسّاعَةِ عَلى حالٍ أغْرَبَ مِن حالِهِ، فَأخْرَجَهُ مِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ، إشارَةً إلى قُرْبِ الوَقْتِ لِضَعْفِ الأمْرِ، كَضَعْفِ الأُنْثى بِالنِّسْبَةِ إلى الذَّكَرِ، فَقالَ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أيْ حَفِظَتْهُ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ (p-٤٧١)حِفْظًا يَحِقُّ لَهُ أنْ يُذْكَرَ ويُتَحَدَّثَ بِهِ، لِأنَّهُ غايَةٌ في العِفَّةِ والصِّيانَةِ، والتَّخَلِّي عَنِ المَلاذِّ إلى الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، مَعَ ما جَمَعَتْ إلى ذَلِكَ مِنَ الأمانَةِ والِاجْتِهادِ في مَتانَةِ الدِّيانَةِ ﴿فَنَفَخْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يُدانِي أوْجَها نَقْصٌ، ولا يَقْرُبُ مِن ساحَتِها حاجَةٌ ولا وهْنٌ ﴿فِيها﴾ أيْ في فَرْجِها - كَما التَّحْرِيمُ، [نَفْخًا هو مِن جَنابِ عَظَمَتِنا؛ ودَلَّ عَلى عِظَمِ خُلُوصِهِ وصَفائِهِ بِقَوْلِهِ -]: ﴿مِن رُوحِنا﴾ أيْ مِن رُوحٍ يَحِقُّ لَهُ أنْ يُضافَ إلَيْنا لِجَلالَتِهِ وطَهارَتِهِ، فَكانَ مِن ذَلِكَ النَّفْخِ حَبَلٌ ووَلَدٌ.
ولَعَلَّهُ أضافَ [هُنا -] النَّفْخَ إلَيْها، لا إلى فَرْجِها وحْدَهُ، لِيُفِيدَ أنَّهُ - مَعَ خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ وإفاضَةِ الحَياةِ عَلَيْهِ حِسًّا ومَعْنىً - أحْياها هي بِهِ مَعْنىً بِأنْ قَوّى بِهِ مَعانِيَها القَلْبِيَّةَ حَتّى كانَتْ صِدِّيقَةً مُتَأهِّلَةً لِزَواجِها بِخَيْرِ البَشَرِ في الجَنَّةِ، وخُصَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِهَذا لِأنَّ مَقْصُودَها الدَّلالَةُ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو إفاضَةُ الأرْواحِ عَلى الأمْواتِ، قالَ الرّازِيُّ: وعَلى الجُمْلَةِ هَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ إبْداعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في (p-٤٧٢)رَحِمِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ مِن غَيْرِ نُطْفَةٍ.
[ولِما قَدَّمْتُهُ مِنَ السِّرِّ في إفاضَةِ النَّفْخِ إلى حَمْلَتِها، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ -]: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها﴾ أيْ بِتِلْكَ العَظَمَةِ العُظْمى ﴿آيَةً﴾ جَعَلَهُما نَفْسَ الآيَةِ لِكَثْرَةِ ما كانَ فِيهِما مِنَ الأعاجِيبِ. ولَمّا كانَ ما فِيهِما مِن ذَلِكَ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذاتِهِ، بَلْ لِتَقْرِيرِ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ يَقُلْ: آيَتَيْنِ، أوْ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ نَفْسَ العَدَدِ مَقْصُودٌ فَيَنْقُصَ المَعْنى ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ في أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا سِيَّما البَعْثُ الَّذِي هو آيَتُهُ، يَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ بَعْدَهُما جِيلٌ بَعْدَ جِيلٍ، وعالَمٌ بَعْدَ عالَمٍ، وأُمَّةٌ بَعْدَ أُمَّةٍ، إلى قِيامِ السّاعَةِ الَّتِي هو عَلَمُها، وحَفِظْنا ابْنَها بِعِلْمِنا وحِكْمَتِنا وقُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا مِمَّنْ كادَهُ، ورَفَعْناهُ إلى مَحَلِّ قُدْسِنا، وخَتَمَ بِهِ الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ هُنا لِأنَّهُ خاتَمُ المُجَدِّدِينَ لِهَذا الدِّينِ المُحَمَّدِيِّ، وهو دَلِيلُ السّاعَةِ، وكِتابُهُ أعْظَمُ كِتابٍ بَعْدَ التَّوْراةِ الَّتِي ابْتَدَأ بِصاحِبِها ذِكْرُ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حاشى القُرْآنِ الَّذِي عَجَزَتْ لِبَلاغَتِهِ الإنْسُ والجانُّ. (p-٤٧٣)ذِكْرُ شَيْءٍ مِن دَلائِلِ كَوْنِهِ آيَةً مِنَ الإنْجِيلِ: قالَ مَتّى أحَدُ المُتَرْجِمِينَ الأرْبَعَةِ لِلْإنْجِيلِ وأغْلَبُ السِّياقِ لَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ مَقْتَلَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ كَما مَضى في [آلِ عِمْرانَ ]: فَلَمّا سَمِعَ يَسُوعُ مَضى مِن هُناكَ في سَفِينَةٍ إلى البَرِّيَّةِ مُفْرَدًا، وسَمِعَ الجَمْعُ فَتَبِعُوهُ ماشِينَ مِنَ المَدِينَةِ، فَلَمّا خَرَجَ أبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وأبْرَأ أعِلّاءَهم ومَرْضاهم وقالَ مُرْقُسُ: فَلَمّا خَرَجَ يَسُوعُ أبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم كانُوا كَخِرافٍ لا راعِيَ لَها فَبَدَأ يُعَلِّمُهُمْ، وبَعْدَ ساعاتٍ كَثِيرَةٍ جاءَ تَلامِيذُهُ إلَيْهِ، وقالَ مَتّى: ولَمّا كانَ المَساءُ أتى تَلامِيذُهُ وقالُوا: إنَّ المَكانَ قَفْرٌ، والسّاعَةَ قَدْ جازَتْ، [أطْلِقِ -] الجَمْعَ يَذْهَبُوا إلى القُرى المُحِيطَةِ فَيَبْتاعُوا لَهم طَعامًا، فَقالَ لَهُمْ: أعْطُوهم أنْتُمْ لِيَأْكُلُوا، فَقالُوا: لَيْسَ هَهُنا إلّا خَمْسُ خُبْزاتٍ وحُوتانِ، فَقالَ [لَهم -] قَدِّمُوهم إلى هَهُنا وأمَرَ بِإجْلاسِ الجَمِيعِ عَلى العُشْبِ، وقالَ مُرْقُسُ: الأخْضَرِ أحْزابًا أحْزابًا، فَجَلَسُوا رِفاقًا رِفاقًا مِائَةً مِائَةً وخَمْسِينَ خَمْسِينَ، وقالَ يُوحَنّا: فَقالَ لِفِيلَبَّسَ: مِن أيْنَ نَبْتاعُ لِهَؤُلاءِ خُبْزًا؟ قالَهُ لِيُجَرِّبَهُ، فَقالَ فِيلَبَّسُ: ما يَكْفِيهِمْ خُبْزٌ بِمِائَتَيْ دِينارٍ، وقالَ (p-٤٧٤)إنْدِراوِسْ أخُو شَمْعُونَ الصَّفاءِ: إنَّ هاهُنا حَدَثًا مَعَهُ خَمْسَةُ أرْغِفَةِ شَعِيرٍ وسَمَكَتانِ، فَقالَ يَسُوعُ: مُرُوا النّاسَ بِالجُلُوسِ، وقالَ مَتّى: وأخَذَ الخَمْسَ خُبْزاتٍ والحُوتَيْنِ، ونَظَرَ إلى السَّماءِ وبارَكَ وقَسَّمَ وأعْطى الخُبْزَ لِتَلامِيذِهِ، وقالَ مُرْقُسُ: وقَسَّمَ الحُوتَيْنِ وناوَلَ التَّلامِيذُ الجَمِيعَ فَأكَلَ جَمِيعُهم وشَبِعُوا ورَفَعُوا مِن فَضَلاتِ الكِسَرِ اثْنَيْ عَشَرَ سَلًّا مَمْلُوءَةً، ومِنَ السَّمَكِ، وكانَ عَدَدُ الآكِلِينَ خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ، [وقالَ مَتّى -]: سِوى النِّساءِ والصِّبْيانِ، وقالَ يُوحَنّا: فَقالُوا: حَقًّا إنَّ هَذا هو النَّبِيُّ الجائِي إلى العالَمِ، فَعَلِمَ يَسُوعُ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا لِيَحْتَفِظُوا بِهِ ويُصَيِّرُوهُ مَلِكًا، فَتَحَوَّلَ إلى الجَبَلِ، وقالَ مَتّى: ولِلْوَقْتِ أمَرَ تَلامِيذَهُ أنْ يَصْعَدُوا إلى السَّفِينَةِ ويَسْبِقُوهُ إلى العَبْرِ لِيُطْلِقَ الجُمُوعَ، وقالَ يُوحَنّا: لِيَعْبُرُوا إلى كَفْرِ ناحُومَ وكانَ ظَلامًا، وقالَ مَتّى: فَأطْلَقَ الجَمْعَ وصَعِدَ إلى الجَبَلِ مُنْفَرِدًا يُصَلِّي، وقالَ مُرْقُسُ: ولِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إلى تَلامِيذِهِ بِرُكُوبِهِمُ السَّفِينَةَ و”أنْ“ يَسْبِقُوهُ إلى العَبْرِ عِنْدَ بَيْتِ صَيْدا لِيُطْلِقَ [هُوَ الجَماعَةَ -]، فَلَمّا ودَّعَهم وذَهَبَ إلى الجَبَلِ لِيُصَلِّي، قالَ مَتّى: فَلَمّا كانَ المَساءُ وكانَ وحْدَهُ هُناكَ (p-٤٧٥)والسَّفِينَةُ في وسَطِ البَحْرِ، فَضَرَبَتْها الأمْواجُ لِمُعانَدَةِ الرِّيحِ لَها، قالَ يُوحَنّا: فَمَضَوْا نَحْوَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ غَلْوَةً أوْ ثَلاثِينَ، وقالَ مَتّى: وفي الهَجْعَةِ الرّابِعَةِ مِنَ اللَّيْلِ جاءَهم ماشِيًا عَلى البَحْرِ فاضْطَرَبُوا وقالُوا: إنَّهُ خَيالٌ، ومِن خَوْفِهِمْ صَرَخُوا، فَكَلَّمَهم قائِلًا: أنا هُوَ، لا تَخافُوا، أجابَهُ بُطْرُسُ وقالُوا: إنْ كُنْتَ أنْتَ هو فَمُرْنِي أنْ آتِيَ إلَيْكَ عَلى الماءِ، فَقالَ لَهُ: تَعالَ! فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ السَّفِينَةِ ومَشى عَلى الماءِ، فَرَأى قُوَّةَ الرِّيحِ فَخافَ، وكادَ أنْ يَغْرَقَ فَصاحَ قائِلًا: يا رَبُّ نَجِّنِي! فَلِلْوَقْتِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وأخَذَهُ وقالَ لَهُ: يا قَلِيلَ الأمانَةِ! لِمَ شَكَكْتَ؟ فَلَمّا صَعِدَ السَّفِينَةَ سَكَنَتِ الرِّيحُ، قالَ يُوحَنّا: ولِلْوَقْتِ صارَتْ إلى الأرْضِ الَّتِي أرادُوها، وفي الغَدِ نَظَرَتِ الجُمُوعُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في عَبْرِ البَحْرِ أنْ لَيْسَ هُناكَ سِوى سَفِينَةٍ واحِدَةٍ، وأنَّ يَسُوعَ لَمْ يَرْكَبْها مَعَ تَلامِيذِهِ لَكِنَّ تَلامِيذَهُ مَضَوْا وحْدَهُمْ، وكانَتْ سُفُنٌ أُخَرُ وافَتْ مِن طَبَرِيَّةَ حَتّى انْتَهَتْ إلى المَوْضِعِ الَّذِي أكَلُوا الخُبْزَ الَّذِي بارَكَ عَلَيْهِ، فَحِينَ لَمْ يَرَ الجَماعَةُ يَسُوعَ هُناكَ ولا تَلامِيذَهُ، رَكِبُوا تِلْكَ السُّفُنَ، وأتَوْا إلى كَفْرِ ناحُومَ يَطْلُبُونَ يَسُوعَ، فَلَمّا قَصَدُوهُ في عَبْرِ البَحْرِ قالُوا لَهُ: يا مُعَلِّمُ! مَتى صِرْتَ هاهُنا؟ أجابَ يَسُوعُ وقالَ: الحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ! إنَّكم لَمْ تَطْلُبُونِي لِنَظَرِكُمُ الآياتِ بَلْ لِأكْلِكُمُ الخُبْزَ فَشَبِعْتُمُ، اعْمَلُوا لا لِلطَّعامِ الزّائِلِ بَلْ لِلطَّعامِ الباقِي في الحَياةِ المُؤَبَّدَةِ (p-٤٧٦)الَّذِي يُعْطِيكُمُوهُ ابْنُ البَشَرِ، ثُمَّ قالَ: لَسْتُ أعْمَلُ بِمَشِيئَتِي، لَكِنْ بِمَشِيئَةِ الَّذِي أرْسَلَنِي، ثُمَّ قالَ: قَدْ كُتِبَ في الأنْبِياءِ أنَّهم يَكُونُونَ بِأجْمَعِهِمْ مُعَلِّمِينَ، الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ! مَن يُؤْمِن بِي فَلَهُ الحَياةُ الدّائِمَةُ، قالُوا: ما نَصْنَعُ حَتّى نَعْمَلَ أعْمالَ اللَّهِ؟ قالَ: عَمَلُ اللَّهِ هو أنْ تُؤْمِنُوا بِمَن أرْسَلَهُ، قالَ مَتّى: ولَمّا عَبَرُوا جاؤُوا إلى أرْضِ جاناشَرَ، قالَ مُرْقُسُ: فَأرْسَوْا وخَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ - انْتَهى.
فَعَرَفَهُ أهْلُ ذَلِكَ المَكانِ وأرْسَلُوا إلى جَمِيعِ تِلْكَ الكُوَرِ فَقَدَّمُوا إلَيْهِ[ كُلَّ المَسْقُومِينَ وطَلَبُوا إلَيْهِ -] أنْ يَلْمِسُوا طَرَفَ ثَوْبِهِ فَقَطْ، وكُلُّ مَن لَمَسَهُ خَلَصَ.
21:92Page 330
إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ ٩٢
Indeed this, your religion, is one religion,1 and I am your Lord, so worship Me.
ولَمّا دَلَّ ما مَضى مِن قِصَصِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ عَلى أنَّ لِلَّهِ القُدْرَةَ الباهِرَةَ، والقُوَّةَ البالِغَةَ الشّامِلَةَ لِلْبَعْثِ وغَيْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أصْلُ الدِّينِ، وأنَّهم كُلَّهم مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ بِالتَّصْرِيحِ مِنَ البَعْضِ هُنا ومِنَ الباقِينَ فِيما سَبَقَ، كانَ إثْباتُهُ فَذْلَكَةَ هَذِهِ القِصَصِ وما تَقَدَّمَها مِن هَذِهِ السُّورَةِ، فَلِذَلِكَ اتَّصَلَ بِهِ قَوْلُهُ مُخاطِبًا لِمَن قالَ لَهُمْ: أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ: ﴿إنَّ هَذِهِ﴾ أيِ الأنْبِياءَ الَّذِينَ أرْسَلْناهم قَبْلَ نَبِيِّكم ﷺ رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ كَما أنَّهُ رَجُلٌ نُوحِي إلَيْهِ (p-٤٧٧)[لا آباؤُكم ولا ما وجَدْتُمُوهُ عَلَيْهِ -] ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ أيْ مَقْصُودُكم أيُّها الخَلْقُ بِالِاقْتِداءِ في الِاهْتِداءِ، حالَ كَوْنِها ﴿أُمَّةً﴾ قالَ البَغْوِيُّ: وأصْلُ الأُمَّةِ الجَماعَةُ الَّتِي [هِيَ -] عَلى مَقْصِدٍ واحِدٍ - انْتَهى. وأكَّدَ سُبْحانَهُ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿واحِدَةً﴾ كَما في الخَبَرِ «أنَّهم أوْلادُ عَلّاتٍ. أُمَّهاتُهم شَتّى ودِينُهم واحِدٌ». لا اخْتِلافَ بَيْنَهم أصْلًا في التَّوْحِيدِ الَّذِي هو الأصْلُ ولا في تَوْجِيهِ الرَّغَباتِ إلَيْنا، وقَصْرِ النَّظَرِ عَلَيْنا، عِلْمًا مِنهم بِما لَنا مِن صِفاتِ الكَمالِ، وأنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإلَيْنا مُفْتَقِرٌ، ولَدَيْنا خاضِعٌ مُنْكَسِرٌ، فاتَّبِعُوهم في ذَلِكَ، لا تَحِيدُوا عَنْهم تَضِلُّوا، وإنَّما فَرَّقْناهم وجَعَلْناهم [عَدَدًا -] بِحَسَبِ الأُمَمِ المُتَشَعِّبَةِ في الأزْمانِ المُتَطاوِلَةِ، وأنّا لَمْ نَجْعَلْ لِأحَدٍ مِنهُمُ الخُلْدَ، [و -] لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ، فَبَثَثْناهم في الأقْطارِ، حَتّى مَلَؤُوها مِنَ الأنْوارِ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ تَعْيِينَ المُرادِ مِن غَيْرِ لَبْسٍ، عَدَلَ عَنْ صِيغَةِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿وأنا رَبُّكُمْ﴾ أيْ لا غَيْرِي، في كُلِّ زَمانٍ وكُلِّ مَكانٍ، لِكُلِّ أُمَّةٍ، لِأنِّي لا أتَغَيَّرُ عَلى طُولِ الدَّهْرِ، ولا يَشْغَلُنِي شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ ﴿فاعْبُدُونِ﴾ دُونَ غَيْرِي فَإنَّهُ لا كُفْؤَ لِي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences