Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:23–31
28:23Page 388
وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ ٢٣
And when he came to the water [i.e., well] of Madyan, he found there a crowd of people watering [their flocks], and he found aside from them two women holding back [their flocks]. He said, "What is your circumstance?" They said, "We do not water until the shepherds dispatch [their flocks]; and our father is an old man."
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَوَصَلَ إلى المَدِينَةِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَمّا ورَدَ﴾ أيْ: حَضَرَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حُضُورَ مَن يَشْرَبُ ﴿ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: الَّذِي يَسْتَقِي مِنها الرِّعاءُ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الماءِ ﴿أُمَّةً﴾ أيْ: جَماعَةً كَثِيرَةً هم أهْلٌ لِأنْ يُقْصَدُوا ويُقْصَدُوا، فَلِذَلِكَ هم عالُونَ غالِبُونَ عَلى الماءِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ نَوْعَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النّاسِ﴾ وبَيَّنَ عَمَلَهم أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْقُونَ﴾ أيْ: مَواشِيَهم، وحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ، والمُرادُ الفِعْلُ، وكَذا ما بَعْدَهُ فَإنَّ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ تَكُنْ لِكَوْنِ المُذَوَّدِ والمَسْقِيِّ غَنَمًا بَلْ مُطْلَقُ الذِّيادِ وتَرْكُ السَّقْيِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: وِجْدانًا مُبْتَدِئًا مِن أدْنى مَكانٍ مِن مَكانِهِمُ الآتِي إلى الماءِ ﴿امْرَأتَيْنِ﴾ عَبَّرَ بِذَلِكَ لَمّا جَعَلَ لَهُما سُبْحانَهُ مِنَ المُرُوءَةِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ كَما يَعْلُمُهُ مَن أمْعَنَ النَّظَرَ فِيما يَذْكُرُ عَنْها ﴿تَذُودانِ﴾ أيْ: تُوجِدانِ الذَّوْدَ، وهو الكَفُّ والمَنعُ والطَّرْدُ وارْتِكابُ أخَفِّ (p-٢٦٥)الضَّرَرَيْنِ، فَتَكُفّانِ أغْنامَهُما إذا نَزَعَتْ مِنَ العَطَشِ إلى المَلَأِ لِئَلّا تُخْلَطُ بِغَنَمِ النّاسِ.
ولَمّا كانَ هَذا حالًا مُوجِبًا لِلسُّؤالِ عَنْهُ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُما؟ قِيلَ: ﴿قالَ﴾ [أيْ: ] مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَحْمَةً لَهُما: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ أيْ: خَبَرُكُما ومَخْطُوبُكُما أيْ: مَطْلُوبُكُما، وهو كالتَّعْبِيرِ بِالشَّأْنِ عَنِ المَشْؤُونِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يَقَعَ فِيهِ التَّخاطُبُ لِعِظَمِهِ، في ذِيادِكُما لِأغْنامِكُما عَنِ السَّقْيِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: والسُّؤالُ بِالخَطْبِ إنَّما يَكُونُ في مَصابِّ أوْ مُضْطَهَدٍ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ سُؤالَهُ عَنِ العِلَّةِ ﴿قالَتا﴾ [أيْ: ] اعْتِذارًا عَنْ حالِهِما ذَلِكَ؛ وتَلْوِيحًا بِاحْتِياجِهِما إلى المُساعَدَةِ: ﴿لا﴾ [أيْ: ] خَبِّرْنا أنّا لا ﴿نَسْقِي﴾ أيْ: مَواشِيَنا، وحَذَفَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ ﴿حَتّى يُصْدِرَ﴾ أيْ: يَنْصَرِفُ ويَرْجِعُ ﴿الرِّعاءُ﴾ أيْ: عَنِ الماءِ لِئَلّا يُخالِطَهم - هَذا عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ بِفَتْحِ الياءِ [وضَمِّ الدّالِ] ثُلاثِيًّا- والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِالضَّمِّ والكَسْرِ: يُوجِدُوا الرَّدَّ والصَّرْفَ. (p-٢٦٦)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِأنّا مِنَ النِّساءِ، وكانَ المَقامُ يَقْتَضِي لِصِغَرِ سِنِّهِما أنَّ لَهُما أبًا، وأنْ لا إخْوَةَ لَهُما وإلّا لَكَفَوْهُما ذَلِكَ، عَطَفَتا عَلى هَذا المُقَدَّرِ قَوْلَهُما: ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ أيْ: لا يَسْتَطِيعُ لِكِبَرِهِ أنْ يَسْقِيَ، فاضْطَرَرْنا إلى ما تَرى، وهَذا اعْتِذارٌ أيْضًا عَنْ كَوْنِ أبِيهِما أرْسَلَهُما لِذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ، فَلا يَأْباهُ الدِّينُ، والنّاسُ مُخْتَلِفُونَ في ذَلِكَ بِحَسَبِ المُرُوءَةِ، وعاداتُهم فِيها مُتَبايِنَةٌ وأحْوالُ العَرَبِ والبَدْوِ تَبايُنَ أحْوالِ العَجَمِ والحَضَرِ، لا سِيَّما إذا دَعَتْ إلى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ.
28:24Page 388
فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ ٢٤
So he watered [their flocks] for them; then he went back to the shade and said, "My Lord, indeed I am, for whatever good You would send down to me, in need."
﴿فَسَقى﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لَهُما﴾ لَمّا عَلِمَ ضَرُورَتَهُما، انْتِهازًا لِفُرْصَةِ الأجْرِ وكَرَمِ الخُلُقِ في مُساعَدَةِ الضَّعِيفِ، مَعَ ما بِهِ مِنَ النَّصَبِ والجُوعِ ﴿ثُمَّ تَوَلّى﴾ أيْ: انْصَرَفَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جاعِلًا ظَهْرَهُ يَلِي ما كانَ يَلِيهِ وجْهَهُ ﴿إلى الظِّلِّ﴾ أيْ: لِيُقِيلَ تَحْتَهُ ويَسْتَرِيحَ، مُقْبِلًا عَلى الخالِقِ بَعْدَ ما قَضى مِن نَصِيحَةِ الخَلائِقِ، وعَرَّفَهُ لِوُقُوعِ العِلْمِ بِأنَّ بُقْعَةً لا تَكادُ تَخْلُو مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ ولا سِيَّما أماكِنُ المِياهِ ﴿فَقالَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ في الشَّكْوى إلى المَوْلى العَلِيِّ الغَنِيِّ المُطْلَقِ نَقْصٌ ﴿رَبِّ﴾
ولَمّا كانَ حالُهُ في عَظِيمِ صَبْرِهِ حالَهُ مَن لا يَطْلُبُ، أكَّدَّ سُؤالَهُ إعْلامًا بِشَدِيدِ تَشَوُّقِهِ لَمّا سَألَ فِيهِ وزِيادَةً في التَّضَرُّعِ والرِّقَّةِ، فَقالَ: (p-٢٦٧)﴿إنِّي﴾ ولْأكَدِ الِافْتِقارِ بِالإلْصاقِ بِاللّامِ دُونَ ”إلى“ فَقالَ: ﴿لِما﴾ أيْ: لِأيِّ شَيْءٍ. ولَمّا كانَ الرِّزْقُ الآتِي إلى الإنْسانِ مُسَبِّبًا عَنِ القَضاءِ الآتِي عَنِ العَلِيِّ الكَبِيرِ، عَبَّرَ بِالإنْزالِ وعَبَّرَ بِالماضِي تَعْمِيمًا لِحالَةِ الِافْتِقارِ، وتَحَقُّقًا لِإنْجازِ الوَعْدِ بِالرِّزْقِ فَقالَ: ﴿أنْـزَلْتَ﴾ ولَعَلَّهُ حَذَفَ العائِدَ اخْتِصارًا لِما بِهِ مِنَ الإعْياءِ ﴿إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ أيْ: ولَوْ قَلَّ ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مَضْرُورٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الضُّرِّ أنِ اخْضَرَّ بَطْنُهُ مِن أكْلِ البَقْلِ وضَعُفَ حَتّى لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ. فانْظُرْ إلى هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ في حالِهِما في ذاتِ يَدِهِما، وهُما خُلاصَةُ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِيَكُونَ لَكَ في ذَلِكَ أُسْوَةٌ، وتَجْعَلَهُ إمامًا وقُدْوَةً، وتَقُولَ: يا بِأبِي وأُمِّي! ما لَقِيَ الأنْبِياءُ والصّالِحُونَ مِنَ الضِّيقِ والأهْوالِ في سِجْنِ الدُّنْيا، صَوْنًا لَهم مِنها وإكْرامًا مِن رَبِّهِمْ عَنْها، رِفْعَةً لِدَرَجاتِهِمْ عِنْدَهُ، واسْتِهانَةً لَها وإنْ ظَنَّهُ الجاهِلُ المَغْرُورُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وفي القِصَّةِ تَرْغِيبٌ في الخَيْرِ، وحَثٌّ عَلى المُعاوَنَةِ عَلى البِرِّ، وبَعْثٌ عَلى بَذْلِ المَعْرُوفِ مَعَ الجُهْدِ.
28:25Page 388
فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥
Then one of the two women came to him walking with shyness. She said, "Indeed, my father invites you that he may reward you for having watered for us." So when he came to him1 and related to him the story, he said, "Fear not. You have escaped from the wrongdoing people."
ولَمّا كانَ سَماعُهُما لِقَوْلِهِ هَذا مَعَ إحْسانِهِ إلَيْهِما سَبَبًا لِدُعاءِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ، قالَ بانِيًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَذَهَبَتِ المَرْأتانِ إلى أبِيهِما فَحَدَّثَتاهُ بِخَبَرِهِما [و]بِإحْسانِهِ إلَيْهِما، فَأمَرَ بِدُعائِهِ لِيُكافِئَهُ: ﴿فَجاءَتْهُ﴾ أيْ: بِسَبَبِ قَوْلِ الأبِ وعَلى الفَوْرِ ﴿إحْداهُما﴾ أيْ: المَرْأتَيْنِ (p-٢٦٨)حالَ كَوْنِها ﴿تَمْشِي﴾ ولَمّا كانَ الحَياءُ كَأنَّهُ مَرْكَبٌ لَها وهي مُتَمَكِّنَةٌ مِنهُ، مالِكَةٌ لِزِمامِهِ، عَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ أيْ: حَياءٍ مَوْجُودٍ مِنها لِأنَّها كُلِّفَتِ الإتْيانَ إلى رَجُلٍ أجْنَبِيٍّ تُكَلِّمُهُ وتُماشِيهِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَمّا تَشَوَّفَ إلَيْهِ السّامِعُ مِن أمْرِها فَقالَ: ﴿قالَتْ﴾ وأكَّدَتْ إعْلامًا بِما لِأبِيها مِنَ الرَّغْبَةِ إلى لِقائِهِ في قَوْلِها: ﴿إنَّ أبِي﴾ وصَوَّرَتْ حالَهُ بِالمُضارِعِ فَقالَتْ: ﴿يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ﴾ أيْ: يُعْطِيكَ مُكافَأةً لَكَ، لِأنَّ المُكافَأةَ مِن شِيَمِ الكِرامِ، وقَبُولُها لا غَضاضَةَ فِيهِ ﴿أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ: مَواشِيَنا، فَأسْرَعَ الإجابَةَ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلاءَمَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلَمّا﴾ بِالفاءِ ﴿جاءَهُ﴾ أيْ: مُوسى شُعَيْبًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وقَصَّ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: شُعَيْبٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿القَصَصَ﴾ أيْ: حَدَّثَهُ حَدِيثَهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وآلِهِ في كُفْرِهِمْ وطُغْيانِهِمْ وإذْلالِهِمْ لِعِبادِ اللَّهِ، وتَتَبَّعَ لَهُ الأُمُورَ عَلى ما هي عَلَيْهِ لَمّا تَوَسَّمَ فِيهِ بِما آتاهُ اللهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ مِنَ النَّصِيحَةِ والشَّفَقَةِ، والعِلْمِ والحِكْمَةِ، والجَلالِ والعَظَمَةِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا عِيشَةَ لِخائِفٍ، فَكانَ أهَمَّ ما إلى الإنْسانِ الأمانُ، قَدَّمَ لَهُ التَّأْمِينَ بِأنْ ﴿قالَ﴾ أيْ: شُعَيْبٌ لَهُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿لا تَخَفْ﴾ [أيْ: ] فَإنَّ فِرْعَوْنَ لا سُلْطانَ لَهُ (p-٢٦٩)عَلى ما هَهُنا، ولِأنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى [جَرَتْ] أنَّ تَواضُعَكَ هَذا ما كانَ في أحَدٍ إلّا قَضى اللَّهُ بِرِفْعَتِهِ، ولِذَلِكَ كانَتِ النَّتِيجَةُ: ﴿نَجَوْتَ﴾ أيْ: يا مُوسى ﴿مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: هو وغَيْرُهُ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ والعَراقَةِ في الظُّلْمِ.
28:26Page 388
قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ ٢٦
One of the women said, "O my father, hire him. Indeed, the best one you can hire is the strong and the trustworthy."
ولَمّا اقْتَضى هَذا القَوْلُ أنَّهُ آواهُ إلَيْهِ، عَلِمَتِ ابْنَتاهُ مَضْمُونَهُ، وكانَتا قَدْ رَأتا مِن كِفايَتِهِ ودِيانَتِهِ ما يُرَغِّبُ في عِشْرَتِهِ، فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى حالِهِما حِينَئِذٍ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا لِذَلِكَ: ﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ أيْ: المَرْأتَيْنِ. قِيلَ: وهي الَّتِي دَعَتْهُ إلى أبِيها مُشِيرَةً [بِالنِّداءِ] بِأداةِ البُعْدِ إلى اسْتِصْغارِها لِنَفْسِها وجَلالَةِ أبِيها: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ لِيَكْفِيَنا ما يُهِمُّنا؛ ثُمَّ عَلَّلَتْ قَوْلَها فَقالَتْ مُؤَكِّدَةً إظْهارًا لِرَغْبَتِها في الخَيْرِ واغْتِباطِها بِهِ: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ﴾ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿القَوِيُّ﴾ وهو هَذا لِما رَأيْناهُ مِن قُوَّتِهِ في السَّقْيِ ﴿الأمِينُ﴾ لِما تَفَرَّسْنا فِيهِ مِن حَيائِهِ، وعِفَّتِهِ في نَظَرِهِ ومَقالِهِ وفِعالِهِ، وسائِرِ أحْوالِهِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وقَوْلُها قَوْلُ حَكِيمٍ جامِعٍ، لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الأمانَةُ والكِفايَةُ في القائِمِ بِأمْرٍ فَقَدْ تَمَّ المَقْصُودُ.
28:27Page 388
قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧
He said, "Indeed, I wish to wed you one of these, my two daughters, on [the condition] that you serve me for eight years; but if you complete ten, it will be [as a favor] from you. And I do not wish to put you in difficulty. You will find me, if Allāh wills, from among the righteous."
﴿قالَ﴾ [أيْ: ] شُعَيْبٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو في التَّوْراةِ يُسَمّى: رَعُوئِيلَ - بِفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّ العَيْنِ (p-٢٧٠)المُهْمَلَةِ وإسْكانِ الواوِ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها تَحْتانِيَّةٌ ساكِنَةٍ ولامٍ، ويِثْرُو - بِفَتْحِ التَّحْتانِيَّةِ وإسْكانِ المُثَلَّثَةِ وضَمِّ الرّاءِ المُهْمَلَةِ وإسْكانِ الواوِ- ﴿إنِّي أُرِيدُ﴾ يا مُوسى، والتَّأْكِيدُ لِأجْلِ أنَّ الغَرِيبَ قَلَّ ما يُرْغَبُ فِيهِ أوَّلَ ما يَقْدُمُ لا سِيَّما مِنَ الرُّؤَساءِ أتَمَّ الرَّغْبَةِ ﴿أنْ أُنْكِحَكَ﴾ أيْ: أُزَوِّجَكَ زَواجًا، تَكُونُ وُصْلَتُهُ كَوُصْلَةِ أحَدِ الحَنَكَيْنِ بِالآخَرِ ﴿إحْدى ابْنَتَيَّ﴾
ولَمّا كانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُنْكَحَ مِنهُما غَيْرَ المَسْقِيِّ لَهُما، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هاتَيْنِ﴾ أيْ: الحاضِرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَقَيْتَ لَهُما، لِيَتَأمَّلَهُما فَيَنْظُرَ مَن يَقَعُ اخْتِيارُهُ عَلَيْها مِنهُما لِيَعْقِدَ لَهُ عَلَيْها ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ أيْ: تَجْعَلَ نَفْسَكَ أجِيرًا عِنْدِي أوْ تَجْعَلَ أجْرِي عَلى ذَلِكَ وثَوابِي ﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ جَمْعُ حِجَّةٍ بِالكَسْرِ- أيْ: سِنِينَ، أيْ: العَمَلُ فِيها بِأنْ تَكُونَ أجِيرًا لِي أسْتَعْمِلُكَ فِيما يَنُوبُنِي مِن رَعِيَّةِ الغَنَمِ وغَيْرِها، وآجَرَهُ - بِالمَدِّ والقَصْرِ- مِنَ الأجْرِ والإيجارِ، وكَذَلِكَ أجَرَ الأجِيرَ والمَمْلُوكَ وآجَرَهُ: أعْطاهُما أجْرَهُما ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ﴾ أيْ: الثَّمانِيَ بِبُلُوغِ العَقْدِ بِأنْ تَجْعَلَها ﴿عَشْرًا﴾ أيْ: عَشْرَ سِنِينَ ﴿فَمِن﴾ أيْ: فَذَلِكَ فَضْلٌ مِن ﴿عِنْدِكَ﴾ (p-٢٧١)غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْكَ، وكانَ تَعْيِينُ الثَّمانِي لِأنَّها - إذا أُسْقِطَتْ مِنها مُدَّةُ الحَمْلِ - أقَلُّ سِنٍّ يُمَيِّزُ فِيهِ الوَلَدُ غالِبًا، والعَشَرُ أقَلُّ ما يُمْكِنُ فِيهِ البُلُوغُ، لِيَنْظُرَ سِبْطَهُ إنْ قَدَرَ فَيَتَوَسَّمُ فِيهِ بِما يَرى مِن قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، والتَّعْبِيرِ بِما هو مِنَ الحَجِّ الَّذِي هو القَصْدُ تَفاؤُلًا بِأنَّها تَكُونُ مِن طِيبِها بِمُتابَعَةِ أمْرِ اللَّهَ وسَعَةِ رِزْقِهِ وإفاضَةِ نِعَمِهِ ودَفْعِ نِقَمِهِ أهْلًا لِأنْ تُقْصَدَ أوْ يَكُونَ فِيها الحَجُّ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها إلى بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ.
ولَمّا ذَكَرَ لَهُ هَذا، أرادَ أنْ يُعْلِمَهُ أنَّ الأمْرَ بَعْدَ الشَّرْطِ بَيْنَهُما عَلى المُسامَحَةِ فَقالَ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أيْ: أُدْخِلَ عَلَيْكَ مَشَقَّةً في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا غَيْرِهِ لازِمٌ أوْ غَيْرُ لازِمٍ؛ ثُمَّ أكَّدَ مَعْنى المُساهَلَةِ بِتَأْكِيدِ وعْدِ المُلاءَمَةِ فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ ثُمَّ اسْتَثْنى عَلى قاعِدَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ وأنْبِيائِهِ في المُراقَبَةِ عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ فَقالَ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتَ وكُلِّ ما تُرِيدُ مِن خَيْرٍ.
28:28Page 388
قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٢٨
[Moses] said, "That is [established] between me and you. Whichever of the two terms I complete - there is no injustice to me, and Allāh, over what we say, is Witness."
﴿قالَ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ الخِيارِ وغَيْرِهِ ﴿بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ أيْ: كائِنٌ بَيْنَنا عَلى حُكْمِ النَّصَفَةِ والعَدْلِ والسَّواءِ عَلى ما ألْزَمَتْنِي بِهِ لازِمًا، وما أشَرْتَ (p-٢٧٢)إلى التَّفَضُّلِ بِهِ إحْسانًا، وعَلَيْكَ ما ألْزَمْتَ بِهِ نَفْسَكَ فَرْضًا وفَضْلًا؛ ثُمَّ بَيَّنَ وفَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ﴾ أيْ: أيَّ أجْلٍ مِنهُما: الثَّمانِي أوِ العَشْرِ ﴿قَضَيْتُ﴾ أيْ: عَمِلْتَ العَمَلَ المَشْرُوطَ عَلَيَّ فِيهِ خَرَجْتَ بِهِ مِنَ العُهْدَةِ ﴿فَلا عُدْوانَ﴾ أيْ: اعْتِداءَ بِسَبَبِ ذَلِكَ لَكَ ولا لِأحَدٍ ﴿عَلَيَّ﴾ [أيْ: ] في طَلَبٍ أكْثَرَ مِنهُ لِأنَّهُ كَما لا تَجِبُ عَلى الزِّيادَةِ [عَلى العَشْرِ لا تَجِبُ عَلَيَّ] الزِّيادَةُ عَلى الثَّمانِ، وكَأنَّهُ أشارَ بِنَفْيِ صِيغَةِ المُبالَغَةِ إلى أنَّهُ لا يُؤاخَذُ لِسَعَةِ صَدْرِهِ وطَهارَةِ أخْلاقِهِ بِمُطْلَقِ العَدُوِّ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿عَلى ما نَقُولُ﴾ أيْ: كُلُّهُ في هَذا الوَقْتِ وغَيْرِهِ ﴿وكِيلٌ﴾ أيْ: شاهِدٌ وحَفِيظٌ قاهِرٌ عَلَيْهِ ومُلْزِمٌ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَما الظَّنُّ بِما وقَعَ بَيْنَنا مِنَ العَهْدِ مِنَ النِّكاحِ والأجْرِ والأجَلِ.
28:29Page 389
۞ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٢٩
And when Moses had completed the term and was traveling with his family, he perceived from the direction of the mount a fire. He said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire. Perhaps I will bring you from there [some] information or burning wood from the fire that you may warm yourselves."
ذَكَرَ مَضْمُونَ هَذا مِنَ التَّوْراةِ: قالَ في أوَّلِ السَّفَرِ الثّانِي مِنها: وهَذِهِ أسْماءُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ دَخَلُوا مِصْرَ مَعَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، دَخَلَ كُلُّ امْرِئٍ وأهْلِ بَيْتِهِ رُوبِيلَ وشَمْعُونَ ولاوِي ويَهُوذا وإيساخارَ وزِيلُونَ وبِنْيامِينَ ودانَ ونَفَتالِي وجادَ وأُشِيرَ، وكانَ عَدَدُ ولَدِ (p-٢٧٣)يَعْقُوبَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَن صُلْبِهِ سَبْعِينَ نَفْسًا مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي كانَ بِمِصْرَ، فَتُوُفِّيَ يُوسُفُ وجَمِيعُ إخْوَتِهِ وجَمِيعُ ذَلِكَ الحُقَبِ، وبَنُو إسْرائِيلَ نَمَوْا ووَلَدُوا وكَثُرُوا واعْتَزُّوا جِدًّا جِدًّا، وامْتَلَأتِ الأرْضُ مِنهم، فَمَلَكَ عَلى مِصْرَ مَلِكٌ جَدِيدٌ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُفَ فَقالَ لِشَعْبِهِ: هَذا شَعْبُ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ كَثُرَ عَدَدُهم فَهم أكْثَرُ وأعَزُّ مِنّا، هَلُمُّوا نَحْتالُ لَهم قَبْلَ أنْ يَكْثُرُوا، لَعَلَّ أعْداءَنا يَأْتُونا يُقاتِلُونا فَيَكُونُوا عَوْنًا، لِأعْدائِنا عَلَيْنا فَيُخْرِجُونا مِنَ الأرْضِ، فَوَلّى عَلَيْهِمْ وُلاةً ذَوِي فَظاظَةٍ وقَساوَةٍ لِيَتَعَبَّدُوهم، وجَعَلُوا يَبْنُونَ قُرًى لِأجْرانِ فِرْعَوْنَ وأهْرائِهِ وفي نُسْخَةٍ: وبَنَوْا لِفِرْعَوْنَ مُدُنًا مُحَصَّنَةً فَيَسْتَرِمُّ في الفَيُّومَ وفي عَيْنِ شَمْسٍ، وفي نُسْخَةٍ: فَيْثُومُ ورُعْمَسَيْسُ، وفي نُسْخَةٍ: وأكْوانُ الَّتِي هي مَدِينَةُ الشَّمْسِ، واشْتَدَّ تَعَبُّدُهم لَهم، وذُلُّهم إيّاهم، وكانُوا يَزْدادُونَ كَثْرَةً ويَعْتَزُّونَ، فاشْتَدَّ غَمُّهم وحُزْنُهم بِسَبَبِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ المِصْرِيُّونَ يَتَعَبَّدُونَ بَنِي إسْرائِيلَ بِشِدَّةٍ وقَساوَةٍ، ويَمُرُّونَ حَياتَهم بِالكَدِّ والتَّعَبِ الصَّعْبِ الشَّدِيدِ بِالطِّينِ وعَمَلِ اللَّبِنِ وفي كُلِّ عَمَلِ الحَقْلِ، وكانَ تَعَبُّدُهم (p-٢٧٤)إيّاهم في جَمِيعِ ما اسْتَعْمَلُوهم بِالشِّدَّةِ والفَظاظَةِ والقَسْوَةِ، فَقالَ مَلِكُ مِصْرَ: [وجَعَلْنا] لِقَوابِلِ العِبْرانِيّاتِ الَّتِي تُسَمّى إحْداهُما فُوعا والأُخْرى شُوفَرا، وأمْرَهُما: إذا أنْتُما قَبِلْتُما العِبْرانِيّاتِ فانْظُرا إذا سَقَطَ الوَلَدُ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا فاقْتُلاهُ، وإنْ كانَتْ أُنْثى فاسْتَبْقَياها فاتَّقَتِ القابِلَتانِ اللَّهَ ولَمْ يَفْعَلا ما أمَرَهُما بِهِ مَلِكُ مِصْرَ، وجَعَلَتا تَسْتَحْيِيانِ الغِلْمانَ، فَدَعا مَلِكُ مِصْرَ القابِلَتَيْنِ وقالَ لَهُما؟ ما بالُكُما؟ جاوَزْتُما أمْرِي وأحْيَيْتُما الغِلْمانَ؟ فَقالَتا لِفِرْعَوْنَ: إنِ العِبْرانِيّاتِ لَسْنَ كالمِصْرِيّاتِ لِأنَّهُنَّ قَوابِلُ، ويَلِدْنَ قَبْلَ أنْ تَدْخُلَ القابِلَةُ عَلَيْهِنَّ، فَأحْسَنَ اللَّهُ إلى القابِلَتَيْنِ لِصُنْعِهِما هَذا، فَكَثُرَ الشَّعْبُ وعَزَّ جِدًّا، فَلَمّا اتَّقَتِ القابِلَتانِ اللَّهَ أنْماهُما وجَعَلَ لَهُما بَنِينَ، وفي نُسْخَةٍ: بُيُوتًا، فَأمَرَ فِرْعَوْنُ جَمِيعَ قَوْمِهِ قائِلًا: كُلُّ غُلامٍ يُولَدُ لَهم فَألْقَوْهُ في النَّهْرِ، وكُلُّ جارِيَةٍ تُولَدُ فاسْتَبْقُوها، فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِن آلِ لاوِي فَتَزَوَّجَ إحْدى بَناتِ لاوِي، فَحَبِلَتِ المَرْأةُ فَوَلَدَتِ ابْنًا فَرَأتْهُ حَسَنًا جِدًّا، فَغَيَّبَتْهُ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ ولَمْ تَقْدِرْ أنْ تُغَيِّبَهُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، فَأخَذَتْ تابُوتًا مِن خَشَبِ الصَّنَوْبَرِ، وطَلَتْهُ بِالقارِ والزِّفْتِ (p-٢٧٥)ووَضَعَتْ فِيهِ الغُلامَ ووَضَعَتْهُ في الضَّحْضاحِ عَلى شاطِئِ النَّهْرِ، وقامَتْ أُخْتُهُ مِن بَعِيدٍ لِتَنْظُرَ ما يَكُونُ مِن أمْرِهِ، فَخَرَجَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ تَغْتَسِلُ في النَّهْرِ، فَنَظَرَتْ إلى التّابُوتِ في المَخاضَةِ، فَأرْسَلَتْ جَوارِيَها فَأتَوْا بِهِ فَفَتَحَتْهُ فَرَأتِ الغُلامَ، فَإذا هو يَبْكِي فَرَحِمَتْهُ، وقالَتْ: هَذا مِن بَنِي العِبْرانِيِّينَ، فَقالَتْ أُخْتُهُ لِابْنَةِ فِرْعَوْنَ: هَلْ لَكِ أنْ أنْطَلِقَ أدْعُو لَكِ ظِئْرًا مِنَ العِبْرانِيّاتِ فَتُرْضِعُ هَذا الغُلامَ؟ فَقالَتْ لَها ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: نَعَمْ! انْطَلِقِي، فانْطَلَقَتِ الفَتاةُ ودَعَتْ أمَّ الغُلامِ، فَقالَتْ لَها ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: خُذِي هَذا الصَّبِيَّ فَأرْضِعِيهِ وأنا أُعْطِيكِ أُجْرَتَكِ، فَأخَذَتِ المَرْأةُ الغُلامَ فَأرْضَعَتْهُ فَشَبَّ الغُلامُ فَأتَتْ بِهِ إلى ابْنَةِ فِرْعَوْنَ فَتَبَنَّتْهُ، وسَمَّتْهُ مُوسى لِأنَّها قالَتْ: إنِّي انْتَشَلْتُهُ مِنَ الماءِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ تِلْكَ الأيّامِ نَشَأ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخَرَجَ إلى إخْوَتِهِ فَنَظَرَ إلى ذُلِّهِمْ، فَرَأى رَجُلًا مِصْرِيًّا يَضْرِبُ رَجُلًا عِبْرانِيًّا مِن إخْوَتِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فالتَفَتَ يَمِينًا وشِمالًا فَلَمْ يَرَ أحَدًا فَقَتَلَ المِصْرِيَّ، فَماتَ ودَفَنَهُ في الرَّمْلِ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا آخَرَ فَإذا هو بِرَجُلَيْنِ عِبْرانِيَّيْنِ يَصْطَحِبانِ، فَقالَ لِلْمُسِيءِ مِنهُما: ما بالُكَ؟ تَضْرِبُ أخاكَ؟ فَقالَ لَهُ: مَن جَعَلَكَ عَلَيْنا رَئِيسًا وحاكِمًا؟ لَعَلَّكَ تُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ المِصْرِيَّ أمْسِ؟ فَفَرِقَ مُوسى وقالَ: حَقًّا لَقَدْ فَشا هَذا الأمْرُ، فَبَلَغَ فِرْعَوْنَ الأمْرُ وأرادَ مُوسى، فَهَرَبَ مُوسى مِن فِرْعَوْنَ وانْطَلَقَ إلى أرْضِ (p-٢٧٦)مَدْيَنَ، وجَلَسَ عَلى طَوِيِّ الماءِ، وكانَ لِحَبْرِ مَدْيَنَ سَبْعُ بَناتٍ، فَكُنَّ يَأْتِينَ فَيُدِلْنَ الماءَ فَيَمْلَأْنَ الحِياضَ لِيَسْقِينَ غَنَمَ أبِيهِنَّ، وكانَ الرُّعاةُ يَأْتُونَ فَيَطْرُدُونَهُنَّ، فَقامَ مُوسى فَخَلَّصَهُنَّ وأسْقى غَنَمَهُنَّ، فَأتَيْنَ إلى رِعُوئِيلَ أبِيهِنَّ فَقالَ لَهُنَّ: ما بالُكُنَّ؟ أسْرَعْتُنَّ السَّقْيَ اليَوْمَ؟ فَقُلْنَ لَهُ: رَجُلٌ مِصْرِيٌّ خَلَّصَنا مِن أيْدِي الرُّعاةِ، فاسْتَقى لَنا الماءَ، وسَقى غَنَمَنا، فَقالَ لِبَناتِهِ: وأيْنَ هُوَ؟ لِمَ تَرَكْتُنَّ الرَّجُلَ، انْطَلِقْنَ وادْعُونَهُ فَيَأْكُلُ عِنْدَنا خُبْزًا، فَفَعَلْنَ ذَلِكَ، فَأعْجَبَ مُوسى أنْ يَنْزِلَ عَلى ذَلِكَ الرَّجُلِ فَزَوَّجَهُ صُفُورا ابْنَتَهُ فَتَزَوَّجَها فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا فَسَمّاهُ جَرْشُونَ، لِأنَّهُ قالَ: إنِّي صِرْتُ ساكِنًا في أرْضٍ غَرِيبَةٍ. ووَلَدَتْ لِمُوسى ابْنًا آخَرَ، فَسَمّاهُ الِيعازارَ، لِأنَّهُ قالَ: إنَّ إلَهَ آبائِي خَلَّصَنِي مِن حَرْبِ فِرْعَوْنَ.
وقَوْلُهُ: إنَّ المُتَخاصِمَيْنِ في اليَوْمِ الثّانِي عِبْرانِيّانِ، إنْ أمْكَنَ تَنْزِيلُ ما في القُرْآنِ عَلَيْهِ فَذاكَ، وإلّا فَهو مِمّا بَدَّلُوهُ، وقَوْلُهُ: إنَّ بَناتِ شُعَيْبٍ سَبْعٌ لا يُخالِفُ ما في القُرْآنِ الكَرِيمِ، بَلْ أيَّدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَعْيِينِهِما بِقَوْلِهِ ”هاتَيْنِ“ لَكِنَّ تَقَدُّمَ ما يُشِيرُ إلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَلَمّا التَزَمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ (p-٢٧٧)زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ كَما شَرَطَ، واسْتَمَرَّ عِنْدَهُ حَتّى قَضى ما عَلَيْهِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا قَضى﴾ أيْ: وفى وأتَمَّ، ونَهى وأنْفَذَ ﴿مُوسى﴾ صاحِبَهُ ﴿الأجَلَ﴾ أيْ: الأوْفى وهو العَشْرُ، بِأنْ وفّى جَمِيعَ ما شَرَطَ عَلَيْهِ مِنَ العَمَلِ، فَإنَّهُ ورَدَ أنَّهُ قَضى مِنَ الأجَلَيْنِ أوْفاهُما، وتَزَوَّجَ مِنَ المَرْأتَيْنِ صُغْراهُما، وهي الَّتِي جاءَتْ فَقالَتْ: ”يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ“ رَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ مَعْناهُ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا، والظّاهِرُ أنَّهُ مَكَثَ عِنْدَهُ بَعْدَ الأجَلِ أيْضًا مُدَّةً، لِأنَّهُ عَطَفَ بِالواوِ قَوْلَهُ: ﴿وسارَ﴾ ولَمْ يَجْعَلْهُ جَوابًا لِلَمّا ﴿بِأهْلِهِ﴾ أيْ: امْرَأةٍ راجِعًا إلى أقارِبِهِ بِمِصْرَ ﴿آنَسَ﴾ أيْ: أبْصَرَ ﴿مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ آنَسَتْهُ رُؤْيَتُها وشَرَحَتْهُ إنارَتُها، وكانَ مَضْرُورًا إلى الدَّلالَةِ عَلى الطَّرِيقِ والِاصْطِلاءِ بِالنّارِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا فَعَلَ عِنْدَما أبْصَرَها قِيلَ: ﴿قالَ لأهْلِهِ﴾ ولَمّا كانَ النِّساءُ أعْظَمَ ما يَنْبَغِي سِتْرُهُ، أطْلَقَ عَلَيْها ضَمِيرَ الذُّكُورِ فَقالَ: ﴿امْكُثُوا﴾ وإنْ كانَ مَعَهُ بَنِينَ لَهُ فَهو عَلى التَّغْلِيبِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا، لِاسْتِبْعادِ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ المَكانِ القَفْرِ وفي ذَلِكَ (p-٢٧٨)الوَقْتِ الشَّدِيدِ البَرْدِ نارٌ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا تَعْمَلُ بِها؟ فَقالَ مُعَبِّرًا بِالتَّرَجِّي لِأنَّهُ ألْيَقُ بِالتَّواضُعِ الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ، وهو الحَقِيقَةُ في إدْراكِ الآدَمِيِّينَ في مِثْلِ هَذا، ولِذا عَبَّرَ بِالجَذْوَةِ الَّتِي مَدارُ مادَّتِها الثَّباتُ: ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها﴾ أيْ: مِن عِنْدِها ﴿بِخَبَرٍ﴾ يَنْفَعُنا في الدَّلالَةِ عَلى المَقْصِدِ ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ أيْ: عُودٌ غَلِيظٌ ﴿مِنَ النّارِ﴾ أيْ: مُتَمَكِّنَةٌ مِنهُ هَذِهِ الحَقِيقَةُ أوِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ تُقَرِّبُوا مِنَ النّارِ فَتَنْعَطِفُوا عَلَيْها لِتَدْفَؤُوا، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الوَقْتَ كانَ شِتاءً.
28:30Page 389
فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ مِن شَٰطِيِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ فِي ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٠
But when he came to it, he was called from the right side of the valley in a blessed spot - from the tree,1 "O Moses, indeed I am Allāh, Lord of the worlds."
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ: النّارَ.
ولَمّا كانَ آخِرُ الكَلامِ دالًّا دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ دالًّا عَلى ما في أوَّلِ الأمْرِ مِنَ الخَفاءِ: ﴿نُودِيَ﴾ ولَمّا كانَ نِداؤُهُ سُبْحانَهُ لا يُشْبِهُ نِداءَ غَيْرِهِ بَلْ يَكُونُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ المَواضِعِ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ بِوَصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، إمّا بِأنْ يَكُونَ أوَّلَ السَّماعِ مِنهُ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ أوْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ كَوْنِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [فِيهِ] قالَ: ﴿مِن﴾ أيْ: (p-٢٧٩)كائِنًا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالقُرْبِ [مِن] ﴿شاطِئِ﴾ أيْ: جانِبِ ﴿الوادِ﴾ عَنْ يَمِينِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿الأيْمَنِ﴾ وهو صِفَةٌ لِلشّاطِئِ الكائِنِ أوْ كائِنًا ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ كائِنًا أوَّلَ أوْ مُعْظَمَ النِّداءِ أوْ كائِنًا مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [قَرِيبًا] ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ كَما تَقُولُ: نادَيْتُ فُلانًا مِن بَيْتِهِ، ولَعَلَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ كَبِيرَةً، فَلَمّا وصَلَ إلَيْها دَخَلَ النُّورُ مِن طَرَفِها إلى وسَطِها، فَدَخَلَها وراءَهُ بِحَيْثُ تَوَسَّطَها فَسَمِعَ - وهو فِيها - الكَلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً، وهو المُتَكَلِّمُ سُبْحانَهُ لا الشَّجَرَةُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ومُحَصِّلُ الإجْماعِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَمِعَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَلامَ اللَّهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ نِداءَ الشَّجَرَةِ لَكانَ المُتَكَلِّمُ الشَّجَرَةَ، وقالَ التَّفْتازانِيُّ شَرَحَ المَقاصِدَ أنَّ اخْتِيارَ حُجَّةِ الإسْلامِ أنَّهُ سَمِعَ كَلامَهُ الأزَلِيَّ بِلا صَوْتٍ ولا حَرْفٍ كَما تُرى ذاتُهُ في الآخِرَةِ، بِلا كَمٍّ ولا كَيْفٍ، وتَقَدَّمَ في طَهَ أنَّ المُرادَ ما إلى يَمِينِ المُتَوَجِّهِ مِن مِصْرَ إلى الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، والشَّجَرَةُ: قالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانَتْ سَمُرَةً خَضْراءَ تَبْرُقُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانَتْ عَوْسَجَةً، وقالَ وهْبٌ: مِنَ العَلِيقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّها العُنّابُ. ثُمَّ ذَكَرَ المُنادى بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يا مُوسى﴾ وأكَّدَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ (p-٢٨٠)لِعِظَمِهِ يَحْتَقِرُ كُلُّ أحَدٍ نَفْسَهُ لِأنْ يُؤَهِّلَهُ لِلْكَلامِ لا سِيَّما والأمْرُ في أوَّلِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِلْأسْماءِ الحُسْنى، والصِّفاتِ العُلى.
ولَمّا كانَ هَذا الِاسْمُ غَيْبًا، تَعَرَّفَ بِصِفَةٍ هي مَجْمَعُ الأفْعالِ المُشاهَدَةِ لِلْإنْسانِ فَقالَ: ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ: خالِقُ الخَلائِقِ أجْمَعِينَ ومُرَبِّيهِمْ.
28:31Page 389
وَأَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰٓ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡأٓمِنِينَ ٣١
And [he was told], "Throw down your staff." But when he saw it writhing as if it was a snake, he turned in flight and did not return.1 [Allāh said], "O Moses, approach and fear not. Indeed, you are of the secure.
﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أيْ: لِأُرِيَكَ فِيها آيَةً.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَصارَتْ في الحالِ حَيَّةً عَظِيمَةً، وهي مَعَ عِظَمِها في غايَةِ الخِفَّةِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا رَآها﴾ أيْ: العَصا ﴿تَهْتَزُّ كَأنَّها﴾ أيْ: في سُرْعَتِها وخِفَّتِها ﴿جانٌّ﴾ أيْ: حَيَّةٌ صَغِيرَةٌ ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ خَوْفًا مِنها ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى جِهَتِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ التَّصْمِيمِ عَلى الهَرَبِ والإسْراعِ فِيهِ خَوْفًا مِنَ الإدْراكِ في الطَّلَبِ فَقِيلَ لَهُ: ﴿يا مُوسى أقْبِلْ﴾ أيْ: التَفِتْ وتَقَدَّمْ إلَيْها ﴿ولا تَخَفْ﴾ ثُمَّ أكَّدَ لَهُ الأمْرَ لِما الآدَمِيُّ مَجْبُولٌ عَلَيْهِ مِنَ النَّفْرَةِ وإنِ اعْتَقَدَ صِحَّةَ الخَبَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ أيْ: العَرِيقَيْنِ في الأمْنِ كَعادَةِ إخْوانِكَ مِنَ المُرْسَلِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences