Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Luqman 31:12–16
31:12Page 412
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِۚ وَمَن يَشۡكُرۡ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ١٢
And We had certainly given Luqmān wisdom [and said], "Be grateful to Allāh." And whoever is grateful is grateful for [the benefit of] himself. And whoever denies [His favor] - then indeed, Allāh is Free of need and Praiseworthy.
ولَمّا ثَبَتَتْ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ وأنَّهُ أبْعَدَهم عَنْها بِما قَضى عَلَيْهِمْ مِنَ الجَهْلِ وغَباوَةِ العَقْلِ وآتاها مَن تابَ، واعْتَصَمَ بِآياتِ الكِتابِ، تَوَقَّعَ السّامِعُ الإخْبارَ عَنْ بَعْضِ مَن آتاهُ الحِكْمَةَ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ كانُوا مِنَ المُحْسِنِينَ، فَوَضَعُوا الأشْياءَ في مَواضِعِها بِأنْ آمَنُوا عَلى قَوْلِهِ: ”وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ“ أوْ عَلى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: لِأنّا أضْلَلْناهم بِحِكْمَتِنا وآتَيْنا الحِكْمَةَ الَّذِينَ قَبِلُوا آياتِنا وأحْسَنُوا التَّعَبُّدَ لَنا فَما عَبَدُوا صَنَمًا ولا مالُوا إلى لَهْوٍ، لِأنَّ ذَلِكَ عَيْنُ الحِكْمَةِ لِكَوْنِهِ [وضْعًا] لِلشَّيْءِ في مَحَلِّهِ، فَهو (p-١٥٦)تَقْدِيرٌ لِتَخْصِيصِ النَّبِيِّ ﷺ.
بِالرِّسالَةِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظْمَةِ والحِكْمَةِ ﴿لُقْمانَ﴾ وهو عَبْدٌ مِن عَبِيدِنا ﴿الحِكْمَةَ﴾ وهو العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ، والعَمَلُ المُحْكَمُ بِالعِلْمِ، وقالَ الحَرالِيُّ!: هي العِلْمُ بِالأمْرِ الَّذِي لِأجْلِهِ وجَبَ الحُكْمُ، والحُكْمُ الحَمْلُ عَلى جَمِيعِ أنْواعِ الصَّبْرِ والمُصابَرَةِ ظاهِرًا بِالإيالَةِ العالِيَةِ، ولا يَتِمُّ الحُكْمُ وتَسْتَوِي الحِكْمَةُ إلّا بِحَسَبِ سَعَةِ العِلْمِ، وقالَ ابْنُ مَيْلَقٍ: إنَّ مَدارَها عَلى إصابَةِ الحَقِّ والصَّوابِ في القَوْلِ [والعَمَلِ]، ولِهَذا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يُقالُ لِشَخْصٍ حَكِيمًا حَتّى تَجْتَمِعَ لَهُ الحِكْمَةُ في القَوْلِ والفِعْلِ، قالَ: ولا يُسَمّى المُتَكَلِّمُ بِالحِكْمَةِ حَكِيمًا حَتّى يَكُونَ عامِلًا بِها. انْتَهى.
ومِن بَلِيغِ حِكْمَتِهِ ما أسْنَدَهُ صاحِبُ الفِرْدَوْسِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «حَقًّا أقُولُ! لَمْ يَكُنْ لُقْمانُ نَبِيًّا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا ضَمْضامَةً كَثِيرَ التَّفَكُّرِ حَسَنَ اليَقِينِ، أحَبَّ اللَّهَ فَأحَبَّهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالحِكْمَةِ، كانَ نائِمًا نِصْفَ النَّهارِ إذْ جاءَهُ نِداءٌ، قِيلَ: يا لُقْمانُ، هَلْ لَكَ أنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ خَلِيفَةً في الأرْضِ تَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ، فَأجابَ: إنْ خَيَّرَنِي رَبِّي قَبِلْتُ العافِيَةَ ولَمْ أقْبَلِ البَلاءَ، وإنْ عَزَمَ عَلَيَّ فَسَمْعًا وطاعَةً، فَإنِّي أعْلَمُ أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ رَبِّي عَصَمَنِي وأعانَنِي، فَقالَتِ المَلائِكَةُ بِصَوْتٍ لا يَراهُمْ: (p-١٥٧)لِمَ يا لُقْمانُ؟ قالَ: لِأنَّ الحاكِمَ بِأشَدِّ المَنازِلِ وأكْدَرِها، يَغْشاهُ الظُّلْمُ مِن كُلِّ مَكانٍ، إذْ يَعْدِلُ فَبِالحَرِيِّ أنْ يَنْجُوَ، وإنْ أخْطَأ أخْطَأ طَرِيقَ الجَنَّةِ، ومَن يَكُنْ في الدُّنْيا ذَلِيلًا خَيْرٌ مِن أنْ يَكُونَ شَرِيفًا، ومَن تَخَيَّرَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ تَفْتِنْهُ الدُّنْيا ولا يُصِيبُ الآخِرَةَ، فَعَجِبَتِ المَلائِكَةُ مِن حُسْنِ مَنطِقِهِ، فَنامَ نَوْمَةً فَأُعْطِيَ الحِكْمَةَ فانْتَبَهَ يَتَكَلَّمُ بِها» وفي الفِرْدَوْسِ عَنْ مَكارِمِ الأخْلاقِ لِأبِي بَكْرِ بْنِ هِلالٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ [قالَ]: «الحِكْمَةُ عَشَرَةُ أجْزاءٍ تِسْعَةٌ مِنها في العُزْلَةِ وواحِدٌ في الصَّمْتِ»، [وقالَ لُقْمانُ]: لا مالَ كَصِحَّةٍ ولا نَعِيمَ كَطِيبِ نَفْسٍ، وقالَ: ضَرْبُ الوالِدِ لِوَلَدِهِ كالسَّماءِ لِلزَّرْعِ، وقِيلَ لَهُ: أيُّ النّاسِ شَرٌّ؟ قالَ: الَّذِي لا يُبالِي أنْ يَراهُ النّاسُ مُسِيئًا، وقِيلَ لَهُ: ما أقْبَحَ وجْهَكَ! فَقالَ: تَعِيبُ النَّقْشَ أوِ النَّقّاشَ، وقالَ البَغَوِيُّ: إنَّهُ قِيلَ لَهُ: لِمَ بَلَغْتَ ما بَلَغْتَ؟ قالَ: بِصِدْقِ الحَدِيثِ وأداءِ الأمانَةِ وتَرْكِ ما لا يَعْنِينِي. انْتَهى. فَهو سُبْحانُهُ مِن حِكْمَتِهِ وحِكَمِهِ أنْ يَرْفَعَ ما يَشاءُ بِما يَعْلَمُهُ مِنهُ مِن سَلامَةِ الطَّبْعِ وإنْ كانَ عَبْدًا فَلا بِدْعَ أنْ يَخْتَصَّ (p-١٥٨)مُحَمَّدًا ﷺ ذا النَّسَبِ العالِي والمَنصِبِ المُنِيفِ في كُلِّ خَلْقٍ شَرِيفٍ بِالرِّسالَةِ مِن بَيْنِ قُرَيْشٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ الدُّنْيا المُتَعَظِّمِينَ بِها، قالَ ابْنُ مَيْلَقٍ: مِن حِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أثْرَيْ عَدْلِهِ وفَضْلِهِ، وأنْ يُعاقِبَ بَيْنَهُما في الظُّهُورِ فَيُذِلَّ ويُعِزَّ ويُفْقِرَ ويُغْنِيَ ويُسْقِمَ ويَشْفِيَ ويُفْنِيَ ويُبْقِيَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَما مِن سابِقِ عَدْلٍ إلّا لَهُ لاحِقُ فَضْلٍ، ولا سابِقِ فَضْلٍ إلّا لَهُ لاحِقُ عَدْلٍ، غَيْرَ أنَّ أثَرَ العَدْلِ والفَضْلِ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالبَواطِنِ خاصَّةً، وقَدْ يَتَعَلَّقُ أحَدُهُما بِالظّاهِرِ والآخِرُ بِالباطِنِ، وقَدْ يَكُونُ اخْتِلافُ تَعَلُّقِهِما في حالَةٍ واحِدَةٍ، وقَدْ يَكُونُ عَلى البَدَلِ، وعَلى قَدْرِ تَعَلُّقِ الأثَرِ [السّابِقِ يَكُونُ تَعَلُّقُ الأثَرِ] اللّاحِقِ.
ولَمّا كانَتِ الحِكْمَةُ قاضِيَةً بِذَلِكَ، أجْرى اللَّهُ سُبْحانَهُ آثارَ عَدْلِهِ عَلى ظَواهِرِ أصْفِيائِهِ دُونَ بَواطِنِهِمْ، ثُمَّ عَقَّبَتْ ذَلِكَ بِإيرادِ آثارِ فَضْلِهِ عَلى بَواطِنِهِمْ وظَواهِرِهِمْ حَتّى صارَ مِن قاعِدَةِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ تَفْوِيضُ مَمالِكِ الأرْضِ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ فِيها كالنَّجاشِيِّ حَيْثُ بِيعَ في صِغَرِهِ، وذَلِكَ كَثِيرٌ مَوْجُودٌ بِالِاسْتِقْراءِ، فَمِن كَمالِ تَرْبِيَةِ الحَكِيمِ لِمَن يُرِيدُ إعْلاءَ شَأْنِهِ أنْ يَجْرِيَ عَلى ظاهِرِهِ مِن أثَرِ العَدْلِ ما فِيهِ تَكْمِيلٌ لَهم وتَنْوِيرٌ لِمَدارِكِهِمْ وتَطْهِيرٌ لِوُجُودِهِمْ وتَهْذِيبٌ وتَأْدِيبٌ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن فَوائِدِ التَّرْبِيَةِ، ومَن تَتَبُّعِ أحْوالِ الأكابِرِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَلُمَّ جَرًّا رَأى مِن حُسْنِ (p-١٥٩)بَلاءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم ما يَشْهَدُ لِما قَرَّرَتْهُ بِالصِّحَّةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى.
ولَمّا كانَتِ الحِكْمَةُ هي الإقْبالُ عَلى اللَّهِ قالَ: ﴿أنِ اشْكُرْ﴾ وهو وإنْ كانَ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا لَهُ كَذا، يُؤَوَّلُ إلى ”آتَيْناهُ الشُّكْرَ“ وصُرِفَ الكَلامُ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ الَّذِي لَمْ يَتَسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ دَفْعًا لِلتَّعَنُّتِ، ونَقْلًا عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ [إلى] أعْظَمَ مِنها فَقالَ: ﴿لِلَّهِ﴾ بِأنْ وفَّقْناهُ لَهُ بِما سَبَّبْناهُ لَهُ مِنَ الأمْرِ بِهِ لِأنَّ الحِكْمَةَ في الحَقِيقَةِ هي القِيامُ بِالشُّكْرِ لا الإيصاءُ بِهِ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ ”أنْ“ مَصْدَرِيَّةً، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: آتَيْناهُ إيّاها بِسَبَبِ الشُّكْرِ، وعَبَّرَ بِفِعْلِ الأمْرِ إعْلامًا بِأنَّ شُكْرَهُ كانَ لِامْتِثالِ الأمْرِ لِيَكُونَ أعْلى.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَبادَرَ وشَكَرَ، فَما نَفَعَ إلّا نَفْسَهُ، كَما أنَّهُ لَوْ كَفَرَ ما ضَرَّ إلّا نَفْسَهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ [مُعَرِّفًا] أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِ الشّاكِرِينَ قَوْلَهُ مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى أنَّ مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ - في أيِّ زَمانٍ كانَ - يَلْقاهُ ويَكُونُ مَعْرُوفُهُ لَهُ دائِمًا بِدَوامِ العَمَلِ: ﴿ومَن يَشْكُرْ﴾ أيْ يُجَدِّدِ الشُّكْرَ ويَتَعاهَدْ بِهِ نَفْسَهُ كائِنًا مَن كانَ ﴿فَإنَّما يَشْكُرُ﴾ أيْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ﴿لِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَإنَّما يَنْفَعُ نَفْسَهُ، فَإنَّ اللَّهَ يَزِيدُهُ مِن فَضْلِهِ فَإنَّ اللَّهَ (p-١٦٠)شَكُورٌ مَجِيدٌ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ فَإنَّما يَضُرُّ نَفْسَهُ، وعَبَّرَ بِالماضِي إشارَةً إلى أنَّ مَن وقَعَ مِنهُ كُفْرٌ ولَوْ مَرَّةً جُوزِيَ بِالإعْراضِ عَنْهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ عَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ لِأنَّهُ في سِياقِ الحِكْمَةِ، والحَكِيمُ مَن أدامَ اسْتِحْضارَ صِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ فَغَلَبَ خَوْفُهُ رَجاءَهُ ما دامَ في دارِ الأكْدارِ ﴿غَنِيٌّ﴾ عَنِ الشُّكْرِ وغَيْرِهِ ﴿حَمِيدٌ﴾ أيْ لَهُ جَمِيعُ المَحامِدِ وإنْ كَفَرَهُ جَمِيعُ الخَلائِقِ، فَإنَّ تَقْدِيرَ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ مِن جُمْلَةِ مَحامِدِهِ بِالقُدْرَةِ والعِزَّةِ والفَهْمِ والعَظَمَةِ. ويَجُوزُ - وهو أقْرَبُ - أنْ يَعُودَ ”غَنِيٌّ“ إلى الكافِرِ و”حَمِيدٌ“ إلى الشّاكِرِ، فَيَكُونُ اسْمَ فاعِلٍ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ومَن كَفَرَ فَإنَّما يَكْفُرُ عَلى نَفْسِهِ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الجُمْلَتَيْنِ و[هُما] كَوْنُ عَمَلِ كُلٍّ مِنَ الشّاكِرِ والكافِرِ لا يَتَعَدّاهُ قَوْلُهُ ”فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ“ [أيْ] عَنْ شُكْرِ الكافِرِ ”حَمِيدٌ“ لِلشّاكِرِ، والآيَةُ عَلى الأوَّلِ مِنَ الِاحْتِباكِ: تَخْصِيصُ الشُّكْرِ بِالنَّفْسِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ مِنَ الكُفْرِ ثانِيًا، وإثْباتِ الصِّفَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى حَذْفِ مِثْلِهِما أوَّلًا.
31:13Page 412
وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ ١٣
And [mention, O Muḥammad], when Luqmān said to his son while he was instructing him, "O my son, do not associate [anything] with Allāh. Indeed, association [with Him] is great injustice."
ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَعْرِفُ حِكْمَةَ الحَكِيمِ إلّا بِأقْوالِهِ وأفْعالِهِ، ولا صِدْقَ الكَلامِ [وحِكْمَتَهُ] إلّا بِمُطابَقَتِهِ لِلْواقِعِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ ما وصَفْنا بِهِ لُقْمانَ لِتَنْزِلَ عَلَيْهِ ما تَسْمَعُ مِن أحْوالِهِ وأفْعالِهِ في تَوْفِيَةِ حَقِّ اللَّهِ وحَقِّ الخَلْقِ الَّذِي هو مَدارُ الحِكْمَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ﴾ (p-١٦١)أيْ واذْكُرْ بِقَلْبِكَ لِتَتَّعِظَ وبِلِسانِكَ لِتَعِظَ غَيْرَكَ - بِما أنَّكَ رَسُولٌ - ما كانَ حِينَ ﴿قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ﴾ ما يَدُلُّ عَلى شُكْرِهِ في نَفْسِهِ وأمْرِهِ بِهِ لِغَيْرِهِ فَإنَّهُ لا شُكْرَ يَعْدِلُ البَراءَةَ مِنَ الشِّرْكِ، وفِيهِ حَثٌّ عَلى التَّخَلُّقِ بِما مُدِحَ بِهِ لُقْمانُ بِما يَحْمِلُ عَلى الصَّبْرِ والشُّكْرِ والمُداوَمَةِ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، وعَلى تَأْدِيبِ الوَلَدِ، بِسَوْقِ الكَلامِ عَلى وجْهٍ يَدُلُّ عَلى تَكْرِيرِ وعْظِهِ فَقالَ: ﴿وهُوَ يَعِظُهُ﴾ أيْ يُوصِيهِ بِما يَنْفَعُهُ ويُرَقِّقُ قَلْبَهُ ويُهَذِّبُ نَفْسَهُ، ويُوجِبُ لَهُ الخَشْيَةَ والعَدْلَ.
ولَمّا كانَ أصْلُ تَوْفِيَةِ حَقِّ الحَقِّ تَصْحِيحَ الِاعْتِقادِ وإصْلاحَ العَمَلِ، وكانَ الأوَّلُ أهَمَّ، قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿يا بُنَيَّ﴾ فَخاطَبَهُ بِأحَبِّ ما يُخاطَبُ بِهِ، مَعَ إظْهارِ التَّرَحُّمِ والتَّحَنُّنِ والشَّفَقَةِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى لِقَبُولِ النُّصْحِ ﴿لا تُشْرِكْ﴾ أيْ [لا] تُوقِعِ الشِّرْكَ لا جَلْيًّا ولا خَفِيًّا، ولَمّا كانَ في تَصْغِيرِهِ الإشْفاقُ عَلَيْهِ، زادَ ذَلِكَ بِإبْرازِ الِاسْمِ الأعْظَمِ المُوجِبِ لِاسْتِحْضارِ جَمِيعِ الجَلالِ، تَحْقِيقًا لِمَزِيدِ الإشْفاقِ. فَقالَ: ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ﴾ أيْ بِنَوْعَيْهِ ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ فَهو ضِدُّ الحِكْمَةِ، لِأنَّهُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَظُلْمُهُ ظاهِرٌ مِن جِهاتٍ عَدِيدَةٍ جِدًّا، أظْهَرُها أنَّهُ تَسْوِيَةُ المَمْلُوكِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ نِعْمَةً مِنهُ أصْلًا بِالمالِكِ الَّذِي لَهُ وُجُوبُ (p-١٦٢)الوُجُودِ، فَلا خَيْرَ ولا نِعْمَةَ إلّا مِنهُ، وفي هَذا تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ وكُلِّ سامِعٍ عَلى أنَّ هَذِهِ وصِيَّةٌ لا يُعْدَلُ عَنْها، لِأنَّها مِن أبٍ حَكِيمٍ لِابْنٍ مَحْنُوٍّ عَلَيْهِ مَحْبُوبٍ، وأنَّ آباءَهم لَوْ كانُوا حُكَماءَ ما فَعَلُوا إلّا ذَلِكَ، لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها ما عَلَيْهِ مَدارُ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، العاجِلَةِ والآجِلَةِ، وهو الأمْنُ والهِدايَةُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] فَإنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ تِلْكَ الآيَةُ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَقالُوا: أيُّنا لَمْ يَلْبِسْ إيمانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ، ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِ لُقْمانَ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾“» .
31:14Page 412
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ١٤
And We have enjoined upon man [care] for his parents. His mother carried him, [increasing her] in weakness upon weakness, and his weaning is in two years. Be grateful to Me and to your parents; to Me is the [final] destination.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما أوْصى بِهِ ولَدَهُ مِن شُكْرِ المُنْعِمِ الأوَّلِ الَّذِي لَمْ يَشْرَكْهُ في إيجادِهِ أحَدٌ، وذَكَرَ ما عَلَيْهِ الشِّرْكُ مِنَ الفَظاعَةِ والشَّناعَةِ والبَشاعَةِ، أتْبَعَهُ سُبْحانَهُ وصَّيْتَهُ لِلْوَلَدِ بِالوالِدِ لِكَوْنِهِ المُنْعِمَ الثّانِيَ المُتَفَرِّدَ سُبْحانَهُ بِكَوْنِهِ [جَعَلَهُ] سَبَبَ وُجُودِ الوَلَدِ اعْتِرافًا بِالحَقِّ (p-١٦٣)وإنَّ صَغُرَ لِأهْلِهِ وإيذانًا بِأنَّهُ لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَن لا يَشْكُرُ النّاسَ، وتَفْخِيمًا لِحَقِّ الوالِدَيْنِ، لِكَوْنِهِ قَرَنَ عُقُوقَهُما بِالشِّرْكِ، وإعْلامًا بِأنَّ الوَفاءَ شَيْءٌ واحِدٌ مَتى نَقَصَ شَيْءٌ مِنهُ تَداعى سائِرُهُ كَما في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ العَبْدَ لَقِيَ اللَّهَ بِكَمالِ ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ ما خَلا بِرَّ الوالِدَيْنِ ما دَخَلَ الجَنَّةَ، وإنَّ بِرَّ الوالِدَيْنِ لِنِظامِ التَّوْحِيدِ والصَّلاةِ والذِّكْرِ» ولِذَلِكَ لَفَتَ الكَلامَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَرْهِيبًا مِنَ العُقُوقِ ورَفْعًا لِما لَعَلَّهُ يَتَوَهَّمُ مِن أنَّ الِانْفِصالَ عَنِ الشِّرْكِ لا يَكُونُ إلّا بِالإعْراضِ عَنْ جَمِيعِ الخَلْقِ.
ولِما قَدْ يُخَيِّلُهُ الشَّيْطانُ مِن أنَّ التَّقَيُّدَ بِطاعَةِ الوالِدِ شِرْكٌ، مُضَمِّنًا تِلْكَ الوَصِيَّةَ إجادَةَ لُقْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَحْسِينِ الشُّكْرِ وتَقْبِيحِ الشِّرْكِ لِمُوافَقَتِهِ لِأمْرِ رَبِّ العالَمِينَ، وإيجابِ امْتِثالِ ابْنِهِ لِأمْرِهِ، فَقالَ مُبَيِّنًا حَقَّهُ وحَقَّ كُلِّ والِدٍ غَيْرِهِ، ومُعَرِّفًا قَباحَةَ مَن أمَرَ ابْنَهُ بِالشِّرْكِ لِكَوْنِهِ مُنافِيًا لِلْحِكْمَةِ الَّتِي أبانَها لُقْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَحْرِيمَ امْتِثالِ الِابْنِ لِذَلِكَ ووُجُوبَ مُخالَفَتِهِ لِأبِيهِ فِيهِ تَقْدِيمًا لِأعْظَمِ الحَقَّيْنِ، وارْتِكابًا لِأخَفِّ الضَّرَرَيْنِ: ﴿ووَصَّيْنا﴾ أيْ قالَ لُقْمانُ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ نُصْحًا لَهُ والحالُ (p-١٦٤)أنّا بِعَظَمَتِنا وصَّيْنا ولَدَهُ بِهِ بِنَحْوِ ما أوْصاهُ بِهِ في حَقِّنا - هَكَذا كانَ الأصْلُ - ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِما يَشْمَلُ غَيْرَهُ فَقالَ: ﴿الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعَ عَلى لِسانِ أوَّلِ نَبِيٍّ أرْسَلْنا وهَلُمَّ جَرًّا وبِما رَكَّزْناهُ في كُلِّ فِطْرَةٍ مِن أنَّهُ ما جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ ﴿بِوالِدَيْهِ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ لُقْمانَ عَرَّفَ نِعْمَتَنا عَلَيْهِ وعَلى أبْناءِ نَوْعِهِ لِوَصِيَّتِنا لِأوْلادِهِمْ بِهِمْ فَشَكَرَنا ولَقَّنَ عَنّا نَهْيَهم بِذَلِكَ عَنِ الشِّرْكِ لِأنَّهُ كُفْرانٌ لِنِعْمَةِ المُنْعِمِ، فانْتَهى في نَفْسِهِ ونَهى ولَدَهُ، فَكانَ بِذَلِكَ حَكِيمًا.
ولَمّا كانَتِ الأُمُّ في مَقامِ الِاحْتِقارِ لِما لِلْأبِ مِنَ العَظَمَةِ بِالقُوَّةِ والعَقْلِ والكَدِّ عَلَيْها وعَلى ولَدِها، نَوَّهَ بِها ونَبَّهَ عَلى ما يَخْتَصُّ بِهِ مِن أسْبابِ وُجُودِ الوَلَدِ وبَقائِهِ عَنِ الأبِ مِمّا حَصَلَ لَها مِنَ المَشَقَّةِ بِسَبَبِهِ وما لَها إلَيْهِ مِنَ التَّرْبِيَةِ. فَقالَ مُعَلِّلًا أوْ مُسْتَأْنِفًا: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِها ذاتَ وهْنٍ تَحْمِلُهُ في أحْشائِها، وبالَغَ بِجَعْلِها نَفْسَ الفِعْلِ دَلالَةً عَلى شِدَّةِ ذَلِكَ الضَّعْفِ بِتَضاعُفِهِ كُلَّما أثْقَلَتْ ﴿عَلى وهْنٍ﴾ أيْ هو قائِمٌ بِها مِن نَفْسِ خَلْقِها وتَرْكِيبِها إلى ما يَزِيدُها التَّمادِي بِالحَمْلِ، ثُمَّ أشارَ إلى ما لَها عَلَيْهِ مِنَ المِنَّةِ بِالشَّفَقَةِ وحُسْنِ الكَفالَةِ وهو لا يَمْلِكُ (p-١٦٥)لِنَفْسِهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ: ﴿وفِصالُهُ﴾ أيْ فِطامُهُ مِنَ الرَّضاعَةِ بَعْدَ وضْعِهِ.
ولَمّا كانَ الوالِدانِ يُعِدّانِ وِجْدانَ الوَلَدِ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الخَيْرِ والسُّرُورِ، عَبَّرَ في أمْرِهِ بِالعامِ الَّذِي تَدُورُ مادَّتُهُ عَلى السَّعَةِ لِذَلِكَ وتَرْجِيَةً لَهُما بِالعَوْلِ عَلَيْهِ وتَعْظِيمًا لِحَقِّهِما بِالتَّعْبِيرِ بِما يُشِيرُ إلى صُعُوبَةِ ما قاسَيا فِيهِ بِاتِّساعِ زَمَنِهِ فَقالَ: ﴿فِي عامَيْنِ﴾ تُقاسِي فِيهِما في مَنامِهِ وقِيامِهِ ما لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وفي التَّعْبِيرِ بِالعامِ أيْضًا إشارَةٌ إلى تَعْظِيمِ مُنْتَهاهُ بِكَوْنِها تَعُدُّ أيّامَ رَضاعِهِ - مَعَ كَوْنِها أضْعَفَ ما يَكُونُ في تَرْبِيَتِهِ - أيّامَ سَعَةٍ وسُرُورٍ، والتَّعْبِيرُ بِـ ”فِي“ مُشِيرًا إلى أنَّ الوالِدَيْنِ لَهُما أنْ يَفْطِماهُ قَبْلَ تَمامِهِما عَلى حَسَبِ ما يَحْتَمِلُهُ حالُهُ، وتَدْعُو إلَيْهِ المَصْلَحَةُ مِن أمْرِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ الوَصِيَّةَ وأشارَ إلى أُمَّهاتِ أسْبابِها، ذَكَرَ المُوصى بِهِ فَقالَ مُفَسِّرًا لِـ ”وصَّيْنا“: ﴿أنِ اشْكُرْ﴾ ولَمّا كانَ الشُّكْرُ مَنظُورًا إلَيْهِ أتَمَّ نَظَرٍ، قَصُرَ فِعْلُهُ، أيْ أوْجِدْ هَذِهِ الحَقِيقَةَ ولْتَكُنْ مِن هَمِّكَ. ولَمّا كانَ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ، كانَ كَأنَّهُ قالَ: لِمَن؟ فَقالَ مُقَدِّمًا ما هو أساسُ المُوصى بِهِ في الوالِدَيْنِ لِيَكُونَ مُعْتَدًّا بِهِ، لافِتًا القَوْلَ إلى ضَمِيرِ الواحِدِ مِن غَيْرِ تَعْظِيمٍ (p-١٦٦)تَنْصِيصًا عَلى المُرادِ: ﴿لِي﴾ أيْ لِأنِّي المُنْعِمُ بِالحَقِيقَةِ ﴿ولِوالِدَيْكَ﴾ لِكَوْنِي جَعَلَتْهُما سَبَبًا لِوُجُودِكَ والإحْسانِ بِتَرْبِيَتِكَ، وذَكَّرَ الإنْسانَ بِهَذا الذِّكْرِ في سُورَةِ الحِكْمَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ أتَمُّ المَوْجُوداتِ حِكْمَةً قالَ الرّازِي في آخِرِ سُورَةِ الأحْزابِ مِن لَوامِعِهِ: المَوْجُوداتُ كُلُّها كالشَّجَرَةِ، والإنْسانُ ثَمَرَتُها، وهي كالقُشُورِ والإنْسانُ لُبابُها، وكالمَبادِئِ والإنْسانُ كَمالُها، ومِن أيْنَ لِلْعالَمِ ما لِلْإنْسانِ؟ بَلِ العالَمُ العُلْوِيُّ فِيهِ، لَيْسَ في العالَمِ العُلْوِيِّ ما فِيهِ، فَقَدْ جَمَعَ ما بَيْنَ العالَمَيْنِ بِنَفْسِهِ وجَسَدِهِ، واسْتَجْمَعَ الكَوْنَيْنِ بِعَقْلِهِ وحِسِّهِ، وارْتَفَعَ عَنِ الدَّرَجَتَيْنِ بِاتِّصالِ الأمْرِ الأعْلى بِهِ وحْيًا قَوْلِيًّا، وسَلَّمَ لِمَن لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَسْلِيمًا اخْتِيارِيًّا طَوْعِيًّا. ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالشُّكْرِ مُحَذِّرًا فَقالَ: ﴿إلَيَّ﴾ لا إلى غَيْرِي ﴿المَصِيرُ﴾ أيْ فَأسْألُكَ عَنْ ذَلِكَ كَما كانَتْ مِنهُما البَداءَةُ ظاهِرًا بِما جَعَلْتُ لَهُما مِنَ التَّسَبُّبِ في ذَلِكَ، فَيَسْألانِكَ عَنِ القِيامِ بِحُقُوقِهِما وإنْ قَصَّرْتَ فِيها شَكَواكَ إلى النّاسِ وأقاما عَلَيْكَ الحُجَّةَ وأخَذا بِحَقِّهِما.
31:15Page 412
وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٥
But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them but accompany them in [this] world with appropriate kindness and follow the way of those who turn back to Me [in repentance]. Then to Me will be your return, and I will inform you about what you used to do.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وصَّيْتَهُ بِهِما وأكَّدَ حَقَّهُما، أتْبَعَهُ الدَّلِيلَ عَلى ما ذَكَرَ لُقْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَباحَةِ الشِّرْكِ فَقالَ: ﴿وإنْ جاهَداكَ﴾ أيْ مَعَ ما أمَرْتُكَ بِهِ مِن طاعَتِهِما، وأشارَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ إلى مُخالَفَتِهِما وإنْ بالَغا في الحَمْلِ عَلى ذَلِكَ ﴿عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي﴾ وأشارَ بِأداةِ (p-١٦٧)الِاسْتِعْلاءِ إلى أنَّهُ لا مَطْمَعَ لِمَن أطاعَهُما في ذَلِكَ ولَوْ بِاللَّفْظِ فَقَطْ أنْ يَكُونَ في عِدادِ المُحْسِنِينَ وإنْ كانَ الوالِدانِ في غايَةِ العُلُوِّ والتَّمَكُّنِ مِنَ الأسْبابِ الفاتِنَةِ لَهُ بِخِلافِ سُورَةِ العَنْكَبُوتِ فَإنَّها لِمُطْلَقِ الفِتْنَةِ، ولَيْسَتْ لِقُوَّةِ الكُفّارِ، فَعَبَّرَ [فِيها] بِلامِ العِلَّةِ، إشارَةً إلى مُطْلَقِ الجِهادِ الصّادِقِ بِقَوِيِّهِ وضَعِيفِهِ، فَفي المَوْضِعَيْنِ نَوْعُ رَمْزٍ إلى أنَّهُ إنْ ضَعُفَ [عَنْهُما] أطاعَ بِاللِّسانِ، ولَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ عَنِ الإيمانِ، كَما أخْرَجَهُ [هُنا] عَنِ الوَصْفِ بِالإحْسانِ، ولِذَلِكَ حَذَّرَ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ تِلْكَ مِنَ النِّفاقِ لِأجْلِ الفِتْنَةِ، وأحالَ سُبْحانَهُ عَلى اتِّباعِ الأدِلَّةِ عَلى حُكْمِ ما وهَبَ مِنَ العَقْلِ عَدْلًا وإنْصافًا فَقالَ: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَدُلَّ عِلْمٌ مِن أنْواعِ العُلُومِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الشِّرْكِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الدَّلالاتِ بَلِ العُلُومُ كُلُّها دالَّةٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَطابَقَتْ عَلَيْهِ العُقُولُ، وتَظافَرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ النُّقُولُ، وأمّا الوَجْهُ الَّذِي سَمّاهُ أهْلُ الإلْحادِ بِمَذْهَبِ الِاتِّحادِ تَوْحِيدًا فَقَدْ كَفى في أنَّهُ لَيْسَ بِهِ عِلْمُ إطْباقِهِمْ عَلى أنَّهُ خارِجٌ عَنْ طَوْرِ العَقْلِ، مُخالِفٌ لِكُلِّ ما ورَدَ عَنِ الأنْبِياءِ مِن نَقْلٍ، وإنْ لَبَّسُوا بِادِّعاءِ مُتابَعَةِ بَعْضِ الآياتِ كَما بَيَّنَهُ كِتابِي الفارِضِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَتَمَذْهَبَ بِهِ أحَدٌ إلّا بَعْدَ الِانْسِلاخِ مِنَ (p-١٦٨)العَقْلِ والتَّكْذِيبِ بِالنَّقْلِ، فَلَمْ يُنادِ أحَدٌ عَلى نَفْسِهِ بِالإبْطالِ ما نادَوْا بِهِ [عَلى] أنْفُسِهِمْ ولَكِنْ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ.
فَلَما قَرَّرَ ذَلِكَ عَلى هَذا المِنوالِ البَدِيعِ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ: ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ أيْ في ذَلِكَ ولَوِ اجْتَمَعا عَلى المُجاهَدَةِ لَكَ عَلَيْهِ، بَلْ خالِفْهُما، وإنْ أدّى الأمْرُ إلى السَّيْفِ فَجاهِدْهُما بِهِ، لِأنَّ أمْرَهُما بِذَلِكَ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ حامِلٌ عَلى مَحْضِ الجَوْرِ والسَّفَهِ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ عَلى مَحْضِ الغَلَطِ في التَّقْلِيدِ لِآبائِهِمْ في ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ هَذا قَدْ يُفْهِمُ الإعْراضَ عَنْهُما رَأْسًا في كُلِّ أمْرٍ إذا خالَفا في الدِّينِ، أشارَ إلى أنَّهُ لَيْسَ مُطْلَقًا فَقالَ: ﴿وصاحِبْهُما في الدُّنْيا﴾ أيْ في أُمُورِها الَّتِي لا تَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ ما دامَتْ حَياتُهُما.
ولَمّا كانَ المَبْنِيُّ عَلى النُّقْصانِ عاجِزًا عَنِ الوَفاءِ بِجَمِيعِ الحُقُوقِ، خَفَّفَ عَلَيْهِ بِالتَّنْكِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿مَعْرُوفًا﴾ أيْ بِبِرِّهِما إنْ كانا عَلى دِينٍ يُقَرّانِ عَلَيْهِ ومُعامَلَتِهِما بِالحِلْمِ والِاحْتِمالِ وما يَقْتَضِيهِ مَكارِمُ الأخْلاقِ ومَعالِي الشِّيَمِ، قالَ ابْنُ مَيْلَقٍ: ويَلُوحُ مِن هَذِهِ المِشْكاةِ تَعْظِيمُ الأشْياخِ الَّذِينَ كانُوا في العادَةِ سَبَبًا لِإيجادِ القُلُوبِ في دَوائِرِ التَّوْحِيدِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ - (p-١٦٩)يَعْنِي فَفي سَوْقِ هَذِهِ الوَصِيَّةِ هَذا المَساقَ أعْظَمُ تَنْبِيهٍ عَلى أنَّ تَعْظِيمَ الوَسائِطِ مِنَ الخَلْقِ لَيْسَ مانِعًا مِنَ الإخْلاصِ في التَّوْحِيدِ، قالَ ابْنُ مَيْلَقٍ: ومِن هُنا زَلَّتْ أقْدامُ أقْوامٍ تَعَمَّقُوا في دَعْوى التَّوْحِيدِ حَتّى أعْرَضُوا عَنْ جانِبِ الوَسائِطِ فَوَقَعُوا في الكُفْرِ مِن حَيْثُ زَعَمُوا التَّوْحِيدَ فَإنَّ تَعْظِيمَ المُعَظَّمِ في الشَّرْعِ تَعْظِيمٌ لِحُرُماتِ اللَّهِ، وامْتِثالٌ لِأمْرِ اللَّهِ، ولَعَمْرِي إنَّ هَذِهِ المَزَلَّةَ لِيَتَعَثَّرُ بِها أتْباعُ إبْلِيسَ حَيْثُ أبى أنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ ما مَعْناهُ: وهَؤُلاءِ قَوْمٌ أعْرَضُوا عَنْ تَعْظِيمِ الوَسائِطِ زاعِمِينَ الغَيْرَةَ عَلى مَقامِ التَّوْحِيدِ، وقابَلَهم قَوْمٌ أسْقَطُوا الوَسائِطَ جُمْلَةً وقالُوا: إنَّهُ لَيْسَ في الكَوْنِ إلّا هُوَ، وهم أهْلُ الوَحْدَةِ المُطْلَقَةِ، والكُلُّ عَلى ضَلالٍ، والحَقُّ الِاقْتِصادُ والعَدْلُ في إثْباتِ الخالِقِ وتَوْحِيدِهِ، وتَعْظِيمِ مَن أمَرَ بِتَعْظِيمِهِ مِن عَبِيدِهِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَجُرُّ إلى نَوْعِ وهَنٍ في الدِّينِ بِبَعْضِ مُحاباةٍ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ﴾ أيْ بالِغْ في أنَّ تَتَّبِعَ ﴿سَبِيلَ﴾ أيْ دِينَ وطَرِيقَ ﴿مَن أنابَ﴾ أيْ أقْبَلَ خاضِعًا ﴿إلَيَّ﴾ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى عِبادَةِ غَيْرِي، وهُمُ المُخْلِصُونَ مِن أبَوَيْكَ وغَيْرِهِما، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُخْرِجُكَ عَنْ بَرِّهِما ولا عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ والإخْلاصِ لَهُ، وفي هَذا حَثٌّ عَلى مَعْرِفَةِ الرِّجالِ بِالحَقِّ، وأمْرٌ بِحَكِّ المَشايِخِ وغَيْرِهِمْ عَلى مَحَكِّ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَمَن (p-١٧٠)كانَ عَمَلُهُ مُوافِقًا لَهُما اتُّبِعَ، ومَن كانَ عَمَلُهُ مُخالِفًا لَهُما اجْتُنِبَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ مَرْجِعَ أُمُورِكم كُلِّها في الدُّنْيا إلَيَّ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ إلَيَّ﴾ أيْ في الآخِرَةِ، لا إلى غَيْرِي مَرْجِعُكَ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ جَمَعَ لِإرادَةِ التَّعْمِيمِ فَقالَ مُعَبِّرًا بِالمَصْدَرِ المِيمِيِّ الدّالِّ عَلى الحَدَثِ وزَمانِهِ ومَكانِهِ: ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ حِسًّا ومَعْنًى، فَأكْشِفُ الحِجابَ ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ أفْعَلُ فِعْلَ مَن يُبالِغُ في التَّنْقِيبِ والإخْبارِ عَقِبَ ذَلِكَ وبِسَبَبِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ شَيْءٍ لِلْحِكْمَةِ وإنْ كانَ تَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبٍ ما يَلِيقُ بِهِ ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ بِما هو لَكم كالجِبِلَّةِ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ أيْ تُجَدِّدُونَ عَمَلَهُ مِن صَغِيرٍ وكَبِيرٍ، وجَلِيلٍ وحَقِيرٍ، وما كانَ في جِبِلّاتِكم مِمّا لَمْ يَبْرُزْ إلى الخارِجِ، فَأُجازِي مَن أُرِيدُ وأغْفِرُ لِمَن أُرِيدُ، فَأعِدَّ لِذَلِكَ عُدَّتَهُ، ولا تَعْمَلْ عَمَلَ مَن لَيْسَ لَهُ مَرْجِعٌ يُحاسَبُ فِيهِ ويُجازى عَلى مَثاقِيلِ الذَّرِّ مِن أعْمالِهِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ عَنِ الحِسابِ بِالتَّنْبِئَةِ لِأنَّ العِلْمَ بِالعَمَلِ سَبَبٌ لِلْمُجازاةِ عَلَيْهِ أوْ لِأنَّهُ جَمَعَ القِسْمَيْنِ، ومُحاسِبَةُ السَّعِيدِ العَرْضُ فَقَطْ بِدَلالَةِ التَّضَمُّنِ، ومُحاسَبَةُ الشَّقِيِّ بِالمُطابَقِيَّةِ.
31:16Page 412
يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ١٦
[And Luqmān said], "O my son, indeed if it [i.e., a wrong] should be the weight of a mustard seed and should be within a rock or [anywhere] in the heavens or in the earth, Allāh will bring it forth. Indeed, Allāh is Subtle1 and Aware.
(p-١٧١)ولَمّا فَرَغَ مِن تَأْكِيدِ ما قالَهُ لُقْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الشُّكْرِ والشِّرْكِ فَعَلِمَ ما أُوتِيَ مِنَ الحِكْمَةِ، وخَتَمَهُ بَعْدَ الوَصِيَّةِ بِطاعَةِ الوالِدِ بِذِكْرِ دَقِيقِ الأعْمالِ وجَلِيلِها، وأنَّها في عِلْمِ اللَّهِ سَواءٌ، حَسُنَ [جِدًّا] الرُّجُوعُ إلى تَمامِ بَيانِ حِكْمَتِهِ، فَقالَ بادِئًا بِما يُناسِبُ ذَلِكَ مِن دَقِيقِ العِلْمِ ومُحِيطِهِ المُكَمِّلِ لِمَقامِ التَّوْحِيدِ، وعَبَّرَ بِمِثْقالِ الحَبَّةِ لِأنَّهُ أقَلُّ ما يَخْطُرُ غالِبًا بِالبالِ، وهي مِن أعْظَمِ حاثٍّ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي مَضى تَأْسِيسُهُ: ﴿يا بُنَيَّ﴾ مُتَحَبِّبًا مُسْتَعْطِفًا، مُصَغِّرًا لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى حَمْلِ شَيْءٍ مِن غَضَبِ اللَّهِ تَعالى مُسْتَضْعِفًا: ﴿إنَّها﴾ أيِ العَمَلَ، وأنَّثَ لِأنَّهُ في مَقامِ التَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ، والتَّأْنِيثُ أوْلى بِذَلِكَ، ولِأنَّهُ يُؤَوَّلُ بِالطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ ﴿إنْ تَكُ﴾ وأسْقَطَ النُّونَ لِغَرَضِ الإيجازِ في الإيصاءِ بِما يُنِيلُ المَفازَ، والدَّلالَةِ عَلى أقَلِّ الكَوْنِ وأصْغَرِهِ ﴿مِثْقالَ﴾ أيْ وزْنٌ، ثُمَّ حَقَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿حَبَّةٍ﴾ وزادَ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن خَرْدَلٍ﴾ هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالنَّصْبِ، ورَفَعَ المَدَنِيّانِ عَلى مَعْنى أنَّ الشَّأْنَ والقِصَّةَ العَظِيمَةَ أنْ تُوجَدَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ هَنَةٌ هي أصْغَرُ شَيْءٍ وأحْقَرُهُ - بِما أشارَ إلَيْهِ التَّأْنِيثُ.
ولَمّا كانَ قَدْ عُرِفَ [أنَّ] السِّياقَ لِماذا أثْبَتَ النُّونَ في قَوْلِهِ مُسَبَّبًا عَنْ صِغَرِها: ﴿فَتَكُنْ﴾ إشارَةٌ إلى ثَباتِها في مَكانِها. ولِيَزْدادَ تَشَوُّفُ النَّفْسِ إلى مَحَطِّ الفائِدَةِ ويَذْهَبُ الوَهْمُ كُلَّ مَذْهَبٍ لِما عَلِمَ مِن (p-١٧٢)أنَّ المَقْصِدَ عَظِيمٌ بِحَذْفِ النُّونِ وإثْباتِ هَذِهِ، وعَسَّرَها بَعْدَ أنْ حَقَّرَها بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا عَنْ أعْظَمِ الخَفاءِ وأتَمِّ الإحْرازِ: ﴿فِي صَخْرَةٍ﴾ أيْ أيِّ صَخْرَةٍ كانَتْ ولَوْ أنَّها أشَدُّ الصُّخُورِ وأقْواها وأصْغَرُها وأخْفاها.
ولَمّا أخْفى وضَيَّقَ، أظْهَرَ ووَسَّعَ، ورَفَعَ وخَفَضَ، لِيَكُونَ أعْظَمَ لِضَياعِها لِحَقارَتِها فَقالَ: ﴿أوْ في السَّماواتِ﴾ أيْ في أيِّ مَكانٍ كانَ مِنها عَلى سَعَةِ أرْجائِها وتَباعُدِ أنْحائِها، وأعادَ ”أوْ“ نَصًّا عَلى إرادَةِ كُلٍّ مِنهُما عَلى حِدَتِهِ، والجارُّ تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى، فَقالَ: ﴿أوْ في الأرْضِ﴾ [أيْ] كَذَلِكَ، وهَذا كَما تَرى لا يَنْفِي أنْ تَكُونَ الصَّخْرَةُ فِيهِما أوْ في إحْداهُما، وعَبَّرَ لَهُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ لِعُلُوِّ المَقامِ فَقالَ: ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ بِعِظَمِ جَلالِهِ، وباهِرِ كِبْرِيائِهِ وكَمالِهِ، بِعَيْنِها لا يَخْفى عَلَيْهِ ولا يَذْهَبُ شَيْءٌ مِنها، فَيُحاسِبُ عَلَيْها، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ مِن عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا إشارَةً إلى [أنَّ] إنْكارَ ذَلِكَ لِما لَهُ مِن باهِرِ العَظَمَةِ مِن دَأْبِ النُّفُوسِ إنْ [لَمَ] يَصْحَبْها التَّوْفِيقُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ فَأعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِحْضارِ العَظَمَةِ وتَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ ﴿لَطِيفٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ المَتِّ (p-١٧٣)بِالوُجُوهِ الخَفِيَّةِ الدَّقِيقَةِ الغامِضَةِ في بُلُوغِهِ إلى أمْرٍ أرادَهُ حَتّى بِضِدِّ الطَّرِيقِ المُوصِلِ فِيما يَظْهَرُ لِلْخَلْقِ ﴿خَبِيرٌ﴾ بالِغُ العِلْمِ بِأخْفى الأشْياءِ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَفُوتُهُ أمْرٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences