Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:116–118
23:116Page 349
فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ ١١٦
So exalted is Allāh, the Sovereign,1 the Truth;2 there is no deity except Him, Lord of the Noble Throne.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما حَسِبْتُمْ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ أيْ عَلا الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ عُلُوًّا كَبِيرًا عَنِ العَبَثِ؛ ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُنافِي العَبَثَ فَقالَ: ﴿المَلِكُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِأهْلِ مَمْلَكَتِهِ عِلْمًا وقُدْرَةً وسِياسَةً، وحِفْظًا ورِعايَةً.
ولَمّا كانَ بَعْضُ مُلُوكِ الدُّنْيا قَدْ يَفْعَلُ ما يُنافِي شِيَمَ المُلُوكِ مِنَ العَبَثِ بِما فِيهِ مِنَ الباطِلِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ تُنَزِّهُهُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿الحَقُّ﴾ (p-١٩٧)أيِ الَّذِي لا تَطَرُّقَ لِلْباطِلِ إلَيْهِ في شَيْءٍ مِن ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ، فَلا زَوالَ لَهُ ولا لِمُلْكِهِ فَأنّى يَأْتِيهِ العَبَثُ.
ولَمّا كانَ الحَقُّ مِن حَيْثُ هو قَدْ يَكُونُ لَهُ ثانٍ. نَفى ذَلِكَ في حَقِّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَلا يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ أصْلًا في ذاتٍ ولا صِفَةٍ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ حائِزًا لِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ، وخِلالِ الجَلالِ والجَمالِ، مُتَعالِيًا عَنْ سِماتِ النَّقْصِ، والعَبَثِ مِن أدْنى صِفاتِ النَّقْصِ، لِخُلُوِّهِ عَنِ الحِكْمَةِ الَّتِي هي أساسُ الكَمالِ؛ ثُمَّ زادَ في التَّعْيِينِ والتَّأْكِيدِ لِلتَّفَرُّدِ بِوَصْفِهِ بِصِفَةٍ لا يَدَّعِيها غَيْرُهُ فَقالَ: ﴿رَبُّ العَرْشِ﴾ أيِ السَّرِيرُ المُحِيطُ بِجَمِيعِ الكائِناتِ، العالِي عَلَيْها عُلُوًّا لا يُدانِيهِ شَيْءٌ؛ ثُمَّ وصَفَ العَرْشَ لِأنَّهُ في سِياقِ الحُكْمِ بِالعَدْلِ والتَّنَزُّهِ عَنِ العَبَثِ بِخِلافِ سِياقِ بَراءَةٍ والنَّمْلِ فَإنَّهُ لِلْقَهْرِ والجَبَرُوتِ بِقَوْلِهِ: ﴿الكَرِيمِ﴾ أيِ الَّذِي تَنْزِلُ مِنهُ الخَيْراتُ الحاصِلَةُ لِلْعِبادِ، مَعَ شَرَفِ جَوْهَرِهِ، وعَلى رُتْبَتِهِ، ومَدْحِهِ أبْلَغَ مَدْحٍ لِصاحِبِهِ، والكَرِيمُ مِن سَتَرَ مَساوِئَ الأخْلاقِ بِإظْهارِ مَعالِيها وتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ دَناءَةٍ؛ قالَ القَزّازُ: وأصْلُ الكَرَمِ في اللُّغَةِ الفَضْلُ والرِّفْعَةُ.
23:117Page 349
وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١١٧
And whoever invokes besides Allāh another deity for which he has no proof - then his account is only with his Lord. Indeed, the disbelievers will not succeed.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن دَعا اللَّهَ وحْدَهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ الوارِثُونَ في الدّارَيْنِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي كُفُؤَ لَهُ لِإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ صِفاتِ (p-١٩٨)الكَمالِ ﴿إلَهًا﴾ ولَمّا كانُوا لِتَعَنُّتِهِمْ يَنْسُبُونَ الدّاعِيَ لَهُ سُبْحانَهُ بِاسْمَيْنِ أوْ أكْثَرَ إلى الشِّرْكِ، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿آخَرَ﴾ ثُمَّ أيْقَظَ مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ، ونَبَّهَ عَلى الِاجْتِهادِ والنَّظَرِ في أيّامِ المُهْلَةِ، بِقَوْلٍ لا أعْدَلَ مِنهُ ولا أنْصَفَ فَقالَ: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ ما يُسَمّى بُرْهانًا ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ الكافِيَةِ، عَبَّرَ بِالباءِ سُلُوكًا لِغايَةِ الإنْصافِ دُونَ ”عَلى“ المُفْهِمَةِ لِلِاسْتِعْلاءِ بِغايَةِ البَيانِ فَقالَ: ﴿بِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ دُعائِهِ فَإنَّهُ إذا اجْتَهَدَ في إقامَةِ بُرْهانٍ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَجِدْ، بَلْ وجَدَ البَراهِينَ كُلَّها قائِمَةً عَلى نَفْيِ ذَلِكَ، داعِيَةً إلى الفَلاحِ بِاعْتِقادِ التَّوْحِيدِ والصَّلاحِ، هَذا المُرادُ، لا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقُومَ عَلى شَيْءِ غَيْرِهِ بُرْهانٌ ﴿فَإنَّما حِسابُهُ﴾ أيْ جَزاؤُهُ الَّذِي لا تُمْكِنُ زِيادَتُهُ ولا نَقْصُهُ ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ الَّذِي رَبّاهُ، ولَمْ يُرَبِّهِ أحَدٌ سِواهُ، وغَمَرَهُ بِالإحْسانِ، ولَمْ يُحْسِنْ إلَيْهِ أحَدٌ غَيْرُهُ، الَّذِي هو أعْلَمُ بِسَرِيرَتِهِ وعَلانِيَتِهِ مِنهُ نَفْسِهِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أمْرِهِ.
ولَمّا أفْهَمَ كَوْنَ حِسابِهِ عِنْدَ هَذا المُحْسِنِ أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا الصَّفْحُ بِدَوامِ الإحْسانِ، وإمّا الخُسْرانُ بِسَبَبِ الكُفْرانِ، قالَ عَلى طَرِيقِ الجَوابِ لِمَن يَسْألُ عَنْ ذَلِكَ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ ووَضَعَ ﴿الكافِرُونَ﴾ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ تَنْبِيهًا عَلى كُفْرِهِ وتَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ، فَصارَ أوَّلُ السُّورَةِ (p-١٩٩)وآخِرُها مُفْهِمًا لِأنَّ الفَلاحَ مُخْتَصٌّ بِهِ المُؤْمِنُونَ.
23:118Page 349
وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١١٨
And, [O Muḥammad], say, "My Lord, forgive and have mercy, and You are the best of the merciful."
ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، أمَرَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِالِاجْتِهادِ في إنْقاذِ عِبادِهِ حَتّى بِالدُّعاءِ لِلَّهِ في إصْلاحِهِمْ لِيَكُونَ الخَتْمُ بِالرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَما كانَ الِافْتِتاحُ بِفَلاحِهِمْ، فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] فَإنَّهُ لا إحْسانَ أحْسَنُ مِنَ الغُفْرانِ، أوْ عَلى مَعْنى ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [المؤمنون: ١١٢] الَّذِي بَيَّنَتْهُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالأمْرِ: ﴿وقُلْ﴾، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَأخْلِصِ العِبادَةَ لَهُ ﴿وقُلْ﴾ لِأجْلِ أنَّ أحَدًا لا يُقَدِّرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ: ﴿رَبِّ﴾ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿اغْفِرْ وارْحَمْ﴾ أيْ أكْثَرْ مِن تَعْلِيقِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ في أُمَّتِي لِتَكَثُّرِها، فَإنَّ في ذَلِكَ شَرَفًا لِي ولَهُمْ، فَأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ ﴿وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ فَمِن رَحْمَتِهِ أفْلَحَ بِما تُوَفِّقُهُ لَهُ مِنِ امْتِثالِ ما أشَرْتُ إلَيْهِ أوَّلَ السُّورَةِ، فَكانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَكانَ مِنَ الوارِثِينَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ، فَقَدِ انْطَبَقَ عَلى الأوَّلِ هَذا الآخِرُ بِفَوْزِ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وخَيْبَةِ كُلِّ كافِرٍ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَكُونَ لَنا أرْحَمَ راحِمٍ وخَيْرَ غافِرٍ، إنَّهُ المُتَوَلِّي لِلسَّرائِرِ، والمَرْجُوُّ لِإصْلاحِ الضَّمائِرِ - آمِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences