Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:69–91
23:69Page 346
أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩
Or did they not know their Messenger, so they are toward him disacknowledging?
ولَمّا كانَ الرَّجُلُ الكامِلُ مَن عَرَفَ الرِّجالُ بِالحَقِّ، بَدَأ بِما أشارَ إلَيْهِ ثُمَّ أعْقَبَهُ بِمَن يُعَرِّفُ الشَّيْءَ لِلْإلْفِ بِهِ، ثُمَّ بِمَن يُعَرِّفُ الحَقَّ بِالرِّجالِ فَقالَ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ أيِ الَّذِي أتاهم بِهَذا القَوْلِ الَّذِي لا قَوْلَ مِثْلَهُ، ويَعْرِفُوا نَسَبَهُ وصِدْقَهُ وأمانَتَهُ، وما فاتَهم بِهِ مِن مَعالِي الأخْلاقِ حَتّى أنَّهم لا يَجِدُونَ فِيهِ - إذا حُقَّتِ الحَقائِقُ - نَقِيصَةً يَذْكُرُونَها، ولا صِمَّةَ يَتَخَيَّلُونَها، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الصِّحاحُ مِنها حَدِيثُ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي في أوَّلِ البُخارِيِّ في سُؤالِ هِرَقْلَ مِلْكِ الرُّومِ لَهُ عَنْ شَأْنِهِ ﷺ ﴿فَهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ جَهْلِهِمْ بِهِ أنَّهم ﴿لَهُ﴾ أيْ نَفْسِهِ أوْ لِلْقَوْلِ الَّذِي أتى بِهِ ﴿مُنْكِرُونَ﴾ فَيَكُونُوا مِمَّنْ جَهِلَ الحَقَّ لِجُهِلَ حالَ الآتِي بِهِ، فَلَمْ يُحْرِزْ (p-١٦٦)شَيْئًا مِن رُتْبَتَيِ النّاسِ، لا رُتْبَةَ العُلَماءِ النّاقِدِينَ، ولا رُتْبَةَ الجُهّالِ المُتَقَلِّدَيْنِ، وفي هَذا غايَةُ التَّوْبِيخِ لَهم بِجَهْلِهِمْ وبِعِنادِهِمْ بِأنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّهُ أصْدَقُ الخَلْقِ وأعْلاهم في كُلِّ مَعْنًى جَمِيلٍ ثُمَّ يُكَذِّبُونَهُ.
23:70Page 346
أَمۡ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٠
Or do they say, "In him is madness"? Rather, he brought them the truth, but most of them, to the truth, are averse.
ولَمّا فَرَغَ بِما قَدْ يَجُرُّ إلى الطَّعْنِ في القَوْلِ أوِ القائِلِ، أشارَ إلى العِنادِ في أمْرِ القائِلِ والقَوْلِ والرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ أيْ بَعْدَ تَدَبُّرِ ما أتى بِهِ وعَدَمِ عُثُورِهِمْ فِيهِ عَلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ الطَّعْنِ ﴿بِهِ﴾ أيْ بِرَسُولِهِمْ ﴿جِنَّةٌ﴾ أيْ فَلا يُوثَقُ بِهِ لِأنَّهُ قَدْ يَخْلِطُ فَيَأْتِي بِما فِيهِ مَطْعَنٌ وإنْ خَفِيَ وجْهُ الطَّعْنِ فِيهِ في الحالِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأقْسامُ مُنْتَفِيَةً ولا سِيَّما الأخِيرُ المُسْتَلْزَمُ عادَةً لِلتَّخْلِيطِ المُسْتَلْزِمِ لِلْباطِلِ، فَإنَّهم أعْرَفُ النّاسِ بِهَذا الرَّسُولِ الكَرِيمِ وأنَّهُ أكْمَلُهم خَلْقًا، وأشْرَفُهم خَلْقًا، وأطْهَرُهم شِيَمًا، وأعْظَمُهم هِمَمًا، وأرْجَحُهم عَقْلًا، وأمَتْنُهم رَأْيًا وأرْضاهم قَوْلًا، وأصْوَبُهم فِعْلًا، أضْرَبَ عَنْها وقالَ: ﴿بَلْ﴾ أيْ لَمْ يَنْكِصُوا عِنْدَ سَماعِ الآياتِ ويَسْمُرُوا ويَهْجُرُوا لِاعْتِقادِ شَيْءٍ مِمّا مَضى، وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ لِأنَّ هَذا الرَّسُولَ الكَرِيمَ ﴿جاءَهم بِالحَقِّ﴾ الَّذِي لا تَخْلِيطَ فِيهِ بِوَجْهٍ، ولا شَيْءَ أثْبَتُ مِنهُ ولا أبْيَنُ مِمّا فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والأحْكامِ، ولَقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ تَحَدِّيَهم بِهَذا الكِتابِ فَعَجَزُوا فَهو بِحَيْثُ لا يَجْهَلُهُ مُنْصِفٌ ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّ أكْثَرَهم ﴿لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ مُتابَعَةً (p-١٦٧)لِلْأهْواءِ الرَّدِيئَةِ والشَّهَواتِ البَهِيمِيَّةِ عِنادًا، وبَعْضُهم يَتْرُكُونَهُ جَهْلًا وتَقْلِيدًا أوْ خَوْفًا مِن أنْ يُقالَ: صَبِأ، وبَعْضُهم يَتْبَعُهُ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ وتَأْيِيدًا.
23:71Page 346
وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ ٧١
But if the Truth [i.e., Allāh] had followed their inclinations, the heavens and the earth and whoever is in them would have been ruined. Rather, We have brought them their message,1 but they, from their message, are turning away.
ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: ما لَهُ ما كانَ بِحَسَبِ أهْوائِهِمْ فَكانُوا يَتْبَعُونَهُ ويَسْتَرِيحُ ويَسْتَرِيحُونَ مِن هَذِهِ المُخالَفاتِ، الَّتِي جَرَّتْ إلى المُشاحَناتِ، فَأوْجَبَتْ أعْظَمَ المُقاطَعاتِ، قالَ مُبَيِّنًا فَسادَ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ حالٌ مِن فاعِلٍ كارِهٍ، فَإنَّ جَزاءَهُ خَبَرِيٌّ مُسَوِّغٌ لِكَوْنِهِ حالًا كَما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ في بَحْثِ المُسْنَدِ، أوْ هو مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَوْ تَرَكُوا الكُرْهَ لَأحَبُّوهُ ولَوْ أحَبُّوهُ لاتَّبَعُوهُ ولَوِ اتَّبَعُوهُ لانْصَلَحُوا وأصْلَحُوا ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ﴾ أيْ في الأُصُولِ والفُرُوعِ والأحْوالِ والأقْوالِ ﴿أهْواءَهُمْ﴾ أيْ شَهَواتِهِمُ الَّتِي تَهْوِي بِهِمْ لِكَوْنِها أهْواءً - بِما أشارَ إلَيْهِ الِافْتِعالُ ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ﴾ عَلى عُلُوِّها وإحْكامِها ﴿والأرْضُ﴾ عَلى كَثافَتِها وانْتِظامِها ﴿ومَن فِيهِنَّ﴾ عَلى كَثْرَتِهِمْ وانْتِشارِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، بِسَبَبِ ادِّعائِهِمْ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا لَأدّى بِبُرْهانِ التَّمانُعِ إلى الفَسادِ، وبِسَبَبِ اخْتِلافِ أهْوائِهِمْ واضْطِرابِها المُفْضِي إلى النِّزاعِ كَما تَرى مِنَ الفَسادِ عِنْدَ اتِّباعِ بَعْضِ الأغْراضِ في بَعْضِ الأزْمانِ إلى أنْ يُصْلِحَها الحَقُّ بِحِكْمَتِهِ، ويَقْمَعَها بِهَيْبَتِهِ وسَطْوَتِهِ، ولَكِنّا لَمْ نُتْبِعِ الحَقَّ (p-١٦٨)أهْواءَهم ﴿بَلْ أتَيْناهُمْ﴾ بِعَظْمَتِنا ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ وهو الكِتابُ الَّذِي في غايَةِ الحِكْمَةِ، فَفِيهِ صَلاحُ العِلْمِ وتَمامُ انْتِظامِهِ، فَإذا تَأمَّلَهُ الجاهِلُ صَدَّهُ عَنْ جَهْلِهِ فَسَعِدَ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وبانَ لَهُ الخَيْرُ في سائِرِ أحْوالِهِ، وإذا تَدَبَّرَهُ العالِمُ عَرَجَ بِهِ إلى نِهايَةِ كَمالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَأْتِي السُّؤالُ عَمَّنْ أنْزَلَهُ، فَتَخْضَعَ الرِّقابُ، وعَمَّنْ أنْزَلَ عَلَيْهِ فَيُعَظَّمُ في الصُّدُورِ، وعَنْ قَوْمِهِ فَتُجِلُّهُمُ النُّفُوسُ، وتُنَكَّسُ لِمَهابَتِهِمُ الرُّؤُوسُ، فَيَكُونُ لَهم أعْظَمَ ذِكْرٍ وأعْلى شَرَفٍ.
ولَمّا جَعَلُوا ما يُوجِبُ الإقْبالَ سَبَبًا لِلْإدْبارِ، قالَ مُعَجِّبًا مِنهُمْ: ﴿فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ﴾ أيِ الَّذِي هو شَرَفُهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يَفُوتُنا بِإعْراضِهِمْ مُرادٌ، ولا يَلْحَقُنا بِهِ ضَرَرٌ، إنَّما ضَرَرُهُ عائِدٌ إلَيْهِمْ، وراجِعٌ في كُلِّ حالٍ عَلَيْهِمْ.
23:72Page 346
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجٗا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيۡرٞۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢
Or do you, [O Muḥammad], ask them for payment? But the reward of your Lord is best, and He is the best of providers.
ولَمّا أبْطَلَ تَعالى وُجُوهَ طَعْنِهِمْ في المُرْسَلِ بِهِ والمُرْسَلِ مِن جِهَةِ جَهْلِهِمْ مَرَّةً، ومِن جِهَةِ ادِّعائِهِمُ البُطْلانَ أُخْرى، نَبَّهَهم عَلى وجْهٍ آخَرَ هم أعْرَفُ النّاسِ بِبُطْلانِهِ لِيُثْبِتَ المُدَّعى مِنَ الصِّحَّةِ إذا انْتَفَتْ وُجُوهُ المَطاعِنِ فَقالَ مُنْكِرًا: ﴿أمْ تَسْألُهُمْ﴾ أيْ عَلى ما جِئْتَهم بِهِ ﴿خَرْجًا﴾ قالَ (p-١٦٩)البَغَوِيُّ: أجْرًا وجُعْلًا، وقالَ ابْنُ مَكْتُومٍ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: والخُرْجُ والخَراجُ شَيْءٌ يُخْرِجُهُ القَوْمُ في السَّنَةِ مِن مالِهِمْ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، والخَراجُ غَلَّةُ العَبْدِ والأمَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الخَراجُ: الفَيْءُ، والخُرْجُ: الضَّرِيبَةُ والجِزْيَةُ، وقالَ الأصْبِهانِيُّ: سُئِلَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ فَقالَ: الخَراجُ ما لَزِمَكَ ووَجَبَ عَلَيْكَ أداؤُهُ، والخُرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ مِن غَيْرِ وُجُوبٍ.
ولَمّا كانَ الإنْكارُ مَعْناهُ النَّفْيُ، حَسُنَ مَوْقِعُ فاءِ السَّبَبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَراجُ﴾ أيْ أمْ تَسْألُهم ذَلِكَ لِيَكُونَ سُؤالُكَ سَبَبًا لِاتِّهامِكَ وعَدَمِ سُؤالِكَ، بِسَبَبِ أنَّ خَراجَ ﴿رَبِّكَ﴾ الَّذِي لَمْ تَقْصِدْ غَيْرَهُ قَطُّ ولَمْ تَخْلُ عَنْ بابِهِ وقْتًا ما ﴿خَيْرٌ﴾ مِن خَراجِهِمْ، لِأنَّ خَراجَهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ ولا مَمْنُوعٍ عَنْ أحَدٍ مِن عِبادِهِ المُسِيئِينَ فَكَيْفَ بِالمُحْسِنِينَ! وكَأنَّهُ سَمّاهُ خَراجًا إشارَةً إلى أنَّهُ أوْجَبَ رِزْقَ كُلِّ أحَدٍ عَلى نَفْسِهِ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ فَإنَّهُ يَعْلَمُ ما يُصْلِحُ كُلَّ مَرْزُوقٍ وما يُفْسِدُهُ، فَيُعْطِيهِ عَلى حَسَبِ ما يَعْلَمُ مِنهُ ولا يُحْوِجُهُ إلى سُؤالٍ.
23:73Page 346
وَإِنَّكَ لَتَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٣
And indeed, you invite them to a straight path.
ولَمّا كانَتْ عَظَمَةُ المَلِكِ مُقْتَضِيَةً لِتَقَبُّلِ ما أتى بِهِ والتَّشَرُّفِ بِهِ عَلى أيِّ حالٍ كانَ، نَبَّهْ عَلى أنَّهُ حَقٌّ يُكْسِبُ قَبُولُهُ الشَّرَفَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِن عِنْدِ المَلِكِ فَكَيْفَ إذا كانَ مِن عِنْدِهِ، فَكَيْفَ إذا كانَ مَلِكُ المُلُوكِ ومالِكُ المُلْكِ فَكَيْفَ إذا كانَ الآتِي بِهِ خالِصَةُ العِبادِ وأشْرَفُ (p-١٧٠)الخَلْقِ، كَما قامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ بِنَفْيِ هَذِهِ المَطاعِنِ كُلِّها، فَقالَ عاطِفًا عَلى ”آتَيْناهم“: ﴿وإنَّكَ﴾ أيْ مَعَ انْتِفاءِ هَذِهِ المَطاعِنِ كُلِّها ﴿لَتَدْعُوهُمْ﴾ أيْ بِهَذا الذِّكْرِ مَعَ ما قَدَّمَنا مِنَ الوُجُوهِ الدّاعِيَةِ إلى اتِّباعِكَ بِانْتِفاءِ جَمِيعِ المَطاعِنِ عَنْكَ وعَمّا جِئْتَ بِهِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لا عِوَجَ فِيهِ ولا طَعْنَ أصْلًا كَما تَشْهَدُ بِهِ العُقُولُ الصَّحِيحَةُ، فَمَن سَلَكَهُ أوْصَلَهُ إلى الغَرَضِ فَحازَ كُلَّ شَرَفٍ، والحالُ أنَّهم، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالوَصْفِ الحامِلِ لَهم عَلى العَمى فَقالَ.
23:74Page 346
وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ٧٤
But indeed, those who do not believe in the Hereafter are deviating from the path.
﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَخْشَوْنَ القِصاصَ فِيها ﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ أيِ الَّذِي لا صِراطَ غَيْرُهُ لِأنَّهُ لا مُوصِلَ إلى القَصْدِ غَيْرُهُ ﴿لَناكِبُونَ﴾ أيْ عادِلُونَ مُتَنَحُّونَ مائِلُونَ مُنْحَرِفُونَ في سائِرِ أحْوالِهِمْ سائِرُونَ عَلى غَيْرِ مَنهَجٍ أصْلًا، بَلْ خَبْطَ عَشْواءَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مُطْلَقُ الصِّراطِ وأنْ يُرادَ النَّكِرَةُ المَوْصُوفَةُ بِالِاسْتِقامَةِ.
23:75Page 347
۞ وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٥
And even if We gave them mercy and removed what was upon them of affliction, they would persist in their transgression, wandering blindly.
ولَمّا وُصِفُوا بِالمَيْلِ، وكانَ رُبَّما قالَ قائِلٌ: إنَّ جُؤارَهُمُ المَذْكُورَ آنِفًا سُلُوكَ في الصِّراطِ، بَيْنَ أنَّهُ لا اعْتِدادَ بِهِ لِعُرُوضِهِ فَقالَ: ﴿ولَوْ رَحِمْناهُمْ﴾ أيْ عامَلْناهم مُعامَلَةَ المَرْحُومِ في إزالَةِ ضَرَرِهِ وهو مَعْنى ﴿وكَشَفْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ وهو الَّذِي عَرَّضَ جُؤارَهم بِسَبَبِهِ ﴿لَلَجُّوا﴾ أيْ تَمادَوْا تَمادِيًا عَظِيمًا (p-١٧١)﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الجُؤارِ وهو إفْراطُهم في مُنابَذَةِ الحَقِّ والِاسْتِقامَةِ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أيْ يَفْعَلُونَ مِنَ التَّحَيُّرِ والتَّرَدُّدِ فِعْلَ مَن لا بَصِيرَةَ لَهُ في السَّيْرِ المُنْحَرِفِ عَنِ القَصْدِ، والجائِرِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَهَذا مِن بابِ عِلْمِهِ بِما لا يَكُونُ لَوْ كانَ كَيْفَ كانَ يَكُونُ، قالَ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كُلُّ ما فِيهِ ”لَوْ“ فَهو مِمّا لا يَكُونُ أبَدًا.
23:76Page 347
وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦
And We had gripped them with suffering [as a warning], but they did not yield to their Lord, nor did they humbly supplicate, [and will continue thus]
ثُمَّ أتْبَعَ هَذا الدَّلِيلَ تَأْيِيدًا لَهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَسْلُكُونَ الصِّراطَ إلّا اضْطِرارًا فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهُمْ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِالعَذابِ﴾ أيْ بِمُطْلِقِهِ كَإظْهارِ حِزْبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في بَدْرِ وغَيْرِها ﴿فَما اسْتَكانُوا﴾ أيْ خَضَعُوا خُضُوعًا هو كالجِبِلَّةِ لَهم ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ عَقِبَ المِحْنَةِ، وحَقِيقَتُهُ ما طَلَبُوا أنْ يَكُونُوا لَهُ لِيُكْرِمُوا مَقامَ العُبُودِيَّةِ مِنَ الذُّلِّ والخُضُوعِ والِانْقِيادِ لِأوامِرِهِ تارِكِينَ حُظُوظَ أنْفُسِهِمْ، والحاصِلُ أنَّهُ لَمّا ضَرَبَهم بِالعَذابِ كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَكُونُوا لَهُ لا لِشُرَكائِهِمْ، فَما عَمِلُوا بِمُقْتَضى ذَلِكَ إيجادًا ولا طَلَبًا ﴿وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الدُّعاءَ بِالخُضُوعِ والذُّلِّ والخُشُوعِ في كُلِّ وقْتٍ بِحَيْثُ يَكُونُ لَهم عادَةً، بَلْ هم عَلى ما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ والعُتُوِّ إلّا إذا التَقَتْ حَلْقَتا البِطانِ، ولَمْ يَبْقَ لَهم نَوْعُ (p-١٧٢)اخْتِيارٍ، بِدَلِيلِ ما أرْشَدَ إلَيْهِ حَرْفُ الغايَةِ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ: بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى عُتُوِّهِمْ.
23:77Page 347
حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا ذَا عَذَابٖ شَدِيدٍ إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٧
Until when We have opened before them a door of severe punishment, immediately they will be therein in despair.
﴿حَتّى إذا فَتَحْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ فَتْحُ عَذابٍ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ بابًا﴾ مِنَ الأبْوابِ الَّتِي نَقْهَرُ بِها مَن شِئْنا بِحَيْثُ يَعْلُوهُ أمْرُها ولا يَسْتَطِيعُ دَفْعَها ﴿ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ يَعْنِي القَتْلَ والأسْرَ يَوْمَ بَدْرٍ - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أوِ القَحْطُ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ إجابَةً لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ» ﴿إذا هم فِيهِ﴾ أيْ ذَلِكَ البابِ مَظْرُوفُونَ لا يَقْدِرُونَ مِنهُ عَلى نَوْعِ خَلاصٍ ﴿مُبْلِسُونَ﴾ أيْ مُتَحَيِّرُونَ ساكِنُونَ عَلى ما في أنْفُسِهِمْ آيِسُونَ لا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْطِقُوا بِكَلِمَةٍ، داخِلُونَ في الإبْلاسِ وهو عَدَمُ الخَيْرِ، مُتَأهِّلُونَ لِسُكْنى ”بِوَلْسُ“ وهو سِجْنُ جَهَنَّمَ، لِعَدَمِ جَعْلِهِمُ التَّضَرُّعَ وصْفًا لَهم لازِمًا غَيْرَ عارِضٍ، والخَوْفَ مِنَ اللَّهِ شِعارًا دائِمًا غَيْرَ مُفارَقٍ، اسْتِحْضارًا لِقُدْرَتِهِ واسْتِكْبارًا لِعَظَمَتِهِ.
23:78Page 347
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٧٨
And it is He who produced for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.
ثُمَّ التَفَتَ إلى خِطابِهِمْ، اسْتِعْطافًا بِعِتابِهِمْ، لِأنَّهُ عِنْدَ التَّذْكِيرِ بِعَذابِهِمْ أقْرَبُ إلى إيابِهِمْ، فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ ما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ والحالُ أنَّهُ هو لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ﴾ يا مَن يُكَذِّبُ بِالآخِرَةِ، عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ ﴿السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ ولَعَلَّهُ جَمَعَها لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيها (p-١٧٣)أكْثَرُ مِنَ التَّفاوُتِ في السَّمْعِ ﴿والأفْئِدَةَ﴾ الَّتِي هي مَراكِزُ العُقُولِ، فَكُنْتُمْ بِها أعْلى مِن بَقِيَّةِ الحَيَواناتِ، جَمْعَ فُؤادٍ، وهو القَلْبُ لِتَوَقُّدِهِ وتَحَرُّقِهِ، مِنَ التَّفَؤُّدِ وهو التَّحَرُّقُ، وعَبَّرَ بِهِ هُنا لِأنَّ السِّياقَ لِلِاتِّعاظِ والِاعْتِبارِ، وجَمْعُهُ جَمْعُ القِلَّةِ إشارَةً إلى عِزَّةِ مَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ولَعَلَّهُ جَمْعُ الأبْصارِ كَذَلِكَ لِاحْتِمالِها لِلْبَصِيرَةِ.
ولَمّا صَوَّرَ لَهم هَذَهِ النِّعَمِ، وهي بِحَيْثُ لا يَشُكُّ غافِلٌ في أنَّهُ لا مِثْلَ لَها، وأنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ أنْ يُعْطى شَيْئًا مِنها آدَمِيٌّ لَمْ يَقْدِرْ عَلى مُكافَأتِهِ، حَسُنَ تَبْكِيتُهم في كُفْرِ المُنْعِمِ بِها فَقالَ: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ لِمَن أوْلاكم هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي لا مِثْلَ لَها، ولا يَقْدِرُ غَيْرَهُ عَلى شَيْءٍ مِنها، مَعَ ادِّعائِكم أنَّكم أشْكَرُ النّاسِ لِمَن أسْدى إلَيْكم أقَلَّ ما يَكُونُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلى مِثْلِها كُلُّ أحَدٍ، فَكُنْتُمْ بِذَلِكَ أنْزَلَ مِنَ الحَيَواناتِ العُجْمِ صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا.
23:79Page 347
وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٩
And it is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered.
ولَمّا ذَكَّرَهم بِهَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي هي دالَّةٌ عَلى خَلْقِهِمْ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي ذَرَأكُمْ﴾ أيْ خَلَقَكم وبَثَّكم ﴿فِي الأرْضِ﴾ ولَمّا ذَكَّرَهم بِإبْدائِهِمُ المُتَضَمِّنِ لِلْقُدْرَةِ عَلى إعادَتِهِمْ مَعَ ما فِيها مِنَ الحِكْمَةِ وفي تَرْكِها مِنَ الإخْلالِ بِها، صَرَّحَ بِها فَقالَ: ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿تُحْشَرُونَ﴾ يَوْمَ النُّشُورِ.
23:80Page 347
وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٨٠
And it is He who gives life and causes death, and His is the alternation of the night and the day. Then will you not reason?
(p-١٧٤)ولَمّا تَضَمَّنَ ذَلِكَ إحْياءَهم وإماتَتَهُمْ، صَرَّحَ بِهِ عَلى وجْهٍ عامٍّ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي﴾ مِن شَأْنِهِ أنَّهُ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ فَلا مانِعَ لَهُ مِنَ البَعْثِ ولا غَيْرَهُ مِمّا يُرِيدُهُ. ولَمّا كانَتْ حَقِيقَةُ البَعْثِ إيجادَ الشَّيْءِ كَما هو بَعْدَ إعْدامِهِ، ذَكَّرَهم بِأمْرٍ طالَما لابَسُوهُ وعالَجُوهُ ومارَسُوهُ فَقالَ: ﴿ولَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ، لا لِغَيْرِهِ ﴿اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيِ التَّصَرُّفُ فِيهِما عَلى هَذا الوَجْهِ، يُوجَدُ كُلًّا مِنهُما بَعْدَ أنْ أعْدَمَهُ كَما كانَ سَواءً، فَدَلَّ تَعاقُبُهُما عَلى تَغَيُّرِهِما، وتَغَيُّرِهِما بِذَلِكَ وبِالزِّيادَةِ والنَّقْصِ عَلى أنَّ لَهُما مُغَيِّرًا لا يَتَغَيَّرُ وأنَّهُ لا فِعْلَ لَهُما وإنَّما الفِعْلُ لَهُ وحْدَهُ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ كَما قَدَرَ عَلى ابْتِدائِهِ بِما دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ وبِهَذا الدَّلِيلِ الشُّهُودِيِّ لِلْحامِدِينَ، ولِذَلِكَ خَتَمَهُ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا تَسْبِيبَ ذَلِكَ لِعَدَمِ عَقْلِهِمْ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ يَكُونُ لَكم عُقُولٌ لِتَعْرِفُوا ذَلِكَ فَتَعْمَلُوا بِما تَقْتَضِيهِ مِنِ اعْتِقادِ البَعْثِ الَّذِي يُوجِبُ سُلُوكَ الصِّراطِ.
23:81Page 347
بَلۡ قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٨١
Rather,1 they say like what the former peoples said.
ولَمّا كانَ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ النَّفْيَ، حَسُنَ بَعْدَهُ كُلَّ الحُسْنِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ﴾ وعَدَلَ إلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِالغَضَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ العَرَبُ ﴿مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ مِن قَوْمِ نُوحٍ ومِن بَعْدِهِ.
23:82Page 347
قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٨٢
They said, "When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قالُوا﴾ أيْ مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مُتَعَجِّبِينَ (p-١٧٥)مِن أمْرِهِ: ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا﴾ أيْ بِالبِلى بَعْدَ المَوْتِ ﴿تُرابًا وعِظامًا﴾ نَخِرَةً، ثُمَّ أكَّدُوا الإنْكارَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أيْ مِن باعِثٍ ما.
23:83Page 347
لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨٣
We have been promised this, we and our forefathers, before; this is not but legends of the former peoples."
ولَمّا كانَ مَحَطَّ العِنايَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ الخَلْقُ والإيجادُ، والتَّهْدِيدُ لِأهْلِ العِنادِ، حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا﴾ مُقَدِّمًا قَوْلَهُمْ: ﴿نَحْنُ وآباؤُنا﴾ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا﴾ أيِ البَعْثَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ بِخِلافِ النَّمْلِ، فَإنَّ مَحَطَّ العِنايَةِ فِيها الإيمانُ بِالآخِرَةِ فَلِذَلِكَ قَدَّمَ قَوْلَهُ ”هَذا“، والمُرادُ وعْدُ آبائِهِمْ عَلى ألْسِنَةِ مَن أتاهم مِنَ الرُّسُلِ غَيْرَ أنَّ الإخْبارَ بِشُمُولِهِ جَعَلَهُ وعْدًا لِلْكُلِّ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا قَوْلَهُمْ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ كَذِبٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، لِأنَّ ذَلِكَ مَعْنى الإنْكارِ المُؤَكَّدِ.
23:84Page 347
قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٤
Say, [O Muḥammad], "To whom belongs the earth and whoever is in it, if you should know?"
ولَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ هَذا الإنْكارَ المُؤَكَّدَ، ونَفَوْهُ هَذا النَّفْيَ المُحَتَّمَ، أمَرَهُ أنْ يُقَرِّرَهم بِأشْياءَ هم بِها مُقِرُّونَ، ولَها عارِفُونَ، يَلْزَمُهم مِن تَسْلِيمِها الإقْرارُ بِالبَعْثِ قَطْعًا، فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ مُجِيبًا لِإنْكارِهِمْ (p-١٧٦)البَعْثَ مُلْزِمًا لَهُمْ: ﴿لِمَنِ الأرْضُ﴾ أيْ عَلى سَعَتِها وكَثْرَةِ عَجائِبِها ﴿ومَن فِيها﴾ عَلى كَثْرَتِهِمْ واخْتِلافِهِمْ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ بِما هو كالجِبِلَّةِ لَكم ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أهْلًا لِلْعِلْمِ، وكَأنَّهُ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّهم أنْكَرُوا شَيْئًا لا يُنْكِرُهُ عاقِلٌ.
23:85Page 347
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥
They will say, "To Allāh." Say, "Then will you not remember?"
ولَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِذَلِكَ، أخْبَرَ عَنْ جَوابِهِمْ قَبْلَ جَوابِهِمْ، لِيَكُونَ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ وأعْلامِ الرِّسالَةِ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿سَيَقُولُونَ﴾ أيْ قَطْعًا: ذَلِكَ كُلُّهُ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المُخْتَصِّ بِصِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى الوَحْدانِيَّةِ والتَّفَرُّدِ بِتَمامِ القُدْرَةِ مِن وجْهَيْنِ: كَوْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ لَهُ، وكَوْنِهِ يُخْبِرُ عَنْ عَدُوِّهِ بِشَيْءٍ فَلا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّفُ عَنْهُ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهم إذا قالُوا لَكَ ذَلِكَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ تَسْبِيبَهُ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ بِذَلِكَ المَرْكُوزِ في طِباعِكُمُ المَقْطُوعِ بِهِ عِنْدَكُمْ، ما غَفَلْتُمْ عَنْهُ مِن تَمامِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ عَظَمَتِهِ، فَتُصَدِّقُوا ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ البَعْثِ الَّذِي هو دُونَ ذَلِكَ، وتَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنها - وهو مِلْكُهُ - أنْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ (p-١٧٧)ولا ولَدًا، وتَعَلَمُوا أنَّهُ لا يَصِحُّ في الحِكْمَةِ أصْلًا أنَّهُ يَتْرُكُ البَعْثَ لِأنَّ أقَلَّكم لا يَرْضى بِتَرْكِ حِسابِ عَبِيدِهِ والعَدْلِ بَيْنَهم.
23:86Page 347
قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ٨٦
Say, "Who is Lord of the seven heavens and Lord of the Great Throne?"
ولَمّا ذَكَّرَهم بِالعالَمِ السُّفْلِيِّ لِقُرْبِهِ، تَلاهُ بِالعُلْوِيِّ لِأنَّهُ أعْظَمُ فَقالَ عَلى ذَلِكَ المِنوالِ مُرْقِيًا لَهم إلَيْهِ: ﴿قُلْ مَن رَبُّ﴾ أيْ خالِقُ ومُدَبِّرُ ﴿السَّماواتِ السَّبْعِ﴾ كَما تُشاهِدُونَ مِن حَرَكاتِها وسَيْرِ نُجُومِها ﴿ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُعْتَرِفُونَ.
23:87Page 347
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧
They will say, "[They belong] to Allāh." Say, "Then will you not fear Him?"
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ هو رَبُّ ذَلِكَ - عَلى قِراءَةِ البَصْرِيِّينَ، والتَّقْدِيرُ لِغَيْرِهِما: ذَلِكَ كُلُّهُ لِلَّهِ، لِأنَّ مَعْنى مَن رَبُّ الشَّيْءِ: لِمَنِ الشَّيْءُ، فَتُفِيدُ اللّامُ المِلْكَ صَرِيحًا مَعَ إفادَةِ الرَّبِّ التَّدْبِيرَ.
ولَمّا تَأكَّدَ الأمْرُ وزادَ الوُضُوحُ، حَسُنَ التَّهْدِيدُ عَلى التَّمادِي فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ عَدَمَ تَسْبِيبِهِ لَهُمُ التَّقْوى: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ تَجْعَلُونَ بَيْنَكم وبَيْنَ حُلُولِ السُّخْطِ مِن هَذا الواسِعِ المُلْكِ التّامِّ القُدْرَةِ وِقايَةً بِالمَتابِ مِن إنْكارِ شَيْءٍ يَسِيرٍ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا المَلِكِ العَظِيمِ هَيِّنٌ عَلَيْهِ.
23:88Page 347
قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٨
Say, "In whose hand is the realm of all things - and He protects while none can protect against Him - if you should know?"
ولَمّا قَرَّرَهم بِالعالَمَيْنِ: العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، أمَرَهُ بِأنْ يُقْرِّرَهم بِما هو أعَمُّ مِنهُما وأعْظَمُ، فَقالَ: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِنَ العالَمَيْنِ وغَيْرِهِما، والمَلَكُوتُ (p-١٧٨)المُلْكُ البَلِيغُ الَّذِي لا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهٍ؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَتِ العَرَبُ إذا كانَ السَّيِّدُ فِيهِمْ فَأجارَ أحَدًا لا يَخْفِرُ في جِوارِهِ ولَيْسَ لِمَن دُونَهُ أنْ يُجِيرَ عَلَيْهِ لِئَلّا يَفْتاتَ عَلَيْهِ. ولَوْ أجارَ ما أفادَ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وهُوَ يُجِيرُ﴾ أيْ يَمْنَعُ ويُغِيثُ مَن يَشاءُ فَيَكُونُ في حِرْزِهِ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الدُّنُوِّ مِن ساحَتِهِ ﴿ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ أيْ ولا يُمْكِنُ أحَدًا أبَدًا أنْ يُجِيرَ جِوارًا يَكُونُ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ عَلى غَيْرِ مُرادِهِ، بَلْ يَأْخُذُ مَن أرادَ وإنْ نَصْرَهُ جَمِيعُ الخَلائِقِ، ويُعْلِي مَن أرادَ وإنْ تَحامَلَتْ عَلَيْهِ كُلُّ المَصائِبِ، فَتَبَيَّنَ كالشَّمْسِ أنَّهُ لا شَرِيكَ يُمانَعُهُ، ولا ولَدَ يُصانِعُهُ أوْ يُضارِعُهُ؛ وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو السَّيِّدُ المُعَظَّمُ الَّذِي لا أعْظَمُ مِنهُ الَّذِي لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ الَّذِي لا يُمانَعُ ولا يُخالَفُ، وما شاءَ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
ولَمّا كانَ هَذا بُرْهانًا مَعَ أنَّهُ ظاهِرٌ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، قَدْ يُمَجْمِجُ فِيهِ مِن لَهُ غَرَضٌ في اللَّدَدِ، ألْهَبَهم إلى المُبادَرَةِ إلى الِاعْتِرافِ بِهِ وهَيَّجَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ في عِدادِ مَن يَعْلَمُ.
23:89Page 347
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ ٨٩
They will say, "[All belongs] to Allāh." Say, "Then how are you deluded?"
ولِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي بِيَدِهِ ذَلِكَ، خاصًّا بِهِ، والتَّقْدِيرُ لِغَيْرِ البَصْرِيِّينَ: ذَلِكَ كُلُّهُ لِلَّهِ، (p-١٧٩)لِأنَّ اليَدَ أدَلُّ شَيْءٍ عَلى المِلْكِ.
ولَمّا كانَ جَوابُهم بِذَلِكَ يَقْتَضِي إنْكارَ تَوَقُّفِهِمْ في الإقْرارِ بِالبَعْثِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ﴾ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ تَسْبِيبَ ذَلِكَ لَهُمُ ادِّعاءَ أنَّهُ سِحْرٌ، أوِ الصَّرْفَ عَنِ الحَقِّ كَما يُصْرَفُ المَسْحُورُ ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ أيْ فَكَيْفَ بَعْدَ إقْرارِكم بِهَذا كُلِّهِ تَدَّعُونَ أنَّ الوَعِيدَ بِالبَعْثِ سِحْرٌ في قَوْلِكُمْ: أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ، ومِن أيْنَ صارَ لَكم هَذا الِاعْتِقادُ وقَدْ أقْرَرْتُمْ بِما يَلْزَمُ مِنهُ شُمُولُ العِلْمِ وتَمامَ القُدْرَةِ؟ ومِن أيْنَ تَتَخَيَّلُونَ الحَقَّ باطِلًا، أوْ كَيْفَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ المَسْحُورِ بِما تَأْتُونَ بِهِ مِنَ التَّخْطِيطِ في الأقْوالِ والأفْعالِ، وتُخْدَعُونَ وتُصْرَفُونَ عَنْ كُلِّ ما دَعا إلَيْهِ؟ .
23:90Page 348
بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٩٠
Rather, We have brought them the truth, and indeed they are liars.
ولَمّا كانَ الإنْكارُ بِمَعْنى النَّفْيِ، حَسُنَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ، لَمْ نَأْتِهِمْ بِسِحْرٍ بَلْ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ هو أساطِيرَ، بَلْ ﴿أتَيْناهُمْ﴾ فِيهِ عَلى عَظَمَتِنا ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ الكامِلِ الَّذِي لا حَقَّ بَعْدَهُ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ ”ألْ“ فَكُلُّ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وغَيْرِهِما فَهو حَقٌّ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ سِحْرٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وفي كُلِّ ما ادَّعَوْهُ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ وغَيْرِهِما مِمّا بَيَّنَ القُرْآنُ فَسادَهُ (p-١٨٠)كَما لَزِمَهم بِما أقَرُّوا بِهِ في جَوابِ هَذِهِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ.
23:91Page 348
مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١
Allāh has not taken any son, nor has there ever been with Him any deity. [If there had been], then each deity would have taken what it created, and some of them would have [sought to] overcome others. Exalted is Allāh above what they describe [concerning Him].
ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ كَذِبِهِمْ ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦] قالَ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ولَدٍ﴾ لا مِنَ المَلائِكَةِ ولا مِن غَيْرِهِمْ، لَمّا قامَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى غِناهُ، وأنَّهُ لا مُجانِسَ لَهُ، ولَمّا لَزِمَهم بِإقْرارِهِمْ أنَّهُ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ، وأنَّ لَهُ السَّماواتِ والأرْضَ ومَن فِيهِما.
ولَمّا كانَ الوَلَدُ أخَصَّ مِن مُطْلَقِ الشَّرِيكِ قالَ: ﴿وما كانَ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿مَعَهُ﴾ فَأفادَ بِفِعْلِ الكَوْنِ نَفِيَ الصِّحَّةِ لِيَنْتَفِيَ الوُجُودُ بِطَرِيقِ الأوْلى ﴿مِن إلَهٍ﴾ وزادَ ”مِن“ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ؛ ولَمّا لَزِمَهُمُ الكَذِبُ في دَعْوى الإلَهِيَّةِ بِوَلَدٍ أوْ غَيْرِهِ مِن إقْرارِهِمْ هَذا، أقامَ عَلَيْهِ دَلِيلًا عَقْلِيًّا لِيَتَطابَقَ الإلْزامِيُّ والعَقْلِيُّ فَقالَ: ﴿إذًا﴾ أيْ إذْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ وحْدَهُ لِيَتَمَيَّزَ ما لَهُ مِمّا لِغَيْرِهِ ﴿ولَعَلا بَعْضُهُمْ﴾ أيْ بَعْضُ الآلِهَةِ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ إذا تَخالَفَتْ أوامِرُهُمْ، فَلَمْ يَرْضَ أحَدٌ مِنهم أنْ يُضافَ ما خَلَقَهُ إلى غَيْرِهِ، ولا أنْ يَمْضِيَ فِيهِ أمْرٌ عَلى غَيْرِ مُرادِهِ، كَما هو مُقْتَضى العادَةِ، فَلا يَكُونُ المَغْلُوبُ إلَهًا لِعَجْزِهِ، ولا يَكُونُ مُجِيرًا غَيْرَ مُجارٍ (p-١٨١)عَلَيْهِ، بِيَدِهِ وحْدَهُ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ لَأمْكَنَ أنْ يَكُونَ، فَكانَ إمْكانُهُ كافِيًا في إبْطالِ الشَّرِكَةِ لِما يَلْزَمُ ذَلِكَ مِن إمْكانِ العَجْزِ المُنافِي لِلْإلَهِيَّةِ، كَما بَيَّنَ في الأنْبِياءِ.
ولَمّا طابَقَ الدَّلِيلُ الإلْزامَ عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ، نَزَّهَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ بِما هو نَتِيجَةُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيِ المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، المُنَزَّهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ المُقَدَّسِ مِنَ الشَّرِيكِ والوَلَدِ وغَيْرِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences