Al-Biqa'iAsh‑Shu'ara · 26:105–146

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:105–146

26:105Page 371

كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٠٥

The people of Noah denied the messengers1

ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ قِصَّةَ الأبِ الأعْظَمِ الأقْرَبِ، أتْبَعَها -دَلالَةً عَلى وصْفَيِ العِزَّةِ والرَّحْمَةِ- قِصَّةَ الأبِ الثّانِي، مُقَدِّمًا لَها عَلى غَيْرِها، لِما لَهُ مِنَ القِدَمِ في الزَّمانِ، إعْلامًا بِأنَّ البَلاءَ قَدِيمٌ، ولِأنَّها أدَلُّ عَلى صِفَتَيِ الرَّحْمَةِ والنِّقْمَةِ الَّتِي هي أثَرُ العِزَّةِ بِطُولِ الإمْلاءِ لَهم عَلى طُولِ مُدَّتِهِمْ، ثُمَّ تَعْمِيمِ النِّقْمَةِ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ﴾ بِإثْباتِ التّاءِ اخْتِيارًا لِلتَّأْنِيثِ -وإنْ كانَ تَذْكِيرُ القَوْمِ أشْهَرَ- لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ فِعْلَهم أخَسُّ الأفْعالِ، [أوْ إلى أنَّهم مَعَ عُتُوِّهِمْ وكَثْرَتِهِمْ كانُوا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أهْوَنَ شَيْءٍ وأضْعَفَهُ بِحَيْثُ جَعَلَهم هَباءً مَنثُورًا وكَذا مَن بَعْدَهُمْ] ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ وهو أهْلُ الأرْضِ كُلُّهم مِنَ الآدَمِيِّينَ قَبْلَ اخْتِلافِ الأُمَمِ بِتَفَرُّقِ اللُّغاتِ ﴿المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: بِتَكْذِيبِهِمْ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى نُبُوَّتِهِ بِالمُعْجِزَةِ، ومَن كَذَّبَ بِمُعْجِزَةٍ واحِدَةٍ فَقَدْ كَذَّبَ بِجَمِيعِ المُعْجِزاتِ لِتَساوِي أقْدامِها في الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، وقَدْ سُئِلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: مَن كَذَّبَ واحِدًا مِنَ الرُّسُلِ فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ لِأنَّ الآخِرَ جاءَ بِما جاءَ بِهِ الأوَّلُ حَكاهُ عَنْهُ البَغَوِيُّ.

26:106Page 371

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٠٦

When their brother Noah said to them, "Will you not fear Allāh?

ولِقَصْدِ التَّسْلِيَةِ عَبَّرَ بِالتَّكْذِيبِ في كُلِّ قِصَّةٍ ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿قالَ لَهُمْ﴾ لَمْ يَتَأنَّوْا بِطَلَبِ دَلِيلٍ، ولا ابْتِغاءِ وجْهٍ جَمِيلٍ؛ وأشارَ إلى نَسَبِهِ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أخُوهُمْ﴾ زِيادَةً في تَسْلِيَةِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ (p-٦٢)﴿نُوحٌ﴾ وأشارَ إلى حُسْنِ أدَبِهِ، واسْتِجْلابِهِمْ بِرِفْقِهِ ولِينِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ أيْ: تَكُونُ لَكم تَقْوى، وهي خَوْفٌ يَحْمِلُكم عَلى أنْ تَجْعَلُوا [بَيْنَكُمْ] وبَيْنَ سُخْطِهِ وِقايَةً بِطاعَتِهِ بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ؛ .

26:107Page 371

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٠٧

Indeed, I am to you a trustworthy messenger.

ثُمَّ عَلَّلَ أهْلِيَّتَهُ لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي لَكُمْ﴾ [أيْ: ] مَعَ كَوْنِي أخاكم يَسُوءُنِي ما يَسُوءُكم ويَسُرُّنِي ما يَسُرُّكم ﴿رَسُولٌ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ خالِقِكم، فَلا مَندُوحَةَ لِي عَنْ إبْلاغِ ما أُمِرْتُ بِهِ ﴿أمِينٌ﴾ أيْ: لا غِشَّ عِنْدِي كَما تَعْلَمُونَ ذَلِكَ مِنِّي عَلى طُولِ خِبْرَتِكم بِي، ولا خِيانَةَ في شَيْءٍ مِنَ الأمانَةِ، فَلِذَلِكَ لابُدَّ لِي مِن إبْلاغِ جَمِيعِ الرِّسالَةِ.

26:108Page 371

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٠٨

So fear Allāh and obey me.

ولَمّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ التَّقْوى بِالرِّفْقِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِما ثَبَتَ بِهِ أمْرُها، تَسَبَّبَ عَنْهُ الجَزْمُ بِالأمْرِ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: أوْجِدُوا الخَوْفَ والحَذَرَ والتَّحَرُّزَ مِنَ الَّذِي اخْتَصَّ بِالجَلالِ والجَمالِ، مُبادِرِينَ إلى ذَلِكَ بِتَوْحِيدِهِ لِتُحْرِزُوا أصْلَ السَّعادَةِ فَتَكُونُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿وأطِيعُونِ﴾ أيْ: في كُلِّ ما آمُرُكم لِتُحْرِزُوا رُتْبَةَ الكَمالِ في ذَلِكَ، فَلا يَمَسُّكم عَذابٌ.

26:109Page 371

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠٩

And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.

ولَمّا أثْبَتَ أمانَتَهُ، نَفى تُهْمَتَهُ فَقالَ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى هَذا الحالِ الَّذِي أتَيْتُكم بِهِ؛ وأشارَ إلى الإعْراقِ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أجْرٍ﴾ [أيْ: ] لِيَظُنَّ ظانٌّ أنِّي جَعَلْتُ الدُّعاءَ سَبَبًا لَهُ؛ ثُمَّ (p-٦٣)أكَّدَ هَذا النَّفْيَ بِقَوْلِهِ: ”إنْ“ أيْ ما ﴿أجْرِيَ﴾ أيْ: في دُعائِي لَكم ﴿إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: الَّذِي دَبَّرَ جَمِيعَ الخَلائِقِ ورَبّاهم.

26:110Page 371

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١١٠

So fear Allāh and obey me."

ولَمّا انْتَفَتِ التُّهْمَةُ، تَسَبَّبَ عَنِ انْتِفائِها أيْضًا ما قَدَّمَهُ، فَأعادَهُ إعْلامًا بِالِاهْتِمامِ بِذَلِكَ زِيادَةً في الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ [وتَأْكِيدًا لَهُ في قُلُوبِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ العَظَمَةِ لِما يُعْلَمُ مِن قُلُوبِهِمْ مِن شِدَّةِ الجَلافَةِ] فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي حازَ جَمِيعَ صِفاتِ العَظَمَةِ ﴿وأطِيعُونِ﴾

26:111Page 371

۞ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ ١١١

They said, "Should we believe you while you are followed by the lowest [class of people]?"

ولَمّا قامَ الدَّلِيلُ عَلى نُصْحِهِ وأمانَتِهِ، أجابُوا بِما يَنْظُرُ إلى مَحْضِ الدُّنْيا كَما أجابَ مَن قالَ مِن أشْرافِ العَرَبِ ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ [الفرقان: ٧] الآياتُ، وقالَ: لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءَ لَرَجَوْنا أنْ نَتَّبِعَكَ حَتّى نَزَلَ في ذَلِكَ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] ونَحْوُها مِنَ الآياتِ، بِأنْ ﴿قالُوا﴾ أيْ: قَوْمُهُ، مُنْكِرِينَ لِاتِّباعِهِ اسْتِنادًا إلى داءِ الكِبْرِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنهُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ -أيْ: احْتِقارُهُمْ- ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ﴾ أيْ: لِأجْلِ قَوْلِكَ هَذا وما أثْبَتَّهُ مِن أوْصافِكَ، ”و“ الحالُ أنَّهُ قَدْ ”اتَّبَعَكَ الأرذلون“ أيْ: المُؤَخَّرُونَ في الحالِ والمَآلِ، والأحْوالِ والأفْعالِ، فَيَكُونُ إيمانُنا بِكَ سَبَبًا لِاسْتِوائِنا مَعَهم، فَلَوْ طَرَدْتَهم لَمْ يَكُنْ لَنا عُذْرٌ في التَّخَلُّفِ عَنْكَ، ولا مانِعَ مِنِ اتِّباعِكَ، فَكانَ ما مُتِّعُوا بِهِ مِنَ العَرَضِ الفانِي مانِعًا لَهم عَنِ السَّعادَةِ الباقِيَةِ، وأمّا الضُّعَفاءُ فانْكِسارُ قُلُوبِهِمْ وخُلُوُّها عَنْ شاغِلٍ مُوجِبٍ لِإقْبالِها عَلى الخَيْرِ (p-٦٤)وقَبُولِها لَهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم، وهَكَذا قالَتْ قُرَيْشٌ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، وما زالَتْ أتْباعُ الرُّسُلِ كَذَلِكَ حَتّى صارَتْ مِن سِماتِهِمْ وأماراتِهِمْ كَما قالَ هِرَقْلُ في سُؤالِهِ عَنْ أتْباعِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكانَ مِثالُ المُسْتَكْبِرِينَ مِثالَ شَخْصٍ كانَ آخَرُ دُونَهُ بِدَرَجَةٍ، فَأصْبَحَ فَوْقَهُ بِدَرَجَةٍ، فَأنِفَ مِن أنْ يَرْتَقِيَ إلى دَرَجَتِهِ لِئَلّا يُساوِيَهُ، ورَضِيَ لِنَفْسِهِ أنْ يَكُونَ دُونَهُ، فَما أسْخَفَ عَقْلَهُ! وما أكْثَرَ جَهْلَهُ! فَلا شَيْءَ أبْيَنُ مِن هَذا في أنَّ التَّقَدُّمَ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ داءٌ لا دَواءَ لَهُ إلّا إماتَةُ النَّفْسِ بِالتَّبَرُّؤِ مِنهُ والبُعْدِ عَنْهُ.

26:112Page 372

قَالَ وَمَا عِلۡمِي بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٢

He said, "And what is my knowledge of what they used to do?

ولَمّا كانَتِ الجَواهِرُ مُتَساوِيَةً في أنَّها مَخْلُوقاتُ اللَّهِ، وإنَّما تَتَشَرَّفُ بِآثارِها، فالآدَمِيُّ إنَّما يَشْرُفُ أوْ يَرْذُلُ بِحالِهِ مِن قالِهِ وفِعالِهِ، أشارَ إلى أنَّهُ إنَّما يُعْتَبَرُ ما هم عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الأحْوالِ الرَّفِيعَةِ، والأوْصافِ البَدِيعَةِ، فَلِذَلِكَ ﴿قالَ﴾ نافِيًا لِعِلْمِهِ بِما قالُوهُ في صُورَةِ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ: ﴿وما﴾ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ ﴿عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ يَتَّبِعُونِي، أيْ: وما لِي ولِلْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ، إنَّما لِي ظاهِرُهُمُ الآنَ وهو (p-٦٥)خَيْرُ ظاهِرٍ، فَهُمُ الأشْرَفُونَ وإنْ كانُوا أفْقَرَ النّاسِ وأخَسَّهم نَسَبًا، فَإنَّ الغِنى غِنى الدِّينِ، والنَّسَبَ نَسَبُ التَّقْوى.

26:113Page 372

إِنۡ حِسَابُهُمۡ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّيۖ لَوۡ تَشۡعُرُونَ ١١٣

Their account is only upon my Lord, if you [could] perceive.

ثُمَّ أكَّدَ أنَّهُ لا يَبْحَثُ عَنْ بَواطِنِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿حِسابُهُمْ﴾ أيْ: في الماضِي والآتِي ﴿إلا عَلى رَبِّي﴾ المُحْسِنِ إلَيَّ بِاتِّباعِهِمْ لِي [لِيَكُونَ لِي] مِثْلُ أجْرِهِمْ، المُخَفِّفِ عَنِّي أنْ يُكَلِّفَنِي بِحِسابِهِمْ وتَعَرُّفِ بَواطِنِهِمْ، لِأنَّهُ المُخْتَصُّ بِضَبْطِ جَمِيعِ الأعْمالِ والحِسابِ عَلَيْها ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: لَوْ كانَ لَكم نَوْعُ شُعُورٍ لَعَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَلَمْ تَقُولُوا ما قُلْتُمْ مِمّا هو دائِرٌ عَلى أُمُورِ الدُّنْيا فَقَطْ، ولا نَظَرَ لَهُ إلى يَوْمِ الحِسابِ.

26:114Page 372

وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٤

And I am not one to drive away the believers.

ولَمّا أفْهَمَ قَوْلُهُ رَدَّ ما أفْهَمَهُ قَوْلُهم مِن طَرْدِهِمْ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما﴾ أيْ: ولَسْتُ ﴿أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم وصْفًا راسِخًا فَلَمْ يَرْتَدُّوا عَنْهُ لِلطَّمَعِ في إيمانِكم ولا لِغَيْرِهِ مِنِ اتِّباعِ شَهَواتِكُمْ؛ .

26:115Page 372

إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ١١٥

I am only a clear warner."

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿أنا إلا نَذِيرٌ﴾ أيْ: مُحَذِّرٌ، لا وكِيلٌ مُناقِشٌ عَلى البَواطِنِ، ولا مُتَعَنِّتٌ عَلى الِاتِّباعِ ﴿مُبِينٌ﴾ أُوَضِّحُ ما أُرْسِلْتُ بِهِ فَلا أدَعُ فِيهِ لَبْسًا.

26:116Page 372

قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ ١١٦

They said, "If you do not desist, O Noah, you will surely be of those who are stoned."

ولَمّا آيَسَهم مِمّا أرادُوا مِن طَرْدِ أتْباعِهِ لِما أوْهَمُوا مِنِ اتِّباعِهِ لَوْ طَرَدَهم خِداعًا، أقْبَلُوا عَلى التَّهْدِيدِ، فاسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ ثُمَّ سَمَّوْهُ بِاسْمِهِ جَفاءً وقِلَّةَ أدَبٍ فَقالُوا: (p-٦٦)﴿يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ أيْ: المَقْتُولِينَ، ولا يَنْفَعُكَ أتْباعُكَ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءُ.

26:117Page 372

قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوۡمِي كَذَّبُونِ ١١٧

He said, "My Lord, indeed my people have denied me.

ولَمّا أيِسَ مِنهم بِما سَمِعَ مِنَ المُبالَغَةِ بِالتَّأْكِيدِ في قَوْلِهِمْ، ورَأى بِما يُصَدِّقُهُ مِن فِعْلِهِمْ، قالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْهُ [جَوابًا لِسُؤالِ مَن يُرِيدُ تَعَرُّفَ حالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ]: ﴿قالَ﴾ شاكِيًا إلى اللَّهِ تَعالى ما هو أعْلَمُ بِهِ مِنهُ تَوْطِئَةً لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ وإلْهابًا إلَيْهِ وتَهْيِيجًا، مُعْرِضًا عَنْ تَهْدِيدِهِمْ لَهُ صَبْرًا واحْتِسابًا، لِأنَّهُ [مِن] لازِمِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ،، واكْتِفاءٌ عَنْهُ بِسَبَبِهِ]: ﴿رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ.

ولَمّا كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِأنْ يُصَدِّقُوهُ لِما لَهُ في نَفْسِهِ [مِنَ الأمانَةِ، وبِهِمْ مِنَ القَرابَةِ، ولَمّا أقامَ عَلى ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ مَعَ ما لَهُ في نَفْسِهِ] مِنَ الوُضُوحِ، أكَّدَ الإخْبارَ بِتَكْذِيبِهِمْ، إعْلامًا بِوُجُودِهِ، وبِأنَّهُ تَحَقَّقَهُ مِنهم مِن غَيْرِ شَكٍّ فَقالَ: ﴿إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أيْ: فَلا نِيَّةَ لَهم في اتِّباعِي.

26:118Page 372

فَٱفۡتَحۡ بَيۡنِي وَبَيۡنَهُمۡ فَتۡحٗا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٨

Then judge between me and them with decisive judgement and save me and those with me of the believers."

﴿فافْتَحْ﴾ أيْ: احْكم ﴿بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا﴾ أيْ: حُكْمًا يَكُونُ لِي فِيهِ فَرَجٌ، وبِهِ مِنَ الضِّيقِ مَخْرَجٌ، فَأهْلِكِ المُبْطِلِينَ وأنْجِزْ حَتْفَهم ﴿ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ﴾ أيْ: في الدِّينِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ مِمّا تُعَذِّبُ بِهِ الكافِرِينَ.

26:119Page 372

فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١١٩

So We saved him and those with him in the laden ship.

(p-٦٧)ولَمّا كانَ في إهْلاكِهِمْ وإنْجائِهِ مِن بَدِيعِ الصُّنْعِ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ، أبْرَزَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ﴾ أيْ: مِمَّنْ لا يُخالِفُهُ في الدِّينِ عَلى ضَعْفِهِمْ وقَتْلِهِمْ ﴿فِي الفُلْكِ﴾ ولَمّا كانَتْ سَلامَةُ المَمْلُوءِ جِدًّا أغْرَبُ قالَ: ﴿المَشْحُونِ﴾ أيْ: المَمْلُوءِ بِمَن حُمِلَ فِيهِ مِنَ النّاسِ والطَّيْرِ وسائِرِ الحَيَوانِ، وما حُمِلَ مِن زادِهِمْ وما يُصْلِحُهم.

26:120Page 372

ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا بَعۡدُ ٱلۡبَاقِينَ ١٢٠

Then We drowned thereafter the remaining ones.

ولَمّا كانَ إغْراقُهم كُلِّهِمْ مِنَ الغَرائِبِ عَظَّمَهُ بِأداةِ البُعْدِ [ومَظْهَرِ العَظَمَةِ] فَقالَ: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ﴾ أيْ: بَعْدَ حَمْلِهِ الَّذِي هو سَبَبُ إنْجائِهِ ﴿الباقِينَ﴾ أيْ: مَن بَقِيَ عَلى الأرْضِ ولَمْ يَرْكَبْ مَعَهُ في السَّفِينَةِ عَلى قُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، [وكانَ ذَلِكَ] عَلَيْنا يَسِيرًا.

26:121Page 372

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٢١

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

[ولَمّا] كانَ ذَلِكَ أمْرًا باهِرًا، عَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ مِنَ الدُّعاءِ والإمْهالِ ثُمَّ الإنْجاءِ والإهْلاكِ ﴿لآيَةً﴾ أيْ: عَظِيمَةً لِمَن شاهَدَ ذَلِكَ أوْ سَمِعَ بِهِ، عَلى أنّا نَنْتَقِمُ مِمَّنْ عَصانا، ونُنْجِي مَن أطاعَنا، وأنَّهُ [لا] أمْرَ لِأحَدٍ مَعَنا فَيَهْدِيهِ إلى الإيمانِ، ويَحْمِلُهُ عَلى الِاسْتِسْلامِ والإذْعانِ ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿كانَ أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرُ العالِمَيْنِ بِذَلِكَ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ وقَدْ يَنْبَغِي لَهم إذْ فاتَهُمُ الإيمانُ لِمَحْضِ الدَّلِيلِ أنْ يُبادِرُوا إلَيْهِ ويَرْكَبُوا مَعَهُ حِينَ رَأوْا أوائِلَ العَذابِ أوْ بَعْدَ أنْ ألْجَمَهُمُ الغَرَقُ.

26:122Page 372

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٢

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾ المُحْسِنَ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ، وتَكْثِيرِ أتْباعِكَ، (p-٦٨)وتَعْظِيمِ أشْياعِكَ ﴿لَهُوَ العَزِيزُ﴾ أيْ: القادِرُ بِعِزَّتِهِ عَلى كُلٍّ مِن قَسْرِهِمْ عَلى الطّاعَةِ، وإهْلاكِهِمْ في أوَّلِ أوْقاتِ المَعْصِيَةِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيْ: الَّذِي يَخُصُّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِخالِصِ وِدادِهِ، ويُرْسِلُ إلى الضّالِّينَ عَنْ مَحَجَّةِ العَقْلِ القَوِيمَةِ الرُّسُلَ لِبَيانِ ما يُحِبُّ وما يَكْرَهُ، فَلا يُهْلَكُ إلّا بَعْدَ البَيانِ الشّافِي، والإبْلاغِ الوافِي.

26:123Page 372

كَذَّبَتۡ عَادٌ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٢٣

ʿAad denied the messengers

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا لَأمْرٌ هائِلٌ، في مِثْلِهِ مَوْعِظَةٌ، فَما فَعَلَ مَن جاءَ بَعْدَهُمْ؟ هَلِ اتَّعَظَ؟ أُجِيبَ بِقَوْلِهِ دَلالَةً عَلى الوَصْفَيْنِ مَعًا: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ﴾ أيْ: تِلْكَ القَبِيلَةُ الَّتِي مَكَّنَ اللَّهُ لَها في الأرْضِ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ ﴿المُرْسَلِينَ﴾ بِالإعْراضِ عَنْ مُعْجِزَةِ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ .

26:124Page 372

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤

When their brother Hūd said to them, "Will you not fear Allāh?

ثُمَّ سَلّى هَذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ﴾ [أيْ: حِينَ] ﴿قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ﴾ لَمْ يَتَوَقَّفُوا في تَكْذِيبِهِ ولَمْ يَتَأخَّرُوا عَنْ وقْتِ دُعائِهِ لِتَأمُّلٍ ولا غَيْرِهِ، وقَدْ عَرَفُوا صِدْقَ إخائِهِ، وعَظِيمِ نُصْحِهِ ووَفائِهِ ﴿ألا﴾ بِصِيغَةِ العَرْضِ تَأدُّبًا مَعَهم وتَلَطُّفًا بِهِمْ ولِينًا لَهم ﴿تَتَّقُونَ﴾ أيْ: تَكُونُ مِنكم تَقْوى لِرَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم فَتَعْبُدُوهُ وحْدَهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ؛ .

26:125Page 372

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٢٥

Indeed, I am to you a trustworthy messenger.

ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ﴾ أيْ: فَهو الَّذِي حَمَلَنِي عَلى أنْ أقُولَ لَكم ذَلِكَ ﴿أمِينٌ﴾ أيْ: لا أكْتُمُ عَنْكم شَيْئًا مِمّا أمَرْتُ بِهِ ولا أُخالِفُ شَيْئًا مِنهُ.

26:126Page 372

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٢٦

So fear Allāh and obey me.

﴿فاتَّقُوا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنِّي أقُولُ لَكم: اتَّقُوا ﴿اللَّهَ﴾ الَّذِي هو أعْظَمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴿وأطِيعُونِ﴾ أيْ: في (p-٦٩)كُلِّ ما آمُرُكم بِهِ مِن دَوامِ تَعْظِيمِهِ.

26:127Page 372

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٧

And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.

﴿وما﴾ أيْ: أنا رَسُولٌ داعٍ والحالُ أنِّي ما ﴿أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ: الدُّعاءُ ﴿مِن أجْرٍ﴾ فَتَتَّهِمُونِي بِهِ ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾

26:128Page 372

أَتَبۡنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةٗ تَعۡبَثُونَ ١٢٨

Do you construct on every elevation a sign,1 amusing yourselves,

ولَمّا فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ إلى الأصْلِ، وهو الإيمانُ بِالرَّسُولِ والمُرْسَلِ، أتْبَعَهُ إنْكارَ بَعْضِ ما هم عَلَيْهِ مِمّا أوْجَبَهُ الكُفْرُ، وأوْجَبَ الِاشْتِغالُ بِهِ الثَّباتَ عَلى الغَيِّ، واعِظًا لَهم [بِما] كانَ لِمَن قَبْلَهم مِنَ الهَلاكِ، مُقَدَّمَةً عَلى زِيادَةِ التَّأْكِيدِ في التَّقْوى والطّاعَةِ لِأنَّ حالَهم حالُ النّاسِي لِذَلِكَ الطُّوفانِ، الَّذِي أهْلَكَ الحَيَوانَ، وهَدَمَ البُنْيانَ فَقالَ: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ أيْ: مَكانٍ مُرْتَفِعٍ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرِّيعُ الطَّرِيقُ. وقالَ مُجاهِدٌ: الفَجُّ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وقِيلَ: السَّبِيلُ سُلِكَ أمْ لَمْ يُسْلَكْ. وأصْلُهُ في اللُّغَةِ: الزِّيادَةُ،

﴿آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً عَلى شِدَّتِكم لِأنَّهُ لَوْ كانَ لِهِدايَةٍ أوْ نَحْوِها لَكَفى بَعْضَ الأرْياعِ دُونَ كُلِّها.

ولَمّا كانَ إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى قُوَّتِهِمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ قَلِيلَ الجَدْوى عِنْدَ التَّأمُّلِ، قالَ: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ والعاقِلُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَصُونَ أوْقاتَهُ النَّفِيسَةَ (p-٧٠)عَنِ العَبَثِ الَّذِي لا يَكُونُ سَبَبَ نَجاتِهِ، وكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَنِ المَوْتُ مِن ورائِهِ.

26:129Page 372

وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمۡ تَخۡلُدُونَ ١٢٩

And take for yourselves constructions [i.e., palaces and fortresses] that you might abide eternally?

ولَمّا كانَ مَن يَمُوتُ لا يَنْبَغِي لَهُ إنْكارُ المَوْتِ بِفِعْلٍ ولا قَوْلٍ قالَ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ﴾ أيْ: أشْياءَ [بِأخْذِ الماءِ، أوْ قُصُورًا مُشَيَّدَةً وحُصُونًا] تَصْنَعُونَها، هي في إحْكامِها بِحَيْثُ تَأْكُلُ الدَّهْرَ قُوَّةً وثَباتًا، فَلا يَبْنِيها إلّا مَن حالُهُ حالُ الرّاجِي لِلْخُلُودِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ وهو مَعْنى ما في البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن تَفْسِيرِها بِكَأنَّكم.

26:130Page 372

وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ ١٣٠

And when you strike, you strike as tyrants.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ عَمَلَهم عَمَلُ مَن لا يَخافُ المَوْتَ، أتْبَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَظُنُّونَ الجَزاءَ فَقالَ: ﴿وإذا بَطَشْتُمْ﴾ [أيْ]: بِأحَدٍ، أخَذْتُمُوهُ أخْذَ سَطْوَةٍ في عُقُوبَةٍ ﴿بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مُبالِينَ بِشَيْءٍ مِن قَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: والجَبّارُ الَّذِي يَضْرِبُ ويَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ.

26:131Page 372

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٣١

So fear Allāh and obey me.

ولَمّا خَوَّفَهم لِهَذا الإنْكارِ عِقابَ الجَبّارِ، تَسَبَّبَ عَنْهُ [أنْ] قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿وأطِيعُونِ﴾

26:132Page 372

وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعۡلَمُونَ ١٣٢

And fear He who provided you with that which you know,

ولَمّا كانَ ادِّكارُ الإحْسانِ مُوجِبًا لِلْإذْعانِ، قالَ مُرَغِّبًا في الزِّيادَةِ ومُرَهِّبًا مِنَ الحِرْمانِ: ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكُمْ﴾ أيْ: جَعَلَ لَكم مَدَدًا، (p-٧١)وهُوَ إتْباعُ الشَّيْءِ بِما يُقَوِّيهِ عَلى الِانْتِظامِ ﴿بِما تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ فِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ حَتّى تُعْذَرُوا في الغَفْلَةِ عَنْ تَقْيِيدِهِ بِالشُّكْرِ.

26:133Page 372

أَمَدَّكُم بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ ١٣٣

Provided you with grazing livestock and children

ولَمّا أجْمَلَ، فَصَّلَ لِيَكُونَ أكْمَلَ، فَقالَ: ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ﴾ أيْ: تُعِينُكم عَلى الأعْمالِ وتَأْكُلُونَ مِنها وتَبِيعُونَ، ولَمّا قَدَّمَ ما يُقِيمُ الأوَدَ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿وبَنِينَ﴾ أيْ: يُعِينُونَكم عَلى ما تُرِيدُونَ عِنْدَ العَجْزِ، .

26:134Page 372

وَجَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ١٣٤

And gardens and springs.

ثُمَّ أتْبَعَهُ ما يُحَصِّلُ كَمالَ العَيْشِ فَقالَ: ﴿وجَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ مُلْتَفَّةِ الأشْجارِ بِحَيْثُ تَسْتُرُ داخِلَها، وأشارَ إلى دَوامِ الرِّيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وعُيُونٍ﴾

26:135Page 372

إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣٥

Indeed, I fear for you the punishment of a terrible day."

ولَمّا كانُوا في إعْراضِهِمْ كَأنَّهم يَقُولُونَ: ما الَّذِي تُبْقِيهِ مِنهُ؟ قالَ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: لِأنَّكم قَوْمِي يَسُوءُنِي ما يَسُوءُكم إنْ تَمادَيْتُمْ عَلى المَعْصِيَةِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وتَعْظِيمُ اليَوْمِ أبْلَغُ مِن تَعْظِيمِ العَذابِ.

26:136Page 372

قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَوَعَظۡتَ أَمۡ لَمۡ تَكُن مِّنَ ٱلۡوَٰعِظِينَ ١٣٦

They said, "It is all the same to us whether you advise or are not of the advisors.

﴿قالُوا﴾ راضِينَ بِما عِنْدَهم مِن داءِ الإعْجابِ المُوقِعِ في كُلِّ ما عابَ،

﴿سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ﴾ أيْ: خَوَّفْتَ وحَذَّرْتَ وكُنْتَ عَلامَةَ زَمانِكَ في ذَلِكَ بِأنْ تَقُولَ مِنهُ ما لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى مِثْلِهِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ أيْ: مُتَأهِّلًا لِشَيْءٍ مِن رُتْبَةِ الرّاسِخِينَ في الوَعْظِ، [مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ، مَذْكُورًا فِيما بَيْنَهم، فَهو أبْلَغُ مِن ”أمْ لَمْ تَعِظْ“ أوْ ”تَكُنْ واعِظًا“]، والوَعْظُ -كَما قالَ البَغَوِيُّ - كَلامٌ (p-٧٢)يُلِينُ القَلْبَ بِذِكْرِ الوَعْدِ والوَعِيدِ. والمَعْنى أنَّ الأمْرَ مُسْتَوٍ في الحالَتَيْنِ في أنّا لا نُطِيعُكَ في شَيْءٍ؛ .

26:137Page 373

إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣٧

This is not but the custom of the former peoples,

ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿هَذا﴾ أيْ: الَّذِي جِئْتَنا بِهِ ﴿إلا خُلُقُ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وإسْكانِ اللّامِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ ﴿الأوَّلِينَ﴾ أيْ: كَذِبُهم، أوْ ما هَذا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ إلّا عادَةُ الأوَّلِينَ في حَياةِ ناسٍ ومَوْتِ آخَرِينَ، وعافِيَةِ قَوْمٍ وبَلاءِ آخَرِينَ، وعَلَيْهِ تَدَلُّ قِراءَةُ الباقِينَ بِضَمِّ الخاءِ واللّامِ.

26:138Page 373

وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ١٣٨

And we are not to be punished."

﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لِأنّا أهْلُ قُوَّةٍ وشَجاعَةٍ ونَجْدَةٍ وبَراعَةٍ.

26:139Page 373

فَكَذَّبُوهُ فَأَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩

And they denied him, so We destroyed them. Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا التَّكْذِيبَ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ أيْ: بِالرِّيحِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا تُذْكَرُ عِنْدَها عَظَمَتُهم، والقُوَّةُ الَّتِي بِها كانَتْ قُوَّتُهم ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: الإهْلاكِ في كُلِّ قَرْنٍ لِلْعاصِينَ والإنْجاءِ لِلطّائِعِينَ ﴿لآيَةً﴾ أيْ: عَظِيمَةً لِمَن بَعْدَهم عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ فاعِلٌ ذَلِكَ وحْدَهُ بِسَبَبِ أنَّهُ يُحِقُّ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ، وأنَّهُ مَعَ أوْلِيائِهِ ومَن كانَ مَعَهُ لا يُذِلُّ وعَلى أعْدائِهِ ومَن كانَ عَلَيْهِ لا يَعِزُّ ﴿وما كانَ أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرُ مَن كانَ بَعْدَهم ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ فَلا تَحْزَنْ أنْتَ عَلى مَن أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ.

26:140Page 373

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٤٠

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ وغَيْرِهِ مِنَ النِّعَمِ ﴿لَهُوَ العَزِيزُ﴾ في انْتِقامِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ في إنْعامِهِ وإكْرامِهِ وإحْسانِهِ، مَعَ عِصْيانِهِ وكُفْرانِهِ، وإرْسالِ المُنْذِرِينَ (p-٧٣)وتَأْيِيدِهِمْ بِالآياتِ المُعْجِزَةِ لِبَيانِ الطَّرِيقِ الأقْوَمِ، والمَنهَجِ الأسْلَمِ، فَلا يُهْلِكُ إلّا بَعْدَ الإعْذارِ بِأبْلَغِ الإنْذارِ؛ .

26:141Page 373

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٤١

Thamūd denied the messengers

ثُمَّ دَلَّ عَلى ذَلِكَ لِمَن قَدْ يَنْسى إذْ كانَ الإنْسانُ مَجْبُولًا عَلى النِّسْيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ وهم أهْلُ الحِجْرِ ﴿المُرْسَلِينَ﴾

26:142Page 373

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ صَٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٤٢

When their brother Ṣāliḥ said to them, "Will you not fear Allāh?

وأشارَ إلى زِيادَةِ التَّسْلِيَةِ بِمُفاجَأتِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ ولا تَوَقُّفٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿قالَ لَهم أخُوهُمْ﴾ أيْ: الَّذِي يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ وأمانَتَهُ، وشَفَقَتَهُ وصِيانَتَهُ ﴿صالِحٌ﴾ وأشارَ إلى تَلَطُّفِهِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ العَرْضِ: ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾

26:143Page 373

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٤٣

Indeed, I am to you a trustworthy messenger.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ عَرَضْتُ عَلَيْكم هَذا لِأنِّي مَأْمُورٌ بِذَلِكَ، وإلّا لَمْ أعْرِضْهُ عَلَيْكم ﴿أمِينٌ﴾ لا شَيْءَ مِنَ الخِيانَةِ عِنْدِي، بَلْ أنْصَحُ لَكم في إبْلاغِ جَمِيعِ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم مِن خالِقِكم، الَّذِي لا أحَدَ أرْحَمُ بِكم مِنهُ.

26:144Page 373

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٤٤

So fear Allāh and obey me.

ولَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ الرِّسالَةِ فَصارَ لَهُ عُذْرٌ في المُواجَهَةِ بِالأمْرِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: المَلِكَ الأعْلى الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ، ولَمّا ذَكَرَ الأمانَةَ قالَ: ﴿وأطِيعُونِ﴾

26:145Page 373

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٥

And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.

ولَمّا أثْبَتَ ما يُوجِبُ الإقْبالَ عَلَيْهِ، نَفى ما يَسْتَلْزِمُ عادَةَ الإدْبارِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ: إنِّي [لَكُمْ] كَذا والحالُ أنِّي ما ﴿أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أجْرٍ﴾ [ثُمَّ زادَ في تَأْكِيدِ هَذا (p-٧٤)النَّفْيِ بِقَوْلِهِ]: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿أجْرِيَ﴾ عَلى أحَدٍ ﴿إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، مِنهُ أطْلُبُ أنْ يُعْطِيَنِي كَما أعْطاهم.

26:146Page 373

أَتُتۡرَكُونَ فِي مَا هَٰهُنَآ ءَامِنِينَ ١٤٦

Will you be left in what is here, secure [from death],

ولَمّا ثَبَتَتِ الأمانَةُ، وانْتَفى مُوجِبُ الخِيانَةِ، شَرَعَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ أكْلَ خَيْرِهِ وعِبادَةَ غَيْرِهِ، فَقالَ مُخَوِّفًا لَهم مِن سَطَواتِهِ، ومُرَغِّبًا في المَزِيدِ مِن خَيْراتِهِ، مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ إخْلادَهم إلى شَهْوَةِ البَطْنِ، واسْتِنادَهم إلى الرَّفاهِيَةِ والرِّضى بِالفانِي: ﴿أتُتْرَكُونَ﴾ [أيْ: ] مِن أيْدِي النَّوائِبِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ ﴿فِي ما ها هُنا﴾ أيْ: في بِلادِكم هَذِهِ مِنَ النِّعَمِ حالَ كَوْنِكم ﴿آمِنِينَ﴾ أيْ: أنْتُمْ تُبارِزُونَ المَلِكَ القَهّارَ بِالعَظائِمِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском