Al-Biqa'iAli 'Imran · 3:36–41

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:36–41

3:36Page 54

فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦

But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allāh was most knowing of what she delivered, and the male is not like the female. "And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allāh]."

ولَمّا أخْبَرَ بِما اقْتَضى مُضِيُّ عَزْمِها قَبْلَ الوَضْعِ أخْبَرَ بِتَحْقِيقِهِ بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ﴾ أيْ تَحَسُّرًا ذاكِرَةً وصْفَ الإحْسانِ اسْتِمْطارًا لِلِامْتِنانِ ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الوَضْعِ وهو إلْقاءُ الشَّيْءِ المُسْتَثْقَلِ ﴿أُنْثى﴾ هي أدْنى زَوْجَيِ الحَيَوانِ المُتَناكِحِ - انْتَهى. (p-٣٥٢)ولَمّا كانَ الإخْبارُ عادَةً إنَّما هو لِمَن لا يَعْلَمُ الخَبَرَ بَيَّنَتْ أنَّ أمْرَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِإخْبارِهِ لَيْسَ مَضْمُونَ الخَبَرِ وإنَّما هو شَيْءٌ مِن لَوازِمِهِ وهُنا التَّحَسُّرُ فَقالَتْ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ.

ولَمّا كانَ المُرادُ التَّعْجِيبَ مِن هَذِهِ المَوْلُودَةِ بِأنَّها مِن خَوارِقِ العاداتِ عَبَّرَتْ عَنْها بِما فَقالَتْ: ﴿أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ وعَبَّرَتْ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الخِطابِ إشارَةً إلى السُّؤالِ في أنْ يَهَبَها مِن كَمالِهِ ويَرْزُقَها مِن هَيْبَتِهِ وجَلالِهِ، وفي قِراءَةِ إسْكانِ التّاءِ الَّذِي هو إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْها - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - إلاحَةُ مَعْنى أنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ كانَ ظاهِرُها الأُنُوثَةَ فَفِيها حَقِيقَةُ المَعْنى الَّذِي ألْحَقَها بِالرِّجالِ في الكَمالِ، حَتّى كانَتْ مِمَّنْ كَمُلَ مِنَ النِّساءِ لِما لا يَصِلُ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن رِجالِ عالَمِها، فَكانَ في إشْعارِهِ أنَّ المَوْضُوعَ كانَ ظاهِرُهُ ذَكَرًا وحَقِيقَتُهُ أُنْثى.

ولَمّا كانَ مَقْصُودُها مَعَ إمْضاءِ نَذْرِها بَعْدَ تَحَقُّقِ كَوْنِها أُنْثى التَّحَسُّرَ عَلى ما فاتَها مِنَ الأجْرِ في خِدْمَةِ البَيْتِ المُقَدَّسِ بِما يُقابِلُ فَضْلَ قُوَّةِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى وصَلاحِيَتَهُ لِلْخِدْمَةِ في كُلِّ أحْوالِهِ قالَتْ: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ﴾ (p-٣٥٣)أيِ الَّذِي هو مُعْتادٌ لِلنَّذْرِ وكُنْتُ أُحِبُّ أنْ تَهَبَهُ لِي لِأفُوزَ بِمِثْلِ أجْرِهِ في هَذا الفَرْضِ في قُوَّتِهِ وسَلامَتِهِ مِنَ العَوارِضِ المانِعَةِ مِنَ المُكْثِ في المَسْجِدِ ومُخالَطَةِ القَوْمَةِ ﴿كالأُنْثى﴾ الَّتِي وضَعْتُها، وهي داخِلَةٌ في عُمُومِ النَّذْرِ بِحُكْمِ الإطْلاقِ في الضَّعْفِ وعارِضِ الحَيْضِ ونَحْوِهِ فَلا يَنْقُصُ يا رَبُّ أجْرِي بِسَبَبِ ذَلِكَ، ولَوْ قالَتْ: ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَّكَرِ، لَفُهِمَ أنَّ مُرادَها أنَّ نَذْرَها لَمْ يَشْمَلْها فَلا حَقَّ لِلْمَسْجِدِ فِيها مِن جِهَةِ الخِدْمَةِ.

قالَ الحَرالِّيُّ: وفي إشْعارِ هَذا القَوْلِ تَفَصُّلٌ مِمّا تَتَخَوَّفُهُ أنْ لا يَكُونَ ما وضَعَتْهُ كَفافًا لِنَذْرِها، لِما شَهِدَتْ مِن ظاهِرِ أُنُوثَةِ ما وضَعَتْ، فَجَعَلَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَها أكْمَلَ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ عَزِيمَتُها مِن رُتْبَةِ الذُّكُورَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْهَدُها، فَكانَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ أتَمَّ مِن مَعْهُودِ نَذْرِها مَزِيدَ فَضْلٍ مِن رَبِّها عَلَيْها بَعْدَ وفاءِ حَقِيقَةِ مَقْصُودِها في نَذْرِها. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كالحالِيَّةِ الَّتِي قَبْلَهُ إذا أُسْكِنَتِ التّاءُ، والتَّقْدِيرُ: قالَتْ كَذا والحالُ أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ مِنها بِما وضَعَتْ، والحالُ أيْضًا أنَّهُ لَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي أرادَتْهُ بِحُكْمِ مُعْتادِ النَّذْرِ كالأُنْثى الَّتِي وُهِبَتْ لَها فَدَخَلَتْ فِيهِ بِحُكْمِ إطْلاقِهِ، (p-٣٥٤)بَلْ هي أعْلى، لِأنَّ غايَةَ ما تَعْرِفُهُ مِنَ المَنذُورِينَ أنْ يَكُونَ كَأنْبِيائِهِمُ المُقَرِّرِينَ لِحُكْمِ التَّوْراةِ، وهَذِهِ الأُنْثى مَعَ ما لَها مِنَ العُلُوِّ في نَفْسِها سَتَكُونُ سَبَبًا في السُّؤالِ في نَبِيٍّ هو أعْظَمُ أنْبِيائِهِمْ، وتَلِدُ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، ثُمَّ يَكُونُ مُقَرِّرًا لِأعْظَمِ الشَّرائِعِ.

ولَمّا تَمَّ ما قالَتْهُ عِنْدَ الوَضْعِ أوْ قالَهُ اللَّهُ في تِلْكَ الحالَةِ أتَمَّ سُبْحانَهُ وتَعالى الخَبَرَ عَنْ بَقِيَّةِ كَلامِها وأنَّها عَدَلَتْ عَنْ مَظْهَرِ الجَلالَةِ إلى الخِطابِ عَلى طَرِيقِ أهْلِ الحَضْرَةِ، وأكَّدَتْ إعْلامًا بِشِدَّةِ رَغْبَتِها في مَضْمُونِ كَلامِها فَقالَ حاكِيًا: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ ومَعْنى هَذا الِاسْمِ بِلِسانِهِمُ: العابِدَةُ. قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن جاءَ بِشَيْءٍ أوْ قَرَّبَهُ فَحَقُّهُ أنْ يَجْعَلَ لَهُ اسْمًا، ورَدَ أنَّ السَّقْطَ إذا لَمْ يُسَمَّ يُطالِبُ مَن حَقُّهُ أنْ يُسَمِّيَهُ فَيَقُولُ: يا رَبُّ! أضاعُونِي، فَكانَ مِن تَمامِ أنْ وضَعَتْها أنْ تُسَمِّيَها، فَيَكُونَ إبْداؤُها لَها وضْعَ عَيْنٍ وإظْهارَ اسْمٍ، لِما في وُجُودِ الِاسْمِ مِن كَمالِ الوُجُودِ في السَّمْعِ كَما هو في العَيْنِ، لِيَقَعَ التَّقَرُّبُ والنَّذْرُ بِما هو كامِلُ الوُجُودِ عَيْنًا واسْمًا.

ولَمّا كانَتْ مُحَرَّرَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَ حَقًّا أنْ يُجْرِيَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إعاذَتَها قَوْلًا كَما هو جاعِلُها مُعاذَةً كَوْنًا مِن حَيْثُ هي لَهُ، وما (p-٣٥٥)كانَ في حِمى المَلِكِ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ طَرِيدَةٌ فَقالَتْ: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿وذُرِّيَّتَها﴾ إشْعارٌ بِما أُوتِيَتْهُ مِن عِلْمٍ بِأنَّها ذاتُ ذُرِّيَّةٍ، فَكَأنَّها نَطَقَتْ عَنْ غَيْبٍ مِن أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَهو مُعْلِمُهُ لِمَن شاءَ.

ولَمّا كانَ مَن في حِصْنِ المَلِكِ وحِرْزِهِ بِجِوارِهِ بَعِيدًا مِمَّنْ أحْرَقَهُ بِنارِ البُعْدِ وأهانَهُ بِالرَّجْمِ حَقَّقَتِ الإعاذَةَ بِقَوْلِها: ﴿مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وفي هَذا التَّخْلِيصِ لِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ بِالإعاذَةِ ولِذُرِّيَّتِها حَظٌّ مِنَ التَّخْلِيصِ المُحَمَّدِيِّ لَمّا شُقَّ صَدْرُهُ ونُبِذَ حَظُّ الشَّيْطانِ مِنهُ وغُسِلَ قَلْبُهُ بِالماءِ والثَّلْجِ في البِدايَةِ الكَوْنِيَّةِ، وبِماءِ زَمْزَمَ في البِدايَةِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ الكَوْنِيِّ، فَلِذَلِكَ كانَ لِمَرْيَمَ ولِذُرِّيَّتِها بِمُحَمَّدٍ ﷺ اتِّصالٌ واصِلٌ؛ قالَ ﷺ: «أنا أوْلى النّاسِ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، مِن أجْلِ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وبِما هو حَكَمٌ أمامَهُ في خاتِمَةِ يَوْمِهِ وقائِمٌ مِن قَوْمَةِ دِينِهِ» .

3:37Page 54

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ ٣٧

So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allāh. Indeed, Allāh provides for whom He wills without account."

(p-٣٥٦)ولَمّا أخْبَرَ بِدُعائِها أخْبَرَ بِإجابَتِها فِيهِ فَقالَ: ﴿فَتَقَبَّلَها﴾ فَجاءَ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ مُطابَقَةً لِقَوْلِها ﴿فَتَقَبَّلْ﴾ [آل عمران: ٣٥] فَفِيهِ إشْعارٌ بِتَدَرُّجٍ وتَطَوُّرٍ وتَكَثُّرٍ، كَأنَّهُ يَشْعُرُ بِأنَّها مَزِيدٌ لَها في كُلِّ طَوْرٍ تَتَطَوَّرُ إلَيْهِ، مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فاقْبَلْ مِنِّي فَلَمْ تَكُنْ إجابَتُهُ ”فَقَبْلها“، فَيَكُونُ إعْطاءً واحِدًا مُنْقَطِعًا عَنِ التَّواصُلِ والتَّتابُعِ، فَلا تَزالُ بَرَكَةُ تَحْرِيرِها مُتَجَدِّدًا لَها في نَفْسِها وعائِدًا بَرَكَتُهُ عَلى أُمِّها حَتّى تَتَرَقّى إلى العُلُوِّ المُحَمَّدِيِّ فَيَتَكَوَّنَ في أزْواجِهِ ومَن يَتَّصِلُ بِهِ. انْتَهى.

وجاءَ بِالوَصْفِ المُشْعِرِ بِالإحْسانِ مُضافًا إلَيْها إبْلاغًا في المَعْنى فَقالَ: ﴿رَبُّها﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وظَهَرَ سِرُّ الإجابَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ”بِتَقَبُّلٍ“ - جَرْيًا عَلى الأوَّلِ.

ولَمّا أنْبَأ القَبُولُ عَنْ مَعْنى ما أُولِيَتْهُ باطِنًا أنْبَأ الإنْباتُ عَمّا أُولِيَتْهُ ظاهِرًا في جِسْمانِيَّتِها، وفي ذِكْرِ الفِعْلِ مِن ”أفْعَلَ“ في قَوْلِهِ: (p-٣٥٧)﴿وأنْبَتَها﴾ والِاسْمِ مِن ”فَعَلَ“ في قَوْلِهِ: ﴿نَباتًا حَسَنًا﴾ إعْلامٌ بِكَمالِ الأمْرَيْنِ مِن إمْدادِها في النُّمُوِّ الَّذِي هو غَيْبٌ عَنِ العُيُونِ وكَمالِها في ذاتِيَّةِ النَّباتِ الَّذِي هو ظاهِرٌ لِلْعَيْنِ، فَكَمُلَ في الإنْباءِ والوُقُوعِ حُسْنُ التَّأْثِيرِ وحُسْنُ الأثَرِ، فَأعْرَبَ عَنْ إنْباتِها ونَباتِها مَعْنىً حَسَنًا. انْتَهى. فَوَقَعَ الجَوابُ لِأنَّها عِنايَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِها عَلى ما وقَعَ سُؤالُها فِيهِ، فَلَقَدْ ضَلَّ وافْتَرى مَن قَذَفَها وبَهَتَها، وكَفَرَ وغَلا مَنِ ادَّعى في ولَدِها مِنَ الإطْراءِ ما ادَّعى.

وقالَ الحَرالِّيُّ: وقَدْ أنْبَأ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الخاصَّةِ بِقِصَّةِ مَرْيَمَ عَلَيْها الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَقَبُّلِها وإنْباتِها وحُسْنِ سِيرَتِها بِما نَفى اللَّبْسَ في أمْرِها وأمْرِ ولَدِها، لِأنَّ المَخْصُوصَ بِمَنزِلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما هو في بَيانِ رَفْعِ اللَّبْسِ الَّذِي ضَلَّ بِهِ النَّصارى، فَيَذْكُرُ في كُلِّ سُورَةٍ ما هو الألْيَقُ والأوْلى بِمَخْصُوصِ مَنزِلِها، فَلِذَلِكَ يَنْقُصُ الخِطابَ في القِصَّةِ الواحِدَةِ في سُورَةٍ ما يَسْتَوْفِيهِ في سُورَةٍ أُخْرى لِاخْتِلافِ مَخْصُوصِ مَنزِلِها، كَذَلِكَ الحالُ في القِصَصِ المُتَكَرِّرَةِ في القُرْآنِ مِن قِصَصِ الأنْبِياءِ وما ذَكَرَ فِيهِ لِمَقْصِدِ التَّرْغِيبِ والتَّثْبِيتِ والتَّحْذِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ التَّنْبِيهِ - انْتَهى، وفِيهِ تَصَرُّفٌ. (p-٣٥٨)ولَمّا كانَ الصَّغِيرُ لا بُدَّ لَهُ فِيما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن كَبِيرٍ يَتَوَلّى أمْرَهُ قالَ: ﴿وكَفَّلَها﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الكَفْلِ وهو حِياطَةُ الشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ حَتّى يَصِيرَ عَلَيْهِ كالفَلَكِ الدّائِرِ ﴿زَكَرِيّا﴾ وفي قِراءَةِ التَّشْدِيدِ إنْباءٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو في الحَقِيقَةِ كَفِيلُها بِما هو تَقَبَّلَها، وفِيهِ اسْتِخْلاصٌ لِزَكَرِيّا مِن حَيْثُ جَعَلَهُ يَدَ وكالَةٍ لَهُ فِيها. انْتَهى.

ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الكَفِيلِ القِيامُ بِما يَعْجِزُ عَنْهُ المَكْفُولُ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ تِلْكَ الكَفالَةَ إنَّما كانَتْ جَرْيًا عَلى العَوائِدِ وأنَّهُ تَبَيَّنَ أنَّ تَقَبُّلَ اللَّهِ لَها أغْناها عَنْ سِواهُ فَقالَ في جَوابِ مَن لَعَلَّهُ يَقُولُ: ما فَعَلَ في كَفالَتِها؟: ﴿كُلَّما﴾ أيْ كانَ كُلَّما ﴿دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ أيْ مَوْضِعَ العِبادَةِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: هو صَدْرُ البَيْتِ ومُقَدَّمُهُ الَّذِي لا يَكادُ يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا بِفَضْلٍ مِنهُ وقُوَّةٍ وجُهْدِ حَرْبٍ ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ وذَلِكَ كَما وُجِدَ عِنْدَ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قِطْفُ العِنَبِ - كَما سَيَأْتِي في آخِرِ المائِدَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في هَذِهِ الأُمَّةِ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ أيْ مِن أوَّلِها إلاحَةٌ لِمَعْنى حُسْنِ كَفالَتِهِ (p-٣٥٩)وأنَّهُ كانَ يَتَفَقَّدُها عِنْدَ تَقْدِيرِ حاجَتِها إلى الطَّعامِ بِما تُفِيدُهُ كَلِمَةُ ﴿كُلَّما﴾ مِنَ التَّكْرارِ، فَيَجِدُ الكَفِيلُ الحَقَّ قَدْ عاجَلَها بِرِزْقٍ مِن غَيْبٍ بِما هو سُبْحانَهُ وتَعالى المُتَوَلِّي لِإنْباتِها لِيَكُونَ نَباتُها مِن غَيْبِ رِزْقِهِ فَتَصْلُحَ لِنَفْخِ رُوحِهِ ومُسْتَوْدَعِ كَلِمَتِهِ، ولا يَلْحَقَها بَعْدَ الإعاذَةِ ما فِيهِ مَسٌّ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ الَّذِي أعاذَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنهُ بِكَثْرَةِ الِاخْتِلاطِ في مَوْجُوداتِ الأرْزاقِ، فَكانَ مِن حِفْظِها أنْ تَوَلّى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أرْزاقَها مِن غَيْبٍ إلّا ما يُطَيِّبُهُ مَن بادَ، ولِيَكُونَ حُسْنُ نَباتِها مِن أحْسَنِ رِزْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما يُقالُ: مَن غُذِّيَ بِطَعامِ قَوْمٍ غُذِّيَ بِقُلُوبِهِمْ ومَن غُذِّيَ بِقُلُوبِهِمْ آلَ إلى مُنْقَلَبِهِمْ، وكانَتْ هي مِثْلَ ما كَفَلَها كافِلُها ظاهِرًا كَفَلَتْهُ باطِنًا حِينَ أبْدى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ مِن أمْرِهِ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلُ بَدا لَهُ، فَكانَ لِمَرْيَمَ عَلَيْها الصَّلاةُ والسَّلامُ تَوْطِئَةٌ في رِزْقِها لِما يَكُونُ كَمالُهُ في حَمْلِها فَيَكُونُ رِزْقُها بِالكَلِمَةِ ابْتِداءً لِيَكُونَ حَمْلُها بِالكَلِمَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ نَحْوَ ما عايَنَ لَها مِن أنْ يَرْزُقَهُ الوَلَدَ في غَيْرِ إبّانِهِ كَما رَزَقَ مَرْيَمَ الرِّزْقَ في غَيْرِ أوانِهِ، وفي (p-٣٦٠)تَعْيِينِ مَحَلِّها بِالمِحْرابِ ما يُلِيحُ مَعْنى ما ذُكِرَ مِن رُجُولِيَّتِها باطِنًا مِن حَيْثُ إنَّ مَحَلَّ النِّساءِ أنْ يَتَأخَّرْنَ فَأبْدى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في مَحَلِّها ذِكْرَ المِحْرابِ إشارَةً بِكَمالِها، والمِحْرابُ صَدْرُ البَيْتِ المُتَّخَذُ لِلْعِبادَةِ، وفي لُزُومِها لِمِحْرابِها في وقْتِ تَناوُلِ الرِّزْقِ إعْلامٌ بِأنَّ الحَبِيسَ والمُعْتَكِفَ بَيْتُهُ مِحْرابُهُ ومِحْرابُهُ بَيْتُهُ، بِخِلافِ مَن لَهُ مُتَّسَعٌ في الأرْضِ ومَحَلٌّ مِن غَيْرِ بَيْتِ اللَّهِ، إنَّما المَساجِدُ بُيُوتُ أهْلِ اللَّهِ المُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ، فَهو مَحَلُّهم في صَلاتِهِمْ ومَحَلُّهم في تَناوُلِ أرْزاقِهِمْ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِحُضُورِها، وحُضُورُ أهْلِ العُكُوفِ حُضُورٌ سَواءٌ في صَلاتِهِمْ وطَعامِهِمْ، ولِذَلِكَ أنْمى حالُ العَبْدِ عِنْدَ رَبِّهِ بِما هو عَلَيْهِ في حالِ تَناوُلِ طَعامِهِ وشَرابِهِ، فَأهْلُ اللَّهِ سَواءٌ مَحْياهم ومَماتُهم وأكْلُهم وصَلاتُهُمْ، مَن غَفَلَ عِنْدَ طَعامِهِ قَلْبُهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَحْضُرَ في صَلاتِهِ قَلْبُهُ، ومَن حَضَرَ عِنْدَ طَعامِهِ قَلْبُهُ لَمْ يَغِبْ في صَلاتِهِ قَلْبُهُ، وفي ذِكْرِ الرِّزْقِ شائِعًا إشْعارٌ بِأنَّها أنْواعٌ مِن أرْزاقٍ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَوِ اخْتَصَّ يَخُصُّ بِهِ ما هو أخَصُّ مِن هَذا الِاسْمِ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ يَقُولُ لَها إذا رَأى ذَلِكَ؟ قِيلَ: (p-٣٦١)كانَ كُلَّما وجَدَ ذَلِكَ، أوْ: لَمّا تَكَرَّرَ وِجْدانُهُ لِذَلِكَ ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى﴾ أيْ مِن أيْنَ ﴿لَكِ هَذا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: كَلِمَةُ أنّى تُشْعِرُ بِاسْتِغْرابِهِ وُجُودَ ذَلِكَ الرِّزْقِ مِن وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ: مِن جِهَةِ الزَّمانِ أنَّهُ لَيْسَ زَمانَهُ، ومِن جِهَةِ المَكانِ أنَّهُ لَيْسَ مَكانَهُ، ومِن جِهَةِ الكَيْفِ ووُصُولِهِ إلَيْها أنَّهُ لَيْسَ حالَهُ، وفي ذِكْرِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ إيذانٌ بِنَظَرِها إلى مَجْمُوعِ حَقِيقَةِ ذَلِكَ الرِّزْقِ لا إلى أعْيانِهِ، فَهو إنْباءٌ عَنْ رُؤْيَةِ قَلْبٍ، لا عَنْ نَظَرِ عَيْنٍ لِأنَّ هو كَلِمَةُ إضْمارٍ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما تَفَصَّلَتْ صُوَرُهُ مِمّا اتَّحَدَ مُضْمَرُهُ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ مِن مَعْهُودِ ما أظْهَرَتْهُ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ مِمّا يُجْرِيهِ عَلى مُعالَجاتِ أيْدِي الخَلْقِ قالَتْ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ، لِأنَّ ما خَرَجَ مِن مَعْهُودِ مُعالَجَةِ الحِكْمَةِ فَهو مِن عِنْدِهِ، وما كانَ مُسْتَغْرَبًا فِيما هو مِن عِنْدِهِ فَهو مِن لَدُنْهُ، فَهي ثَلاثُ رُتَبٍ: رُتْبَةُ لَدُنِيَّةٍ، ورُتْبَةُ عِنْدِيَّةٍ، ورُتْبَةُ حِكْمِيَّةٍ عادِيَّةٍ؛ فَكانَ هَذا وسَطَ الثَّلاثِ - كَما قالَ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] حَيْثُ كانَ مُسْتَغْرَبًا عِنْدَ أهْلِ الخُصُوصِ كَما قالَ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ (p-٣٦٢)أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ [الكهف: ٧١] والإمْرُ العَجَبُ، ولِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ عَنِ الرُّتْبَةِ العادِيَّةِ جَرى النَّبَأُ عَنْهُ مُضافًا إلى الِاسْمِ العَظِيمِ الَّذِي هو مُسَمّى الأسْماءِ كُلِّها مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ”مِن عِنْدِ رَبِّي“ لِما في ذِكْرِ اسْمِ الرُّبُوبِيَّةِ مِن إشْعارٍ بِمادَّةٍ أوْ قَرِيبٍ مِنها أوْ ما كانَ مِن نَحْوِها كَما قالَ ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠] لَمّا كانَ مِن عادَتِهِ المُكْنَةُ عَلى المُلُوكِ، وكانَ مُمَكَّنًا فِيما أحاطَ بِهِ مَوْجُودُ الأرْكانِ الأرْبَعَةِ. انْتَهى.

ولَمّا أخْبَرَتْ بِخَرْقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَها العادَةَ عَلَّلَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِها مُؤَكِّدَةً تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في قُدْرَةِ مُلُوكِ الدُّنْيا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكُلِّيَّةُ. قالَ الحَرالِّيُّ: في تَجْدِيدِ الِاسْمِ العَظِيمِ في النَّبَأِ إشْعارٌ بِاتِّساعِ النَّبَأِ وإيذانٌ وإلاحَةٌ بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَكَ ولِمَن شاءَ اللَّهُ كَما هو لِي بِما شاءَ اللَّهُ، مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أنَّهُ فَيَكُونُ مَلِيحًا لِاخْتِصاصِ ما بِها، ويُؤَيِّدُهُ عُمُومُ قَوْلِها: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ وقَوْلُها: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّهُ عَطاءٌ مُتَّصِلٌ، فَلا يَتَحَدَّدُ ولا يَتَعَدَّدُ، فَهو رِزْقٌ لا مُتَعَقَّبَ عَلَيْهِ، لِأنَّ كُلَّ مَحْسُوبٍ في الإبْداءِ (p-٣٦٣)مُحاسَبٌ عَلَيْهِ في الإعادَةِ، فَكانَ في الرِّزْقِ بِغَيْرِ حِسابٍ مِن عِلاجِ الحِكْمَةِ بُشْرى بِرَفْعِ الحِسابِ عَنْهم في المَعادِ وكَفالَةٌ بِالشُّكْرِ عَنْهُ، لِأنَّ أعْظَمَ الشُّكْرِ لِرِزْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعْرِفَةُ العَبْدِ بِأنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إنَّما يَشْكُرُ رِزْقَ اللَّهِ مَن أخَذَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. انْتَهى.

3:38Page 55

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨

At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ زَكَرِيّا حِينَئِذٍ؟ قِيلَ: ﴿هُنالِكَ﴾ أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ وذَلِكَ المَكانِ العَظِيمِ المِقْدارِ ﴿دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ تَذَكُّرًا لِما عَوَّدَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ مِنَ الإكْرامِ، فَظَهَرَتْ عَلَيْهِ كَراماتُ هَذِهِ الكَفالَةِ، قالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا أشْهَدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ يَخْرِقُ عادَتَهُ لِمَن شاءَ بِكَلِمَتِهِ في حَقِّ كَفِيلَتِهِ في الظّاهِرِ، الكافِلَةِ لَهُ في هَذا المَعْنى، دَعا رَبَّهُ الَّذِي عَوَّدَهُ بِالإحْسانِ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا في غَيْرِ إبّانِهِ كَما رَزَقَ مَرْيَمَ رِزْقًا في غَيْرِ زَمانِهِ فَوَجَبَ دُعاؤُهُ. انْتَهى.

﴿قالَ رَبِّ﴾ أيِ الَّذِي عَوَّدَنِي بِإحْسانِهِ ﴿هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: طَلَبَ عَلَيْهِ مِن باطِنِ الأمْرِ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ (p-٣٦٤)مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] وكَما قالَ فِيهِ ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ [مريم: ١٣] لِأنَّ كُلَّ ما كانَ مِن (لَدُنْ) فَهو أبْطَنُ مِن (عِنْدَ) ﴿ذُرِّيَّةً﴾ فِيهِ إشْعارٌ بِكَثْرَةٍ ونَسْلٍ باقٍ، فَأُجِيبَ بِوَلَدٍ فَرْدٍ لَمّا كانَ زَمانَ انْتِهاءٍ في ظُهُورِ كَلِمَةِ الرُّوحِ وبِأنَّهُ لا يُنْسِلُ فَكانَ يَحْيِى حَصُورًا لِغَلَبَةِ الرُّوحانِيَّةِ عَلى إنْسانِيَّتِهِ. انْتَهى.

﴿طَيِّبَةً﴾ أيْ مُطِيعَةً لَكَ لِأنَّ ذَلِكَ طِلْبَةُ أهْلِ الخُصُوصِ، ثُمَّ عَلَّلَ إدْلالَهُ عَلى المَقامِ الأعْظَمِ بِالسُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ مُرِيدُهُ ومُجِيبُهُ لِأنَّ مِن شَأْنِ مَن يَسْمَعُ - ولَمْ يَمْنَعْ - أنْ يُجِيبَ إذا كانَ قادِرًا كامِلًا، وقَدْ ثَبَتَتِ القُدْرَةُ بِالرُّبُوبِيَّةِ الكامِلَةِ الَّتِي لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ الحَيِّ القَيُّومِ، بِخِلافِ الأصْنامِ ونَحْوِها مِمّا عُبِدَ فَإنَّها لا تَسْمَعُ، ولَوْ سَمِعَتْ لَمْ تَقْدِرْ عَلى الإجابَةِ إلى ما تُسْألُ فِيهِ لِأنَّها مَرْبُوبَةٌ. قالَ الحَرالِّيُّ: أعْلَمَ الدّاعِي بِما لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الإجابَةِ، والقُرْبُ ”وسِيلَةٌ في قَبُولِ“ دُعائِهِ - انْتَهى.

3:39Page 55

فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٣٩

So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allāh gives you good tidings of John, confirming a word1 from Allāh and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."

ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ سَمِعَ دُعاءَهُ كَما قالَ ﴿فَنادَتْهُ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ وحُسْنِ رَجائِهِ أنْ نادَتْهُ ﴿المَلائِكَةُ﴾ (p-٣٦٥)يَعْنِي هَذا النَّوْعَ، لا كُلَّهم بَلْ ناداهُ البَعْضُ، وكانَ مُتَهَيِّئًا بِما آتاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الفَضْلِ لِمُناداةِ الكُلِّ، كَما هو شَأْنُ أهْلِ الكَمالِ مِنَ الرُّسُلِ ﴿وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ وهو مَوْضِعُ مُحارَبَةِ العابِدِ لِلشَّيْطانِ، وهو أشْرَفُ الأماكِنِ لِذَلِكَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ ولُزُومِهِ مُعْتَكَفَهُ وقُنُوتِهِ في قِيامِهِ وأنَّ الغالِبَ عَلى صَلاتِهِ القِيامُ لِأنَّ الصَّلاةَ قِيامٌ، وسُجُودٌ يُقابِلُهُ، ورُكُوعٌ مُتَوَسِّطٌ، فَذُكِرَتْ صَلاتُهُ بِالقِيامِ إشْعارًا بِأنَّ حُكْمَ القِيامِ غالِبٌ عَلَيْها. انْتَهى. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ في قِراءَةِ حَمْزَةَ وابْنِ عامِرٍ بِالكَسْرِ لِجَوابِ مِن كَأنَّهُ قالَ: بِأيِّ شَيْءٍ نادَتْهُ المَلائِكَةُ؟ قَوْلَهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَذَكَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ المُحِيطَ مَعْناهُ بِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ، ولَمْ يَقُلْ إنَّ رَبَّكَ لَمّا كانَ أمْرُ إجابَتِهِ مِن وراءِ الحِكْمَةِ العادِيَّةِ؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿بِيَحْيى﴾ مُسَمّىً بِصِيغَةِ الدَّوامِ - مَعَ أنَّهُ كَما قِيلَ: قُتِلَ - إشْعارٌ بِوَفاءِ حَقِيقَةِ الرُّوحانِيَّةِ الحَياتِيَّةِ فِيهِ دائِمًا، لا يَطْرُقُهُ طارِقُ مَوْتِ الظّاهِرِ حَيْثُ قُتِلَ شَهِيدًا. انْتَهى.

﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ﴾ أيْ نَبِيٍّ خُلِقَ بِالكَلِمَةِ (p-٣٦٦)لا بِالمُعالَجَةِ العادِيَّةِ، يُرْسِلُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى عِبادِهِ فَيُكَذِّبُهُ أكْثَرُهم ويُصَدِّقُهُ هُوَ، وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ.

قالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلِمَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ويَحْيى مُصَدِّقَهُ بِما هو مِنهُ كَمالُ كَلِمَتِهِ حَتّى أنَّهُما في سَماءٍ واحِدَةٍ، فَفي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ إشْعارٌ بِإحاطَتِهِ في ذاتِ الكَلِمَةِ. انْتَهى.

﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا﴾ أيْ فَلا يَتَزَيَّنُ بِزِينَةٍ لِأنَّهُ بالِغُ الحَبْسِ لِنَفْسِهِ والتَّضْيِيقِ عَلَيْها في المَنعِ مِنَ النِّكاحِ. قالَ في القامُوسِ: والحَصُورُ مَن لا يَأْتِي النِّساءَ وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، أوِ المَمْنُوعُ مِنهُنَّ، أوْ مَن لا يَشْتَهِيهِنَّ ولا يَقْرَبُهُنَّ، والمَجْبُوبُ - والهَيُوبُ المُحْجِمُ عَنِ الشَّيْءِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: وهو مِنَ الحَصْرِ وهو المَنعُ عَمّا شَأْنُ الشَّيْءِ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ - انْتَهى ﴿ونَبِيًّا﴾ (p-٣٦٧)ولَمّا كانَ النَّبِيُّ لا يَكُونُ إلّا صالِحًا لَمْ يَعْطِفْ بَلْ قالَ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ إعْلامًا بِمَزِيَّةِ رُتْبَةِ الصَّلاحِ واحْتِرازًا مِنَ المُتَنَبِّيِينَ،

3:40Page 55

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠

He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" He [the angel] said, "Such is Allāh; He does what He wills."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ حِينَ أجابَهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ يَسْتَثْبِتُ بِذَلِكَ ما يَزِيدُهُ طُمَأْنِينَةً ويَقِينًا وسَكِينَةً ﴿رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ.

ولَمّا كانَ مَطْلُوبُهُ ولَدًا يَقُومُ مَقامَهُ فِيما هو فِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ الَّتِي لا يُطِيقُها إلّا الذُّكُورُ الأقْوِياءُ الكَلِمَةِ، وكانَتِ العادَةُ قاضِيَةً بِأنَّ ولَدَ الشَّيْخِ يَكُونُ ضَعِيفًا لا سِيَّما إنْ كانَ حَرْثُهُ مَعَ الطَّعْنِ في السِّنِّ في أصْلِهِ غَيْرَ قابِلٍ لِلزَّرْعِ أحَبَّ أنْ يُصَرِّحَ لَهُ بِمَطْلُوبِهِ فَقالَ: ﴿أنّى﴾ أيْ كَيْفَ ومِن أيْنَ ﴿يَكُونُ لِي﴾ وعَبَّرَ بِما تَدُورُ مادَّتُهُ عَلى الغَلَبَةِ والقُوَّةِ زِيادَةً في الكَشْفِ فَقالَ: ﴿غُلامٌ﴾ وفي تَعْبِيرِهِ بِهِ في سِياقِ الحَصُورِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن صِحَّةِ الجِسْمِ وقُوَّتِهِ اللّازِمِ مِنهُ شِدَّةُ الدّاعِيَةِ إلى النِّكاحِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنهُ مَنعًا زائِدًا عَلى الحَدِّ، لِما عِنْدَهُ مِن غَلَبَةِ شُهُودِ اللّازِمِ مِنهُ الإقْبالُ عَلى العِبادَةِ بِكُلِّيَّتِهِ والإعْراضُ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ عَنْها جُمْلَةً لا سِيَّما النِّكاحُ، (p-٣٦٨)بِحَيْثُ يُظَنُّ أنَّهُ لا إرْبَ لَهُ فِيهِ، وهَذا المُوافِقُ لِلتَّعْبِيرِ الأوَّلِ لِلْحَصُورِ في القامُوسِ، وهو الَّذِي يَنْبَغِي ألّا يُعَرَّجَ عَلى غَيْرِهِ لِأنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن مُتَعَدٍّ، ولِأنَّهُ أمْدَحُ لَهُ ﷺ، ومَهْما دارَ الشَّيْءُ عَلى صِفَةِ الكَمالِ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وجَبَ أنْ لا يُعْدَلَ عَنْهُ، وما ورَدَ - كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:

”ذَكَرُهُ مِثْلُ هَذِهِ القَذاةِ“» فَقَدْ ضَعَّفُوهُ، وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا عَنْ أنَّهُ لَمّا أعْرَضَ عَنْهُ رَأْسًا ضَعُفَ ما مَعَهُ لِذَلِكَ، فَهو إخْبارٌ عَنْ آخِرِ أمْرِهِ الَّذِي أدَّتْ إلَيْهِ عَزِيمَتُهُ، والآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى ما اقْتَضَتْهُ خِلْقَتُهُ وغَرِيزَتُهُ وإنْ كانَ الجَمْعُ لِكَمالِ الوُجُودِ الإنْسانِيِّ بِالنِّكاحِ أكْمَلَ كَما وقَعَ لِنَبِيِّنا ﷺ ويَقَعُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ نُزُولِهِ ﴿وقَدْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ إلى حَدٍّ لا يُولَدُ فِيهِ عادَةً ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ العُقْرِ وهو البُلُوغُ إلى حَدِّ انْقِطاعِ النَّسْلِ هَرَمًا - انْتَهى؛ كَذا قالَ، وآيَةُ سُورَةِ مَرْيَمَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى أنَّها لَمْ تَزَلْ عَقِيمًا، وعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلامُ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ في القامُوسِ في الرّاءِ: العَقْرَةُ وتُضَمُّ: العُقْمُ، وقَدْ (p-٣٦٩)عُقِرَتْ كَعُنِيَ فَهي عاقِرٌ، ورَجُلٌ عاقِرٌ وعَقِيرٌ: لا يُولَدُ لَهُ ولَدٌ، والعُقَرَةُ كَهُمَزَةٍ: خَرَزَةٌ تَحْمِلُها المَرْأةُ لِئَلّا تَلِدَ، وقالَ في المِيمِ: العُقْمُ بِالضَّمِّ: هَزْمَةٌ تَقَعُ في الرَّحِمِ فَلا تَقْبَلُ الوَلَدَ، عَقِمَتْ كَفَرِحَ ونَصَرَ وكَرُمَ وعُنِيَ، ورَحِمٌ عَقِيمٌ وامْرَأةٌ عَقِيمٌ ورَجُلٌ عَقِيمٌ: لا يُولَدُ لَهُ، وقالَ الإمامانِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ وعَبْدُ الحَقِّ في واعِيهِ: والعُقْرُ بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ القافِ مَصْدَرُ العاقِرِ مِنَ النِّساءِ وهي الَّتِي لا تَحْمِلُ مِن غَيْرِ داءٍ ولا كِبَرٍ، يُقالُ: امْرَأةٌ عاقِرٌ، وبِها عُقْرٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ كَأنَّ في رَحِمِها عُقْرًا يَمْنَعُها مِنَ الوِلادَةِ، وقالَ الإمامُ أبُو غالِبٍ ”ابْنُ التَّيّانِيِّ“ في كِتابِهِ المُوعِبِ صاحِبُ [ تَلْقِيحِ ] العَيْنِ: العُقْرُ مَصْدَرُ العاقِرِ مِنَ النِّساءِ وهي الَّتِي لا تَحْمِلُ مِن غَيْرِ داءٍ ولا كِبَرٍ، لَكِنْ خِلْقَةً، ثُمَّ قالَ وتَعَقَّرَتْ: إذا ولَدَتْ ثُمَّ أمْسَكَتْ - واللَّهُ المُوَفِّقُ. (p-٣٧٠)ثُمَّ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿قالَ كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ الجَلِيلِ البَعِيدِ الرُّتْبَةِ. ولَمّا كانَ اسْتِنْباؤُهُ عَنِ القُوَّةِ والكَمالِ لا عَنِ الخُلُقِ عَبَّرَ سُبْحانَهُ في تَعْلِيلِ ذَلِكَ بِالفِعْلِ بِخِلافِ ما يَأْتِي في قِصَّةِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ لِأنَّهُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ قَرَّتْ عَيْنُهُ فَما قالَ؟

3:41Page 55

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١

He said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."

قِيلَ ﴿قالَ﴾ إرادَةَ تَعْجِيلِ البُشْرى وتَحْقِيقِ السَّرّاءِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً أعْلَمُ بِها ذَلِكَ ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ لا تَقْدِرُ عَلى أنْ تُكَلِّمَهم بِكَلامٍ دُنْيَوِيٍّ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾

ولَمّا كانَ الكَلامُ يُطْلَقُ عَلى الفِعْلِ مَجازًا اسْتَثْنى مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿إلا رَمْزًا﴾ لِتَخْلُصَ هَذِهِ المُدَّةُ لِلذِّكْرِ شُكْرًا عَلى النِّعْمَةِ فاحْمَدْ رَبَّكَ عَلى ذَلِكَ. قالَ الحَرالِّيُّ: والرَّمْزُ تَلَطُّفٌ في الإفْهامِ بِإشارَةِ تَحَرُّكِ طَرَفٍ كاليَدِ واللَّحْظِ والشَّفَتَيْنِ ونَحْوِها، والغَمْزُ أشَدُّ مِنهُ بِاليَدِ ونَحْوِها. انْتَهى. فَعَدَمُ الكَلامِ مَعَ صِحَّةِ آلَتِهِ دَلِيلُ إيجادِ المُتَكَلِّمِ مَعَ (p-٣٧١)ضَعْفِ آلَتِهِ إلى حَدٍّ لا يَتَكَوَّنُ عَنْها عادَةً، ولَمّا كانَ الأتَمُّ في القُدْرَةِ أنْ يُحْبَسَ عَنْ كَلامٍ دُونَ آخَرَ قالَ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ أيْ بِالحَمْدِ وهو أنْ تُثْبِتَ لَهُ الإحاطَةَ بِكُلِّ كَمالٍ ﴿كَثِيرًا﴾ في الأيّامِ الَّتِي مُنِعْتَ فِيها مِن كَلامِ النّاسِ خُصُوصًا، وفي سائِرِ أوْقاتِكَ عُمُومًا ﴿وسَبِّحْ﴾ أيْ أوْقِعِ التَّسْبِيحَ لِمُطْلَقِ الخَلِيلِ رَبِّكَ بِأنْ تَنْفِيَ عَنْهُ كُلَّ نَقْصٍ ﴿بِالعَشِيِّ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ العَشْوِ وأصْلُ مَعْناهُ: إيقادُ نارٍ عَلى عَلَمٍ لِمَقْصِدِ هُدىً أوْ قِرىً ومَأْوىً عَلى حالِ وهْنٍ، فَسُمِّيَ بِهِ عَشِيُّ النَّهارِ لِأنَّهُ وقْتُ فِعْلِ ذَلِكَ، ويَتَأكَّدُ مَعْناهُ في العِشاءِ، ومِنهُ سُمِّيَ الطَّعامُ: العَشاءَ ﴿والإبْكارِ﴾ وأصْلُهُ المُبادَرَةُ لِأوَّلِ الشَّيْءِ، ومِنهُ التَّبْكِيرُ وهو السُّرْعَةُ، والباكُورَةُ وهو أوَّلُ ما يَبْدُو مِنَ الثَّمَرِ، فالإبْكارُ اقْتِطافُ زَهْرَةِ النَّهارِ وهو أوَّلُهُ. انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском