Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:17–21
3:17Page 52
ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ١٧
The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allāh], and those who seek forgiveness before dawn.
(p-٢٨١)قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا وصَفَ تَقْوى قُلُوبِهِمْ باطِنًا وأدَبَ مَقالِهِمْ ظاهِرًا وصَفَ لَهم أحْوالَ أنْفُسِهِمْ لِيَتَطابَقَ ظاهِرُ أمْرِهِمْ بِمُتَوَسِّطِهِ وباطِنِهِ فَقالَ: ﴿الصّابِرِينَ﴾ فَوَصَفَهم بِالصَّبْرِ إشْعارًا بِما يَنالُهم مِن سَجْنِ الدُّنْيا وشَدائِدِها، والصَّبْرُ أمْدَحُ أوْصافِ النَّفْسِ، بِهِ تَنْحَبِسُ عَنْ هَواها وعَمّا زُيِّنَ مِنَ الشَّهَواتِ المَذْكُورَةِ بِما تَحَقَّقَ مِنَ الإيمانِ بِالغَيْبِ المُوجِبِ لِتَرْكِ الدُّنْيا لِلْآخِرَةِ فَصَبَرُوا عَنِ الشَّهَواتِ؛ أمّا النِّساءُ فَبِالِاقْتِصارِ عَلى ما مَلَكُوهُ وأمّا البَنُونَ فَبِمُراعاةِ أنَّ ما تَقَدَّمَ خَيْرٌ مِمّا تَأخَّرَ، قالَ ﷺ - يَعْنِي فِيما رَواهُ ابْنُ ماجَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”لَسَقَطٌ أُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ أحَبُّ إلَيَّ مِن فارِسٍ أُخَلِّفُهُ خَلْفِي“ وأمّا الذَّهَبُ والفِضَّةُ فَبِالنَّظَرِ إلَيْها أصْنامًا يَضُرُّ مَوْجُودُها، وبِالحَرِيِّ أنْ يَنالَ مِنها السَّلامَةَ بِنَفَقَةٍ لا يَكادُ يَصِلُ إنْفاقُها إلى أنْ يَكُونَ كَفّارَةَ كَسْبِها وجَمْعِها، فَكانَ الصَّبْرُ عَنْها أهْوَنَ مِنَ التَّخَلُّصِ مِنها؛ وأمّا (p-٢٨٢)الخَيْلُ فَلِما يَصْحَبُها مِنَ التَّعَزُّزِ المُمِدِّ لِخُيَلاءِ النَّفْسِ الَّذِي هو أشَدُّ ما عَلى النَّفْسِ أنْ تَخْرُجَ عَنْ زَهْوِها وخُيَلائِها إلى احْتِمالِ الضَّيْمِ والسُّكُونِ بِحُبِّ الذُّلِّ، يُقالُ: إنَّهُ آخِرُ ما يَخْرُجُ مِن رُؤُوسِ الصِّدِّيقِينَ حُبُّ الرِّئاسَةِ؛ وأمّا الأنْعامُ فَبِالِاقْتِصارِ مِنها عَلى قَدْرِ الكَفافِ، لِأنَّ كُلَّ مُسْتَزِيدٍ تَمَوُّلًا مِنَ الدُّنْيا زائِدًا عَلى كَفافٍ مِنهُ مِن مَسْكَنٍ أوْ مَلْبَسٍ أوْ مَرْكَبٍ أوْ مالٍ فَهو مُحْجِرٌ عَلى مَن سِواهُ مِن عِبادِ اللَّهِ ذَلِكَ الفَضْلَ الَّذِي هم أحَقُّ بِهِ مِنهُ، قالَ ﷺ:
«لَنا غَنَمُ مِائَةٍ لا نُرِيدُ أنْ تَزِيدَ» الحَدِيثَ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَـزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وأمّا الحَرْثُ فَبِالِاقْتِصارِ مِنهُ عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ لِما يَكُونُ راتِبًا لِلْإلْزامِ ومُرْصَدًا لِلنَّوائِبِ ومُخْرِجًا لِلْبَذْرِ، فَإنْ أعْطاهُ اللَّهُ فَضْلًا أخْرَجَهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الإخْراجِ ولَوْ بِالبَيْعِ، ولا يُمْسِكُهُ مُتَمَوِّلًا لِقَلْبِهِ إلى غَيْرِهِ مِنَ الأعْيانِ فَيَكُونُ مُحْتَكِرًا، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ (p-٢٨٣)تَعالى عَنْهُما ”مَنِ احْتَكَرَ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدَ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وبَرِئَ اللَّهُ مِنهُ“ فَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الصَّبْرُ بِحَبْسِ النَّفْسِ عَمّا زُيِّنَ لِلنّاسِ مِنَ التَّمَوُّلاتِ مِنَ الدُّنْيا الزّائِدَةِ عَلى الكَفافِ الَّتِي هي حَظُّ مَن لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ يَحِقُّ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الكَلِماتُ مُعْرَبَةً بِالنَّصْبِ مَدْحًا، لِأنَّ الصِّفاتِ المُتَّبَعَةَ لِلْمَدْحِ حِلْيَتُها النَّصْبُ في لِسانِ العَرَبِ، وإنَّما يَتْبَعُ في الإعْرابِ ما كانَ لِرَفْعِ لَبْسٍ أوْ تَخْصِيصٍ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ سِنُّ التَّقْوى فَوْقَ سِنِّ الإيمانِ عَطَفَ أمْداحَهم كُلَّها بِالواوِ إيذانًا بِكَمالِهِمْ في كُلِّ وصْفٍ مِنها وتَمَكُّنِهِمْ فِيهِ بِخِلافِ ما في آيَةِ بَراءَةٍ عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿والصّادِقِينَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: في عَطْفِ الصِّفاتِ ما يُؤْذِنُ بِكَمالِ الوَصْفِ لِأنَّ العَرَبَ تَعْطِفُها إذا كَمُلَتْ وتَتَبَّعَ بَعْضُها بَعْضًا إذا تَرَكَّبَتْ والتَأمَتْ، يَعْنِي مِثْلَ: الرُّمّانِ حُلْوٌ حامِضٌ - إذا كانَ غَيْرَ صادِقِ الحَلاوَةِ ولا الحُمُوضَةِ، فَفي العَطْفِ إشْعارٌ بِكَمالِ صَبْرِهِمْ عَنِ العاجِلَةِ عَلى ما عَيَّنَهُ حُكْمُ النَّظْمِ، في الآيَةِ (p-٢٨٤)السّابِقَةِ، ومِن شَأْنِ الصّابِرِ عَنِ الدُّنْيا الصِّدْقُ، لِأنَّ أكْثَرَ المُداهَنَةِ والمُراءاةِ إنَّما ألْجَأ إلَيْها التَّسَبُّبُ إلى كَسْبِ الدُّنْيا، فَإذا رَغِبَ عَنْها لَمْ يَحْمِلْهُ عَلى تَرْكِ الصِّدْقِ حامِلٌ فَيَتَحَقَّقُ بِهِ فَيَصْدُقُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ والصِّدْقُ مُطابَقَةُ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ لِباطِنِ حالِهِ في نَفْسِهِ وعِرْفانِ قَلْبِهِ - انْتَهى ﴿والقانِتِينَ﴾ أيِ المُخْلِصِينَ لِلَّهِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمُ الدّائِمِينَ عَلَيْهِ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى العَمَلَ الحامِلَ عَلَيْهِ خَوْفُ الحَقِّ ورَجاؤُهُ أتْبَعَهُ ما الحامِلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مَعَ الشَّفَقَةِ عَلى الخَلْقِ، لِأنَّ مَن أكْرَمَ المُنْتَمِي إلَيْكَ فَقَدْ بالَغَ في إكْرامِكَ فَقالَ: ﴿والمُنْفِقِينَ﴾ أيْ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في كُلِّ ما يُرْضِيهِ، فَإنَّهُ لا قِوامَ لِشَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ إلّا بِالنَّفَقَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن صَبَرَ نُوِّلَ، ومَن صَدَقَ أُعْلِيَ، ومَن قَنَتَ جَلَّ وعَظُمَ قَدْرُهُ، فَنَوَّلَهُ اللَّهُ ما يَكُونُ لَهُ مُنْفِقًا، والمُنْفِقُ أعْلى حالًا مِنَ المُزَكِّي، لِأنَّ المُزَكِّيَ يُخْرِجُ ما وجَبَ عَلَيْهِ فَرْضًا، والمُنْفِقَ يَجُودُ بِما في يَدِهِ فَضْلًا. انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الأعْمالَ الزّاكِيَةَ الجامِعَةَ العالِيَةَ أتْبَعَها الإشارَةَ إلى أنَّ الِاعْتِرافَ بِالعَجْزِ عَنِ الوَفاءِ بِالواجِبِ هو العُمْدَةُ في الخَلاصِ: (p-٢٨٥)﴿والمُسْتَغْفِرِينَ﴾ أيْ مِن نَقائِصِهِمْ مَعَ هَذِهِ الأفْعالِ والأحْوالِ الَّتِي هي نِهايَةُ ما يَصِلُ إلَيْهِ الخَلْقُ مِنَ الكَمالِ ﴿بِالأسْحارِ﴾ الَّتِي هي أشَقُّ الأوْقاتِ اسْتِيقاظًا عَلَيْهِمْ، وأحَبُّها راحَةً لَدَيْهِمْ، وأوْلاها بِصِفاتِ القُلُوبِ، وأقْرَبُها إلى الإجابَةِ المُعَبَّرِ عَنْها في الأحادِيثِ بِالنُّزُولِ كَما يَأْتِي بَيانُهُ في آيَةِ التَّهَجُّدِ في سُورَةِ الإسْراءِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهو جَمْعُ سَحَرٍ، وأصْلُ مَعْناهُ التَّعَلُّلُ عَنِ الشَّيْءِ بِما يُقارِبُهُ ويُدانِيهِ ويَكُونُ مِنهُ بِوَجْهٍ ما، فالوَقْتُ مِنَ اللَّيْلِ الَّذِي يُتَعَلَّلُ فِيهِ بِدُنُوِّ الصَّباحِ هو السَّحَرُ، ومِنهُ السَّحُورُ، تَعَلُّلٌ عَنِ الغَداءِ؛ ثُمَّ قالَ: وفي إفْهامِهِ تَهَجُّدُهم في اللَّيْلِ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] فَهم يَسْتَغْفِرُونَ مِن حَسَناتِهِمْ كَما يَسْتَغْفِرُ أهْلُ السَّيِّئاتِ مِن سَيِّئاتِهِمْ تَبَرُّؤًا مِن دَعْوى الأفْعالِ ورُؤْيَةِ الأعْمالِ التِئامًا بِصِدْقِ قَوْلِهِمْ في الِابْتِداءِ: ﴿رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾ [آل عمران: ١٦] وكَمالِ الإيمانِ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، فَبِاجْتِماعِ هَذِهِ الأوْصافِ السَّبْعَةِ مِنَ التَّقْوى والإيمانِ والصَّبْرِ (p-٢٨٦)والصِّدْقِ والقُنُوتِ والإنْفاقِ والِاسْتِغْفارِ كانَتِ الآخِرَةُ خَيْرًا لَهم مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، وقَدْ بانَ بِهَذا مُحْكَمُ آياتِ الخَلْقِ مِن مُتَشابِهِها بَعْدَ الإعْلامِ بِمُحْكَمِ آياتِ الأمْرِ ومُتَشابِهِها، فَتَمَّ بِذَلِكَ مَنزِلُ الفُرْقانِ في آياتِ الوَحْيِ المَسْمُوعِ والكَوْنِ المَشْهُودِ. انْتَهى. ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أشارَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسِ المُتَعاطِفَةِ إلى دَعائِمِ الإسْلامِ الخَمْسِ، فَأشارَ بِالصَّبْرِ إلى الإيمانِ، وبِالصِّدْقِ إلى الزَّكاةِ المُصَدِّقَةِ لِدَعْواهُ، وبِالقُنُوتِ الَّذِي مَدارُ مادَّتِهِ عَلى الإخْلاصِ إلى الصَّلاةِ الَّتِي هي مَحَلُّ المُراقَبَةِ، وبِالإنْفاقِ إلى الحَجِّ الَّذِي أعْظَمُ مُقَوِّماتِهِ المالُ، وبِالِاسْتِغْفارِ إلى الصِّيامِ الَّذِي مَبْناهُ التَّخَلِّي مِن أحْوالِ البَشَرِ والتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ المَلَكِ لا سِيَّما في القِيامِ ولا سِيَّما في السَّحَرِ؛ وسِرُّ تَرْتِيبِها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ما بَيْنَ العَبْدِ والخالِقِ في التَّوْحِيدِ الَّذِي هو العُدُولُ أتْبَعَهُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَلائِقِ في الإحْسانِ، ولَمّا ذَكَرَ عِبادَةَ القَلْبِ والمالِ ذَكَرَ عِبادَةَ البَدَنِ الدّالَّةَ عَلى الإخْلاصِ في الإيمانِ، ولَمّا ذَكَرَ عِبادَةَ البَدَنِ مُجَرَّدًا بَعْدَ عِبادَةِ المالِ مُجَرَّدًا ذَكَرَ عِبادَةً ظاهِرَةً مُرَكَّبَةً مِنهُما، شِعارُها تَعْرِيَةُ الظّاهِرِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ (p-٢٨٧)عِبادَةً بَدَنِيَّةً خَفِيَّةً، عِمادُها تَعْرِيَةُ الباطِنِ، فَخَتَمَ بِمِثْلِ ما بَدَأ بِهِ، وهو ما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقَّ الِاطِّلاعِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
3:18Page 52
شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨
Allāh witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِوَحْدانِيَّتِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ واسْتَدَلَّ عَلَيْها وأخْبَرَ عَمّا أعَدَّ لِلْكافِرِينَ واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِما دَلَّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وخَتَمَ بِالإخْبارِ بِما أعَدَّ لِلْمُتَّقِينَ مِمّا جَرَّ إلى ذِكْرِهِ تَعالى بِما يَقْتَضِي الوَحْدانِيَّةَ أيْضًا مِنَ الأوْصافِ المَبْنِيَّةِ عَلى الإيمانِ أنْتَجَ ذَلِكَ ثُبُوتَها ثُبُوتًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، فَكَرَّرَ تَعالى هَذِهِ النَّتِيجَةَ عَلى وجْهٍ أضْخَمَ مِنَ الماضِي كَما اقْتَضَتْهُ الأدِلَّةُ فَقالَ - وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا أنْهى تَعالى الفُرْقانَ نِهايَتَهُ بِبَيانِ المُحْكَمَيْنِ والمُتَشابِهَيْنِ في الوَحْيِ والكَوْنِ انْتُظِمَتْ هَذِهِ الشَّهادَةُ الَّتِي هي أعْظَمُ شَهادَةٍ في كِتابِ اللَّهِ بِآيَةِ القَيُّومِيَّةِ الَّتِي هي أعْظَمُ آيَةِ الوُجُودِ لِيَنْتَظِمَ آيَةَ الشُّهُودِ بِآيَةِ الوُجُودِ، انْتَهى.
فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ ﴿أنَّهُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَأعادَ بِالإضْمارِ لِيَكُونَ الشّاهِدُ والمَشْهُودُ لَهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَأعادَ بِالهُوِيَّةِ لِمَعْنى الوَحْدانِيَّةِ في الشَّهادَةِ ولَمْ يَقُلْ: إلّا اللَّهُ، لِما يُشْعِرُ بِهِ تَكْرارُ الِاسْمِ في مَحَلِّ الإضْمارِ مِنَ التَّنَزُّلِ (p-٢٨٨)العَلِيِّ. انْتَهى. والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَعَلَ فِعْلَ الشّاهِدِ في إخْبارِهِ عَمّا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ جَرْيًا عَلى عادَةِ الكُبَراءِ إذا رَأوْا تَقاعُسَ أتْباعِهِمْ عَمّا يَأْمُرُونَ بِهِ مِنَ المُهِمّاتِ في تَعاطِيهِمْ لَهُ بِأنْفُسِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الخَطْبَ قَدْ فَدَحَ والأمْرَ قَدْ تَفاقَمَ، فَيَتَساقَطُ حِينَئِذٍ إلَيْهِ الأتْباعُ ولَوْ أنَّ فِيهِ الهَلاكَ تَساقُطَ الذُّبابِ في أحْلى الشَّرابِ، وإلى ذَلِكَ يَنْظُرُ قَوْلُ وفْدِ ثَقِيفٍ: ما لِمُحَمَّدٍ يَأْمُرُنا بِأنْ نَشْهَدَ لَهُ بِالرِّسالَةِ ولا يَشْهَدُ هو لِنَفْسِهِ! فَكانَ ﷺ بَعْدُ لا يَخْطُبُ خُطْبَةً إلّا شَهِدَ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ الشَّهادَةَ لِلَّهِ فِيها بِالرِّسالَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ رَبَّكُمُ الَّذِي أسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً قَدْ نَصَبَ لَكُمُ الأدِلَّةَ بِخَلْقِ ما خَلَقَ عَلى تَفَرُّدِهِ بِحَيْثُ انْتَفى كُلُّ رَيْبٍ فَكانَ ذَلِكَ أعْظَمَ شَهادَةٍ مِنهُ سُبْحانَهُ (p-٢٨٩)لِنَفْسِهِ، وإلَيْهِ أوْمَأ مَن قالَ:
؎ولِلَّهِ في كُلِّ تَحْرِيكَةٍ ∗∗∗ وتَسْكِينَةٍ أبَدًا شاهِدُ
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
ثُمَّ شَهِدَ بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ بِكَلامِهِ جَمْعًا بَيْنَ آيَتَيِ السَّمْعِ والبَصَرِ فَلَمْ يُبْقِ لَكم عُذْرًا. قالَ الحَرالِّيُّ: وهَذِهِ الشَّهادَةُ الَّتِي هي مِنَ اللَّهِ لِلَّهِ هي الشَّهادَةُ الَّتِي إلَيْها قَصَدَ القاصِدُونَ وسَلَكَ السّالِكُونَ وإلَيْهِ انْتَهَتِ الإشارَةُ، وعِنْدَها وقَفَتِ العِبارَةُ، وهي أنْهى المَقاماتِ وأعْظَمُ الشَّهاداتِ، فَمَن شَهِدَ بِها فَقَدْ شَهِدَ شَهادَةً لَيْسَ وراءَها مَرْمى، ومَن شَهِدَ بِما دُونَها كانَتْ شَهادَتُهُ مَشْهُودًا عَلَيْها لا شَهادَةً، يُؤْثَرُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وهو قائِمٌ بِعَرَفَةَ مُنْذُ كانَ وقْتُ العَصْرِ إلى أنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ في حَجَّتِهِ الَّتِي كَمُلَ بِها الدِّينُ وتَمَّتْ بِها النِّعْمَةُ يَقُولُ هَذِهِ الآيَةَ لا يَزِيدُ عَلَيْها، فَأيُّ عَبْدٍ شَهِدَ لِلَّهِ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ الَّتِي هي شَهادَةُ اللَّهِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ فَقَدْ كَمُلَتْ شَهادَتُهُ، وأتَمَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى النِّعْمَةَ عَلَيْهِ، وهي سِرُّ كُلِّ شَهادَةٍ مِن دُونِها، وهي آيَةُ عَلَنِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مُنْتَهى المَقاماتِ وغايَةُ الدَّرَجاتِ في الوُصُولِ إلى مَحَلِّ الشُّهُودِ الَّذِي مِنهُ النُّفُوذُ إلى المَوْجُودِ بِمُقْتَضى الأعْظَمِيَّةِ الَّتِي في الآيَةِ الفاتِحَةِ - انْتَهى. (p-٢٩٠)ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ نَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ أخْبَرَ عَمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِن خَلْقِهِ فَقالَ مُقَدِّمًا لِأنَّ المَقامَ لِلْعِلْمِ لِمَن هم أعْلَمُ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمَّنْ أطْلَعَهم مِنَ المُلْكِ والمَلَكُوتِ عَلى ما لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الإنْسانُ ولا شاغِلَ لَهم مِن شَهْوَةٍ ولا حَظٍّ ولا فُتُورٍ: ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيِ العِبادُ المُقَرَّبُونَ المُصَفَّوْنَ مِن أدْناسِ البَشَرِ، الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. ولَمّا خَصَّ أهْلَ السَّماواتِ عَمَّ فَقالَ: ﴿وأُولُو العِلْمِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوهُ بِالأدِلَّةِ القاطِعَةِ فَفَعَلُوا ما فَعَلَ العَظِيمُ مِنَ الشَّهاداتِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى لِغَيْرِهِمْ إلَيْهِ وأحَثَّ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَتِ الشَّهادَةُ قَدْ تَكُونُ عَلى غَيْرِ وجْهِ العَدْلِ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قائِمًا﴾ وأفْرَدَ لِيُفْهَمَ أنَّهُ حالُ كُلٍّ مِنَ المَذْكُورِينَ لا المَجْمُوعِ بِقَيْدِ الجَمْعِ، ويَجُوزُ - وهو الأقْرَبُ - أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الاسْمِ الشَّرِيفِ إشارَةً إلى أنَّهُ ما وحَّدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى حَقَّ تَوْحِيدِهِ غَيْرُهُ، لِأنَّهُ لا يُحِيطُ بِهِ أحَدٌ عِلْمًا. وقالَ الحَرالِّيُّ: أفْرَدَ القِيامَ فانْدَرَجَ مَن ذَكَرَ مِنَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ في هَذا القِيامِ إفْهامًا، كَما انْدَرَجُوا في الشَّهادَةِ إفْصاحًا، فَكانَ في إشْعارِهِ أنَّ المَلائِكَةَ وأُولِي العِلْمِ لا يُقادُ مِنهم فِيما يُجْرِيهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أيْدِيهِمْ، لِأنَّ أمْرَهم قائِمٌ بِالقِسْطِ مِنَ اللَّهِ، يُذْكَرُ أنَّ عَظِيمَ عادٍ لَمّا كُشِفَ لَهُ عَنِ المَلائِكَةِ في يَوْمِ النِّقْمَةِ قالَ (p-٢٩١)لِهُودَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا هُودُ! ما هَذا الَّذِي أراهم في السَّحابِ كَأنَّهُمُ البَخاتِيُّ؟ فَقالَ: مَلائِكَةُ رَبِّي، فَقالَ لَهُ: أرَأيْتَ إنْ آمَنتُ بِإلَهِكَ أيُقِيدُنِي مِنهم بِمَن قَتَلُوا مِن قَوْمِي؟ قالَ: ويْحَكَ! وهَلْ رَأيْتَ مَلِكًا يُقِيدُ مِن جُنْدِهِ. انْتَهى.
﴿بِالقِسْطِ﴾ أيِ العَدْلِ السَّواءِ الَّذِي لا حَيْفَ فِيهِ أصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ التَّوْحِيدَ في نَفْسِ الأمْرِ عَلى ما وقَعَتْ بِهِ الشَّهادَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ قِيامَهُ بِالعَدْلِ فِعْلُهُ في خَلْقِهِ فَإنَّهُ عَدْلٌ وإنْ كانَ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ ظُلْمًا، فَإنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنهُ سُبْحانَهُ في مُلْكِهِ الَّذِي لا شائِبَةَ لِأحَدٍ فِيهِ، فَهو إذا نُسِبَ إلَيْهِ كانَ عَدْلًا، لِأنَّهُ فَعَلَهُ بِالحِكْمَةِ، وإذا نُسِبَ إلى الظّالِمِ كانَ ظُلْمًا، لِأنَّهُ فَعَلَهُ لِحَظِّهِ لا لِلْحِكْمَةِ فَلِذَلِكَ قالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ والتَّعْلِيلِ لِلْقِيامِ بِالقِسْطِ والتَّلْقِينِ لِلْعِبادِ لِأنْ يَقُولُوها بَعْدَ ثُبُوتِها بِما تَقَدَّمَ وأنْ يُكَرِّرُوها دائِمًا أبَدًا: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: كَرَّرَ هَذا التَّهْلِيلَ لِأنَّهُ في مَرْتَبَةِ القِسْطِ الفِعْلِيِّ، لِأنَّ التَّهْلِيلَ الأوَّلَ في مَرْتَبَةِ الشَّهادَةِ العِلْمِيَّةِ فاسْتَوْفى التَّهْلِيلانِ جَمِيعَ البادِي عِلْمًا وفِعْلًا. انْتَهى. وأتْبَعَهُ سُبْحانَهُ (p-٢٩٢)وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ دَلِيلًا عَلى قِسْطِهِ، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أبَدًا لِذِي العِزَّةِ الكامِلَةِ والحِكْمَةِ الشّامِلَةِ أنْ يَتَصَرَّفَ بِجَوْرٍ، وعَلى وحْدانِيَّتِهِ، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ التَّفَرُّدُ بِدُونِ الوَصْفَيْنِ ولَيْسا عَلى الإطْلاقِ لِأحَدٍ غَيْرِهِ أصْلًا، ولَمّا كانَتِ الآياتُ كُلُّها في الإيقاعِ بِالكافِرِينَ قَدَّمَ الوَصْفَ المُلائِمَ لِذَلِكَ.
قالَ الحَرالِّيُّ: وقِسْطُ اللَّهِ هو إخْفاءُ عَدْلِهِ في دارِ الدُّنْيا مِن حَيْثُ إنَّهُ خَفْضٌ ورَفْعٌ، يُعادِلُ خَفْضُهُ رَفْعَهُ ورَفْعُهُ خَفْضَهُ، فَيَؤُولُ إلى عَدْلٍ، ويَراهُ بِذَلِكَ في حالِ تَفاوُتِهِ كُلُّ ذِي لُبٍّ بِما أنَّهُ عَزِيزٌ يُظْهِرُ عِزَّتَهُ فِيما يَرْفَعُ، حَكِيمٌ يُخْفِي مَعْنى حِكَمِهِ فِيما يَخْفِضُ، فَكُلُّ ما هو بادٍ مِنَ الخَلْقِ جُودٌ فَهو مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قِسْطٌ، طَيَّتُهُ عَدْلٌ، سِرُّهُ سَواءٌ، فَيُظْهِرُ عِزَّتَهُ فِيما حَكَمَ انْتِقامًا وحِكْمَتَهُ في المُوازَنَةِ بَيْنَ الأعْمالِ والجَزاءِ عَدْلًا. انْتَهى.
3:19Page 52
إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩
Indeed, the religion in the sight of Allāh is Islām. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allāh, then indeed, Allāh is swift in [taking] account.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ عُلِمَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ تَخْضَعَ لَهُ الرِّقابُ ويُخْلِصَ لَهُ التَّوْحِيدَ جَمِيعُ الألْبابِ وذَلِكَ هو الإسْلامُ فَقالَ مُعَلِّلًا لِلشَّهادَةِ مِنهم بِالعَدْلِ - وقِراءَةُ الكِسائِيِّ بِالفَتْحِ أظْهَرُ في التَّعْلِيلِ: ﴿إنَّ الدِّينَ﴾ وأصْلُهُ الجَزاءُ، أُطْلِقَ هُنا عَلى الشَّرِيعَةِ لِأنَّها مُسَبَّبَةٌ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ (p-٢٩٣)أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿الإسْلامُ﴾ فاللّامُ لِلْعَهْدِ في هَذِهِ الشَّهادَةِ فَإنَّها أُسٌّ لِكُلِّ طاعَةٍ، فَلِأجْلِ أنَّ الدِّينَ عِنْدَهُ هَذا شَهِدُوا لَهُ هَذِهِ الشَّهادَةَ المُقْتَضِيَةَ لِنِهايَةِ الإذْعانِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُصَرِّحًا بِأنَّهُ لا دِينَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ كانَ كَأنَّ قائِلًا قالَ: فَكانَ يَجِبُ أنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ الماضُونَ والأُمَمُ السّالِفُونَ لِيَلْزَمُوهُ ويُلْزِمُوهُ أتْباعَهُمْ! فَقِيلَ: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقِيلَ: فَما لَهم لَمْ يَلْزَمُوهُ؟ فَقِيلَ: قَدْ لَزِمُوهُ مُدَّةً مَدِيدَةً ﴿وما﴾ ويَجُوزُ وهو أحْسَنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِشَهادَتِهِ ما يُرْضِيهِ بِآياتِهِ المَرْئِيَّةِ ثُمَّ أوْضَحَهُ غايَةَ الإيضاحِ بِآياتِهِ المَسْمُوعَةِ بِكُتُبِهِ وما ﴿اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هَذا الِاخْتِلافَ الَّذِي تَرَوْنَهُ ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وما كانَ اخْتِلافُهم لِجَهْلِهِمْ بِذَلِكَ بَلْ ﴿بَغْيًا﴾ واقِعًا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لا بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ، بَلْ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لِلْحَسَدِ والتَّنافُسِ في الدُّنْيا لِشُبَهٍ أبْدَوْها ودَعاوٍ ادَّعَوْها، طالَ بَيْنَهم فِيها النِّزاعُ وعَظُمَ الدِّفاعُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمٌ بِكَشْفِها، قادِرٌ عَلى صَرْفِها. قالَ الحَرالِّيُّ: والبَغْيُ السَّعْيُ بِالقَوْلِ والفِعْلِ (p-٢٩٤)فِي إزالَةِ نِعَمٍ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى خَلْقٍ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُ الباغِي مِنَ الحَسَدِ لَهُ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الإيمانِ فَإنَّ اللَّهَ عَظِيمُ الثَّوابِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ﴾ أيْ يَسْتَمِرَّ عَلى كُفْرِهِ ولَمْ يَقُلْ حِلْمًا مِنهُ: ومَن كَفَرَ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيِ المَرْئِيّاتِ والمَسْمُوعاتِ الدّالَّةِ عَلى إحاطَتِهِ بِالكَمالِ وُقُوفًا مَعَ تِلْكَ الشُّبَهِ وعَمِيَ عَنِ الدَّلِيلِ فاللَّهُ مُهْلِكُهُ عاجِلًا ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ولا كُفْؤَ لَهُ ﴿سَرِيعُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ السُّرْعَةِ وهي وحاءُ النِّجازِ فِيما شَأْنُهُ الإبْطاءُ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَنّى بِالسُّرْعَةِ عَنِ القُرْبِ فالمَعْنى: قَرِيبُ ﴿الحِسابِ﴾ أيْ عَنْ قَرِيبٍ يُجازِيهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا بِأيْدِي بَعْضِهِمْ وبِأيْدِي المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يُنْقَلُونَ إلى حِسابِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في الدّارِ الآخِرَةِ المُقْتَضِي لِعَذابِ الكَفَرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السُّرْعَةُ عَلى بابِها، والمُرادُ أنَّهُ لا يَتَهَيَّأُ في حِسابِهِ ما يَتَهَيَّأُ في حِسابِ غَيْرِهِ مِنَ المُغالَطَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلنَّجاةِ أوِ المُطاوَلَةِ في مُدَّةِ الحِسابِ المُقْتَضِيَةِ لِتَأخُّرِ الجَزاءِ في مُدَّةِ المُراوَغَةِ (p-٢٩٥)واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ومِنَ الكُفْرِ بِالآياتِ الكُفْرُ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ انْتَحَلُوا فِيهِ الإلَهِيَّةَ. قالَ الحَرالِّيُّ: كانَ آيَةً مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْهِدايَةِ، فَوَقَعَ عِنْدَهم بِحالِ مَن كَفَرُوا بِهِ، فَكانَ سَبَبُ كُفْرِهِمْ ما كانَ مُسْتَحِقًّا أنْ يَكُونَ سَبَبَ هِدايَةِ المُهْتَدِي، وكانَ ذَلِكَ فِيهِ لِمَحَلِّ اشْتِباهِهِ لِأنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ خَلْقُهُ بِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِن آياتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي التَّعْرِيضِ بِهِ إلاحَةٌ لِما يَقَعُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ في نَحْوِهِ مِمَّنْ هو مَقامُ الهِدايَةِ فَوَقَعَ في طائِفَةٍ مَوْقِعَ آيَةٍ كَفَرُوا بِها، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «مَثَلُكَ يا عَلِيُّ كَمَثَلِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أبْغَضَهُ يَهُودُ فَبَهَتُوا أُمَّهُ وأحَبَّهُ النَّصارى فَأنْزَلُوهُ بِالمَحَلِّ الَّذِي لَيْسَ بِهِ» كَذَلِكَ تَفَرَّقَتْ فِرَقٌ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن بَيْنِ خارِجِيهِمْ ورافِضِيهِمُ انْتَهى.
3:20Page 52
فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠
So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allāh [in Islām], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned,1 "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islām], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allāh is Seeing of [His] servants.
ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جِئْناكَ بِالأمْرِ الواضِحِ الَّذِي لا يَشُكُّونَ فِيهِ ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ بَعْدَهُ في شَيْءٍ مِمّا تَضَمَّنَهُ وهَدى إلَيْهِ ودَلَّ صَرِيحًا أوْ تَلْوِيحًا عَلَيْهِ فاعْلَمْ أنَّ جِدالَهم عَنْ عِنادٍ مَعَ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الحالِ ﴿فَقُلْ﴾ أيْ فَأعْرِضْ عَنْهم إلى أنْ آمُرَكَ بِالقِتالِ، لِأنَّ مِنَ الواجِباتِ - كَما تَقَرَّرَ في آدابِ البَحْثِ - الإعْراضَ عَمَّنْ كابَرَ في (p-٢٩٦)المَحْسُوسِ، وقُلْ أنْتَ عَمَلًا بِالآيَةِ السّالِفَةِ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ أخْلَصْتُ قَصْدِي وتَوَجُّهِي، وانْقَدْتُ غايَةَ الِانْقِيادِ ﴿لِلَّهِ﴾ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَلا كُفْؤَ لَهُ.
قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا أدْرَجَ تَعالى شَهادَةَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ في شَهادَتِهِ لَقَّنَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُدْرِجَ مَنِ اتَّبَعَهُ في إسْلامِهِ وجْهَهُ لِلَّهِ لِيَكُونَ إسْلامُهم بِإسْلامِ نَبِيِّهِمْ ﷺ لا بِإسْلامِ أنْفُسِهِمْ، لِتَلْحَقَ التّابِعَةُ مِنَ الأُمَّةِ بِالأئِمَّةِ، وذَلِكَ حالُ الفِرْقَةِ النّاجِيَةِ مُؤْثَرَةِ الفِرَقِ الِاثْنَتَيْنِ والسَّبْعِينَ الَّتِي قالَ النَّبِيُّ ﷺ «وما أنا عَلَيْهِ”فِيما أُوتِيَ مِنَ اليَقِينِ“وأصْحابِي» فِيما أُوتُوهُ مِنَ الانْقِيادِ وبَراءَتِهِمْ مِنَ الرُّجُوعِ إلى أنْفُسِهِمْ في أمْرٍ، كَما كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ كُلِّ ناشِئَةِ عِلْمٍ أوْ أمْرٍ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَمَن دَخَلَ بِرَأْيِهِ في أمْرٍ نَقَصَ حَظُّهُ مِنَ الاتِّباعِ بِحَسَبِ اسْتِبْدادِهِ. انْتَهى. فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُتَّصِلِ لِأجْلِ الفِعْلِ: ﴿ومَنِ﴾ أيْ وأسْلَمَ مَنِ ﴿اتَّبَعَنِ﴾ وُجُوهَهم لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
ولَمّا كانَ المُكَمِّلُ لِنَفْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ في إكْمالِ غَيْرِهِ أعْلَمَهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ﴾ تَهْدِيدًا وتَعْجِيزًا وتَبْكِيتًا وتَقْرِيعًا (p-٢٩٧)﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ عامَّةً مِن هَؤُلاءِ النَّصارى الَّذِينَ يُجادِلُونَكَ ومِنَ اليَهُودِ أيْضًا ﴿والأُمِّيِّينَ﴾ الَّذِينَ لا كِتابَ لَهُمْ، مُشِيرًا بِالِاسْتِفْهامِ إلى عِنادِهِمْ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُوَبِّخًا لَهُمْ: ﴿أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا﴾ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ فَنَفَعُوا أنْفُسَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفي صِيغَةِ ”افْتَعَلُوا“ ما يُلِيحُ إلى أنَّ الأنْفُسَ مائِلَةٌ إلى الضَّلالِ زائِغَةٌ عَنْ طَرِيقِ الكَمالِ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ عَنِ الإسْلامِ فَهم مُعانِدُونَ فَلا يُهِمَّنَّكَ أمْرُهم ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ أيْ وعَلَيْهِمْ وبالُ تَوَلِّيهِمْ، وفي بِنْيَةِ التَّفَعُّلِ ما يُومِئُ إلى أنَّ طُرُقَ الهُدى بَعْدَ البَيانِ آخِذٌ مَحاسِنُها بِمَجامِعِ القُلُوبِ، وأنَّ الصّادِفَ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ قاهِرٌ لِظاهِرِ عَقْلِهِ وقَوِيمِ فِطْرَتِهِ الأوْلى بِرَجاسَةِ نَفْسِهِ واعْوِجاجِ طَبْعِهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ يُوَفِّقُ لِقَبُولِ البَلاغِ عَنْكَ مَن عَلِمَ فِيهِ الخَيْرَ، ويُنَكِّبُ عَنْهُ مَن عَلِمَ فِيهِ الشَّرَّ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ فَهو يُوَفِّقُ مَن خَلَقَهُ لِلْخَيْرِ مِنهم ويَخْذُلُ غَيْرَهُ. لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ غَيْرُهُ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُهُ أنْ يَفْعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ.
3:21Page 52
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١
Those who disbelieve in the signs of Allāh and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.
ولَمّا أشْرَكَ اليَهُودَ في هَذا الخِطابِ وأفْهَمَ شَرْطُ التَّوَلِّي بِأداةِ (p-٢٩٨)الشَّكِّ وُقُوعَهُ، فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ جَزائِهِمْ أشارَ إلَيْهِ واصِفًا لَهم بِبَعْضِ ما اشْتَدَّ فُحْشُهُ مِن أفْعالِهِمْ فَقالَ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُنَزَّلَةً لِتَبْيِينِ ما اشْتَبَهَ عَلى أهْلِ الإنْجِيلِ جَرى ذِكْرُ أهْلِ التَّوْراةِ فِيها مُجْمَلًا بِجَوامِعِ مَن ذَكَرَهُمْ، لِأنَّ تَفاصِيلَ أمْرِهِمْ قَدِ اسْتَقْرَأتْهُ سُورَةُ البَقَرَةِ، فَكانَ أمْرُ أهْلِ التَّوْراةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانًا وأهْلِ الإنْجِيلِ إجْمالًا، وكانَ أمْرُ أهْلِ الإنْجِيلِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ بَيانًا وذِكْرُ أهْلِ التَّوْراةِ إجْمالًا، لَمّا كانَ لَبْسُ أهْلِ التَّوْراةِ في الكِتابِ فَوَقَعَ تَفْصِيلُ ذِكْرِهِمْ في سُورَةِ
﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] ولَمّا كانَ اشْتِباهُ أمْرِ أهْلِ الإنْجِيلِ في شَأْنِ الإلَهِيَّةِ كانَ بَيانُ ما تَشابَهَ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] فَجاءَ هَذا الذِّكْرُ لِأهْلِ التَّوْراةِ مُعادَلَةً بَيْنَهم وبَيْنَ أهْلِ الإنْجِيلِ بِما كَفَرُوا بِالآياتِ مِنَ المَعْنى الَّذِي اشْتَرَكُوا فِيهِ في أمْرِ الإلَهِيَّةِ في عُزَيْرٍ واخْتَصُّوا بِقَتْلِ الأنْبِياءِ وقَتْلِ أهْلِ الخَيْرِ الآمِرِينَ بِالقِسْطِ؛ انْتَهى. فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ خَذَلَهُمُ اللَّهُ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ في إبْرازِ الِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةٌ (p-٢٩٩)إلى عَظِيمِ كُفْرِهِمْ بِكَوْنِهِ مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي ذِكْرِهِ بِصِيغَةِ الدَّوامِ ما يَقَعُ مِنهم مِنَ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ في خَتْمِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ مَعَ الدَّجّالِ فَإنَّهم أتْباعُهُ ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ في إشْعارِهِ ما تَمادَوْا عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ عَلى الأنْبِياءِ حَتّى كانَ لَهم مَدْخَلٌ في شَهادَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي رَزَقَهُ اللَّهُ فِيما كانَ يَدْعُو بِهِ حَيْثُ كانَ يَقُولُ ﷺ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهادَةً في يُسْرٍ مِنكَ وعافِيَةٍ» .
ولَمّا كانَ قَتْلُهم إيّاهم بِدُونِ شُبْهَةٍ أصْلًا بَلْ لِمَحْضِ الكُفْرِ والعِنادِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ مُبَرَّؤُونَ مِن أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ قَبْلَهم حَقٌّ دُنْيَوِيٌّ أوْ أُخْرَوِيٌّ قالَ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أيْ لا صَغِيرٍ ولا كَبِيرٍ في نَفْسِ الأمْرِ ولا في اعْتِقادِهِمْ، فَهو أبْلَغُ مِمّا في البَقَرَةِ عَلى عادَةِ أفْعالِ الحُكَماءِ في الِابْتِداءِ بِالأخَفِّ فالأخَفِّ. ولَمّا خَصَّ ذِكْرَ أكْمَلِ الخَلْقِ عَبَّرَ بِما يَعُمُّ أتْباعَهم فَقالَ مُعِيدًا لِلْفِعْلِ زِيادَةً في لَوْمِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ: (p-٣٠٠)﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ﴾ أيِ العَدْلِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ شامِلًا لِمَن لا قُدْرَةَ لَهم عَلى قَتْلِهِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ: ﴿مِنَ النّاسِ﴾ أيْ كُلِّهِمْ، سَواءٌ كانُوا أنْبِياءَ أوْ لا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا القَيْدِ زِيادَةَ تَوْبِيخِهِمْ بِأنَّهم يَقْتُلُونَ جِنْسَهُمُ الَّذِي مِن حَقِّهِمْ أنْ يَأْلَفُوهُ ويَسْعَوْا في بَقائِهِ، وهَذا تَحْقِيقٌ لِأنَّ قَتْلَهم لِمُجَرَّدِ العُدْوانِ قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إعْلامٌ بِتَمادِي تَسَلُّطِهِمْ عَلى أهْلِ الخَيْرِ مِنَ المُلُوكِ والرُّؤَساءِ، فَكانَ في طَيِّهِ إلاحَةٌ لِما اسْتَعْمَلُوا فِيهِ مِن عِلْمِ التَّطَبُّبِ ومُخالَطَتِهِمْ رُؤَساءَ النّاسِ بِالطِّبِّ الَّذِي تَوَسَّلَ كَثِيرٌ مِنهم إلى قَتْلِهِمْ بِهِ عَمْدًا وخَطَأً، لِيَجْرِيَ ذَلِكَ عَلى أيْدِيهِمْ خُفْيَةً في هَذِهِ الأُمَّةِ نَظِيرَ ما جَرى عَلى أيْدِي أسْلافِهِمْ في قَتْلِ الأنْبِياءِ جَهْرَةً. انْتَهى.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ عَنْهم مَحْذُوفًا والتَّقْدِيرُ: أنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، أوْ: لا يُؤْمِنُونَ، أوْ: لا يَزالُونَ يُجادِلُونَكَ ويُنازِعُونَكَ ويَبْغُونَ لَكَ الغَوائِلَ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيِ اجْعَلْ إخْبارَهم بِأنَّهُ لَهم مَوْضِعَ البِشارَةِ، فَهو (p-٣٠١)مِن وادِي: تَحِيَّتُهم بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences