Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:20–28
24:20Page 351
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٢٠
And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Kind and Merciful.
ولَمّا خَتَمَ بِالحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالجَهْلِ، وكانَ التَّقْدِيرُ كَما أرْشَدَ إلَيْهِ ما يَأْتِي مِنَ العَطْفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ: فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ بِكم لَعَجَّلَ هَلاكَ المُحِبِّينَ لِشُيُوعِ ذَلِكَ بِعَذابِ الدُّنْيا لِيَكُونَ مَوْصُولًا بِعَذابِ الآخِرَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُكَرِّرًا التَّذْكِيرَ بِالمِنَّةِ بِتَرْكِ المُعاجَلَةِ حاذِفًا الجَوابَ، مُنَبِّهًا بِالتَّكْرِيرِ والحَذْفِ عَلى قُوَّةِ المُبالِغَةِ وشِدَّةِ التَّهْوِيلِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ﴾ أيِ الحائِزِ لِجَمِيعِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ بِكم ﴿وأنَّ﴾ أيْ ولَوْلا أنْ ﴿اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ التّامَّةُ فَسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ ﴿رَءُوفٌ﴾ بِكم في نَصْبِ ما يُزِيلُ جَهْلَكم بِما يَحْفَظُ (p-٢٣٥)مِن سَرائِرِكم بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ ونَصْبِ الحُدُودِ، الزّاجِرَةِ عَنِ الجَهْلِ، الحامِلَةِ عَلى التَّقْوى، الَّتِي هي ثَمَرَةُ العِلْمِ، فَإنَّ الرَّأْفَةَ كَما تَقَدَّمَ في الحَجِّ وغَيْرِها تُقِيمُ المَرْؤُوفَ بِهِ لِأنَّها ألْطَفُ الرَّحْمَةِ وأبْلَغُها عَلى أقْوَمِ سَنَنٍ حَتّى تَحْفَظَ بِمَسْراها في سِرِّهِ ظُهُورَ ما يَسْتَدْعِي العَفْوَ، وتارَةً يَكُونُ هَذا الحِفْظُ بِالقُوَّةِ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ، وتارَةً يَضُمُّ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في القَلْبِ بِما لِلْمَرْؤُوفِ بِهِ مِنَ الوَصْلَةِ بِسُهُولَةِ الِانْقِيادِ وقُوَّةِ الِاسْتِعْدادِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِما يُثْبِتُ لَكم مِنَ الدَّرَجاتِ عَلى ما مَنَحَكم بِهِ مِن ثَمَراتِ ذَلِكَ الحِفْظِ مِنَ الأعْمالِ المُرْضِيَةِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَتَرَكَكم في ظُلُماتِ الجَهْلِ تَعْمَهُونَ، فَثارَتْ بَيْنَكُمُ الفِتَنُ حَتّى تَفانَيْتُمْ ووَصَلْتُمْ إلى العَذابِ الدّائِمِ بَعْدَ الهَمِّ اللّازِمِ.
24:21Page 352
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١
O you who have believed, do not follow the footsteps of Satan. And whoever follows the footsteps of Satan - indeed, he enjoins immorality and wrongdoing. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, not one of you would have been pure, ever, but Allāh purifies whom He wills, and Allāh is Hearing and Knowing.
ولَمّا أخْبَرَهم بِأنَّهُ ما أنْزَلَ لَهم هَذا الشَّرْعَ عَلى لِسانِ هَذا الرَّسُولِ الرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ إلّا رَحْمَةً لَهُمْ، بَعْدَ أنْ حَذَّرَهم مَوارِدَ الجَهْلِ، نَهاهم عَنِ التَّمادِي فِيهِ في سِياقٍ مُعْلِمٍ أنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ العَدُوُّ، فَقالَ سارًّا لَهم بِالإقْبالِ عَلَيْهِمْ بِالنِّداءِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ ﴿لا تَتَّبِعُوا﴾ أيْ بِجُهْدِكم ﴿خُطُواتِ﴾ أيْ طَرِيقَ ﴿الشَّيْطانِ﴾ أيْ لا تَقْتَدُوا بِهِ ولا تَسْلُكُوا مَسالِكَهُ الَّتِي يَحْمِلُ عَلى سُلُوكِها بِتَزْيِينِها (p-٢٣٦)فِي شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وكَأنَّهُ أشارَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى العَفْوِ عَنِ الهَفَواتِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ مَن يَتَنَكَّبُ عَنْ طَرِيقِهِ يَأْتِ بِالحُسْنى والمَعْرُوفِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَّبِعْ﴾ أيْ بِعَزْمٍ ثابِتٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مُخْطِئًا أوْ ناسِيًا؛ وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ لِزِيادَةِ التَّنْفِيرِ فَقالَ: ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ ويَقْتَدِ بِهِ يَقَعْ في مُهاوِي الجَهْلِ النّاشِئِ عَنْها كُلُّ شَرٍّ ﴿فَإنَّهُ﴾ أيِ الشَّيْطانَ ﴿يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ وهي ما أغْرَقَ في القُبْحِ ﴿والمُنْكَرِ﴾ وهو ما لَمْ يُجَوِّزْهُ الشَّرْعُ، فَهو أوَّلًا يَقْصِدُ أعْلى الضَّلالِ، فَإنْ لَمْ يَصِلْ تَنَزَّلَ إلى أدْناهُ، ورُبَّما دَرَجَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ مَن هَذا سَبِيلُهُ عَمِلَ بِعَمَلِهِ، فَصارَ في غايَةِ السُّفُولِ، وهَذا أشُدُّ في التَّنْفِيرِ مِن إعادَةِ الضَّمِيرِ في ”فَإنَّهُ“ عَلى ”مَن“ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ مَعَ أمْرِهِ بِالقَبائِحِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ﴾ أيْ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِتَطْهِيرِ نُفُوسِكم ورَفْعِها عَمّا تَعْشَقُهُ (p-٢٣٧)مِنَ الدَّنايا إلى المَعالِي ﴿ورَحْمَتُهُ﴾ لَكم بِإكْرامِكم ورِفْعَتِكم بِشَرْعِ التَّوْبَةِ المُكَفِّرَةِ لَما جَرَّ إلَيْهِ الجَهْلَ مِن ناقِصِ الأقْوالِ وسِفافِ الأفْعالِ ﴿ما زَكا﴾ أيْ طَهُرَ ونَما ﴿مِنكُمْ﴾ وأكَّدَ الِاسْتِغْراقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أحَدٍ﴾ وعَمَّ الزَّمانَ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِجَلالِهِ وكَمالِهِ ﴿يُزَكِّي﴾ أيْ يُطَهِّرُ ويُنَمِّي ﴿مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ، مِن جَمِيعِ أدْناسِ نَفْسِهِ وأمْراضِ قَلْبِهِ، وإنْ كانَ العِبادُ وأخْلاقُهم في الِانْتِشارِ والكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يُحْصِيهِمْ غَيْرُهُ، فَلِذَلِكَ زَكّى مِنكم مَن شاءَ فَصانَهُ عَنْ هَذا الإفْكِ، وخَذَلَ مَن شاءَ.
ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِما لا تَصِحُّ التَّزْكِيَةُ بِدُونِهِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ لِجَمِيعِ أقَوْالِهِمْ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِكُلِّ ما يَخْطُرُ في بالِهِمْ، ويَنْشَأُ عَنْ أحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، فَهو خَبِيرٌ بِمَن هو أهْلٌ لِلتَّزْكِيَةِ ومَن لَيْسَ بِأهْلٍ لَها، فاشْكُرُوا اللَّهَ عَلى تَزْكِيَتِهِ لَكم مِنَ الخَوْضِ في مِثْلِ ما خاضَ فِيهِ غَيْرُكم مِمَّنْ خَذَلَهُ نَوْعًا مِنَ الخِذْلانِ، واصْبِرُوا عَلى ذَلِكَ مِنهُمْ، ولا تَقْطَعُوا إحْسانَكم عَنْهُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ زِيادَةً في زَكاتِكُمْ، وسَبَبًا لِإقْبالِ مَن عَلِمَ فِيهِ الخَيْرَ مِنهُمْ، فَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وغُسِلَتْ حَوْبَتُهُ، وهَذا المُرادُ (p-٢٣٨)مِن قَوْلِهِ.
24:22Page 352
وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٢٢
And let not those of virtue among you and wealth swear not to give [aid] to their relatives and the needy and the emigrants for the cause of Allāh, and let them pardon and overlook. Would you not like that Allāh should forgive you? And Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿ولا يَأْتَلِ﴾ أيْ يَحْلِفُ مُبالِغًا في اليَمِينِ ﴿أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ﴾ الَّذِينَ جَعَلْتُهم بِما آتَيْتُهم مِنَ العِلْمِ والأخْلاقِ الصّالِحَةِ أهْلًا لِبِرِّ غَيْرِهِمْ ﴿والسَّعَةِ﴾ أيْ بِما أوْسَعْتُ عَلَيْهِمْ في دُنْياهم.
ولَمّا كانَ السِّياقُ والسِّباقُ واللَّحاقُ مُوَضِّحًا لِلْمُرادِ، لَمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ أداةِ النَّفْيِ فَقالَ: ﴿أنْ يُؤْتُوا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الصِّفاتِ المُقْتَضِيَةَ لِلْإحْسانِ فَقالَ: ﴿أُولِي القُرْبى﴾ وعَدَّدَها بِأداةِ العَطْفِ تَكْثِيرًا لَها وتَعْظِيمًا لِأمْرِها، وإشارَةً إلى أنَّ صِفَةً مِنها كافِيَةٌ في الإحْسانِ، فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعَتْ! فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿والمَساكِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُغْنِيهِمْ وإنْ لَمْ تَكُنْ لَهم قَرابَةٌ ﴿والمُهاجِرِينَ﴾ لِأهْلِهِمْ ودِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي عَمَّ الخَلائِقَ بِجُودِهِ لِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِالجَلالِ والإكْرامِ وإنِ انْتَفى عَنْهُمُ الوَصْفانِ الأوَّلانِ، فَإنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهم مِمَّنْ زَكّى اللَّهُ، وتَعْدادُها بِجَعْلِها عِلَّةً لِلْعَفْوِ - دَلِيلٌ عَلى أنَّ الزّاكِيَ مِن غَيْرِ المَعْصُومِينَ قَدْ يَزِلُّ، فَتُدْرِكُهُ الزَّكاةُ بِالتَّوْبَةِ فَيَرْجِعُ كَما كانَ، وقَدْ تَكُونُ الثَّلاثَةُ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ لِأنَّ سَبَبَ نُزُولِها مِسْطَحٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فالعَطْفُ إذَنْ لِلتَّمَكُّنِ في كُلِّ وصْفٍ مِنها.
(p-٢٣٩)ولَمّا كانَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ صَرِيحٍ في العَفْوِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَلْيُؤْتُوهُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُصَرِّحًا بِالمَقْصُودِ قَوْلَهُ: ﴿ولْيَعْفُوا﴾ أيْ عَنْ زَلَلِهِمْ بِأنْ يَمْحُوهُ ويُغَطُّوهُ بِما يَسْلُبُونَهُ عَلَيْهِ مِن أسْتارِ الحِلْمِ حَتّى لا يَبْقى لَهُ أثَرٌ. ولَمّا كانَ المَحْوُ لا يَنْفِي التَّذَكُّرَ قالَ: ﴿ولْيَصْفَحُوا﴾ أيْ يُعْرِضُوا عَنْهُ أصْلًا ورَأْسًا، فَلا يُخْطِرُوهُ لَهم عَلى بالٍ لِيُثْمِرَ ذَلِكَ الإحْسانَ، ومِنهُ الصَّفُوحُ وهو الكَرِيمُ.
ولَمّا كانَتْ لَذَّةُ الخِطابِ تُنْسِي كُلَّ عِتابٍ، أقْبَلَ سُبْحانَهُ بِفَضْلِهِ ومَنِّهِ وطَوْلِهِ عَلى أُولِي الفَضْلِ، مُرَغِّبًا في أنْ يَفْعَلُوا بِغَيْرِهِمْ ما يُحِبُّونَ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ، مُرَهِّبًا مِن أنْ يُشَدِّدَ عَلَيْهِمْ إنْ شَدَّدُوا فَقالَ: ﴿ألا تُحِبُّونَ﴾ أيْ يا أُولِي الفَضْلِ ﴿أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ ما قَصَّرْتُمْ في حَقِّهِ، وسَبَبُ نُزُولِها كَما في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ أباها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ حَلَفَ مِن بَعْدِ ما بَرَّأ اللَّهُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ ابْنِ خالَتِهِ لِكَوْنِهِ خاضَ مِن أهْلِ الإفْكِ؛ وفي تَفْسِيرِ الأصْبِهانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أقْسَمَ ناسٌ مِنَ الصَّحابَةِ فِيهِمْ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنْ لا يَتَصَدَّقُوا عَلى رَجُلٍ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنَ (p-٢٤٠)الإفْكِ ولا يَنْفَعُوهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
وناهِيكَ بِشَهادَةِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ لِلصِّدِّيقِ بِأنَّهُ مِن أُولِي الفَضْلِ فَيا لَهُ مِن شَرَفٍ ما أجْلاهُ! ومِن سُؤْدُدٍ وفَخارٍ ما أعْلاهُ! ولا سِيَّما وقَدْ صَدَّقَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالعَفْوِ عَمَّنْ شَنَّعَ عَلى ثَمَرَةِ فُؤادِهِ ومُهْجَةِ كَبِدِهِ، وهي الصِّدِّيقَةُ زَوْجَةُ خاتَمِ المُرْسَلِينَ، وخَيْرِ الخَلائِقِ أجْمَعِينَ، والحَلِفِ عَلى أنَّهُ لا يَقْطَعُ النَّفَقَةَ عَنْهُ أبَدًا، فَيا لَلَّهِ مِن أخْلاقٍ ما أبْهاها! وشَمائِلَ ما أطْهَرَها وأزْكاها! وأشْرَفَها وأسْناها.
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا كَما أجابَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بَلى واللَّهِ! إنّا لَنُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَنا، وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فاغْفِرُوا لِمَن أساءَ إلَيْكُمْ، فاللَّهُ حَكَمٌ عَدَلٌ، يُجازِيهِمْ عَلى إساءَتِهِمْ إلَيْكم إنْ شاءَ، واللَّهُ عَلِيمٌ شَكُورٌ، يَشْكُرُ لَكم ما صَنَعْتُمْ إلَيْهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ مَعَ قُدْرَتِهِ الكامِلَةِ وعِلْمِهِ الشّامِلِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مِن صِفَتِهِ ذَلِكَ، إنْ شاءَ يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم بِأنْ يَمْحُوَها فَلا يَدَعَ لَها أثَرًا ويَرْحَمْكم بَعْدَ مَحْوِها بِالفَضْلِ عَلَيْكم كَما فَعَلْتُمْ مَعَهُمْ، فَإنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ.
24:23Page 352
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٢٣
Indeed, those who [falsely] accuse chaste, unaware and believing women are cursed in this world and the Hereafter; and they will have a great punishment
ولَمّا كانَ الخَتْمُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ بَعْدَ الأمْرِ بِالعَفْوِ رُبَّما جَرَّأ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الإساءَةِ، وصَلَ بِهِ مُرَهِّبًا مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ ذَلِكَ قَوْلَهُ مُعَمِّمًا لِلْحُكْمِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ أيْ بِالفاحِشَةِ ﴿المُحْصَناتِ﴾ أيِ اللّائِي جَعَلْنَ (p-٢٤١)أنْفُسَهُنَّ مِنَ العِفَّةِ في مِثْلِ الحِصْنِ.
ولَمّا كانَ الهامُّ بِالسَّيِّئِ والمُقْدِمُ عَلَيْهِ عالِمًا بِما يَرْمِي بِهِ مِنهُ، جاعِلًا لَهُ نُصْبَ عَيْنِهِ، أكَّدَ مَعْنى الإحْصانِ بِقَوْلِهِ: ﴿الغافِلاتِ﴾ أيْ عَنِ السُّوءِ حَتّى عَنْ مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ. ولَمّا كانَ وصْفُ الإيمانِ حامِلًا عَلى كُلِّ خَيْرٍ ومانِعًا مِن كُلِّ سُوءٍ، نَبَّهَ عَلى أنَّ الحامِلَ عَلى الوَصْفَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ إنَّما هو التَّقْوى، وصَرَفَ ما لَهُنَّ مِنَ الفِطْنَةِ إلى ما لِلَّهِ عَلَيْهِنَّ مِنَ الحُقُوقِ فَقالَ: ﴿المُؤْمِناتِ﴾
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الأوْصافِ البُعْدُ عَنِ السُّوءِ، ذَكَرَ جَزاءَ القاذِفِ كَفًّا عَنْهُ وتَحْذِيرًا مِنهُ بِصِيغَةِ المَجْهُولِ، لِأنَّ المَحْذُورَ اللَّعْنُ لا كَوْنُهُ المُعَيَّنُ، وتَنْبِيهًا عَلى وُقُوعِ اللَّعْنِ مِن كُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ فَقالَ: ﴿لُعِنُوا﴾ أيْ أُبْعِدُوا عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وفُعِلَ مَعَهم فِعْلَ المُبْعَدِ مِنَ الحَدِّ وغَيْرِهِ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ ثُمَّ زادَ في تَعْظِيمِ القَذْفِ لِمَن هَذِهِ أوْصافُها فَقالَ: ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ في الآخِرَةِ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وقَيَّدَ بِوَصْفِ الإيمانِ لِأنَّ قَذْفَ الكافِرَةِ وإنَّ كانَ مُحَرَّمًا لَيْسَ فِيهِ هَذا المَجْمُوعِ، وهَذا الحُكْمُ وإنْ كانَ عامًّا فَهو لِأجْلِ الصِّدِّيقَةِ بِالذّاتِ وبِالقَصْدِ الأوَّلِ وفِيما فِيهِ مِنَ التَّشْدِيدِ الَّذِي قَلَّ أنْ يُوجَدَ مِثْلُهُ في القُرْآنِ مِنَ الإعْلامِ (p-٢٤٢)يُعْلِي قَدْرَها، وجَلّى أمْرَها، في عَظِيمِ فَخْرِها، ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ.
24:24Page 352
يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤
On a Day when their tongues, their hands and their feet will bear witness against them as to what they used to do.
ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ذِكْرَ اليَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أثَرُ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ زادَ الأمْرَ عِظَمًا فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ في ذَلِكَ المَجْمَعِ العَظِيمِ ﴿ألْسِنَتُهُمْ﴾ إنْ تَرَفَّعُوا عَنِ الكَذِبِ ﴿وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ إنْ أنْكَرَتْ ألْسِنَتُهم كَذِبًا وفُجُورًا ظَنًّا أنَّ الكَذِبَ يَنْفَعُها ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن هَذا القَذْفِ وغَيْرِهِ.
24:25Page 352
يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ ٢٥
That Day, Allāh will pay them in full their true [i.e., deserved] recompense, and they will know that it is Allāh who is the manifest Truth [i.e., perfect in justice].
ثُمَّ زادَ في التَّهْوِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الجَوارِحُ ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً ولَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿دِينَهُمُ﴾ أيْ جَزاءَهم ﴿الحَقَّ﴾ أيِ الَّذِي يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ مِن أهْلِ ذَلِكَ المَجْمَعِ العَظِيمِ أنَّهم يَسْتَحِقُّونَهُ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَوْعِ طَعْنٍ فِيهِ ﴿ويَعْلَمُونَ﴾ أيْ إذْ ذاكَ، لِانْقِطاعِ الأسْبابِ، ورَفْعِ كُلِّ حِجابٍ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ المُطْلَقَةُ، فَلا كُفُؤَ لَهُ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الحَقَّ﴾ أيِ الثّابِتُ أمْرُهُ فَلا أمْرَ لِأحَدٍ سِواهُ،
﴿المُبِينُ﴾ الَّذِي لا أوْضَحُ مِن شَأْنِهِ في أُلُوهِيَّتِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وتَنَزُّهِهِ عَنْ جَمِيعِ سِماتِ النَّقْصِ، فَيَنْدَمُونَ (p-٢٤٣)عَلى ما فَعَلُوا في الدُّنْيا مِمّا يَقْدَحُ في المُراقِبَةِ وتَجْرِي عَلَيْهِ الغَفْلَةُ؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وأُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ أوْلى بِالدُّخُولِ في هَذا مِن كُلِّ مُحْصَنَةٍ لا سِيَّما الَّتِي كانَتْ سَبَبَ النُّزُولِ، وهي عائِشَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ قاطِبَةً عَلى أنَّ مَن سَبَّها بَعْدَ هَذا ورَماها بِما رَماها بِهِ بَعْدَ هَذا الَّذِي ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ كافِرٌ لِأنَّهُ مُعانِدٌ لِلْقُرْآنِ، وفي بَقِيَّةِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ قَوْلانِ أصَحُّهُما أنَّهُنَّ كَهِيَ، واللَّهُ أعْلَمُ - انْتَهى.
وقَدْ عُلِمَ مِن هَذِهِ الآياتِ وما سَبَقَها مِن أوَّلِ السُّورَةِ وما لَحِقَها إلى آخِرِها أنَّ اللَّهَ تَعالى ما غَلَّظَ في شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي ما غَلَّظَ في قِصَّةِ الإفْكِ، ولا تَوَعَّدَ في شَيْءٍ ما تَوَعَّدَ فِيها، وأكَّدَ وبَشَّعَ، ووَبَّخَ وقَرَّعَ، كُلُّ ذَلِكَ إظْهارًا لِشَرَفِ رَسُولِهِ ﷺ وغَضَبًا لَهُ وإعْظامًا لِحُرْمَتِهِ وصَوْنًا لِحِجابِهِ.
24:26Page 352
ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٢٦
Evil words are for evil men, and evil men are [subjected] to evil words. And good words are for good men, and good men are [an object] of good words.1 Those [good people] are declared innocent of what they [i.e., slanderers] say. For them is forgiveness and noble provision.
ولَمّا تَضَمَّنَ ما ذَكَرَ مِن وصْفِهِ تَعالى عِلْمَهُ بِالخَفِيّاتِ، أتْبَعَهُ ما هو كالعِلَّةِ لِآيَةِ ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] دَلِيلًا شُهُودِيًّا عَلى بَراءَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَقالَ: ﴿الخَبِيثاتُ﴾ أيْ مِنَ النِّساءِ وقَدَّمَ هَذا الوَصْفَ لِأنَّ كَلامَهم فِيهِ، فَإذا انْتَفى ثَبَتَ الطَّيِّبُ (p-٢٤٤)﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ أيْ مِنَ الرِّجالِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَفْهَمُ أنَّ الخَبِيثَ مَقْصُورٌ عَلى الخَبِيثَةِ قالَ: ﴿والخَبِيثُونَ﴾ أيْ مِنَ الرِّجالِ أيْضًا ﴿لِلْخَبِيثاتِ﴾ أيْ مِنَ النِّساءِ.
ولَمّا أنْتَجَ هَذا بَراءَتَها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لِأنَّها قَرِينَةُ أطْيَبِ الخَلْقِ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والطَّيِّباتُ﴾ أيْ مِنهُنَّ ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ أيْ مِنهم ﴿والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ بِذَلِكَ قَضى العَلِيمُ الخَبِيرُ أنَّ كُلَّ شَكْلٍ يَنْضَمُّ إلى شَكْلِهِ، ويَفْعَلُ أفْعالَ مِثْلِهِ، وهو سُبْحانُهُ قَدِ اخْتارَ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ خَلْقِهِ خُلَّصَ عِبادِهِ مِنَ الأزْواجِ والأوْلادِ والأصْحابِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] «خَيْرُكم قَرْنِي» وكُلَّما ازْدادَ الإنْسانُ مِنهم مِن قَلْبِهِ ﷺ قُرْبًا ازْدادَ طَهارَةً، وكَفى بِهَذا البُرْهانِ دَلِيلًا عَلى بَراءَةِ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَكَيْفَ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ العَظِيمُ في بَراءَتِها صَرِيحَ كَلامِهِ القَدِيمِ، وحاطَهُ مِن أوَّلِهِ وآخِرِهِ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ المُشِيرَتَيْنِ إلى الدَّلِيلِ العادِي، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ آيَةِ ﴿الزّانِي﴾ [النور: ٣] ذِكْرٌ لِحَدِيثِ «الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ» وما لاءَمَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْعِبْ تَخْرِيجَهُ، (p-٢٤٥)وقَدْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ في الأدَبِ مِن صَحِيحِهِ وأبُو داوُدَ في سُنَنِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَما تَعارَفَ مِنها ائْتَلَفَ، وما تَناكَرَ مِنها اخْتَلَفَ» وفي رِوايَةٍ عَنْهُ رَفَعَها: «النّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، خِيارُهم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهم في الإسْلامِ إذا فَقُهُوا، والأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَما تَعارَفَ مِنها ائْتَلَفَ، وما تَناكَرَ مِنها اخْتَلَفَ» وهَذا الحَدِيثُ رُوِيَ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وعَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وقَدْ عَلَّقَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ حَدِيثَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِصِيغَةِ الجَزْمِ، ووَصَلَهُ في كِتابِ الأدَبِ المُفْرِدِ وكَذا الإسْماعِيلِيُّ في المُسْتَخْرَجِ، وأبُو الشَّيْخِ في كِتابِ الأمْثالِ، وتَقَدَّمَ عَزَوُهُ إلى أبِي يَعْلى، ولَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «فَما كانَ في اللَّهِ ائْتَلَفَ، وما كانَ في غَيْرِ اللَّهِ اخْتَلَفَ» أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ في الأمْثالِ، ولَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فَإذا التَقَتْ تَشامُّ كَما تَشامُّ الخَيْلُ، فَما تَعارَفَ مِنها ائْتَلَفَ» - (p-٢٤٦)الحَدِيثُ. وأمّا حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ في تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ السَّقْطِيِّ وأبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَندَهْ في كِتابِ الرُّوحِ عَنْ سالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا أبا الحَسَنِ ! رُبَّما شَهِدْتَ وغِبْنا ورُبَّما شَهِدْنا وغِبْتَ، ثَلاثٌ أسْألُكَ عَنْهُنَّ هَلْ عِنْدَكَ مِنهُنَّ عِلْمٌ؟ قالَ عَلِيٌّ: وما هُنَّ؟ قالَ: الرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ ولَمْ يَرَ مِنهُ خَيْرًا، والرَّجُلُ يُبْغِضُ الرَّجُلَ ولَمْ يَرَ مِنهُ شَرًّا، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَعَمْ! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: ”إنَّ الأرْواحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَما تَعارَفَ مِنها ائْتَلَفَ، وما تَناكَرَ مِنها اخْتَلَفَ“ قالَ عُمَرُ: واحِدَةٌ، قالَ: والرَّجُلُ يُحَدِّثُ الحَدِيثَ إذْ نَسِيَهُ (فَبَيْنا هو وما نَسِيَهُ) إذْ ذَكَرَهُ؟ فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”ما مِنَ القُلُوبِ قَلَبٌ إلّا ولَهُ سَحابَةٌ كَسَحابَةِ القَمَرِ، بَيْنَما القَمَرُ مُضِيءٌ إذْ عَلَتْهُ سَحابَةٌ فَأظْلَمَ إذْ تَجَلَّتْ فَأضاءَ، وبَيْنا القَلْبُ يَتَحَدَّثُ إذْ تَجَلَّلَتْهُ سَحابَةٌ فَنَسِيَ إذْ تَجَلَّتْ عَنْهُ فَذَكَرَ“، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (p-٢٤٧)اثْنَتانِ، وقالَ: والرَّجُلُ يَرى الرُّؤْيا، فَمِنها ما يَصْدُقُ ومِنها ما يُكْذَبُ؟ قالَ: نَعَمْ! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”ما مِن عَبْدٍ أوْ أمَةٍ يَنامُ فَيَسْتَثْقِلُ نَوْمًا إلّا عُرِجَ بِرُوحِهِ إلى العَرْشِ، فالَّتِي لا تَسْتَيْقِظُ إلّا عِنْدَ العَرْشِ فَتِلْكَ الرُّؤْيا الَّتِي تَصْدُقُ، والَّتِي تَسْتَيْقِظُ دُونَ العَرْشِ فَتِلْكَ الرُّؤْيا الَّتِي تُكْذَبُ“، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثَلاثٌ كُنْتُ في طَلَبِهِنَّ فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أصَبْتُهُنَّ قَبْلَ المَوْتِ». .
وكَذا أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ حَدِيثَ سَلْمانَ كَحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، وأنْشَدُوا لِأبِي نُواسٍ في المَعْنى:
؎إنَّ القُلُوبَ لَأجْنادٌ مُجَنَّدَةٌ لِلَّهِ في الأرْضِ بِالأهْواءِ تَعْتَرِفُ
؎فَمًا تَعارَفَ مِنها فَهو مُؤْتَلِفُ ∗∗∗ وما تَناكَرَ مِنها فَهو مُخْتَلِفُ
ولَمّا ثَبَتَ هَذا كانَتْ نَتِيجَتُهُ قَطْعًا: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الأوْصافِ بِالطَّهارَةِ والطِّيبِ ﴿مُبَرَّءُونَ﴾ بِبَراءَةِ اللَّهِ وبَراءَةِ كُلِّ مَن لَهُ تَأْمُّلٌ في مِثْلِ هَذا الدَّلِيلِ ﴿مِمّا يَقُولُونَ﴾ أيِ القَذْفَةُ الأخابِثُ لِأنَّها لا تَكُونُ (p-٢٤٨)زَوْجَةَ أطْيَبِ الطَّيِّبِينَ إلّا وهي كَذَلِكَ.
ولَمّا أثْبَتَ لَهُمُ البَراءَةَ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِجَزائِهِمْ فَقالَ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ لِما قَصَّرُوا فِيهِ إنْ قَصَّرُوا، ولَمّا كانَ في مَعْرِضِ الحَثِّ عَلى الإنْفاقِ عَلى بَعْضِ الآفِكِينَ قالَ: ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ يَحْيَوْنَ بِهِ حَياةً طَيِّبَةً، ويُحْسِنُونَ لَهُ إلى مَن أساءَ إلَيْهِمْ، ولا يَنْقُصُهُ ذَلِكَ لِكَرَمِهِ في نَفْسِهِ بِسِعَتِهِ وطِيبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن خِلالِ الكَرَمِ.
24:27Page 352
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٢٧
O you who have believed, do not enter houses other than your own houses until you ascertain welcome and greet1 their inhabitants. That is best for you; perhaps you will be reminded [i.e., advised].
ولَمّا أنْهى سُبْحانَهُ الأمْرَ في بَراءَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي كَساها بِهِ مِنَ الشَّرَفِ ما كَساها، وحَلّاها بِرَوْنَقِهِ مِن مَزايا الفَضْلِ ما حَلّاها، وكَأنَّ أهْلَ الإفْكِ قَدْ فَتَحُوا بِإفْكِهِمْ هَذا البابَ الظُّنُونَ السَّيِّئَةَ عَداوَةً مِن إبْلِيسَ لِأهْلِ هَذا الدِّينِ بَعْدَ أنْ كانُوا في ذَلِكَ وفي كَثِيرٍ مِن سَجاياهم - إذْ قانِعًا مِنهم بِداءِ الشِّرْكِ - عَلى الفِطْرَةِ الأوْلى، أمَرَ تَعالى رَدًّا لِما أثارَ بِوَسْواسِهِ مِنَ الدّاءِ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ مَواقِعِ التُّهَمِ والتَّلَبُّسِ بِما يَحْسِمُ الفَسادَ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ ألْزَمُوا أنْفُسَهم هَذا الدِّينَ ﴿لا تَدْخُلُوا﴾ أيُّ واحِدٍ مِنكُمْ، ولَعَلَّهُ (p-٢٤٩)خاطَبَ الجَمْعَ لِأنَّهم في مَظِنَّةِ أنْ يَطْرُدُوا الشَّيْطانَ بِتَزَيُّنِ بَعْضِهِمْ بِحَضْرَةِ بَعْضٍ بِلِباسِ التَّقْوى، فَمَن خانَ مِنهم مَنَعَهُ إخْوانُهُ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنهُ شَيْطانُهُ، فَنَهْيُ الواحِدِ مِن بابِ الأوْلى ﴿بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ أيِ الَّتِي هي سَكَنُكم ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أيْ تَطْلُبُوا بِالِاسْتِئْذانِ أنْ يَأْنَسَ بِكم مَن فِيها وتَأْنَسُوا بِهِ، فَلَوْ قِيلَ لَهُ: مَن؟ فَقالَ: أنا لَمْ يَحْصُلِ الِاسْتِئْناسُ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ، بَلِ الَّذِي عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ: أنا فُلانٌ - يُسَمِّي نَفْسَهُ بِما يُعْرَفُ بِهِ لِيُؤْنَسَ بِهِ فَيُؤْذَنُ لَهُ أوْ يُنْفَرُ مِنهُ فَيُرَدُّ ﴿وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ أيِ الَّذِينَ هم سُكّانُها ولَوْ بِالعارِيَةِ مِنكم فَتَقُولُوا: السَّلامُ عَلَيْكُمْ! أأدْخُلُ؟ أوْ تَطْرُقُوا البابَ إنْ كانَ قَدْ لا يَسْمَعُ الِاسْتِئْذانَ لِيُؤْذَنَ لَكم ﴿ذَلِكُمْ﴾ الأمْرُ العالِي الَّذِي أمَرْتُكم بِهِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِمّا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ مِنَ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ ومِن تَحِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ، لِأنَّكم إذا دَخَلْتُمْ بِغَيْرِ إذْنٍ رُبَّما رَأيْتُمْ ما يَسُوءُكُمْ، وإذا اسْتَأْذَنْتُمْ لَمْ تَدْخُلُوا عَلى ما تَكْرَهُونَ، هَذا في الدُّنْيا، وأمّا في الأُخْرى فَأعْظَمُ، وقَدْ رَوى أبُو مُوسى (p-٢٥٠)الأشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إذا سَلَّمَ ثَلاثًا فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ فَلْيَرْجِعْ» .
وكانَ هَذا إذا ظَنَّ أنَّ صاحِبَ البَيْتِ سَمِعَ.
ولَمّا كانَ كُلُّ إنْسانٍ لا يَنْفَكُّ عَنْ أحْوالٍ يَكْرَهُ أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْها أوْ تُقْطَعَ عَلَيْهِ، قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ لِتَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى أنْ يَتَذَكَّرَ بِرُجُوعِهِ إلى نَفْسِهِ عِنْدَ سَماعِ هَذا النَّهْيِ، فَيَعْرِفُ أنَّ ما يَسُوءُهُ مِن غَيْرِهِ يَسُوءُ غَيْرَهُ مِنهُ، فَيَفْعَلُ ما يُحِبُّ أنْ يَفْعَلَ مَعَهُ خَوْفًا مِنَ المُقابَلَةِ، لِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ، وكُلُّ ما يَجِبُ عَلَيْهِ في غَيْرِ بَيْتِهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ في بَيْتِهِ بِنَحْوِ النَّحْنَحَةِ ورَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ ونَحْوِهِ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الطُّرُوقِ لِكَيْلا يَرى مِن أهْلِهِ ما يَكْرَهُ.
24:28Page 353
فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨
And if you do not find anyone therein, do not enter them until permission has been given you. And if it is said to you, "Go back,"1 then go back; it is purer for you. And Allāh is Knowing of what you do.
ولَمّا كانَ السُّكّانُ قَدْ يَكُونُونَ غائِبِينَ، والإنْسانُ لِكَوْنِهِ عَوْرَةً لا يُحِبُّ أنْ يُطْلِعَ غَيْرَهُ عَلى جَمِيعِ أُمُورِهِ، قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها﴾ أيِ البُيُوتِ الَّتِي لَيْسَ بِها سُكْناكم ﴿أحَدًا﴾ قَدْ يَمْنَعُكُمْ، فاللَّهُ يَمْنَعُكم مِنها، تَقْدِيمًا لِدَرْءِ المَفاسِدِ ﴿فَلا تَدْخُلُوها﴾ أيْ أبَدًا (p-٢٥١)﴿حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ مِن آذِنٍ ما بِإذْنٍ شَرْعِيٍّ مِنَ السّاكِنِ أوْ غَيْرِهِ، لِأنَّ الدُّخُولَ تَصَرُّفٌ في مِلْكِ الغَيْرِ أوْ حَقِّهِ فَلا يَحِلُّ بِدُونِهِ إذْنُهُ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ أُذِنَ لَكم في شَيْءٍ ما اسْتَأْذَنْتُمْ فِيهِ فادْخُلُوا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ﴾ مِن قائِلٍ ما إذا اسْتَأْذَنْتُمْ في بَيْتٍ فَكانَ خالِيًا أوْ فِيهِ أحَدٌ: ﴿ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ أيْ ولا تَسْتَنْكِفُوا مِن أنْ تُواجَهُوا بِما تَكْرَهُونَ مِن صَرِيحِ المَنعِ، فَإنَّ الحَقَّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ، ولِلنّاسِ عَوْراتٌ وأُمُورٌ لا يُحِبُّونَ اطِّلاعَ غَيْرِهِمْ عَلَيْها.
ولَمّا كانَ في المَنعِ نَقْصٌ يُوجِبُ غَضاضَةً ووَحَرًا في الصَّدْرِ، وعَدَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِما يَجْبُرُ ذَلِكَ، فَقالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ: ﴿هُوَ﴾ أيِ الرُّجُوعُ المُعَيَّنُ ﴿أزْكى﴾ أيْ أطْهَرُ وأنْمى ﴿لَكُمْ﴾ فَإنَّ فِيهِ طَهارَةً مِن غَضاضَةِ الوُقُوفِ عَلى بابِ الغَيْرِ، ونَماءٍ بِما يَلْحَقُ صاحِبِ البَيْتِ مِنَ الِاسْتِحْياءِ عِنْدَ امْتِثال أمْرِهِ في الرُّجُوعِ مَعَ ما في ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ يُجازِيكم عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ، وكانَ الإنْسانُ قَدْ يَفْعَلُ في البُيُوتِ الخالِيَةِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ ما يُخالِفُ ما أدَّبَ بِهِ سُبْحانَهُ مِمّا صُورَتُهُ مَصْلَحَةٌ وهو مَفْسَدَةٌ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى. ولَمّا كانَ المُرادُ المُبالَغَةَ في العِلْمِ، قَدَّمَ الجارَّ لِيَصِيرَ كَما إذا سَألْتَ شَخْصًا عَنْ عِلْمِ شَيْءٍ فَقالَ لَكَ: ما (p-٢٥٢)أعْلَمُ غَيْرَهُ، فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ وإنِ التَبَسَ أمْرُهُ عَلى أحَذَقِ الخَلْقِ ﴿عَلِيمٌ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ وإنَّ دَقَّ، فَإيّاكم ومُشْتَبِهاتِ الأُمُورِ، فَإذا وقَفْتُمْ لِلِاسْتِئْذانِ فَلا تَقِفُوا تُجاهَ البابِ، ولَكِنْ عَلى يَمِينِهِ أوْ يَسارِهِ، لِأنَّ الِاسْتِئْذانَ إنَّما جُعِلَ مِن أجْلِ البَصَرِ، وتَحامُوا النَّظَرَ إلى الكُوى الَّتِي قَدْ يَنْظُرُ مِنها أحَدٌ مِن أهْلِ البَيْتِ لِيَعْرِفَ مَن عَلى البابِ: هَلْ هو مِمَّنْ يُؤْنَسُ بِهِ فَيُؤْذَنَ لَهُ، أوْ لا فَيُرَدَّ، ونَحْوُ هَذا مِن أشْكالِهِ مِمّا لا يَخْفى عَلى مُتَشَرِّعٍ فَطِنٍ، يَطِيرُ طائِرُ فِكْرِهِ في فَسِيحِ ما أشارَ إلَيْهِ مِثْلُ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إذا حَدَّثَ الرَّجُلُ فالتَفَتَ فَهي أمانَةٌ» رَواهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences