Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:62–75
28:62Page 393
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٦٢
And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"
ولَمّا كانَ اليَوْمُ وإنْ كانَ واحِدًا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أوْصافِهِ، بِما يَقَعُ في أثْنائِهِ وأضْعافِهِ، عَلى يَوْمِ القِيامَةِ [تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ، وتَعْظِيمًا لِخَطَرِهِ وشَرِّهِ، قَوْلُهُ مُقَرِّرًا لِعَجْزِ العِبادِ، عَنْ شَيْءٍ مِنَ الإباءِ في يَوْمِ العِبادِ]: (p-٣٣٣)﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ أيْ: يُنادِي اللَّهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُغْرُونَ [بَيْنَ] النّاسِ ويَصُدُّونَ عَنِ السَّبِيلِ، ويَتَعَلَّلُونَ في أمْرِ الإيمانِ، وتَوْحِيدُ المُحْسِنِ الدَّيّانِ ﴿فَيَقُولُ﴾ أيْ: اللَّهُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أيْ: مِنَ الأوْثانِ وغَيْرِهِمْ؛ ثُمَّ [بَيَّنَ] أنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ هَذا الِاسْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا أنْتُمْ عَرِيقُونَ فِيهِ ﴿تَزْعُمُونَ﴾ لِيَدْفَعُوا عَنْكم أوْ عَنْ أنْفُسِهِمْ.
28:63Page 393
قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغۡوَيۡنَآ أَغۡوَيۡنَٰهُمۡ كَمَا غَوَيۡنَاۖ تَبَرَّأۡنَآ إِلَيۡكَۖ مَا كَانُوٓاْ إِيَّانَا يَعۡبُدُونَ ٦٣
Those upon whom the word1 will have come into effect will say, "Our Lord, these are the ones we led to error. We led them to error just as we were in error. We declare our disassociation [from them] to You. They did not used to worship [i.e., obey] us."2
ولَمّا كانَ اسْمُ الشَّرِيكِ يَقَعُ عَلى مَن سِواهُ الإنْسانُ بِآخِرِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وكانَ الأتْباعُ قَدْ سَوَّوُا المَتْبُوعِينَ الَّذِينَ عَبَدُوهم مِنَ الشَّياطِينِ وغَيْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى في الخُضُوعِ لَهم، والطَّواعِيَةُ في عِبادَةِ الأوْثانِ، ومُعانَدَةُ الهُداةِ ومُعاداتِهِمْ، والصَّدِّ عَنْ أتْباعِهِمْ، فَكانَ اسْمُ الشَّرِيكِ مُتْناوِلًا لَهم، وكانَ بَطْشُ مَن وقَعَ الإشْراكُ بِهِ يَكُونُ أوَّلًا بِمَن عَدَّ نَفْسَهُ شَرِيكًا ثُمَّ بِمَن أنْزَلَهُ تِلْكَ المَنزِلَةِ، فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى مُبادَرَةِ الرُّؤَساءِ بِالجَوابِ خَوْفًا مِن حُلُولِ العِقابِ بِهِمْ وزِيادَتِهِمْ بِقِيادَتِهِمْ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: قالُوا: هَكَذا الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ إعْلامًا بِالوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ القَوْلَ فَقالَ: ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ﴾ أيْ: ثَبَتَ ووَجَبَ ﴿عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ: وقَعَ عَلَيْهِمْ مَعْنى هَذا الِاسْمِ وتَناوُلُهم، وهو العَذابُ المُتَوَعَّدُ بِهِ بِأعْظَمِ القَوْلِ، وهم أئِمَّةُ الكُفْرِ، وقادَةُ الجَهْلِ، بِإنْزالِهِمْ أنْفُسَهم مَنزِلَةَ الشُّرَكاءِ، وأفْهَمُ بِإسْقاطِ الأداةِ كَعادَةِ أهْلِ القُرْبِ والتَّعْبِيرِ بِوَصْفِ الإحْسانِ (p-٣٣٤)أنَّهم وصَلُوا بَعْدَ السَّماجَةِ والكِبْرِ إلى غايَةِ التَّرَقُّقِ والذُّلِّ، فَقالَ مُعَبِّرًا عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ﴾ إشارَةً إلى الأتْباعِ ﴿الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ أيْ: أوْقَعْنا الإغْواءَ وهو الإضْلالُ بِهِمْ بِما زَيَّنا لَهم مِنَ الأقْوالِ الَّتِي أعانَنا عَلى قَبُولِهِمْ أنَّها مِنّا، مَعَ كَوْنِها ظاهِرَةَ العَوارِ، واضِحَةَ العارِ، ما خَوَّلْتَنا فِيهِ في الدُّنْيا مِنَ الجاهِ والمالِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا ما يَظُنُّونَ أنَّهُ يَدْفَعُ عَنْهم فَقالُوا: ﴿أغْوَيْناهُمْ﴾ أيْ: فَغَوَوْا بِاخْتِيارِهِمْ ﴿كَما غَوَيْنا﴾ أيْ: نَحْنُ لَمّا أغْوانا بِما زُيِّنَ لَنا مِن فَوْقِنا حَتّى تَبِعْناهم، لَمْ يَكُنْ هُناكَ إكْراهٌ مِنًّا ولا إجْبارٌ، مَعَ ما أتاهم مِنَ الرُّسُلِ ولَهم مِنَ العُقُولِ، كَما غَوَيْنا نَحْنُ بِاخْتِيارِنا، لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ فَوْقَنا إجْبارٌ لَنا كَما قالَ إبْلِيسُ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ أوَّلًا ”فَغَوَوْا“ لِدَلالَةِ ﴿غَوَيْنا﴾ عَلَيْهِ، وثانِيًا ”لَمّا أغْوانا، مِن قَبْلِنا“ لِدَلالَةِ ﴿أغْوَيْناهُمْ﴾ عَلَيْهِ ومُرادُهم، بِقَوْلِهِمْ هَذا السَّفْسافَ أنَّهُ لا لَوْمَ عَلَيْنا في الحَقِيقَةِ بِسَبَبِهِمْ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: مِن أمْرِهِمْ، فَلا يَلْزَمُنا عُقُوبَةً بِسَبَبِهِمْ، فَهو تَقْرِيرٌ لِما قَبْلُ وتَصْرِيحٌ بِهِ.
ولَمّا كانَ يَعْلَمُونَ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ مِن أمْرِهِمْ، تَبَرَّؤُوا مِنِ انْفِرادِهِمْ (p-٣٣٥)بِإضْلالِهِمْ، فَقالُوا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما وجْهُ بَراءَتِكم وقَدْ أقْرَرْتُمْ بِإغْوائِهِمْ؟: ﴿ما كانُوا إيّانا﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿يَعْبُدُونَ﴾ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ بِما زَيَّنَتْ لَهم أهْواؤُهم وإنْ كانَ لَنا فِيهِ نَوْعُ دُعاءٍ لَهم إلَيْهِ وحَثٌّ عَلَيْهِ، فَأقَلُّ ما نُرِيدُ أنْ يُوَزِّعَ العَذابَ عَلى كُلِّ مَن كانَ سَبَبًا في ذَلِكَ كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] وضَلَّ عَنِ الجَهَلَةِ أنَّ هَذا لا يُغْنِيهِمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا، فَإنَّ الكُلَّ في العَذابِ ولَيْسَ يُغْنِي أحَدٌ مِنهم عَنْ أحَدٍ شَيْئًا، قالَ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]
28:64Page 393
وَقِيلَ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ لَوۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ يَهۡتَدُونَ ٦٤
And it will be said, "Invoke your 'partners,'" and they will invoke them; but they will not respond to them, and they will see the punishment. If only they had followed guidance!
ولَمّا لَمْ يَلْتَفِتْ إلى هَذا الكَلامِ مِنهم بَلْ عُدَّ عَدَمًا، لِأنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَهُ، أُشِيرَ إلى الإعْراضِ عَنْهُ لِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ جَوابًا كَما قِيلَ: ”رُبَّ قَوْلٍ جَوابُهُ في السُّكُوتِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ﴾ أيْ: ثانِيًا لِلْأتْباعِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وإظْهارًا لِعَجْزِهِمُ المَلْزُومِ لِتَحَسُّرِهِمْ وعِظَمِ تَأسُّفِهِمْ، وعَبَّرَ بِصِيغَةِ المَجْهُولِ، إظْهارًا لِلِاسْتِهانَةِ بِهِمْ، وأنَّهم مِنَ الذُّلِّ والصَّغارِ بِحَيْثُ يُجِيبُونَ كُلَّ أمْرٍ كائِنًا مَن كانَ: ﴿ادْعُوا﴾ أيْ: كُلُّكم ﴿شُرَكاءَكُمْ﴾ أيْ: الَّذِينَ ادَّعَيْتُمْ جَهْلًا شَرِكَتَهم لِيَدْفَعُوا عَنْكم. وأضافَهم هُنا إلَيْهِمْ إشارَةً إلى أنَّهم لَمْ يَسْتَفِيدُوا زَعْمَهم أنَّهم شُرَكاءُ اللَّهِ - تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا - إلّا أنْ (p-٣٣٦)أشْرَكُوهم فِيما صَرَفُوا إلَيْهِمْ مِن أمْوالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، وأزْمانِهِمْ وأحْوالِهِمْ ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ تَعَلُّلًا بِما لا يُغْنِي، وتَمَسُّكًا بِما يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لا يُجْدِي، لِفَرْطِ الغَلَبَةِ واسْتِيلاءِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ كَما يَحِقُّ لَهم بِما لَهم مِن وصْفِ عَدَمِ الإدْراكِ، والعَجْزِ والهَلاكِ ﴿ورَأوُا﴾ أيْ: كُلُّهم ﴿العَذابَ﴾ عالِمَيْنِ بِأنَّهُ مُواقِعُهم لا مانِعَ لَهُ عَنْهم، فَكانَ الحالُ حِينَئِذٍ مُقْتَضِيًا لِأنْ يُقالَ مِن كُلِّ مَن يَراهم: ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا هو لَهم صِفَةٌ راسِخَةٌ ﴿يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: يَحْصُلُ مِنهم هُدى ساعَةٍ مِنَ الدَّهْرِ، تَأسُّفًا عَلى أمْرِهِمْ، وتَمَنِّيًا لِخَلاصِهِمْ، أوْ لَوْ أنَّ ذَلِكَ كانَ في طَبْعِهِمْ لَنَجَوْا مِنَ العَذابِ، أوْ لَما رَأوْهُ أصْلًا، أوْ لَما اتَّبَعُوهم.
28:65Page 393
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦٥
And [mention] the Day He will call them and say, "What did you answer the messengers?"
ولَمّا أشارَ إلى أنَّهُ لا خَلاصَ مِن ذَلِكَ الرَّدى إلّا بِالهُدى، أتْبَعَهُ الإعْلامُ بِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أحَدًا هُناكَ أنْ يَفْعَلَ ما [قَدْ] يُرَوِّجُ عَلى سائِلِهِ كَما يَفْعَلُ في هَذِهِ الدّارِ مِن إظْهارِ ما لَمْ يَكُنْ مُكَرَّرًا لِتَهْوِيلِ ذَلِكَ اليَوْمِ وتَبْشِيعِهِ وتَعْظِيمِهِ وتَفْظِيعِهِ، سائِلًا عَنْ حَقِّ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ السُّؤالِ عَنْ حَقِّهِ سُبْحانَهُ، مُنادِيًا بِعَجْزِ الشُّرَكاءِ في الأُخْرى كَما كانُوا عاجِزِينَ في الأوْلى،
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ وهم بِحَيْثُ يَسْمَعُهم (p-٣٣٧)الدّاعِي، ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، قَدْ بَرَزُوا للَّهِ جَمِيعًا مَن كانَ مِنهم عاصِيًا ومَن كانَ مُطِيعًا في صَعِيدٍ واحِدٍ، قَدْ أخَذَ بِأنْفاسِهِمُ الزِّحامُ، وتَراكَبَتِ الأقْدامُ عَلى الأقْدامِ، وألْجَمَهُمُ العَرَقُ، وعَمَّهُمُ الغَرَقُ ﴿فَيَقُولُ ماذا﴾ أيْ: أوْضَحُوا أوْ عَيَّنُوا جَوابَكُمُ الَّذِي ﴿أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: بِهِ.
28:66Page 393
فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ ٦٦
But the information1 will be unapparent to them that Day, so they will not [be able to] ask one another.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ لَهم قَدَمُ صِدْقٍ ولا سابِقُ حَقٍّ بِما أتَتْهُمُ الرُّسُلُ بِهِ مِنَ الحُجَجِ، وتابَعَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ الأدِلَّةِ، لَمْ يَكُنْ لَهم جَوابٌ إلّا السُّكُوتُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَمِيَتْ﴾ أيْ: خَفِيَتْ وأظْلَمَتْ في غَوايَةٍ ولَجاجٍ ﴿عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [أيْ: ] الأخْبارُ الَّتِي هي مِنَ العَظَمَةِ بِحَيْثُ يَحِقُّ لَها في ذَلِكَ اليَوْمِ أنْ تُذْكَرَ، وهي الَّتِي يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ بِها الخَلاصُ، وعَدّاهُ بِعَلى إشارَةً إلى أنَّ عَماها وقَعَ عَلَيْهِمْ، فَعَمَّ الكُلَّ العَمى فَصارُوا بِحَيْثُ لا تَهْتَدِي الأنْباءُ لِعَماها إلَيْهِمْ لِتَجَدُّدِها، ولا يَهْتَدُونَ إلَيْها لِانْتِشارِ عَماها إلَيْهِمْ، وهَذا كُلُّهُ إشارَةً [إلى أنَّهُمْ] لَمْ يُقَدِّمُوا عَمَلًا في إجابَةِ الرُّسُلِ بِحَقِّ أنْ يُذْكَرَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، بَلْ أسْلَفُوا مِنَ التَّكْذِيبِ والإساءَةِ ما يَوَدُّونَ لَوْ أنَّ بَيْنَهم وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا، وقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ تَكْرِيرًا لِتَخْوِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ وتَهْوِيلِهِ، وتَقْرِيرًا لِتَعْظِيمِهِ وتَبْجِيلِهِ.
(p-٣٣٨)ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا السُّؤالِ السُّكُوتُ عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ أحَدٍ مِنهم ما يُغْنِي في جَوابِهِ مِن حُسْنِ القَوْلِ وصَوابِهِ، وأنَّهم لا يَذْكُرُونَ شَيْئًا مِنَ المَقالِ إلّا عادَ عَلَيْهِمْ بِالوَبالِ، قالَ مُتَرْجِمًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: لا يَسْألُ أحَدٌ مِنهم أحَدًا عَنْ شَيْءٍ يَحْصُلُ بِهِ خَلاصٌ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ قَدْ عَمَّهُمُ الهَلاكُ، ولاتَ حِينَ مَناصٍ، ولِأنَّ كُلًّا مِنهم أبْغَضُ النّاسِ في الآخَرِ.
28:67Page 393
فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِينَ ٦٧
But as for one who had repented, believed, and done righteousness, it is expected [i.e., promised by Allāh] that he will be among the successful.
ولَمّا عُلِمَ بِهَذِهِ الآياتِ حالُ مَن أصَرَّ عَلى كُفْرِهِ وعَمِلَ سَيِّئًا بِطَرِيقِ العِبارَةِ، وأُشِيرَ إلى حالِ مَن تابَ فَوُعِدَ الوَعْدَ الحَسَنَ ألْطَفَ إشارَةً تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ [التَّشَوُّفُ إلى] التَّصْرِيحِ بِحالِهِمْ، فَقالَ مُفَصِّلًا مُرَتِّبًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: هَذا حالَ مَن أصَرَّ عَلى كُفْرِهِ ﴿فَأمّا مَن تابَ﴾ أيْ: عَنْ كُفْرِهِ وقالَ: ﴿وآمَنَ﴾ تَصْرِيحًا بِما عُلِمَ التِزامًا، فَإنَّ الكُفْرَ والإيمانَ ضِدّانِ، لا يُمْكِنُ تَرْكُ أحَدِهِما إلّا بِأخْذِ الآخَرِ ﴿وعَمِلَ﴾ تَصْدِيقًا لِدَعْواهُ بِاللِّسانِ ﴿صالِحًا﴾
ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ نَزّاعَةً إلى النَّقائِصِ، مُسْرِعَةً إلى الدَّنايا، أُشِيرَ إلى صُعُوبَةِ الِاسْتِمْرارِ عَلى طَرِيقِ الهُدى إلّا بِعَظِيمِ المُجاهِدَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَسى﴾ أيْ: فَأنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْ حالِهِ هَذا الطَّمَعِ في ﴿أنْ يَكُونَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ الثَّباتِ ﴿مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ أيْ: النّاجِينَ مِن شَرِّ ذَلِكَ اليَوْمِ، الظّافِرِينَ (p-٣٣٩)بِجَمِيعِ المُرادِ، بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى طاعَتِهِمْ إلى المَوْتِ، وإنَّما لَمْ يَقْطَعْ لَهُ بِالفَلّاحِ وإنْ كانَ مِثْلَ ذَلِكَ في مَجارِي عاداتِ المُلُوكِ قَطْعًا، إعْلامًا بِأنَّهُ لا يَجِبُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ لِيَدُومَ حَذَرُهُ، ويَتَّقِيَ قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، فَإنَّ الكُلَّ مِنهُ.
28:68Page 393
وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٨
And your Lord creates what He wills and chooses; not for them was the choice. Exalted is Allāh and high above what they associate with Him.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لِأهْلِ القِسْمِ الأوَّلِ لا يَتَوَخَّوْنَ النَّجا مِن ضِيقٍ ذَلِكَ البَلا، إلى رُحْبِ هَذا الرَّجا، وكانَ الجَوابُ: رَبُّكَ مَنَعَهم مِن ذَلِكَ، أوْ ما لَمْ يَقْطَعْ لِأهْلِ هَذا القِسْمِ بِالفَلاحِ كَما قَطَعَ لِأهْلِ القِسْمِ الأوَّلِ بِالشَّقاءِ؟ وكانَ الجَوابُ: إنَّ رَبَّكَ لا يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ عَطَفَ عَلَيْهِ إشارَةً إلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ورَبُّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ، بِمُوافَقَةِ مَن وافَقَكَ ومُخالَفَةِ مَن خالَفَكَ لِحِكَمٍ كِبارٍ، دَقَّتْ عَنْ فَهْمِ أكْثَرِ الأفْكارِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الهُدى والضَّلالِ وغَيْرِهِما، لِأنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ لا مانِعَ لَهُ مِن شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿ويَخْتارُ﴾ أيْ: يُوقِعُ الِاخْتِيارَ، لِما يَشاءُ فَيُرِيدُ الكُفْرَ لِلْأشْرارِ، والإيمانَ لِلْأبْرارِ، لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، فَرُبَّما ارْتَدَّ أحَدٌ مِمَّنْ أظْهَرَ المَتابَ، لِما سَبَقَ عَلَيْهِ مِنَ الكِتابِ، فَكانَ مِن أهْلِ التِّبابِ فَلا تَأْسَ عَلى مَن فاتَكَ كائِنًا مَن كانَ، واعْلَمْ أنَّهُ ما ضَرَّ إلّا نَفْسَهُ، (p-٣٤٠)ومَن فاتَنا يَكْفِيهِ أنّا نَفُوتُهُ.
ولَمّا أفْهَمَ هَذا أنَّ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ إذا أرادَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ إلّا أنْ يُوافِقَ مُرادَهُ تَعالى، صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ أيْ: أنْ يَفْعَلُوا أوْ يَفْعَلَ لَهم كُلَّ ما يَخْتارُونَهُ مِن إتْيانِ الرَّسُولِ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ غَيْرُهُ، اسْمٌ مِنَ الِاخْتِيارِ، يُقامُ مَقامَ المَصْدَرِ، وهو أيْضًا اسْمُ المُخْتارِ، فَهو تَعْبِيرٌ بِالمُسَبِّبِ عَنِ السَّبَبِ لِأنَّهُ إذا خَلّى عَنْهُ كانَ عَقِيمًا فَكانَ عَدَمًا، قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ في اخْتِيارِهِ غَيْرُ مُخْتارٍ، فَلِهَذا أهْلُ الرِّضى حَطُّوا الرِّحالَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ، وسَلَّمُوا الأُمُورَ إلَيْهِ بِصَفاءِ التَّفْوِيضِ، يَعْنِي فَإنْ أمَرَهم أوْ نَهاهم بادَرُوا، وإنْ أصابَهم بِسِهامِ المَصائِبِ العِظامِ صابَرُوا، وإنْ أعَزَّهم أعَزُّوا أنْفُسَهم وأكْرَمُوا، وإنْ أذَلَّهم رَضُوا وسَلَّمُوا، فَلا يُرْضِيهِمْ إلّا ما يُرْضِيهِ، ولا يُرِيدُونَ إلّا ما يُرِيدُهُ فَيُمْضِيهِ:
؎وقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتَ فَلَيْسَ [لِي] مُتَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمٌ
؎أجِدُ المَلامَةَ في هَواكَ لَذِيذَةً ∗∗∗ حُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ
؎وأهَنْتَنِي فَأهَنْتُ نَفْسِي صاغِرًا ∗∗∗ ما مَن يَهُونُ عَلَيْكَ مِمَّنْ أُكْرِمُ
ولَمّا كانَ إيقاعُ شَيْءٍ عَلى غَيْرِ مُرادِهِ نَقْصًا، وكانَ وُقُوعُ الشِّرْكِ (p-٣٤١)سُفُولًا وعَجْزًا، قالَ تَعالى مُشِيرًا إلى نَتِيجَةِ هَذِهِ الآياتِ في نَفْيِ ذَلِكَ عَنْهُ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ عَنْ أنْ يَخْتارَ أحَدٌ شَيْئًا لا يُرِيدُهُ فَيَصِلُ إلَيْهِ أوْ يَقَعُ بِوَجْهٍ عَلَيْهِ ﴿وتَعالى﴾ أيْ: عَلا عُلُوَّ المُجْتَهِدِ في ذَلِكَ، فَعُلُوُّهُ لا تَبْلُغُ العُقُولُ بِوَجْهٍ كُنْهَ هُداهُ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ لِأنَّهُ لا إرادَةَ لِما ادَّعَوْهم شُرَكاءَ، ولَوْ كانَتْ لَهم إرادَةٌ لَتَوَقَّفَ إنْفادُها لِعَجْزِهِمْ عَلى إيجادِ الخالِقِ.
28:69Page 393
وَرَبُّكَ يَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٦٩
And your Lord knows what their breasts conceal and what they declare.
ولَمّا كانَتِ القُدْرَةُ لا تَتِمُّ إلّا بِالعِلْمِ، قالَ: ﴿ورَبُّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ المُتَوَلِّي لِتَرْبِيَتِكَ، كَما هو بالِغُ القُدْرَةِ، فَهو شامِلُ العِلْمِ ﴿يَعْلَمُ ما تُكِنُّ﴾ أيْ: تُخْفِي وتَسْتُرُ ﴿صُدُورُهُمْ﴾ مِن كَوْنِهِمْ يُؤْمِنُونَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَأْتِيَهم آياتٌ مِثْلُ آياتِ مُوسى أوْ لا يُؤْمِنُونَ، ومِن كَوْنِ ما أظْهَرَ مَن أظْهَرَ مِنهُمُ الإيمانَ بِلِسانِهِ خالِصًا أوْ مَشُوبًا.
ولَمّا كانَ عِلْمُ الخَفِيِّ لا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الجَلِيِّ إمّا لِبُعْدٍ أوْ لَغَطٍ أوِ اخْتِلاطِ أصْواتٍ يَمْنَعُ تَمْيِيزَ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ قالَ: ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ: يُظْهِرُونَ، كُلُّ ذَلِكَ لَدَيْهِ سَواءٌ، فَلا يَكُونُ لَهم مُرادٌ إلّا بِخَلْقِهِ.
28:70Page 393
وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٧٠
And He is Allāh; there is no deity except Him. To Him is [due all] praise in the first [life] and the Hereafter. And His is the [final] decision, and to Him you will be returned.
ولَمّا كانَ عُلِمَ بِذَلِكَ إنَّما هو لِكَوْنِهِ إلَهًا، وكانَ غَيْرُهُ لا يَعْلَمُ مِن عِلْمِهِ إلّا ما عَلَّمَهُ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ أيْ: المُسْتَأْثِرُ بِالإلَهِيَّةِ الَّذِي لا سَمِيَّ لَهُ، الَّذِي لا يُحِيطُ الوَصْفُ مِن عَظَمَتِهِ بِأكْثَرَ مِن أنَّهُ عَظِيمٌ عَلى الإجْمالِ، وأمّا التَّفاصِيلُ كُلُّها أوْ أقَلُّها فَهَيْهاتَ هَيْهاتَ؛ (p-٣٤٢)ثُمَّ شَرَحَ [مَعْنى] الِاسْمِ الأعْظَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الحَمْدُ﴾ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿فِي الأُولى والآخِرَةِ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ لِشَيْءٍ سِواهُ إنْ آمَنُوا أوْ كَفَرُوا ﴿ولَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الحُكْمُ﴾ أيْ: إمْضاءُ القَضاءِ عَلى الإطْلاقِ، فَلَوْ أرادَ لِقَسْرِهِمْ عَلى الإيمانِ ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: بِأيْسَرِ أمْرٍ يَوْمَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ، لِبَعْثَرَةِ القُبُورِ، بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ومَعَ أنَّكُمُ الآنَ أيْضًا راجِعُونَ في جَمِيعِ أحْكامِكم إلَيْهِ ومَقْصُورُونَ عَلَيْهِ، إنْ شاءَ أمْضاها، وإنْ أرادَ رَدَّها ولَواها، فَفي الآياتِ غايَةُ التَّقْوِيَةِ لِقُلُوبِ المُطِيعِينَ، ونِهايَةُ الزَّجْرِ والرَّدْعِ لِلْمُتَمَرِّدِينَ، بِالتَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، عِلْمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، مُنَزِّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ يَجْزِي الطّائِعِينَ والعاصِينَ بِالقِسْطِ.
28:71Page 394
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ ٧١
Say, "Have you considered:1 if Allāh should make for you the night continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you light? Then will you not hear?"
ولَمّا قامَتْ عَلى القُدْرَةِ الشّامِلَةِ والعِلْمِ التّامِّ وأنَّهُ الإلَهُ وحْدَهُ إنَّ وحَّدُوا أوِ ألْحَدُوا هَذِهِ الأعْلامَ عَلى هَذا النِّظامِ، أقامَ دَلِيلًا دالًّا عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِما اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ وتَمامِ القُدْرَةِ، مُنَبِّهًا عَلى وُجُوبِ حَمْدِهِ مُفَصِّلًا لِبَعْضِ ما يُحْمَدُ عَلَيْهِ، فَقالَ مُقَدِّمًا اللَّيْلَ لِأنَّ آيَتَهُ عَدَمِيَّةٌ، وهي أسْبَقُ: ﴿قُلْ﴾ لِمَن رُبَّما عانَدُوا في ذَلِكَ، مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُلْزِمًا لَهم، وعَبَّرَ بِالجَمْعِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الإلْزامِ، أعْظَمُ في الإفْحامِ، (p-٣٤٣)فَقالَ: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبَرُونِي ﴿إنْ جَعَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْلى نَظَرًا إلى مَقامِ العَظَمَةِ والجَلالِ ﴿عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ﴾ الَّذِي بِهِ اعْتِدالُ حَرِّ النَّهارِ ﴿سَرْمَدًا﴾ أيْ: دائِمًا، وقالَ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِمّا لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ إنْكارٌ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ.
ولَمّا كانَ النُّورُ نِعْمَةً في نَفْسِهِ، ويُعْرَفُ [بِهِ] خالِقُهُ، صَرَّحَ بِهِ وطَوى أثَرَهُ فَقالَ: ﴿يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ أيْ: يُولَدُ نَهارًا تَنْتَشِرُونَ فِيهِ، ولِقُوَّةِ إعْلامِهِ بِالقُدْرَةِ وتَعْرِيفِهِ بِاللَّهِ عَبَّرَ بِهَذا دُونَ يُؤْتِيكم ضِياءً، ولَمّا كانَ اللَّيْلُ مَحَلَّ السُّكُونِ ومَجْمَعَ الحَواسِّ، فَهو أمْكَنُ لِلسَّمْعِ وأنَفَذُ لِلْفِكْرِ، قالَ تَعالى: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ أيْ: ما يُقالُ لَكم إصْغاءً وتَدَبُّرًا، كَما يَكُونُ لِمَن هو في اللَّيْلِ فَيَنْتَفِعُ بِسَمْعِهِ مِن أُولِي العَقْلِ.
28:72Page 394
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِلَيۡلٖ تَسۡكُنُونَ فِيهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٧٢
Say, "Have you considered: if Allāh should make for you the day continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you a night in which you may rest? Then will you not see?"
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِجَلالِهِ وباهِرِ كَمالِهِ ﴿عَلَيْكُمُ النَّهارَ﴾ الَّذِي تُوازِنُ حَرارَتُهُ رُطُوبَةَ اللَّيْلِ فَيَتِمُّ بِهِما صَلاحُ النَّباتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ المُقَدَّراتِ ﴿سَرْمَدًا﴾ أيْ: دائِمًا، مِنَ السَّرْدِ، وهو المُتابَعَةُ بِزِيادَةِ المِيمِ مُبالَغَةً فِيهِ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: الَّذِي لا يَسْمَعُ عاقِلًا إنْكارَهُ ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ الجَلِيلِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ.
(p-٣٤٤)ولَمّا كانَ الظَّلامُ غَيْرَ مَقْصُودٍ في نَفْسِهِ، وكانَ بَعْدَ الضِّياءِ في غايَةِ التَّعْرِيفِ بِمُوَحَّدِهِ، عَدَلَ عَنِ اسْمِهِ فَقالَ مُعَبِّرًا لِمِثْلِ ما مَضى: ﴿يَأْتِيكم بِلَيْلٍ﴾ أيْ: يَنْشَأُ مِن ظَلامٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ بِما يَدُلُّ عَلى ما حَذَفَهُ مِنَ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الضِّياءَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الظَّلامِ ثانِيًا، واللَّيْلُ والسُّكُونُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ النَّهارِ والِانْتِشارِ أوَّلًا.
ولَمّا كانَ الضِّياءُ مِمّا يَنْفُذُ فِيهِ البَصَرُ قالَ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ كَيْفَ تَنْقَشِعُ جَلابِيبُ الظَّلامِ، عَنْ وُجُوهِ الضِّياءِ الغُرِّ الكِرامِ، ثُمَّ تَتَقَنَّعُ بِسَوادِ أرْدِيَةِ الحَياءِ، ووُجُوهُ الأنْوارِ والضِّياءُ [قالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: قالَ المُبَرِّدُ: سُلْطانُ السَّمْعِ في اللَّيْلِ وسُلْطانُ البَصَرِ في النَّهارِ].
28:73Page 394
وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٣
And out of His mercy He made for you the night and the day that you may rest therein and [by day] seek from His bounty and [that] perhaps you will be grateful.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمِن حِكْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ، لِتَتَدَبَّرُوا آياتِهِ، وتَتَبَصَّرُوا في مَصْنُوعاتِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ لا مِن غَيْرِها مِن خَوْفٍ أوْ رَجاءٍ أوْ تَعَلُّقٍ غَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ آيَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ دَبَّرَ فِيهِما وبِهِما جَمِيعَ مَصالِحِكم، وادَّخَرَ مُعْظَمَ رَحْمَتِهِ إلى الآخِرَةِ، (p-٣٤٥)ومَحا آيَةَ اللَّيْلِ ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أيْ: فَلا تَسْعَوْا في مَعاشِكم ”و“ جَعَلَ آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ”لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ“ بِأنْ تَسْعَوْا في مَعاشِكم بِجُهْدِكم، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا السُّكُونَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ السَّعْيِ في المَعاشِ ثانِيًا، والِابْتِغاءَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ عَدَمِ السَّعْيِ في المَعاشِ أوَّلًا.
ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أسْبَغَها مِن هَذِهِ الرَّحْمَةَ، وذَكَرَ عِلَّةَ جَعْلِهِ لَها عَلى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، ذَكَرَ عِلَّةً أُخْرى هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِأنَّها نَتِيجَةُ السَّمْعِ والبَصَرِ اللَّذَيْنِ، قَدَّمَ الحَثَّ عَلى اسْتِعْمالِهِما فَقالَ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: ولِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى مِنهُ الشُّكْرُ بِما يَتَجَدَّدُ لَكم بِتَقَبُّلِهِما مِنَ النِّعَمِ المُتَوالِيَةِ المَذْكُورَةِ بِالمُنْعِمِ، وبِما دَبَّرَ لَكم رِفْقًا بِكم فِيما كَفَلَكم بِهِ في دارِ الأسْبابِ مِن أمْرِ المَعاشِ والمَعادِ مِنَ الرّاحَةِ بِالسُّكُونِ إثْرَ ما أفادَكم مِنَ الأرْباحِ والمِنَحِ بِالِانْتِشارِ والتَّقَلُّبِ، وأمّا الآخِرَةُ فَلَمّا كانَتْ غَيْرَ مَبْنِيَّةٍ عَلى الأسْبابِ، وكانَتِ الجَنَّةُ لا تَعَبَ فِيها بِوَجْهٍ [مِنَ الوُجُوهِ]، كانَ لا حاجَةَ فِيها إلى اللَّيْلِ.
28:74Page 394
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٧٤
And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"
ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْمُفْلِحِ مِنَ الرَّجاءِ في يَوْمِ الجَزاءِ، وأتْبَعَهُ الإعْلامَ بِأنَّ الهِدايَةَ إلى الفَلاحِ إنَّما هي بِهِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ إلى أنَّ ذِكْرَ أيّامِ الدُّنْيا المُشْتَمِلَةِ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى وجْهٍ دالٌّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، مُعْلِمٌ بِالقُدْرَةِ (p-٣٤٦)عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ بِتَكْرِيرِ إيجادِ كُلٍّ مِنَ المَلَوَيْنِ بَعْدَ إعْدامِهِ وتَكْرِيرِ إماتَةِ النّاسِ بِالنَّوْمِ، ثُمَّ نَشَرَهم بِاليَقَظَةِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالشُّكْرِ إشارَةً إلى أنَّهُ سَبَبُ الفَلاحِ، عادَ إلى يَوْمِ الجَزاءِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ ثَمَرَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ، مُقَرِّعًا عَلى الإشْراكِ مَعَ ظُهُورِ هَذِهِ الدَّلائِلِ عَلى التَّوْحِيدِ، وعَدَمِ شُبْهَةٍ قائِمَةٍ عَلى الشِّرْكِ غَيْرَ مَحْضِ التَّقْلِيدِ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى عَجْزِهِمْ عَنِ البُرْهانِ عِنْدَ اسْتِحْقاقِ البُرْهانِ في يَوْمِ التَّنادِ، لِمَحْضَرٍ مِنَ الأشْهادِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ لِلتَّهْوِيلِ بِالتَّكْرِيرِ، والتَّأْطِيدِ لِلتَّهْلِيلِ والتَّقْرِيرِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِي يَظُنُّونَ أنَّهم مُعْجِزُونَ ﴿فَيَقُولُ﴾ بِلِسانِ الغَضَبِ والإخْزاءِ والتَّوْبِيخِ وقَدْ جَمَعُوا جَمْعًا: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ وكَرَّرَ الإشارَةَ إلى أنَّ إشْراكَهم إنَّما هو بِالِاسْمِ لا مَعْنى فِيهِ أصْلًا فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِكم حَتّى صارَ لَكم ذَلِكَ لِمَكَّةَ ﴿تَزْعُمُونَ﴾ بِلا شُبْهَةٍ لَكم في ذَلِكَ عِنْدَ التَّحَقُّقِ أصْلًا.
28:75Page 394
وَنَزَعۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا فَقُلۡنَا هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ فَعَلِمُوٓاْ أَنَّ ٱلۡحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٧٥
And We will extract from every nation a witness and say, "Produce your proof," and they will know that the truth belongs to Allāh, and lost from them is that which they used to invent.
ولَمّا ذَكَرَ الدَّلِيلَ الأوَّلَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى إبْطالِ الشَّرِكَةِ أنَّ الشُّرَكاءَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ولا كانَتْ لَهم قُدْرَةٌ عَلى نَصْرِهِمْ ولا نَصْرِ أنْفُسِهِمْ، وكانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِشَيْءٍ غَيْرِ العَجْزِ، دَلَّ هُنا عَلى الإشْراكِ لا شُبْهَةَ دَلِيلٍ فَقالَ [صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ التَّكَلُّمِ بِأُسْلُوبِ العَظَمَةِ لِأنَّهُ مُجَرَّدُ فِعالٍ] ﴿ونَـزَعْنا﴾ أيْ: أفْرَدْنا بِقُوَّةٍ وسَطْوَةٍ ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ (p-٣٤٧)أيْ: وهو رَسُولُهم، فَشَهِدَ عَلَيْهِمْ بِأعْمالِهِمْ وما كانُوا فِيهِ مِنَ الِارْتِباكِ في أشْراكِ الإشْراكِ.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ سُؤالُهم عَنْ سَنَدِهِمْ في إشْراكِهِمْ قالَ: ﴿فَقُلْنا﴾ أيْ: لِلْأُمَمِ: ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيْ: دَلِيلَكُمُ القَطْعِيَّ الَّذِي فَزِعْتُمْ في الدُّنْيا إلَيْهِ، وعَوَّلْتُمْ في شِرْكِكم عَلَيْهِ، كَما هو شَأْنُ ذَوِي العُقُولِ أنَّهم لا يَبْنُونَ شَيْئًا عَلى غَيْرِ أساسٍ ﴿فَعَلِمُوا﴾ بِسَبَبِ [هَذا] السُّؤالِ لَمّا اضْطُرُّوا فَفَتَّشُوا واجْتَهَدُوا فَلَمْ يَجِدُوا لَهم سَنَدًا أصْلًا ﴿أنَّ الحَقَّ﴾ أيْ: في الإلَهِيَّةِ ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا مُكافِئَ لَهُ، لا شَرِكَةَ لِشَيْءٍ مَعَهُ ﴿وضَلَّ﴾ أيْ: غابَ وبَطَلَ غَيْبَةُ الشَّيْءِ الضّائِعِ ﴿عَنْهم ما كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ لَهم ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَقُولُونَهُ قَوْلَ الكاذِبِ المُتَعَمِّدِ لِلْكَذِبِ لِكَوْنِهِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ ولا شُبْهَةَ مُوجِبَةٌ لِلْغَلَطِ فِيهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences