Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:92–115
23:92Page 348
عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٩٢
[He is] Knower of the unseen and the witnessed, so high is He above what they associate [with Him].
ثُمَّ أقامَ دَلِيلًا آخَرَ عَلى كَمالِهِ بِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ ولَمّا كانَ العِلْمُ بِذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الشَّهادَةِ كَما لِلنّائِمِ قالَ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ ولا عالِمَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ.
ولَمّا كانَ مِنَ الواضِحِ الجَلِيِّ أنَّهُ لا مُدَّعِيَ لِذَلِكَ، ومَنِ ادَّعاهُ غَيْرُهُ بانَ كَذِبُهُ لا مَحالَةَ، وأنَّ مَن تَمَّ عِلْمُهُ تَمَّتْ قُدْرَتُهُ، فاتَّضَحَ تَفَرُّدُهُ كَما بَيَّنَ في طَهَ،تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَتَعالى﴾ أيْ عَلا العالِمُ المُشارُ إلَيْهِ عُلُوًّا عَظِيمًا ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فَإنَّهُ لا عِلْمَ لِشَيْءٍ مِنهُ فَلا قُدْرَةَ ولا (p-١٨٢)صَلاحِيَةَ لِرُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ.
23:93Page 348
قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ٩٣
Say, [O Muḥammad], "My Lord, if You should show me that which they are promised,
ولَمّا أقامَ الدَّلِيلَ عَلى كَذِبِهِمْ بِالأدِلَّةِ عَلى عَظَمَتِهِ، وتَعالِيهِ عَنْ كُلِّ ما يَقُولُ الظّالِمُونَ، وبَيَّنَ لَهُمُ الأمْرَ غايَةَ البَيانِ بَعْدَ أنْ هَدَّدَهم بِمِثْلِ قَوْلِهِ وما يَشْعُرُونَ ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] ونَحْوُهُ مِن مِثْلِ ما أنْزَلَهُ بِالماضِينَ، وأحَلَّهُ بِالمُكَذِّبِينَ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الإعْذارِ إلّا إيقاعُ القَضاءِ وإنْزالُ البَلاءِ، وكانَ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يَعُمَّ سُبْحانَهُ الظّالِمَ وغَيْرَهُ بِعَذابِهِ لِأنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، أمَرَهُ أنْ يَتَعَوَّذَ مِن ذَلِكَ إظْهارًا لِعَظَمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وذُلِّ العُبُودِيَّةِ فَقالَ ﴿قُلْ رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ، وأكَّدَ إظْهارًا لِعَظَمَةِ المَدْعُوِّ بِهِ وإعْلامًا بِما لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن مَزِيدِ الشَّفَقَةِ عَلى أُمَّتِهِ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ ﴿إمّا تُرِيَنِّي﴾ أيْ إنْ كانَ ولا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِي قَبْلَ مَوْتِي ﴿ما يُوعَدُونَ﴾
23:94Page 348
رَبِّ فَلَا تَجۡعَلۡنِي فِي ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٩٤
My Lord, then do not place me among the wrongdoing people."
ثُمَّ نَبَّهَهُ عَلى الزِّيادَةِ في الضَّراعَةِ بِتَكْرِيرِ النِّداءِ بِصِفَةِ الإحْسانِ تَعَبُّدًا وتَخَشُّعًا، وتَذَلُّلًا وتَخَضُّعًا، إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ، فَيَنْبَغِي لِأقْرَبِ خَلْقِهِ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ عَلى غايَةِ الحَذِرِ مِنهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي﴾ بِإحْسانِكَ إلَيَّ وفَضْلِكَ عَلَيَّ فِيهِمْ، هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ تَعْمِيمًا لِلدَّعْوَةِ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿فِي القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ أعْمالُهم أعْمالُ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ، فَهي في غَيْرِ مَواضِعِها، فَضْلًا عَنْ أنْ أكُونَ مِنهم فَإنَّهُ (p-١٨٣)يُوشِكُ أنْ يَخُصَّهُمُ العَذابُ ويَعُمَّ مَن جاوَرَهم لِوَخامَةِ الظُّلْمِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ.
23:95Page 348
وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمۡ لَقَٰدِرُونَ ٩٥
And indeed, We are Able to show you what We have promised them.
ولَمّا أرْشَدَ التَّعْبِيرُ بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَإنّا عَلى العَفْوِ عَنْهم وعَلى الإمْلاءِ لَهم لَقادِرُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ التَّكْذِيبِ المُتَضَمِّنِ لِلطَّعْنِ في القُدْرَةِ وهُمُ المَقْصُودُونَ بِالتَّهْدِيدِ: ﴿وإنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلى أنْ نُرِيَكَ﴾ أيْ قَبْلَ مَوْتِكَ ﴿ما نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَقادِرُونَ﴾
23:96Page 348
ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ٱلسَّيِّئَةَۚ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ٩٦
Repel, by [means of] what is best, [their] evil. We are most knowing of what they describe.
ولَمّا لاحَ مِن هَذا أنَّ أخْذَهم وتَأْخِيرَهم في الإمْكانِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، وكانُوا يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ ما لا صَبْرَ عَلَيْهِ إلّا بِمَعُونَةٍ مِنَ اللَّهِ، كانَ كَأنَّهُ قالَ: فَماذا أفْعَلُ فِيما تَعْلَمُ مِن أمْرِهِمْ؟ فَقالَ آمِرًا لَهُ بِمُداواتِهِ: ﴿ادْفَعْ﴾ وفَخَّمَ الأمْرَ بِالمَوْصُولِ لِما فِيهِ مِنَ الإيهامِ المُشَوِّقِ لِلْبَيانِ ثُمَّ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ فَقالَ: ﴿بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ بِالصَّفْحِ والمُداراةِ ﴿السَّيِّئَةَ﴾ ثُمَّ خَفَّفَ عَنْهُ ما يَجِدُ مِن ثِقَلِها بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ﴾ أيْ مِن كُلِّ عالِمٍ ﴿بِما يَصِفُونَ﴾ في حَقِّكَ وحَقِّنا، فَلَوْ شِئْنا مَنَعْناهم مِنهُ أوْ عاجَلْناهم بِالعَذابِ ولَيْسَ أحَدٌ بِأغْيَرَ مِنّا فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.
23:97Page 348
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ ٩٧
And say, "My Lord, I seek refuge in You from the incitements of the devils,
ولَمّا كانَ الصَّبْرُ عَلَيْهِ لا يُطاقُ إلّا بِهِ سُبْحانَهُ، أمَرَهُ بِالدُّعاءِ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ﴾ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿أعُوذُ بِكَ﴾ أيْ ألْتَجِئُ إلَيْكَ (p-١٨٤)﴿مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ أيْ أنْ يَصِلُوا إلَيَّ بِوَساوِسِهِمُ الَّتِي هي كالنَّخْسِ بِالمِهْمازِ في الإقْحامِ في السَّيِّئاتِ والبُعْدِ عَنْ مُطْلَقِ الحَسَناتِ، فَكَيْفَ بِالأحْسَنِ مِنها كَما سَلَّطَتْهم عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم إلى القَبائِحِ أزًّا.
23:98Page 348
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ ٩٨
And I seek refuge in You, my Lord, lest they be present with me."
﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُرَبِّي لِي ﴿أنْ يَحْضُرُونِ﴾ أيْ ولَوْ لَمْ تَصِلْ إلَيَّ وساوِسُهم فَإنَّ حُضُورَهم هَلَكَةٌ، وبُعْدَهم بَرَكَةٌ، لِأنَّهم مَطْبُوعُونَ عَلى الفَسادِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ.
23:99Page 348
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩
[For such is the state of the disbelievers] until, when death comes to one of them, he says, "My Lord, send me back
ولَمّا كانَ أضَرُّ أوْقاتِ حُضُورِهِمْ ساعَةَ المَوْتِ، وحالَةَ الفَوْتِ، فَإنَّهُ وقْتُ كَشْفِ الغِطاءِ، عَمّا كُتِبَ مِنَ القَضاءِ، وآنَ اللِّقاءُ، وتَحَتَّمَ السُّفُولُ أوِ الِارْتِقاءُ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ تَنْبِيهًا عَلى بَذْلِ الجُهْدِ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ لِلْعِصْمَةِ فِيهِ فَقالَ مُعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] أوْ بِمُبْلِسُونَ، مُنَبِّهًا بِحَرْفِ الغايَةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَمُدُّ في أزْمانِهِمُ اسْتِدْراجًا لَهُمْ: ﴿حَتّى﴾ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ السِّياقُ: فَلا أكُونُ مِنَ الكافِرِينَ المُطِيعِينَ لِلشَّياطِينِ حَتّى ﴿إذا جاءَ﴾ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لِيَذْهَبَ الوَهْمُ في فاعِلِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ فَقالَ: ﴿أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ فَكَشَفَ لَهُ الغِطاءَ، وظَهَرَ لَهُ الحَقُّ، ولاحَتْ لَهُ بَوارِقُ العَذابِ، ولَمْ يَبْقَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ارْتِيابٌ ﴿قالَ﴾ مُخاطِبًا لِمَلائِكَةِ العَذابِ عَلى عادَةِ جَهْلِهِ ووُقُوفِهِ مَعَ المَحْسُوسِ (p-١٨٥)دَأْبَ البَهائِمِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا دارِ العَمَلِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ لِلَّهِ تَعالى ولِلْمَلائِكَةِ، أوْ لِلتَّعْظِيمِ عَلى عادَةٍ في مُخاطَباتِ الأكابِرِ لا سِيَّما المُلُوكُ، أوْ لِقَصْدِ تَكْرِيرِ الفِعْلِ لِلتَّأْكِيدِ.
23:100Page 348
لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كـَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٠٠
That I might do righteousness in that which I left behind."1 No! It is only a word he is saying; and behind them is a barrier until the Day they are resurrected.
ولَمّا كانَ في تِلْكَ الحالَةِ عَلى القَطْعِ مِنَ اليَأْسِ مِنَ النَّجاةِ لِلْيَأْسِ مِنَ العَمَلِ لِفَواتِ دارِهِ مَعَ وُصُولِهِ إلى حَدِّ الغَرْغَرَةِ قالَ: ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ﴾ أيْ لِأكُونَ عَلى رَجاءٍ مِن أنْ أعْمَلَ ﴿صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ مِنَ الإيمانِ وتَوابِعِهِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ قَتادَةُ: ما تَمَنّى أنْ يَرْجِعَ إلى أهْلِهِ وعَشِيرَتِهِ ولا لِيَجْمَعَ الدُّنْيا ويَقْضِيَ الشَّهَواتِ، ولَكِنْ تَمَنّى أنْ يَرْجِعَ لِيَعْمَلَ بِطاعَةِ اللَّهِ، فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَمِلَ فِيما يَتَمَنّاهُ الكافِرُ إذا رَأى العَذابَ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ العَلاءُ بْنُ زِيادٍ يَقُولُ: لِيُنْزِلَنَّ أحَدُكم نَفْسَهُ أنَّهُ قَدْ حَضَرَهُ المَوْتُ فاسْتَقالَ رَبَّهُ فَأقالَهُ فَلْيَعْمَلْ بِطاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ولَمّا كانَ القَضاءُ قَدْ قَطَعَ بِأنَّهُ لا يَرْجِعُ، ولَوْ رَجَعَ لَمْ يَعْمَلْ قالَ رَدْعًا لَهُ ورَدًّا لِكَلامِهِ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ (p-١٨٦)قِيلَ: فَما حُكْمُ ما قالَ؟ فَقالَ مُعْرِضًا عَنْهُ إيذانًا بِالغَضَبِ: ﴿إنَّها كَلِمَةٌ﴾ أيْ مَقالَتَهُ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] - إلى آخِرِهِ، كَلِمَةٌ ﴿هُوَ قائِلُها﴾ وقَدْ عُرِفَ مِنَ الخِداعِ والكَذِبِ فَهي كَما عَهِدَ مِنهُ لا حَقِيقَةَ لَها.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَهو لا يُجابُ إلَيْها، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، جامِعًا مَعَهُ كُلَّ مَن ماثَلَهُ لِأنَّ عَجْزَ الجَمْعِ يَلْزَمُ مِنهُ عَجْزُ الواحِدِ: ﴿ومِن ورائِهِمْ﴾ أيْ مِن خَلْفِهِمْ ومِن أمامِهِمْ مُحِيطٌ بِهِمْ ﴿بَرْزَخٌ﴾ أيْ حاجِزٌ بَيْنَ ما هو فِيهِ وبَيْنَ الدُّنْيا والقِيامَةِ مُسْتَمِرٌّ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَفْعِهِ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ تَجَدَّدَ بَعْثُهم بِأيْسَرِ أمْرٍ وأخَفِّهِ وأهْوَنِهِ.
23:101Page 348
فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ١٠١
So when the Horn is blown, no relationship will there be among them that Day, nor will they ask about one another.
ولَمّا غَيّى ذَلِكَ بِالبَعْثِ فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما يَكُونُ بَعْدَهُ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ النّاسَ - بَعْدَ أنْ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الِاجْتِماعِ عَلى رَبِّهِمْ - تَقَطَّعُوا قِطَعًا، وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، وتَعاضَدُوا بِحُكْمِ ذَلِكَ وتَناصَرُوا، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ: ﴿فَإذا نُفِخَ﴾ أيْ بِأسْهَلِ أمْرٍ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ وهي نَفْخَةُ النُّشُورِ، أوِ الثّالِثَةُ لِلصَّعْقِ ﴿فِي الصُّورِ﴾ فَقامُوا مِنَ القُبُورِ (p-١٨٧)أوْ مِنَ الصَّعْقِ ﴿فَلا أنْسابَ﴾ وهي أعْظَمُ الأسْبابِ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ يَذْكُرُونَها يَتَفاخَرُونَ بِها ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ لِما دَهَمَهم مِنَ الأمْرِ وشَغَلَهم مِنَ البَأْسِ ولَحِقَهم مِنَ الدَّهَشِ ورَعَبَهم مِنَ الهَوْلِ وعَلِمُوا مِن عَدَمِ نَفْعِها إلّا ما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ، بَلْ يَفِرُّ الإنْسانُ مِن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ، وإنَّما أنْسابُهُمُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ ﴿ولا يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ في التَّناصُرِ لِأنَّهُ انْكَشَفَ لَهم أنْ لا حَكْمَ إلّا اللَّهُ وأنَّهُ لا تُغْنِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ لا نُصْرَةَ إلّا بِالأعْمالِ رَحِمَ اللَّهُ بِالتَّيْسِيرِ لَها ثُمَّ رَحِمَ بِقَبُولِها، فَلِذَلِكَ قالَ.
23:102Page 348
فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٢
And those whose scales are heavy [with good deeds] - it is they who are the successful.
﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ بِالأعْمالِ المَقْبُولَةِ، ولَعَلَّ الجَمْعَ لِأنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ مِيزانًا يَعْرِفُ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُهُ، وذَلِكَ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيْ خاصَّةً، ولَعَلَّهُ جَمَعَ لِلْبِشارَةِ بِكَثْرَةِ النّاجِي بَعْدَ أنْ أفْرَدَ الدَّلالَةَ عَلى كَثْرَةِ الأعْمالِ أوْ عَلى عُمُومِ الوَزْنِ لِكُلِّ فَرْدٍ ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ لِأنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ المَوْصُوفُونَ.
23:103Page 348
وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ١٠٣
But those whose scales are light - those are the ones who have lost their souls, [being] in Hell, abiding eternally.
﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ لِإعْراضِهِ عَنْ تِلْكَ الأعْمالِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الإيمانِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ خاصَّةً ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ لِإهْلاكِهِمْ إيّاها بِاتِّباعِها شَهَواتِها في دارِ الأعْمالِ وشُغْلِها بِأهْوائِها عَنْ مَراتِبِ الكَمالِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ أوْ بَيْنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ وهي دارٌ لا يَنْفَكُّ أسِيرُها، ولا يَنْطَفِئُ سَعِيرُها.
23:104Page 348
تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ ١٠٤
The Fire will sear their faces, and they therein will have taut smiles.1
(p-١٨٨)ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿تَلْفَحُ﴾ أيْ تَغْشى بِشَدِيدِ حَرِّها وسَمُومِها ووَهَجِها ﴿وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ فَتُحْرِقُها فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها ﴿وهم فِيها كالِحُونَ﴾ أيْ مُتَقَلِّصُو الشِّفاهِ عَنِ الأسْنانِ مَعَ عَبُوسَةِ الوُجُوهِ وتَجَعُّدِها وتَقَطُّبِها شُغْلُ مَن هو مُمْتَلِئُ الباطِنِ كَراهِيَةً لِما دَهَمَهُ مِن شِدَّةِ المُعاناةِ وعَظِيمِ المُقاساةِ في دارِ التَّجَهُّمِ، كَما تَرى الرُّؤُوسَ المَشْوِيَّةَ، ولا يُناقِضُ نَفْيَ التَّساؤُلِ هُنا إثْباتُهُ في غَيْرِهِ لِأنَّهُ في غَيْرِ تَناصُرٍ بَلْ في التَّلاوُمِ والتَّعاتُبِ والتَّخاصُمِ عَلى أنَّ المَقاماتِ في ذَلِكَ اليَوْمِ طَوِيلَةٌ وكَثِيرَةٌ، فالمَقالاتُ والأحْوالُ لِأجْلِ ذَلِكَ مُتَبايِنَةٌ وكَثِيرَةٌ، وسَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في سُورَةِ الصّافّاتِ نَحْوُ ذَلِكَ.
23:105Page 349
أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥
[It will be said], "Were not My verses recited to you and you used to deny them?"
ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ المُعَذَّبَ بِالفِعْلِ يَضُمُّ إلَيْهِ القِيلَ، أُجِيبَ مَن قَدْ يَسْألُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ﴾ أيْ يُقالُ لَهم في تَأْنِيبِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ: ألَمْ ﴿تَكُنْ آياتِي﴾ الَّتِي انْتَهى عِظَمُها إلى أعْلى المَراتِبِ بِإضافَتِها إلَيَّ. ولَمّا كانَ مُجَرَّدُ ذِكْرِها كافِيًا في الإيمانِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ: ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أيْ تُتابَعُ لَكم قِراءَتُها في الدُّنْيا شَيْئًا فَشَيْئًا. ولَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإيمانِ فَجَعَلُوها سَبَبًا لِلْكُفْرانِ، قالَ: ﴿فَكُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا أنْتُمْ عَرِيقُونَ فِيهِ ﴿بِها تُكَذِّبُونَ﴾ وقَدَّمَ الظَّرْفَ (p-١٨٩)لِلْإعْلامِ بِمُبالَغَتِهِمْ في التَّكْذِيبِ.
23:106Page 349
قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ ١٠٦
They will say, "Our Lord, our wretchedness overcame us, and we were a people astray.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جَوابَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ أيُّها المُسْبِغُ عَلَيْنا نِعَمَهُ ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ أيْ أهْواؤُنا الَّتِي قادَتْنا إلى سُوءِ الأعْمالِ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا ظاهِرًا لِلشَّقاوَةِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكُنّا مَعَها كالمَأْسُورِينَ، تَؤُزُّنا إلَيْها الشَّياطِينُ أزًّا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وكُنّا﴾ أيْ بِما جَبَلَنا عَلَيْهِ ﴿قَوْمًا ضالِّينَ﴾ في ذَلِكَ عَنِ الهُدى، أقْوِياءَ في مُوجِباتِ الشِّقْوَةِ، فَكانَ سَبَبًا لِلضَّلالِ عَنْ طَرِيقِ السَّعادَةِ.
23:107Page 349
رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ ١٠٧
Our Lord, remove us from it, and if we were to return [to evil], we would indeed be wrongdoers."
ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا الإقْرارُ الِاعْتِذارَ، وكانَ ذَلِكَ رُبَّما سَوَّغَ الخَلاصَ، وصَلَوْا بِهِ قَوْلَهُمْ: ﴿رَبَّنا﴾ يا مَن عَوَّدَنا بِالإحْسانِ ﴿أخْرِجْنا مِنها﴾ أيِ النّارِ تَفَضُّلًا مِنكَ عَلى عادَةِ فَضْلِكَ، ورُدَّنا إلى دارِ الدُّنْيا لِنَعْمَلَ ما يُرْضِيكَ ﴿فَإنْ عُدْنا﴾ إلى مِثْلِ تِلْكَ الضَّلالاتِ ﴿فَإنّا ظالِمُونَ﴾ فاسْتُؤْنِفَ جَوابُهم بِأنَّ.
23:108Page 349
قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨
He will say, "Remain despised therein and do not speak to Me.
﴿قالَ﴾ لِهَمْ كَما يُقالُ لِلْكَلْبِ: ﴿اخْسَئُوا﴾ أيِ انْزَجِرُوا زَجْرَ الكَلْبِ وانْطَرِدُوا عَنْ مُخاطَبَتِي ساكِتِينَ سُكُوتَ هَوانٍ ﴿فِيها﴾ أيِ النّارِ ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ أصْلًا، فَإنَّكم لَسْتُمْ أهْلًا لِمُخاطَبَتِي، لِأنَّكم لَمْ تَزالُوا مُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ، ومِنهُ سُؤالُكم هَذا المُفْهِمُ لِأنَّ اتِّصافَكم بِهِ لا يَكُونُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِكم بَعْدَ إخْراجِكم.
23:109Page 349
إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٠٩
Indeed, there was a party of My servants who said, 'Our Lord, we have believed, so forgive us and have mercy upon us, and You are the best of the merciful.'
ولَمّا كانَتِ الشَّماتَةُ أسَرَّ السُّرُورِ لِلشّامِتِ وأخْزى الخِزْيِ لِلْمَشْمُوتِ بِهِ، (p-١٩٠)عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ أيْ كَوْنًا ثابِتًا ﴿فَرِيقٌ﴾ أيْ ناسٌ اسْتَضْعَفْتُمُوهم فَهانَ عَلَيْكم فِراقُهم لَكم وفِراقُكم لَهم وظَنَنْتُمْ أنَّكم تُفَرِّقُونَ شَمْلَهم ﴿مِن عِبادِي﴾ أيِ الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلْإضافَةِ إلى جَنابَيْ لِخُلُوصِهِمْ عَنِ الأهْواءِ ﴿يَقُولُونَ﴾ مَعَ الِاسْتِمْرارِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا بِالخَلْقِ والرِّزْقِ ﴿آمَنّا﴾ أيْ أوْقَعْنا الإيمانَ بِجَمِيعِ ما جاءَتْنا بِهِ الرُّسُلُ لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْنا لِأمْرِكَ لَنا بِهِ.
ولَمّا كانَ عِظَمُ المَقامِ مُوجِبًا لِتَقْصِيرِ العابِدِ، وكانَ الِاعْتِرافُ بِالتَّقْصِيرِ جابِرًا لَهُ قالُوا: ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ أيِ اسْتُرْ بِسَبَبِ إيمانِنا عُيُوبَنا الَّتِي كانَ تَقْصِيرُنا بِها ﴿وارْحَمْنا﴾ أيِ افْعَلْ بِنا فِعْلَ الرّاحِمِ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي هو عَلى صُورَةِ الحُنُوِّ والشَّفَقَةِ والعَطْفِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ، فَإنَّكَ إذا سَتَرْتَ ذَنْبًا أنْسَيْتَهُ لِكُلِّ أحَدٍ حَتّى لِلْحَفَظَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ لِأنَّكَ تُخَلِّصُ مَن رَحِمْتَهُ مِن كُلِّ شَقاءٍ وهَوانٍ، بِإخْلاصِ الإيمانِ، والخَلاصِ مَن كُلِّ كُفْرانٍ.
23:110Page 349
فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ ١١٠
But you took them in mockery to the point that they made you forget My remembrance, and you used to laugh at them.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ إيمانِ هَؤُلاءِ زِيادَةُ كُفْرانِ أُولَئِكَ قالَ: (p-١٩١)﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ أيْ مَوْضِعًا لِلْهُزْءِ والتَّلَهِّي والخِدْمَةِ لَكُمْ، قالَ الشِّهابُ السَّمِينُ في إعْرابِهِ: والسُّخْرَةُ - بِالضَّمِّ: الِاسْتِخْدامُ، وسُخْرِيًّا - بِالضَّمِّ مِنها والسُّخْرُ بِدُونِ هاءٍ - الهُزْءُ والمَكْسُورُ مِنهُ يَعْنِي عَلى القِراءَتَيْنِ وفي النِّسْبَةِ دَلالَةً عَلى زِيادَةِ قُوَّةٍ في الفِعْلِ كالخُصُوصِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ ﴿حَتّى أنْسَوْكُمْ﴾ أيْ لِأنَّهم كانُوا السَّبَبَ في ذَلِكَ بِتَشاغُلِكم بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ واسْتِبْعادِهِمْ ﴿ذِكْرِي﴾ أيْ أنْ تَذْكُرُونِي فَتَخافُونِي بِإقْبالِكم بِكُلِّيَّتِكم عَلى ذَلِكَ مِنهم.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَتَرَكْتُمُوهُ فَلَمْ تُراقِبُونِي في أوْلِيائِي، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكُنْتُمْ﴾ أيْ بِأخْلاقٍ هي كالجِبِلَّةِ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿تَضْحَكُونَ﴾ كَأنَّهم لَمّا صَرَفُوا قُواهم إلى الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ عَدَّ ضَحِكَهم مِن غَيْرِهِمْ عَدَمًا.
23:111Page 349
إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ١١١
Indeed, I have rewarded them this Day for their patient endurance - that they are the attainers [of success]."
ولَمّا تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ بَعْدَ العِلْمِ بِما فُعِلَ بِأعْدائِهِمْ إلى جَزائِهِمْ، قالَ: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ﴾ أيْ مُقابَلَةً عَلى عَمَلِهِمْ ﴿اليَوْمَ بِما صَبَرُوا﴾ أيْ عَلى عِبادَتِي، ولَمْ يَشْغَلْهم عَنْها تَألُّمُهم بِأذاكم كَما شَغَلَكم عَنْها التِذاذُكم بِإهانَتِهِمْ، فَوْزَهم دُونَكُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنَّهم هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الفائِزُونَ﴾ أيْ (p-١٩٢)النّاجُونَ الظّافِرُونَ بِالخَيْرِ بَعْدَ الإشْرافِ عَلى الهَلَكَةِ، وغَيَّرَ العِبارَةَ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ والوُضُوحِ والرُّسُوخِ، وكَسَرَ الهَمْزَةَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
23:112Page 349
قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢
[Allāh] will say, "How long did you remain on earth in number of years?"
ولَمّا كانَ الفائِزُ - وهو الظّافِرُ - مَن لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بُؤْسٌ في ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي فازَ بِهِ، وكانَ قَدْ أشارَ سُبْحانَهُ بِحَرْفِ الغايَةِ وما شاكَلَهُ إلى أنَّهُ مَدَّ لِأهْلِ الشَّقاءِ في الدُّنْيا في الأعْمارِ والأرْزاقِ حَتّى اسْتَهانُوا بِعِبادَةِ السُّعَداءِ، فَكانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّ أعْداءَهم فازُوا بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ والرِّفْعَةِ عَلَيْهِمْ في حالِ الدُّنْيا، وكانَ سُبْحانَهُ قَدْ أسْلَفَ ما يَرُدُّ ذَلِكَ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّهُ خَلَّدَهم في النّارِ وأعْرَضَ عَنْهم وزَجَرَهم عَنْ كَلامِهِ، وكانَ أنْعَمُ أهْلِ الدُّنْيا إذا غُمِسَ في النّارِ غَمْسَةً ثُمَّ سُئِلَ عَنْ نَعِيمِهِ قالَ: ما رَأيْتُ نَعِيمًا قَطُّ، فَكانَ ذَلِكَ مَحَزًّا لِتَقْرِيعِ الأشْقِياءِ بِسَبَبِ تَضِييِعِ أيّامِهِمْ وتَنْدِيمِهِمْ عَلَيْها. تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى أنَّهُ هَلْ يَسْألُهم عَنْ تَنْعِيمِهِ لَهم في الدُّنْيا الَّذِي كانَ جَدِيرًا مِنهم بِالشُّكْرِ فَقابَلُوهُ بِالكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ بِأوْلِيائِهِ؟ فَأجابَ تَشَوُّفَهُ ذَلِكَ مُجَهِّلًا لَهم ومُنَدِّمًا ومُنَبِّهًا عَلى الجَوابِ أنَّ فَوْزَهم في الدُّنْيا - لِقِلَّتِهِ الَّتِي هي أحْقَرُ مِن قَطْرَةٍ في جَنْبِ بَحْرٍ - عَدَمٌ، بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ تَأْسِيفًا عَلى ما أضاعُوا مِن عِبادَةٍ يَسِيرَةٍ تَؤْرِثُهم سَعادَةً لا انْقِضاءَ لَها (p-١٩٣)وارْتَكَبُوا مِن لَذَّةٍ قَلِيلَةٍ أعَقَبَتْهم بُؤْسًا لا آخِرَ لَهُ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وبَيَّنَ سُبْحانِهِ بِقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ أنَّ القَوْلَ بِواسِطَةِ بَعْضِ عِبادِهِ الَّذِينَ أقامَهم لِتَعْذِيبِهِمْ إعْراضًا عَنْهم تَحْقِيقًا لِما أشارَ إلَيْهِ ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فَقالَ: ”قُلْ“ أيْ يا مَن أقَمْناهُ لِلِانْتِقامِ مِمَّنْ أرَدْنا أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا عَلى ما يَرَوْنَ مِن قِصَرِ مُدَّتِها ولَعِبِها بِأهْلِها فَكَفَرُوا بِنا واسْتَهْزَؤُوا بِعِبادِنا: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ عَلى تِلْكَ الحالِ الَّتِي كُنْتُمْ تُعِدُّونَها فَوْزًا ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ أنْتُمْ فِيها ظافِرُونَ ولِأعْدائِكم قاهِرُونَ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِما مِنهُ الإسْناتُ الَّذِي مَعْناهُ القَحْطُ إشارَةً إلى أنَّ أيّامَ الدُّنْيا ضَيِّقَةٌ حَرِجَةٌ وإنْ كانَ فِيها سَعَةٌ، ولا سِيَّما لِلْكَفَرَةِ بِكُفْرِهِمْ وخُبْثِهِمْ ومَكْرِهِمُ الَّذِي جَرَّهم إلى أضْيَقِ الضِّيقِ وأسْوَأِ العَيْشِ.
23:113Page 349
قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖ فَسۡـَٔلِ ٱلۡعَآدِّينَ ١١٣
They will say, "We remained a day or part of a day; ask those who enumerate."
﴿قالُوا﴾ اسْتِقْصارًا لَهُ في جَنْبِ ما رَأوْا مِنَ العَذابِ واسْتِنْقاذًا لِأنْفُسِهِمْ ظَنًّا أنَّ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في النّارِ تَكُونُ بِمِقْدارِ مُكْثِهِمْ في الدُّنْيا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا﴾ ولَعَلَّهم ذَكَرُوا العامِلَ تَلَذُّذًا بِطُولِ الخِطابِ، أوْ تَصْرِيحًا بِالمُرادِ دَفْعًا لِلَّبْسِ والِارْتِيابِ، ثُمَّ زادُوا في التَّقْلِيلِ فَقالُوا: ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾
ولَمّا كانَ المَكْرَةُ في الدُّنْيا إذا أرادُوا تَمْشِيَةَ كَذِبِهِمْ قالُوا لِمَن (p-١٩٤)أخْبَرُوهُ فَتَوَقَّفَ في خَبَرِهِمْ: سَلْ فُلانًا، إيثاقًا بِإخْبارِهِمْ، وسِتْرًا لِعَوارِهِمْ، جَرَوْا عَلى ذَلِكَ تَمادِيًا مِنهم في الجَهْلِ بِالعَلِيمِ القَدِيرِ في قَوْلِهِمْ: ﴿فاسْألِ﴾ أيْ لِتَعْلَمَ صِدْقَ خَبَرِنا أوْ بِسَبَبِ تَرَدُّدِنا في العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الحالِ لِتَحْرِيرِ حَقِيقَةِ المُدَّةِ ﴿العادِّينَ﴾ ويُحْتَمَلُ أيْضًا قَصْدَ التَّرْقِيقِ عَلَيْهِمْ بِالإشارَةِ إلى أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ شاغِلٌ لَهم عَنْ أنْ يَتَصَوَّرُوا شَيْئًا حاضِرًا مَحْسُوسًا، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ ماضِيًا، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ فِكْرِيًّا، فَكَيْفَ إنْ كانَ حِسابًا.
23:114Page 349
قَٰلَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ لَّوۡ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١٤
He will say, "You stayed not but a little - if only you had known.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لا يَنْفَعُهم لِأنَّ الجَزاءَ بِالعَذابِ عَلى عَزْمِهِمْ عَلى التَّمادِي في العِنادِ عَلى مَرِّ الآبادِ، المُصَدِّقُ مِنهم بِالِانْهِماكِ في الفَسادِ، أجابَهم إلى قَصْدِهِمْ في عَدِّهِمْ بِعِبارَةٍ صالِحَةٍ صادِقَةٍ عَلى مُدَّةِ لُبْثِهِمْ طالَ أوْ قَصُرَ، بِقَوْلِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ لِمَن تَشَوَّفَ إلى مَعْرِفَةِ جَوابِهِمْ: ﴿قالَ﴾ أيِ اللَّهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وبَيَّنَتْ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ أنَّ إسْنادَ القَوْلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مَجازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ عِبادِهِ العُظَماءِ فَقالَ عَلى طَرِيقِ الأوَّلِ: ”قُلْ“ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ وقَعَ الإعْراضُ عَنْهم ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في الدُّنْيا (p-١٩٥)﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ هو مِنَ القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُسَمّى بَلْ هو عَدَمٌ ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ في عِدادِ مَن يَعْلَمُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، لِما آثَرْتُمُ الفانِيَ عَلى الباقِي، ولَأقْبَلْتُمْ عَلى ما يَنْفَعُكُمْ، وتَرَكْتُمُ الخَلاعَةَ الَّتِي لا يَرْضاها عاقِلٌ، ولا يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ الرِّضا بِفِعْلِها إلّا بَعْدَ الفَراغِ مِنَ المُهِمِّ، ولَكِنَّكم كُنْتُمْ في عِدادِ البَهائِمِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمُ الوارِثُونَ عَلى الشُّكْرِ عَلى ما مَنَحَهم مِنَ السُّرُورِ بِإهْلاكِ أعْدائِهِمْ وإيراثِهِمْ أرْضَهم ودِيارَهُمْ، مَعَ إعْزازِهِمْ والبَرَكَةِ في أعْمارِهِمْ، بَعْدَ إراحَتِهِمْ مِنهم في الدُّنْيا، ثُمَّ بِإدامَةِ سَعادَتِهِمْ في الآخِرَةِ وشَقاوَةِ أعْدائِهِمْ.
23:115Page 349
أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ١١٥
Then did you think that We created you uselessly and that to Us you would not be returned?"
ولَمّا كانَ حالُهم في ظَنِّهِمْ أنْ لا بَعْثَ، حَتّى اشْتَغَلُوا بِالفَرَحِ، والبَطَرِ والمَرَحِ، والِاسْتِهْزاءِ بِأهْلِ اللَّهِ، حالَ مَن يَظُنُّ العَبَثَ عَلى اللَّهِ المَلِكِ الحَقِّ المُبِينِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: ١١٠] إنْكارَهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّرٍ نَحْوُ: أحَسِبْتُمْ أنّا نُهْمِلُكم فَلا نُنْصِفُ مَظْلُومَكم مِن ظالِمِكُمْ، فَحَسِبْتُمْ ﴿أنَّما خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَبَثًا﴾ أيْ عابِثِينَ أوْ لِلْعَبَثِ مِنّا أوْ مِنكُمْ، لا لِحِكْمَةِ إظْهارِ العَدْلِ والفَضْلِ، حَتّى اشْتَغَلْتُمْ بِظُلْمِ أنْفُسِكم وغَيْرِكُمْ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: والعَبَثُ: (p-١٩٦)اللُّبُّ الخالِي عَنْ فائِدَةٍ.
﴿وأنَّكُمْ﴾ أيْ وحَسِبْتُمْ أنَّكم ﴿إلَيْنا﴾ أيْ خاصَّةً ﴿لا تُرْجَعُونَ﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِإظْهارِ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ في الفَصْلِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِهِ وأبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في الجُزْءِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ مِن مُسْنَدِهِ والبَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ رَقى رَجُلًا مُصابًا بِهَذِهِ الآيَةِ إلى آخِرِ السُّورَةِ في أُذُنَيْهِ فَبَرَأ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أنَّ رَجُلًا مُوقِنًا قَرَأ بِها عَلى جَبَلٍ لَزالَ“» وفي سَنَدِهِما ابْنُ لَهِيعَةَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ورَوى أبُو نَعَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ الحارِثِ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَرِيَّةٍ وأمَرَنا أنْ نَقُولَ إذا أمْسَيْنا وأصْبَحْنا ﴿أفَحَسِبْتُمْ﴾ - الآيَةَ، قالَ: فَقَرَأْناها فَغَنِمْنا وسَلِمْنا» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences