Al-Biqa'iAn‑Nur · 24:43–57

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:43–57

24:43Page 355

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٣

Do you not see that Allāh drives clouds? Then He brings them together; then He makes them into a mass, and you see the rain emerge from within it. And He sends down from the sky, mountains [of clouds] within which is hail, and He strikes with it whom He wills and averts it from whom He wills. The flash of its lightning almost takes away the eyesight.

ولَمّا أخْبَرَ بِذَلِكَ فَتَقَرَّرَ مُلْكُهُ وقُدْرَتُهُ عَلى البَعْثِ عَلى حَسَبِ ما وعَدَ بِهِ بَعْدَ أنْ تَحَرَّرَ مِلْكُهُ، دَلَّ عَلَيْهِ بِتَصَرُّفِهِ في العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ بِما يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلى الإعادَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ﴾ أيْ ذا الجَلالِ والجَمالِ ﴿يُزْجِي﴾ أيْ يَسُوقُ بِالرِّياحِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْها في النَّمْلِ؛ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الإزْجاءَ يُسْتَعْمَلُ في سَوْقِ الثِّقْلِ بِرِفْقٍ.

﴿سَحابًا﴾ أيْ بَعْدَ أنْ أنْشَأهُ مِنَ العَدَمِ تارَةً مِنَ السُّفْلِ، وتارَةً مِنَ العُلُوِّ، ضَعِيفًا رَقِيقًا مُتَفَرِّقًا، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو اسْمُ جِنْسٍ واحِدُهُ (p-٢٩٢)سَحابَةٌ، والمَعْنى: يَسُوقُ سَحابَةً إلى سَحابَةٍ. وهو مَعْنى ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أيْ بَيْنَ أجْزائِهِ بَعْدَ أنْ كانَتْ قِطَعًا في جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ في غايَةِ العَظَمَةِ مُتَراكِبًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ بَعْدَ أنْ كانَ في غايَةِ الرِّقَّةِ ﴿فَتَرى﴾ أيْ في تِلْكَ الحالَةِ المُسْتَمِرَّةِ ﴿الوَدْقَ﴾ أيِ المَطَرَ، قالَ القَزّازُ: وقِيلَ: هو احْتِفالُ المَطَرِ.

﴿يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ أيْ فُتُوقِهِ الَّتِي حَدَّثَتْ بِالتَّراكُمِ وانْعِصارِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ ﴿ويُنَـزِّلُ مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ مِن جِهَتِها مُبْتَدِئًا مِن ﴿مِن جِبالٍ فِيها﴾ أيْ في السَّماءِ، وهي السَّحابُ الَّذِي صارَ بَعْدَ تَراكُمِهِ كالجِبالِ؛ وبَعْضٍ فَقالَ: ﴿مِن بَرَدٍ﴾ هو ماءٌ مُنْعَقِدٌ؛ وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ بِإرادَتِهِ واخْتِيارِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أيِ البَرَدِ والمَطَرِ عَلى وجْهِ النِّقْمَةِ أوِ الرَّحْمَةِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ مِنَ النّاسِ وغَيْرِهِمْ ﴿ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ﴾ صَرْفَهُ عَنْهُ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى ما هو غايَةٌ في العَجَبِ في ذَلِكَ مِمّا في الماءِ مِنَ النّارِ الَّتِي رُبَّما نَزَلَتْ مِنها صاعِقَةٌ فَأحْرَقَتْ ما لا تُحْرِقُ النّارُ فَقالَ: ﴿يَكادُ سَنا﴾ أيْ ضَوْءُ ﴿بَرْقِهِ﴾ وهو اضْطِرابُ النُّورِ في خِلالِهِ ﴿يَذْهَبُ﴾ أيْ هُوَ، مُلْتَبِسًا ﴿بِالأبْصارِ﴾ لِشِدَّةٍ لَمْعِهِ وتَلَأْلُئِهِ، فَتَكُونُ قُوَّةُ البَرْقِ دَلِيلًا عَلى تَكاثُفِ السَّحابِ وبَشِيرًا (p-٢٩٣)بِقُوَّةِ المَطَرِ، ونَذِيرًا بِنُزُولِ الصَّواعِقِ؛

24:44Page 356

يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٤

Allāh alternates the night and the day. Indeed in that is a lesson for those who have vision.

ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أدَلُّ عَلى الِاخْتِيارِ، فَقالَ مُتَرْجِمًا لِما مَضى بِزِيادَةٍ: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِتَحْوِيلِ الظَّلامِ ضِياءً والضِّياءِ ظَلامًا، والنَّقْصِ تارَةً والزِّيادَةِ أُخْرى، مَعَ المَطَرِ تارَةً والصَّحْوِ أُخْرى ﴿اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ فَيَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ التَّقْلِيبِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ والنُّمُوِّ واليُنُوعِ واليُبْسِ ما يُبْهِرُ العُقُولَ؛ ولِهَذا قالَ مُنَبِّهًا عَلى النَّتِيجَةِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي ذَكَرَ مِن جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ ﴿لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾ أيِ النّافِذَةِ، والقُلُوبِ النّاقِدَةِ، يَعْبُرُونَ مِنها إلى مَعْرِفَةِ ما لِمُدَبِّرٍ ذَلِكَ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ الشّامِلِ الدّالِّ قَطْعًا عَلى الوَحْدانِيَّةِ.

24:45Page 356

وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٥

Allāh has created every [living] creature from water. And of them are those that move on their bellies, and of them are those that walk on two legs, and of them are those that walk on four. Allāh creates what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.

ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا أحْوالَ الخافِقَيْنِ دَلِيلًا عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وفَصَلَ مِنها الآثارَ العُلْوِيَّةَ، فَذَكَرَ ما يَسْقِي الأرْضَ، وطَوى ذِكْرَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ النَّباتِ لِلْعِلْمِ بِهِ، ذَكَرَ أحْوالَ ما يَتَكَوَّنُ بِهِ مِنَ الحَيَواناتِ دَلِيلًا ظاهِرًا عَلى الإعادَةِ، وبُرْهانًا قاهِرًا عَلى المُنْكِرِينَ لَها فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العِلْمُ الكامِلُ والقُدْرَةُ الشّامِلَةُ ﴿خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ﴾ أيْ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ يُسَبِّحُ لَهُ.

ولَمّا ذَكَرَ أنْواعًا مِنَ الحَيَوانِ، نَكَّرَ بِخِلافِ ما في الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿مِن ماءٍ﴾ أيْ دافِقٍ هو أعْظَمُ أجْزاءِ مادَّتِهِ كَما خَلَقَ النَّباتَ مِن ماءٍ ”هامِرٍ“ كَذَلِكَ، وفاوَتَ بَيْنَهُ مَعَ كَوْنِ الكُلِّ مِنَ الماءِ الهامِرِ (p-٢٩٤)الَّذِي لا تَفاوُتَ فِيهِ ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيِ الدَّوابِّ.

ولَمّا كانَ في سِياقِ التَّعْظِيمِ، وكانَ قَدْ آتى كُلَّ نَفْسٍ مِنَ الإدْراكِ ما تَعْرِفُ بِهِ مَنافِعَها ومَضارَّها، عَبَّرَ عَنِ الكُلِّ بِأداةِ مَن يَعْقِلُ وإنْ كانُوا مُتَفاوِتِينَ في التَّمْيِيزِ فَقالَ: ﴿مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ أيْ مِن غَيْرِ رِجْلٍ؛ وقَدَّمَ هَذا لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ، وسَمّاهُ مَشْيًا اسْتِعارَةً ومُشاكَلَةً ﴿ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ﴾ أيْ لَيْسَ غَيْرُ ﴿ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ أيْ مِنَ الأيْدِي والأرْجُلِ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ﴾ وعَبَّرَ بِاسْمِ الجَلالَةِ إعْلامًا بِتَناهِي العَظَمَةِ؛ وقالَ: ﴿ما يَشاءُ﴾ دَلالَةً عَلى أنَّهُ فَعَلَهُ بِقُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، لا مَدْخَلَ لِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ فِيهِ إلّا بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأدِلَّةُ ناظِرَةً إلى البَعْثِ أتَمَّ نَظَرٍ، وكانُوا مُنْكِرِينَ لَهُ، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي الكَمالُ المُطْلَقُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾

24:46Page 356

لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٦

We have certainly sent down distinct verses. And Allāh guides whom He wills to a straight path.

ولَمّا اتَّضَحَ بِهَذا ما لِلَّهِ تَعالى مِن صِفاتِ الكَمالِ والتَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ، وقامَتْ أدِلَّةُ الوَحْدانِيَّةِ عَلى ساقٍ، واتَّسَقَتْ بَراهِينُ الأُلُوهِيَّةِ أيَّ اتِّساقٍ، قالَ مُتَرْجِمًا لِتِلْكَ الأدِلَّةِ: ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا﴾ أيْ في (p-٢٩٥)هَذِهِ السُّورَةِ وما تَقَدَّمَها، بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿آياتٍ﴾ أيْ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ والأدِلَّةِ والأمْثالِ ﴿مُبَيِّناتٍ﴾ لا خَفاءَ في شَيْءٍ مِنها عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أرادَ هِدايَتَكُمْ، بَعْضُكم بِالبَيانِ، وبَعْضُكم بِخَلْقِ الإذْعانِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مِنَ العِبادِ كُلِّهِمْ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بِالقُوَّةِ بِإنْزالِ الآياتِ، والفِعْلِ بِخَلْقِ الإيمانِ والإخْباتِ، فَيُؤْمِنُونَ إيمانًا ثابِتًا.

24:47Page 356

وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

But they [i.e., the hypocrites] say, "We have believed in Allāh and in the Messenger, and we obey"; then a party of them turns away after that. And those are not believers.

ولَمّا كانَ إخْفاءُ هَذِهِ الآياتِ عَنِ البَعْضِ بَعْدَ بَيانِها أعْجَبَ مِنِ ابْتِداءِ نَصْبِها، فَكانَ السِّياقُ ظاهِرًا في أنَّ التَّقْدِيرَ: واللَّهُ يُضِلُّ مَن يَشاءُ فَيَكْفُرُونَ بِالآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ، وكانَ الخُرُوجُ مِن نُورِها بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِها إلى الظَّلامِ أشَدَّ غَرابَةً، عَطَفَ عَلى ما قَدَّرْتُهُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ أتَمَّ دَلالَةٍ قَوْلَهُ دَلِيلًا شُهُودِيًّا عَلى ذَلِكَ المَطْوِيِّ، مُعَجِّبًا مِمَّنْ عَمِيَ عَنْ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ الَّتِي أقامَها تَعالى وعَدَّدَها وأوْضَحَها بِحَيْثُ صارَتْ كَما ذَكَرَ تَعالى أعْظَمَ مِن نُورِ الشَّمْسِ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ ظَهَرَ لَهم نُورُ اللَّهِ، بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الَّذِي أوْضَحَ لَنا جَلالَهُ، وعَظَمَتَهُ وكَمالَهُ ﴿وبِالرَّسُولِ﴾ الَّذِي عَلِمْنا كَمالَ رِسالَتِهِ وعُمُومَها بِما أقامَ عَلَيْها مِنَ الأدِلَّةِ ﴿وأطَعْنا﴾ أيْ أوْجَدْنا الطّاعَةَ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ، وعَظَّمَ المُخالَفَةَ بَيْنَ الفِعْلِ والقَوْلِ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى﴾ أيْ يَرْتَدُّ بِإنْكارِ القَلْبِ ويُعْرِضُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ضَلالًا مِنهم عَنِ الحَقِّ ﴿فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ (p-٢٩٦)أيْ ناسٌ يَقْصِدُونَ الفُرْقَةَ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ.

ولَمّا كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ وُقُوعُ الِارْتِدادِ مِنهم - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - في غايَةِ البُعْدِ وإنْ كانَ في أقَلِّ زَمَنٍ، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُثْبِتًا الجارَّ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ القَوْلِ السَّدِيدِ الشَّدِيدِ المُؤَكَّدِ، مَعَ اللَّهِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ومَعَ رَسُولِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ الخَلائِقِ ﴿وما أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ الَّذِينَ صارُوا بِتَوَلِّيهِمْ في مَحَلِّ البُعْدِ ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِالكامِلِينَ في الإيمانِ قَوْلًا وعَقْدًا، وإنَّما هم مِن أهْلِ الوَصْفِ اللِّسانِيِّ، المُجَرَّدِ عَنِ المَعْنى الإيقانِيِّ.

24:48Page 356

وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨

And when they are called to [the words of] Allāh and His Messenger to judge between them, at once a party of them turns aside [in refusal].

ولَمّا فَضَحَهم بِما أخْفَوْهُ مِن تَوَلِّيهِمْ، قَبَّحَ عَلَيْهِمْ ما أظْهَرُوهُ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحْقِيقِ: ﴿وإذا دُعُوا﴾ أيِ الَّذِينَ ادَّعَوُا الإيمانَ مِن أيِّ داعٍ كانَ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ ما نَصَبَ المَلِكُ الأعْظَمُ مِن أحْكامِهِ ﴿ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ﴾ أيِ الرَّسُولِ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ بِما أراهُ اللَّهُ ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ ناسٌ مَجْبُولُونَ عَلى الأذى المُفَرِّقِ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أيْ فاجَؤُوا الإعْراضَ، إذا كانَ الحَقُّ عَلَيْهِمْ، لِاتِّباعِهِمْ أهْواءَهُمْ، مُفاجَأةً تُؤْذِنُ بِثَباتِهِمْ فِيهِ.

24:49Page 356

وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩

But if the right is theirs, they come to him in prompt obedience.

﴿وإنْ يَكُنْ﴾ أيْ كَوْنًا ثابِتًا جِدًّا ﴿لَهُمُ﴾ أيْ (p-٢٩٧)عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ ﴿الحَقُّ﴾ أيْ بِلا شُبْهَةٍ ﴿يَأْتُوا إلَيْهِ﴾ أيْ بِالرَّسُولِ ﴿مُذْعِنِينَ﴾ أيْ مُنْقادِينَ أتَمَّ انْقِيادٍ لِما وافَقَ مِن أهْوائِهِمْ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ دائِرٌ مَعَ الحَقِّ لَهم وعَلَيْهِمْ، لا لِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ.

24:50Page 356

أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠

Is there disease in their hearts? Or have they doubted? Or do they fear that Allāh will be unjust to them, or His Messenger? Rather, it is they who are the wrongdoers [i.e., the unjust].

ولَمّا كانَ سَبَبُ فِعْلِهِمْ هَذا بَعْدَ إظْهارِهِمُ الطّاعَةِ مُشْكِلًا، ناسَبَ أنْ يَسْألَ عَنْهُ، فَقالَ تَعالى مُبَيِّنًا لَهُ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ مِنَ الحالاتِ: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ نَوْعُ فَسادٍ مِن أصْلِ الفِطْرَةِ يَحْمِلُهم عَلى الضَّلالِ ﴿أمِ ارْتابُوا﴾ بِأنْ حَدَثَتْ لَهم شُبْهَةٌ أعْمَتْهم عَنِ الطَّرِيقِ ﴿أمِ﴾ لَيْسَ فِيهِمْ خَلَلٌ لا أصْلِيٌّ ولا طارِئٌ، بَلِ الخَلَلُ في الحاكِمِ فَهم ﴿يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ﴾ أيْ يَجُورَ ﴿اللَّهُ﴾ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، لِأنَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بِنَصْبِ حُكْمٍ جائِرٍ وهو مُنَزَّهٌ عَنِ الأغْراضِ ﴿ورَسُولُهُ﴾ الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، بِضَرْبِ أمْرٍ زائِغٍ وقَدْ ثَبَتَتْ عِصْمَتُهُ عَنِ الأدْناسِ.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ كائِنًا أضْرَبَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الظّالِمُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ، لِأنَّ قُلُوبَهم مَطْبُوعَةٌ عَلى المَرَضِ والرَّيْبِ، لا أنَّ فِيها نَوْعًا واحِدًا مِنهُ، ولَيْسُوا يَخافُونَ الجَوْرَ، بَلْ هو مُرادُهم إذا كانَ الحَقُّ عَلَيْهِمْ.

24:51Page 356

إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١

The only statement of the [true] believers when they are called to Allāh and His Messenger to judge between them is that they say, "We hear and we obey." And those are the successful.

ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الإيمانَ الكامِلَ بِما وصَفَهم بِهِ، كانَ كَأنَّهُ (p-٢٩٨)سُئِلَ عَنْ حالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّما كانَ﴾ أيْ دائِمًا ﴿قَوْلَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقَيْنِ في ذَلِكَ الوَصْفِ، وأطْبَقَ العَشْرَةُ عَلى نَصْبِ القَوْلِ لِيَكُونَ اسْمُ كانَ أوْغَلَ الِاسْمَيْنِ في التَّعْرِيفِ، وهو ”أنْ“ وصِلَتُها لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ، ولِشَبَهِهِ كَما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ في المُحْتَسِبِ بِالمُضْمَرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَجُوزُ وصْفُهُ كَما لا يَجُوزُ وصْفُ المُضْمَرِ، وقَرَأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِخِلافٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ قَوْل بِالرَّفُعِ ﴿إذا دُعُوا﴾ أيْ مِن أيِّ داعٍ كانَ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ ما أنْزَلَ المَلِكُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ مِن أحْكامِهِ ﴿ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ﴾ أيِ اللَّهُ بِما نَصَبَ مِن أحْكامِهِ أوِ الرَّسُولُ ﷺ بِما يُخاطِبُهم بِهِ مِن كَلامِهِ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ في حُكُومَةٍ مِنَ الحُكُوماتِ لَهم أوْ عَلَيْهِمْ ﴿أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا﴾ أيِ الدُّعاءَ ﴿وأطَعْنا﴾ أيْ بِالإجابَةِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿هُمُ﴾ خاصَّةً ﴿المُفْلِحُونَ﴾ الَّذِينَ تَقَدَّمَ في أوَّلٍ المُؤْمِنُونَ وصْفَهم بِأنَّهم يُدْرِكُونَ جَمِيعَ مَأْمُولِهِمْ.

24:52Page 356

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢

And whoever obeys Allāh and His Messenger and fears Allāh and is conscious of Him - it is those who are the attainers.

ولَمّا رَتَّبَ سُبْحانَهُ الفَلاحَ عَلى هَذا النَّوْعِ الخاصِّ مِنَ الطّاعَةِ، (p-٢٩٩)أتْبَعَهُ عُمُومَ الطّاعَةِ فَقالَ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿ورَسُولَهُ﴾ أيْ في الإذْعانِ لِلْقَضاءِ وغَيْرِهِ فِيما ساءَهُ وسَرَّهُ مِن جَمِيعِ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ ﴿ويَخْشَ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ، بِقَلْبِهِ لِما مَضى مِن ذُنُوبِهِ لِيَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، كَما كانَ الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إذا وقَعَ أحَدٌ مِنهم في تَقْصِيرٍ يَأْتِي إلى النَّبِيِّ ﷺ فَيَقُولُ: طَهِّرْنِي، ويُلَقَّنُ أحَدُهُمُ الرُّجُوعَ فَلا يَرْجِعُ، وفي تَطْهِيرِهِ الإتْيانُ عَلى نَفْسِهِ، وقَعَ ذَلِكَ لِرِجالِهِمْ ونِسائِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ وأحْيانًا عَلى مِنهاجِهِمْ وحَشَرْنا في زُمْرَتِهِمْ ﴿ويَتَّقْهِ﴾ أيِ اللَّهَ فِيما يَسْتَقْبِلُ بِأنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُسْخِطُهُ وِقايَةً مِنَ المُباحاتِ فَيَتْرُكُها ورَعًا.

ولَمّا أفْرَدَ الضَّمائِرَ إشارَةً إلى قِلَّةِ المُطِيعِ، جَمَعَ لِئَلّا يَظُنُّ أنَّهُ واحِدٌ فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿هُمُ الفائِزُونَ﴾ بِالمِلْكِ الأبَدِيِّ ولا فَوْزَ لِغَيْرِهِمْ.

24:53Page 356

۞ وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٥٣

And they swear by Allāh their strongest oaths that if you ordered them, they would go forth [in Allāh's cause]. Say, "Do not swear. [Such] obedience is known.1 Indeed, Allāh is [fully] Aware of that which you do."

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما رَتَّبَ عَلى الطّاعَةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي دَلِيلُ الِانْقِيادِ الباطِنِ، ذَكَرَ حالَ المُنافِقِينَ فِيهِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿ويَقُولُونَ﴾ [النور: ٤٧] لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ إلّا مُجَرَّدَ القَوْلِ مِن غَيْرِ إرادَةِ تَقْيِيدٍ بِزَمانٍ مُعَيَّنٍ: ﴿وأقْسَمُوا﴾ وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي إشارَةً إلى أنَّهم لَمْ يَسْمَحُوا بِهِ أكْثَرَ مِن مَرَّةٍ، لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن زِيادَةِ الخُضُوعِ والذُّلِّ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ؛ واسْتَعارَ مِن جَهْدِ النَّفْسِ قَوْلَهُ في مَوْضِعِ الحالِ: (p-٣٠٠)﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ غايَةَ الإقْسامِ ﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ أيْ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ مِمّا هم مُلْتَبَسُونَ بِهِ مِن خِلافِهِ، كائِنًا ما كانَ، إلى ما أمَرَتْهم بِهِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أيْنَما كُنْتَ نَكُنْ مَعَكَ، إنْ خَرَجْتَ خَرَجْنا، وإنْ أقَمْتَ أقَمْنا، وإنْ أمَرْتَنا بِالجِهادِ جاهَدْنا - قالَهُ البَغَوِيُّ.

فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا تَفْعَلُ في اخْتِبارِهِمْ؟ فَقِيلَ: الأمْرُ أوْضَحُ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً، ولِكُلِّ فِعْلٍ أدِلَّةً ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهُمْ: ﴿لا تُقْسِمُوا﴾ أيْ لا تَحْلِفُوا فَإنَّ العِلْمَ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى الإقْسامِ، ولَكِنَّ المُحَرِّكَ لَكم إلى الخُرُوجِ مَحَبَّةُ الِامْتِثالِ لا إلْزامُ الإقْسامِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم أهْلٌ لِلِاتِّهامِ، وكَذا قالَ المُتَنَبِّي:

؎وفِي يَمِينِكَ فِيما أنْتَ واعِدُهُ ما دَلَّ أنَّكَ في المِيعادِ مُتَّهَمُ

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿طاعَةٌ﴾ أيْ هَذِهِ الحَقِيقَةُ ﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ أيْ مِنكم ومِن غَيْرِكُمْ، وإرادَةُ الحَقِيقَةِ هو الَّذِي سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِها مَعَ تَنْكِيرِ لَفْظِها لِأنَّ العُمُومَ الَّذِي تَصْلُحُ لَهُ كَما قالُوا مِن أعْرَفِ المَعارِفِ، (p-٣٠١)ولَمْ تُعَرَّفْ بِ ”ال“ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّها لِعَهْدٍ ذَكَرِيٍّ أوْ نَحْوِهِ، والمَعْنى أنَّ الطّاعَةَ وإنِ اجْتَهَدَ العَبْدُ في إخْفائِها لا بُدَّ أنْ تَظْهَرَ مَخايِلُها عَلى شَمائِلِهِ، وكَذا المَعْصِيَةُ لِأنَّهُ «ما أسَرَ عَبْدٌ سَرِيرَةً إلّا ألْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَها» رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ورَوى مُسَدَّدُ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا دَخَلَ بَيْتًا في جَوْفِ بَيْتٍ فَأدْمَنَ هُناكَ عَمَلًا أوْشَكَ النّاسُ أنْ يَتَحَدَّثُوا بِهِ، وما مِن عامِلٍ عَمِلَ عَمَلًا إلّا كَساهُ اللَّهُ رِداءَ عَمَلِهِ، إنْ كانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ كانَ شَرًّا فَشَرٌّ.

ولِأبِي يَعْلى والحاكِمِ - وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ ولَمْ يُخَرِّجاهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ لَخَرَجَ عَمَلُهُ لِلنّاسِ كائِنًا ما كانَ» ثُمَّ عَلَّلَ إظْهارَهُ لِلْخَبْءِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ وإنِ اجْتَهَدْتُمْ في إخْفائِهِ، فَهو يَنْصِبُ عَلَيْهِ دَلائِلَ يُعَرِّفُهُ بِها عِبادَهُ، فالحَلِفُ غَيْرُ مُغْنٍ عَنِ الحالِفِ، والتَّسْلِيمُ غَيْرُ ضارٍّ لِلْمُسْلِمِ.

24:54Page 357

قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤

Say, "Obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon him is only that [duty] with which he has been charged, and upon you is that with which you have been charged. And if you obey him, you will be [rightly] guided. And there is not upon the Messenger except the [responsibility for] clear notification."

ولَمّا نَبَّهَ عَلى خِداعِهِمْ، أشارَ إلى عَدَمِ الِاغْتِرارِ بِإيمانِهِمْ، وإلى (p-٣٠٢)قَبُولِ شَهادَةِ التَّوَسُّمِ فِيهِمْ، أمَرَ بِتَرْغِيبِهِمْ وتَرْهِيبِهِمْ، مُشَيِرًا إلى الإعْراضِ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ أطِيعُوا﴾ أيُّها الَّذِينَ أقَرُّوا بِالإيمانِ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الرِّسالَةُ المُطْلَقَةُ، ظاهِرًا وباطِنًا لا كالمُنافِقِينَ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ تُوجَدْ مِنكُمُ التَّوْلِيَةَ عَنْ ذَلِكَ عِصْيانًا لَهُ ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ التَّوْلِيَةِ - بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ، تَضِلُّوا فَلا تَضُرُّوا إلّا أنْفُسَكُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ﴾ أيِ الرَّسُولِ ﴿ما حُمِّلَ﴾ أيْ مِنَ التَّبْلِيغِ مِمَّنْ إذا حَمَلَ أحَدًا شَيْئًا فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ لَهُ أوْ حَمَلِ ما هو أثْقَلُ مِنهُ ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ مِنَ القَبُولِ، ولَيْسَ عَلَيْهِ أنْ يَقْسِرَكم عَلى الهِدايَةِ؛ وأفْهَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ﴾ أيْ بِالإقْبالِ عَلى كُلِّ ما يَأْمُرُكم بِهِ ﴿تَهْتَدُوا﴾ أيْ إلى كُلِّ خَيْرٍ أنَّهُ لا هِدايَةَ لَهم بِدُونِ مُتابَعَتِهِ؛ رَوى عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الإمامِ أحْمَدَ في زِياداتِ المُسْنَدِ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ عَلى المِنبَرِ: «مَن لَمْ يَشْكُرِ القَلِيلَ لَمْ يَشْكُرِ الكَثِيرَ، ومَن لَمْ يَشْكُرِ النّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ، والتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وتَرْكُهُ كُفْرٌ، والجَماعَةُ رَحْمَةٌ، والفُرْقَةُ عَذابٌ قالَ: فَقالَ أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَلَيْكم بِالسَّوادِ الأعْظَمِ! قالَ فَقالَ رَجُلٌ: ما السَّوادُ الأعْظَمُ؟ (p-٣٠٣)فَنادى أبُو أُمامَةَ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ النُّورِ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾» .

ولَمّا كانَ ما حَمَّلَهُ الرَّسُولَ ﷺ مُبْهَمًا، عَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما عَلى الرَّسُولِ﴾ أيْ مِن جِهَةِ غَيْرِهِ ﴿إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيِ التَّبْلِيغِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ البَلاغُ مِن غَيْرِ شَكٍّ، إمّا بِالإيضاحِ وحْدَهُ أوْ مَضْمُومًا إلى السَّيْفِ فَما دُونَهُ مِن أنْواعِ الزَّواجِرِ.

24:55Page 357

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥

Allāh has promised those who have believed among you and done righteous deeds that He will surely grant them succession [to authority] upon the earth just as He granted it to those before them and that He will surely establish for them [therein] their religion which He has preferred for them and that He will surely substitute for them, after their fear, security, [for] they worship Me, not associating anything with Me. But whoever disbelieves1 after that - then those are the defiantly disobedient.

ولَمّا لاحَ بِهَذا الإذْنِ في الكَفِّ عَنْ قَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُنافِقِينَ لِئَلّا يَقُولَ النّاسُ: إنَّ مُحَمَّدًا اسْتَنْصَرَ بِقَوْمٍ، فَلَمّا نَصَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ أقْبَلَ يَقْتُلُهم. فَيَمْتَنِعُ مَن يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَتَكُونُ مَفْسَدَةُ قَتْلِهِمْ أعْظَمَ مِن مَفْسَدَةِ إبْقائِهِمْ، لِأنَّ الدِّينَ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ تَمَكَّنَ تَمَكُّنًا لا يُؤَثِّرُ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، تَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى أنَّ هَذا الحالَ هَلْ يَسْتَمِرُّ؟ فَجَلّى اللَّهُ عَنْهُما هَذا الكَرْبَ بِقَوْلِهِ: بَيانًا لِأنَّ تَمَكُّنَ الدِّينِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلَيْهِمْ سَواءٌ أقْبَلُوا أوْ أدْبَرُوا: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهو مَعَ ذَلِكَ كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ تَرْغِيبًا لِمَن نَظَرَ في الدُّنْيا نَوْعَ نَظَرٍ؛ وقَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾ تَصْرِيحًا بِأهْلِ القَرْنِ الأوَّلِ، لِيَكُونَ ظاهِرًا في إخْراجِ المُنافِقِينَ المُتَوَلِّينَ (p-٣٠٤)بِالإعْراضِ، إشارَةً إلى أنَّهم لا يَزالُونَ في ذُلٍّ وضَعَةٍ؛ وقَدَّمَ هَذا القَيْدَ اهْتِمامًا بِهِ لِما ذُكِرَ بِخِلافِ ما يَأْتِي في سُورَةِ الفَتْحِ ﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ مِنَ الإذْعانِ لِلْأحْكامِ وغَيْرِها، وأكَّدَ غايَةَ التَّأْكِيدِ بِلامِ القَسَمِ، لِما عِنْدَ أكْثَرِ النّاسِ مِنَ الرَّيْبِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ العَرَبِ والعَجَمِ، بِأنْ يَمُدَّ زَمانَهُمْ، ويُنَفِّذَ أحْكامَهم ﴿كَما اسْتَخْلَفَ﴾ أيْ طَلَبَ وأوْجَدَ خِلافَةً بِإيجادِهِمْ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ مِن كُلٍّ مَن حَصَلَتْ لَهُ مُكْنَةٌ، وظَفِرَ عَلى الأعْداءِ بَعْدَ الضَّعْفِ الشَّدِيدِ كَما كَتَبَ في الزَّبُورِ ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وكَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ﴾ أيْ في الباطِنِ والظّاهِرِ ﴿دِينَهُمُ﴾ أضافَهُ إلَيْهِمْ إشارَةً إلى رُسُوخِ أقْدامِهِمْ فِيهِ وأنَّهُ أبَدِيٌّ لا يُنْسَخُ ﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ حَتّى يُقِيمُوا الحُدُودَ فِيهِ مِن قَتْلٍ وغَيْرِهِ عَلى الشَّرِيفِ والوَضِيعِ سَواءٌ كانَ الواقِعُونَ في ذَلِكَ عُصْبَةً أمْ لا، لا يُراعُونَ أحَدًا، ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ، لِأنَّهُ لا يَضُرُّهُ إذْ ذاكَ إدْبارُ مُدْبِرٍ كَما «قالَ ﷺ عَنِ الحَرُورِيَّةِ كافَّةً ”إنَّهُ إنْ أدْرَكَهم لِيَقْتُلَنَّهم قَتْلَ عادٍ، بَعْدَ أنْ كَفَّ (p-٣٠٥)عَنْ قَتْلِ رَأسِهِمْ ونَهى عَنْ قَتْلِهِ - وهو واحِدٌ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ» .

ولَمّا بَشَّرَهم بِالتَّمْكِينِ، أشارَ لَهم إلى مِقْدارِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ وأشارَ إلى عَدَمِ اسْتِغْراقِ هَذا الأمْنِ العامِّ لِجَمِيعِ الزَّمانِ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ هَذا الَّذِي هم فِيهِ الآنَ ﴿أمْنًا﴾ أيْ عَظِيمًا بِمِقْدارِ هَذا الخَوْفِ، في زَمَنِ النُّبُوَّةِ وخِلافَتِها؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ نَتِيجَتَهُ بِقَوْلِهِ تَعْلِيلًا لِلتَّمْكِينِ وما مَعَهُ: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أيْ وحْدِي؛ وصَرَّحَ بِالمُرادِ بَيانًا لِحالِ العِبادَةِ النّافِعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ظاهِرًا ولا باطِنًا، لِأنَّ زَمانَهم يَكُونُ زَمَنَ عَدْلٍ، فَلا يَتَحابُّونَ فِيهِ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، رَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَدِينَةَ، وآوَتْهُمُ الأنْصارُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، رَمَتْهُمُ العَرَبُ مِن قَوْسٍ واحِدَةٍ فَنَزَلَتْ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾» الآيَةُ. ولَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا - فَفَتَحَ سُبْحانَهُ لَهُمُ البِلادَ، ونَصَرَهم عَلى جَبابِرَةِ العِبادِ، فَأذَلُّوا رِقابَ الأكاسِرَةِ، واسْتَعْبَدُوا أبْناءَ القَياصِرَةِ، ومُكِّنُوا شَرْقًا وغَرْبًا مُكْنَةً لَمْ تَحْصُلْ قَبْلَهم لِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، كَما قالَ ﷺ «إنَّ اللَّهَ زَوى لِيَ الأرْضَ فَرَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها (p-٣٠٦)وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها» يَعْرِفُ ذَلِكَ مِن طالَعَ فُتُوحَ البِلادِ، وأجْمَعَها وأحْسَنَها النِّصْفَ الثّانِي مِن سِيرَةِ الحافِظِ أبِي الرَّبِيعِ بْنِ سالِمِ الكِلاعِيِّ، وكِتابُ شَيْخِهِ ابْنِ حُبَيْشٍ أيْضًا جامِعٌ، ولا أعْلَمُ شَيْئًا أنْفَعَ في رُسُوخِ الإيمانِ، بَعْدَ حِفْظِ القُرْآنِ، مِن مُطالَعَةِ السِّيَرِ والفُتُوحِ، وسِيرَةُ الكِلاعِيِّ جامِعَةٌ لِلْأمْرَيْنِ، ونَظْمِي لِلسِّيرَةِ في القَصِيدَةِ الَّتِي أوَّلُها:

؎ما بالُ جَفْنِكِ هامِي الدَّمْعِ هامِرَهُ وبَحْرُ فِكْرِكِ وافِي الهَمِّ وافْرُهُ

أجْمَعَ السِّيَرِ - يَسَرَّ اللَّهُ إكْمالَ شَرْحِها، آمِينَ.

ولَمّا قَتَلُوا عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وخَرَجُوا عَلى عَلِيٍّ ثُمَّ ابْنِهِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، نَزَعَ اللَّهُ ذَلِكَ الأمْنَ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِ“مِن”وتَنْكِيرِ“أمْنًا" وجاءَ الخَوْفُ واسْتَمَرَّ يَتَطاوَلُ ويَزْدادُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلى أنْ صارَ في زَمانِنا هَذا إلى أمْرٍ عَظِيمٍ - واللَّهُ المُسْتَعانُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن ثَبَتَ عَلى دِينِ الإسْلامِ، وانْقادَ لِأحْكامِهِ واسْتَقامَ، نالَ هَذِهِ البُشْرى، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أيْ بِالإعْراضِ عَنِ الأحْكامِ أوْ غَيْرِها؛ أوْ هو عَطْفٌ عَلى ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ (p-٣٠٧)لِأنَّ مَعْناهُ: ومَن لَمْ يَعْبُدْنِي.

ولَمّا كانَ الفاسِقُ الكامِلُ إنَّما هو مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ فَحَبِطَ عَمَلُهُ، فَكانَ بِذَلِكَ كُفْرُهُ مُسْتَغْرِقًا لِزَمانِهِ دُونَ مَن ماتَ مُسْلِمًا وإنْ كانَ كافِرًا في جَمِيعِ ما مَضى لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، أسْقَطَ الجارَّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ الِاسْتِخْلافِ العَظِيمِ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوحِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ البُعَداءُ مِنَ الخَيْرِ ﴿هُمُ﴾ خاصَّةً ﴿الفاسِقُونَ﴾ أيِ الخارِجُونَ مِنَ الدِّينِ خُرُوجًا كامِلًا، لا تُقْبَلُ مَعَهُ مَعْذِرَةٌ، ولا تُقالُ لِصاحِبِهِ عَثْرَةٌ، بَلْ تُقامُ عَلَيْهِمُ الأحْكامُ بِالقَتْلِ وغَيْرِهِ، ولا يُراعى فِيهِمْ مَلامٌ، ولا تَأْخُذُ بِهِمْ رَأْفَةٌ عِنْدَ الِانْتِقامِ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ فِيمَن لَزِمَهُ الجَلْدُ، ولَعَلَّ الآيَةَ مُشِيرَةٌ إلى أهْلِ الرِّدَّةِ.

24:56Page 357

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٥٦

And establish prayer and give zakāh and obey the Messenger - that you may receive mercy.

ولَمّا تَمَّتْ هَذِهِ البُشْرى، وكانَ التَّقْدِيرُ: فاعْمَلُوا واعْبُدُوا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ فَإنَّها قِوامُ ما بَيْنَكم وبَيْنَ رَبِّكُمْ، مَعَ أنَّهُ يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ [النور: ٥٤] فَيَكُونُ مِن مَقُولِ ”قُلْ“ ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ فَهي نِظامُ ما بَيْنَكم وبَيْنَ إخْوانِكم ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِالرِّسالَةِ في كُلِّ ما يَأْمُرُكم بِهِ، فَإنَّما هو عَنْ أمْرِ رَبِّكم ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا عِنْدَ مَن يَجْهَلُ العَواقِبَ عَلى (p-٣٠٨)رَجاءٍ مِن حُصُولِ الرَّحْمَةِ مِمَّنْ لا راحِمَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ.

24:57Page 357

لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٥٧

Never think that the disbelievers are causing failure [to Allāh] upon the earth. Their refuge will be the Fire - and how wretched the destination.

ولَمّا كانَ الكُفّارُ مِنَ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ بِمَكانٍ، كانَ الحالُ جَدِيرًا بِتَأْكِيدِ مَعْنى التَّمْكِينِ، جَوابًا لِسُؤالٍ مِن كَأنَّهُ قالَ: وهَلْ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فَقالَ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾ أيْ أيُّها المُخاطَبُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ وإنْ زادَتْ كَثْرَتُهم عَلى العَدِّ، وتَجاوَزَتْ عَظَمَتُهُمُ الحَدَّ، فَإنَّ ذَلِكَ الحُسْبانَ ضِعْفُ عَقْلٍ، لِأنَّ المَلِكَ لا يُعْجِزُهُ مَن تَحْتَ قَهْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِهِ، لِأنَّهُ عَلى قَدْرِ عَظَمَةِ المُخاطَبِ يَكُونُ إنْجازُ الوَعْدِ ﴿مُعْجِزِينَ﴾ لِأهْلِ وُدِّنا ﴿فِي الأرْضِ﴾ فَإنَّهم مَأْخُوذُونَ لا مَحالَةَ ﴿ومَأْواهُمُ﴾ أيْ مَسْكَنُهم ومَنزِلُهم بَعْدَ الأخْذِ ﴿النّارُ﴾ ولَمّا كانَتْ سُكْنى الشَّيْءِ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الصَّيْرُورَةِ إلَيْهِ قالَ: ﴿ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ مَصِيرُها! فَكَيْفَ إذا كانَ عَلى وجْهِ السُّكْنى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском