Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Luqman 31:23–31
31:23Page 413
وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحۡزُنكَ كُفۡرُهُۥٓۚ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٢٣
And whoever has disbelieved - let not his disbelief grieve you. To Us is their return, and We will inform them of what they did. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts.
(p-١٩٠)ولَمّا ذَكَرَ المُسْلِمَ ذَكَرَ الكافِرَ فَقالَ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أيْ سَتَرَ ما أدّاهُ إلَيْهِ عَقْلُهُ مِن أنَّ اللَّهَ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّهُ لا قُدْرَةَ [أصْلًا] لِأحَدٍ سِواهُ، ولَمْ يُسْلِمْ وجْهَهُ إلَيْهِ، فَتَكَبَّرَ عَلى الدُّعاةِ وأبى أنْ يَنْقادَ لَهُمْ، اتِّباعًا لِما قادَهُ إلَيْهِ الهَوى. بِأنْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ اخْتِيارًا وعَمَلًا فِعْلَ القَوِيِّ القادِرِ، فَقَدْ ألْقى نَفْسَهُ في كُلِّ هَلَكَةٍ لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِشَيْءٍ ﴿فَلا يَحْزُنْكَ﴾ أيْ يُهِمَّكَ ويُوجِعْكَ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ مَن لِإرادَةِ التَّنْصِيصِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَقالَ: ﴿كُفْرُهُ﴾ كائِنًا مَن كانَ فَإنَّهُ لَمْ يَفُتْكَ شَيْءٌ فِيهِ خَيْرٌ ولا مُعْجِزَ لَنا لِيَحْزُنَكَ، ولا تَبِعَةَ عَلَيْكَ بِسَبَبِهِ، وفي التَّعْبِيرِ هُنا بِالماضِي وفي الأوَّلِ بِالمُضارِعِ بِشارَةٌ بِدُخُولِ كَثِيرٍ في هَذا الدِّينِ، وأنَّهم لا يَرْتَدُّونَ بَعْدَ إسْلامِهِمْ، وتَرْغِيبٌ في الإسْلامِ لِكُلِّ مَن كانَ خارِجًا عَنْهُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الحُزْنَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا، وذَكَرَ الِاسْتِمْساكَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا.
ولَمّا كانَ الحُزْنُ بِمَعْنى الهَمِّ، حَسُنَ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ التِفاتًا إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ الَّتِي هَذا مِن أخْفى مَواضِعِها، وجَمَعَ لِأنَّ الإحاطَةَ بِالجَمْعِ أدَلُّ عَلى العَظَمَةِ: ﴿إلَيْنا﴾ أيْ خاصَّةً بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا تَثْبُتُ لَها الجِبالُ (p-١٩١)﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ أيْ رُجُوعُهم وزَمانُهُ ومَكانُهُ أيْ مَعْنًى في الدُّنْيا وحِسًّا يَوْمَ الحِسابِ، لا إلى غَيْرِنا، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم في قَبْضَتِهِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِن بَعْثِهِمْ، بَيَّنَ أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ حِسابُهم لِتَظْهَرَ الحِكْمَةُ [فَقالَ]: ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ﴾ بِسَبَبِ إحاطَتِنا بِأمْرِهِمْ وعَقِبَ رُجُوعِهِمْ ﴿بِما عَمِلُوا﴾ أيْ ونُجازِيهِمْ عَلَيْهِ إنْ أرَدْنا.
ولَمّا كانَ مَعْنى التَّضْعِيفِ: نَفْعَلُ مَعَهم فِعْلَ مُنَقِّبٍ عَنِ الأُمُورِ مُفَتِّشٍ عَلى جَلِيِّها وخَفِيِّها، جَلِيلِها ودَقِيقِها، فَلا نَذَرُ شَيْئًا مِنها، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ [الأعْظَمِ] المُفْهِمِ لِلْعَظَمَةِ وغَيْرِها مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِن أعْظَمِها العِلْمُ، لَفْتًا لِلْكَلامِ عَنِ العَظَمَةِ الَّتِي لا تَدُلُّ عَلى غَيْرِها إلّا بِاللُّزُومِ، مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ شُمُولَ عِلْمِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ أيْ مُحِيطُ العِلْمِ بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ بِالأعْمالِ الَّتِي هي صاحِبَتُها، ومُضْمَرَةٌ ومُودَعَةٌ فِيها، فَناشِئَةٌ عَنْها ومِن قَبْلِ أنْ تَبْرُزَ إلى الوُجُودِ، فَكَيْفَ بِذَلِكَ بَعْدَ عَمَلِها.
31:24Page 413
نُمَتِّعُهُمۡ قَلِيلٗا ثُمَّ نَضۡطَرُّهُمۡ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٢٤
We grant them enjoyment for a little; then We will force them to a massive punishment.
ولَمّا تَشُوفُ المُسْلِمُ إلى إهْلاكِ مَن هَذا شَأْنُهُ وإلى العِلْمِ بِمُدَّةِ ذَلِكَ، وكانَ مِن طَبْعِ الإنْسانِ العَجَلَةُ، أجابَ مَن يَسْتَعْجِلُ بِقَوْلِهِ عائِدًا إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ الَّتِي يَتَقاضاها إذْلالُ العَدُوِّ وإعْزازُ الوَلِيٍّ: ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا﴾ (p-١٩٢)[أيْ] مِنَ الزَّمانِ ومِنَ الحُظُوظِ وإنْ جَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ مَن لا عِلْمَ لَهُ، فَلا تَشْغَلُوا أنْفُسَكم بِالِاسْتِعْجالِ عَلَيْهِمْ فَإنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ.
ولَمّا كانَ إلْجاءُ المُتَجَبِّرِينَ إلى العَذابِ أمْرًا مُسْتَبْعَدًا، أشارَ بِأداةِ البُعْدِ إلى ما يَحْصُلُ عِنْدَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ، الَّتِي تُذِلُّ الرِّجالَ، وتَدُكُّ الجِبالَ، وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى اسْتِطالَةِ المُحْسِنِينَ مِن تَمْتِيعِهِمْ وإنْ كانَ قَلِيلًا في الواقِعِ، أوْ عِنْدَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ أيْ نَأْخُذُهم أخْذًا لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ بِنَوْعِ حِيلَةٍ، وأشارَ إلى طُولِ إذْلالِهِمْ في مُدَّةِ السَّوْقِ بِحَرْفِ الغايَةِ، فَكانَ المَعْنى: فَنُصَيِّرُهم بِذَلِكَ الأخْذِ ﴿إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ ثَقِيلٍ، لا يَنْقَطِعُ عَنْهم أصْلًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِنهُ مَخْلَصًا مِن جِهَةٍ مِن جِهاتِهِ، فَكَأنَّهُ في شِدَّتِهِ وثِقَلِهِ جِرْمٌ غَلِيظٌ جِدًّا إذا بَرَكَ عَلى شَيْءٍ لا يَقْدِرُ عَلى الخَلاصِ مِنهُ.
31:25Page 413
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٥
And if you asked them, "Who created the heavens and earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "[All] praise is [due] to Allāh"; but most of them do not know.
ولَمّا كانَ مِن أعْجَبِ العَجَبِ مُجادَلَتُهم مَعَ إقْرارِهِمْ بِما يَلْزَمُهم بِهِ (p-١٩٣)قَطْعًا التَّسْلِيمُ في أنَّهُ الواحِدُ لا شَرِيكَ لَهُ وأنَّ لَهُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ فَلَهُ الحَمْدُ كُلُّهُ، قالَ: ﴿ولَئِنْ﴾ أيْ يُجادِلُونَ أوْ يَقُولُونَ: بَلْ نَتَّبِعُ آباءَنا والحالُ أنَّهم إنْ ﴿سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ﴾ بِأسْرِها ﴿والأرْضَ﴾ وجَمِيعِ ما فِيها ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ ولَمّا كانَ الأنْسَبُ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي هي مَطْلَعُ السُّورَةِ الِاقْتِصارَ عَلى مَحَلِّ الحاجَةِ، لَمْ يَزِدْ هُنا عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ بِخِلافِ الزُّخْرُفِ الَّتِي مَبْناها الإبانَةُ، فَقالَ لافِتًا القَوْلَ عَنِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ مِنها فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ [أيْ] ”المُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ الَّذِي جَمَعَ مُسَمّاهُ بَيْنَ الجَلالِ والإكْرامِ“ فَقَدْ أقَرُّوا بِأنَّ كُلَّ ما أشْرَكُوا بِهِ بَعْضُ خَلْقِهِ ومَصْنُوعٌ مِن مَصْنُوعاتِهِ.
ولَمّا كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ شُرَكاءَهم تَفْعَلُ لَهم بَعْضَ الأفْعالِ، فَلِذَلِكَ كانُوا يَرْجُونَهم ويَخافُونَهُمْ، كَما أنَّ ذَلِكَ واضِحٌ في قِصَّةِ عَمِّ أنَسٍ الصُّمَّ وغَيْرِها، أمَرَهُ ﷺ بِأنْ يُعَلِّمَهم أنَّهُ لا خَلْقَ لِغَيْرِهِ ولا أمْرَ، بَلْ هو مُبْدِعُ كُلِّ شَيْءٍ في السَّماواتِ والأرْضِ كَما أبْدَعَهُما، وأنَّ مِن (p-١٩٤)جُمْلَةِ ذَلِكَ مِمّا يَسْتَحِقُّ بِهِ الحَمْدَ سُبْحانَهُ قَهْرَهم عَلى تَصْدِيقِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ [بِمِثْلِ] هَذا الإقْرارِ وهم في غايَةِ التَّكْذِيبِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قُلِ الحَمْدُ﴾ أيِ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الشّامِلَةُ الكامِلَةُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِخَلْقِ الخافِقَيْنِ ولا غَيْرِهِ ”الأمْرُ أعْظَمُ مِن مَقالَةِ قائِلٍ“ كَما أحاطَ بِما تَعْلَمُونَهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو فاعِلُ الأفْعالِ كُلِّها، كَما أنَّهُ خالِقُ الذَّواتِ كُلِّها، ولا شَرِيكَ لَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ، كَما أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في شَيْءٍ مِنَ الخَلْقِ.
ولَمّا كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ أصْنامَهم تَصْنَعُ شَيْئًا كَما قالَتِ امْرَأةُ ذِي النُّورِ الدَّوْسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ يُخْشى عَلى الصَّبِيَّةِ مِن ذِي الشَّرى، وكَما قالَ قَوْمُ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا سَبَّ آلِهَتَهُمْ: اتَّقِ الجُذامَ اتَّقِ البَرَصَ، وكَما قالَ سادِنُ العُزّى، وكَما قالَتْ ثَقِيفٌ في طاغِيَتِهِمْ، حَتّى أنَّهم قالُوا عِنْدَما سُوِّيَتْ بِالأرْضِ، واللَّهِ لِيَغْضَبَنَّ الأساسُ، حَتّى حَمَلَ ذَلِكَ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى أنْ حَفَرَ الأساسَ، وكانُوا إذا مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ لا سِيَّما في البَحْرِ تَبَرَّؤُوا مِنها، وأسْنَدُوا الأمْرَ إلى مَن هو لَهُ كَما هو مَضْمُونُ التَّوْحِيدِ، فَكانَ رُبَّما قالَ قائِلٌ اسْتِنادًا إلى ذَلِكَ: (p-١٩٥)إنَّهم لَيَعْلَمُونَ ما أثْبَتَ بِالتَّحْمِيدِ، قالَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ إنَّ اللَّهَ هو المُنْفَرِدُ بِكُلِّ شَيْءٍ كَما أنَّهُ تَفَرَّدَ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ، إلّا بِإذْنِهِ لِأنَّهم لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ مِن ذَلِكَ، وعِلْمٌ لا يُعْمَلُ بِهِ عَدَمٌ، بَلِ العَدَمُ خَيْرٌ مِنهُ، وكانَ القَلِيلُ هُمُ المُقْتَصِدُونَ عِنْدَ النَّجاةِ مِنَ الشِّدَّةِ كَما سَيَأْتِي آنِفًا، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم أصْلًا إذْ لَوْ كانَ لَهم عِلْمٌ لَنَفَعَهم في عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ، أوْ في أنَّهم لا يُقِرُّونَ بِتَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ بِالخَلْقِ والرِّزْقِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُوجِبًا لِتُناقُضِهِمْ ومُلْزِمًا لَهم بِالإقْرارِ بِصِدْقِكَ في الحُكْمِ بِوَحْدانِيَّتِهِ عَلى الإطْلاقِ.
31:26Page 413
لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٦
To Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. Indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
ولَمّا أثْبُتُ لِنَفْسِهِ سُبْحانَهُ الإحاطَةَ بِأوْصافِ الكَمالِ، شَرَعَ يَسْتَدِلُّ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّ ما أخْبَرَ أنَّهُ صُنْعُهُ فَهو لَهُ: ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ كُلِّها. ولَمّا تَحَرَّرَ بِما تَقَدَّمَ أنَّهم عالِمُونَ مُقِرُّونَ بِما يَلْزَمُ عَنْهُ وحْدانِيَّتُهُ، لَمْ يُؤَكِّدْ بِإعادَةِ ﴿ما﴾ والجارِّ، بَلْ قالَ: ﴿والأرْضِ﴾ أيْ كُلُّها كَما كانَتا مِمّا صَنَعَهُ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَهُ شَرِيكًا.
ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ أنْتَجَ قَطْعًا قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿هُوَ﴾ أوْ وحْدَهُ، وأكَّدَ لِأنَّ ادِّعائِهِمُ الشَّرِيكَ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ غِناهُ، (p-١٩٦)ولِذَلِكَ أظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ ما وُصِفَ بِهِ فَهو ثابِتٌ لَهُ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحَيْثِيَّتِهِ ﴿الغَنِيُّ﴾ مُطْلَقًا، لِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ لَهُ ومُحْتاجَةٌ إلَيْهِ، ولَيْسَ مُحْتاجًا إلى شَيْءٍ أصْلًا. ولَمّا كانَ الغَنِيُّ قَدْ لا يُوجِبُ الحَمْدَ لِلَّهِ: ﴿الحَمِيدُ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ المَحامِدِ، لِأنَّهُ المُنْعِمُ عَلى الإطْلاقِ، المَحْمُودُ بِكُلِّ لِسانٍ ألْسِنَةِ الأحْوالِ والأقْوالِ، ولَوْ كانَ نُطْقُها ذَمًّا فَهو حَمْدٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ هو الَّذِي أنْطَقَها، ومِن قَيْدِ الخُرْسِ أطْلَقَها.
31:27Page 413
وَلَوۡ أَنَّمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن شَجَرَةٍ أَقۡلَٰمٞ وَٱلۡبَحۡرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦ سَبۡعَةُ أَبۡحُرٖ مَّا نَفِدَتۡ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٧
And if whatever trees upon the earth were pens and the sea [was ink], replenished thereafter by seven [more] seas, the words1 of Allāh would not be exhausted. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
ولَمّا كانَ الغَنِيُّ قَدْ يَكُونُ مالُهُ مَحْصُورًا كَما في السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي قَدَّمَ أنَّهُ لَهُ، والمَحْمُودُ قَدْ يَكُونُ ما يُحْمَدُ عَلَيْهِ مَضْبُوطًا مَقْصُورًا أثْبَتَ أنَّهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، [بَلْ] لا حَدَّ لِغِناهُ، ولا ضَبْطَ لِمَعْلُوماتِهِ ومَقْدُوراتِهِ المُوجِبَةِ لِحَمْدِهِ ولا تَناهٍ، فَقالَ: ﴿ولَوْ﴾ أيْ لَهُ الصِّفَتانِ المَذْكُورَتانِ والحالُ أنَّهُ لَوْ ﴿أنَّما في الأرْضِ﴾ أيْ كُلِّها، ودَلَّ عَلى الِاسْتِغْراقِ وتَقَصِّي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ الجِنْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن شَجَرَةٍ﴾ حَيْثُ وحَّدَها ﴿أقْلامٌ﴾ أيْ والشَّجَرَةُ يَمُدُّها مِن بَعْدِها عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ سَبْعُ شَجَراتٍ، وأنَّ ما في الأرْضِ مِن بَحْرٍ مِدادٌ لِتِلْكَ الأقْلامِ﴿والبَحْرُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ البَحْرَ، وعَلى قِراءَةِ البَصْرِيِّينَ بِالنَّصْبِ التَّقْدِيرُ: ولَوْ أنَّ البَحْرَ ﴿يَمُدُّهُ﴾ أيْ يَكُونُ مَدَدًا وزِيادَةً فِيهِ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ (p-١٩٧)مِن ورائِهِ ﴿سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ فَكُتِبَ بِتِلْكَ الأقْلامِ وذَلِكَ المِدادِ الَّذِي الأرْضُ كُلُّها لَهُ دَواةٌ كَلِماتُ اللَّهِ ﴿ما نَفِدَتْ﴾ وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ تَعْظِيمًا لِلْمَقامِ فَقالَ مُظْهِرًا لِلْإشارَةِ مَعَ التَّبَرُّكِ إلى عَدَمِ التَّقَيُّدِ بِشَيْءٍ وإنْ جَلَّ: ﴿كَلِماتُ اللَّهِ﴾ وفَنِيَتِ الأقْلامُ والمِدادُ، وأشارَ بِجَمْعِ القِلَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى اسْمِ الذّاتِ إلى زِيادَةِ العَظَمَةِ بِالعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ القَلِيلِ فَيُفْهَمُ العَجْزَ عَنِ الكَلِمِ مِن بابِ الأوْلى، ويَتْبَعُ الكَلِماتِ الإبْداعُ، فَلا تَكُونُ كَلِمَةً إلّا لِإحْداثِ شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ
﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وعُلِمَ مِن ذَلِكَ نَفادُ الأبْحُرِ كُلِّها لِأنَّها مَحْصُورَةٌ، فَهي لا تَفِي بِما لَيْسَ بِمَحْصُورٍ، فَيا لَها مِن عَظَمَةٍ لا تَتَناهى! ومِن كِبْرِياءَ لا تُجارى، ولا تُضاهى، لا جَرَمَ كانَ نَتِيجَةَ ذَلِكَ قَوْلُهُ مُؤَكِّدًا لِأنَّ ادِّعاءَهُمُ الشَّرِيكَ إنْكارٌ لِلْعِزَّةِ، وعَدَمَ البَعْثِ إنْكارٌ لِلْحِكْمَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا مِن غَيْرِ قَيْدٍ أصْلًا ﴿عَزِيزٌ﴾ أيْ يُعْجِزُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُحْكِمُ ما أرادَهُ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِهِ، ولا عِلْمَ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ إلّا ما عَلَّمَهُ، ولا حِكْمَةَ لِأحَدٍ مِنهم إلّا بِمِقْدارِ ما أُورِثَهُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الأقْلامَ دَلِيلًا عَلى (p-١٩٨)حَذْفِ مِدادِها، وذَكَرَ السَّبْعَةَ [فِي] مُبالَغَةِ الأبْحُرِ دَلِيلًا عَلى حَذْفِها في الأشْجارِ، وهو مِن عَظِيمِ هَذا الفَنِّ، وعُلِمَ أيْضًا مِنَ السِّياقِ أنَّ المُرادَ بِالسَّبْعَةِ المُبالَغَةُ في الكَثْرَةِ لا حَقِيقَتُها، وأنَّ المُرادَ بِجَمْعِ القِلَّةِ في ”أبْحُرٍ“ الكَثْرَةَ، لِقَرِينَةِ المُبالَغَةِ، وبِجَمْعِ القِلَّةِ في ”كَلِمات“ حَقِيقَتُها لِيَنْتَظِمَ المَعْنى، وكُلُّ ذَلِكَ سائِغٌ شائِعٌ في لُغَةِ العَرَبِ.
31:28Page 413
مَّا خَلۡقُكُمۡ وَلَا بَعۡثُكُمۡ إِلَّا كَنَفۡسٖ وَٰحِدَةٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ٢٨
Your creation and your resurrection will not be but as that of a single soul.1 Indeed, Allāh is Hearing and Seeing.
ولَمّا خَتَمَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بَعْدَ إثْباتِ القُدْرَةِ عَلى الإبْداعِ مِن غَيْرِ انْتِهاءٍ، ذَكَرَ بَعْضَ آثارِهِما في البَعْثِ الَّذِي تَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ وأثْناءَها ذَكَرَهُ إلى حَذَرِهِمْ بِهِ في قَوْلِهِ ”إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ“ فَقالَ: ﴿ما خَلْقُكُمْ﴾ أيْ كُلِّكم في عِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وأعادَ النّافِيَ نَصًّا عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الخَلْقِ والبَعْثِ عَلى حِدَتِهِ فَقالَ: ﴿ولا بَعْثُكُمْ﴾ كُلِّكم ﴿إلا كَنَفْسٍ﴾ أيْ كَبَعْثِ نَفْسٍ، وبَيَّنَ الأفْرادَ تَحْقِيقًا لِلْمُرادِ، وتَأْكِيدًا لِلسُّهُولَةِ فَقالَ: ﴿واحِدَةٍ﴾ فَإنَّ كَلِماتِهِ مَعَ كَوْنِها غَيْرَ نافِدَةٍ نافِذَةٌ، وقُدْرَتَهُ مَعَ كَوْنِها باقِيَةً بالِغَةٌ، فَنِسْبَةُ القَلِيلِ والكَثِيرِ إلى قُدْرَتِهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، لِأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، ثُمَّ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ تَكْذِيبَهم لِرَسُولِهِ ورَدَّهم لِما شَرَّفَهم بِهِ يَتَضَمَّنُ الإنْكارَ لِأنْ يَكُونُوا بِمَرْأًى مِنهُ (p-١٩٩)ومَسْمَعٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْلى الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الشّامِلَةُ ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ بالِغُ السَّمْعِ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُمْكِنُ سَمْعُهُ مِنَ المَعانِي في آنٍ واحِدٍ لا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ مِنها عَنْ غَيْرِهِ ﴿بَصِيرٌ﴾ بَلِيغُ البَصَرِ يُبْصِرُ كَذَلِكَ كُلَّ ما يُمْكِنُ أنْ يُرى مِنَ الأعْيانِ والمَعانِي، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ المُحِيطَ العِلْمِ بالِغَهُ شامِلَ القُدْرَةِ تامَّها، فَهو يُبْصِرُ جَمِيعَ الأجْزاءِ مِن كُلِّ مَيِّتٍ، ويَسْمَعُ كُلَّ ما يُسْمَعُ مِن مَعانِيهِ، فَهو بِإحاطَةِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ يَجْمَعُ تِلْكَ الأجْزاءَ، ويُمَيِّزُ بَعْضَها مِن بَعْضٍ، ويُودِعُها تِلْكَ المَعانِي، فَإذا هي أنْفَسَ قائِمَةً كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ في أسْرَعِ مِن لَمْحِ البَصَرِ.
31:29Page 414
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٩
Do you not see [i.e., know] that Allāh causes the night to enter the day and causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon, each running [its course] for a specified term, and that Allāh, of whatever you do, is Aware?
ولَمّا قَرَّرَ هَذِهِ الآيَةَ الخارِقَةَ، دَلَّ عَلَيْها بِأمْرٍ [مَحْسُوسٍ] يُشاهِدُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، مَعَ دَلالَتِهِ عَلى تَسْخِيرِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وإبْطالِ قَوْلِهِمْ: ﴿وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] بِأنَّهُ هو الَّذِي أوْجَدَ الزَّمانَ بِتَحْرِيكِ الأفْلاكِ، خاصًّا بِالخِطابِ مَن لا يَفْهَمُ ذَلِكَ حَقَّ فَهْمِهِ غَيْرُهُ، أوْ عامًّا كُلَّ عاقِلٍ، إشارَةً إلى أنَّهُ في دَلالَتِهِ عَلى البَعْثِ في غايَةِ الوُضُوحِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ يا مَن يَصْلُحُ لِمِثْلِ هَذا الخِطابِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنَ المَخْلُوقِينَ حَقَّ عِلْمِهِ غَيْرُهُ.
ولَمّا كانَ البَعْثُ مِثْلَ إيجادِ كُلٍّ مِنَ المَلَوَيْنِ بَعْدَ إعْدامِهِ، فَكانَ إنْكارُهُ إنْكارً لِهَذا، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالتَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ [أيْ] (p-٢٠٠)بِجَلالِهِ وعِزِّ كَمالِهِ ﴿يُولِجُ﴾ أيْ يُدْخِلُ إدْخالًا لا مِرْيَةَ فِيهِ ﴿اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ فَيَغِيبُ فِيهِ بِحَيْثُ لا يُرى شَيْءٌ مِنهُ، فَإذا النَّهارُ [قَدْ] عَمَّ الأرْضَ كُلَّها أسْرَعَ مِنَ اللَّمْحِ ﴿ويُولِجُ النَّهارَ﴾ أيْ يُدْخِلُهُ كَذَلِكَ ﴿فِي اللَّيْلِ﴾ فَيَخْفى حَتّى لا يَبْقى لَهُ أثَرٌ، فَإذا اللَّيْلُ قَدْ طَبَّقَ الآفاقَ: مَشارِقَها ومَغارِبَها في مِثْلِ الظَّرْفِ، فَيُمَيِّزُ سُبْحانَهُ كُلًّا مِنهُما - وهو مَعْنًى مِنَ المَعانِي - مِنَ الآخَرِ بَعْدَ اضْمِحْلالِهِ، فَكَذَلِكَ الخَلْقُ والبَعْثُ في قُدْرَتِهِ بِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ لِبُلُوغِ سَمْعِهِ ونُفُوذِ بَصَرِهِ، ولَمّا كانَ هَذا مَعْنًى مِنَ المَعانِي يَتَجَدَّدُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، عَبَّرَ فِيهِ بِالمُضارِعِ.
ولَمّا كانَ النَّيِّرانِ جِرْمَيْنِ عَظِيمَيْنِ قَدْ صُرِفا عَلى طَرِيقٍ مَعْلُومٍ بِقَدْرٍ لا يَخْتَلِفُ، عَبَّرَ فِيهِما بِالماضِي عَقِبَ ما هُما آيَتاهُ فَقالَ: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ﴾ آيَةً لِلنَّهارِ بِدُخُولِ اللَّيْلِ فِيهِ ﴿والقَمَرَ﴾ آيَةً لِلَّيْلِ كَذَلِكَ! ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما سُخِّرا فِيهِ فَقالَ: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ مِنهُما ﴿يَجْرِي﴾ أيْ في فَلَكِهِ سائِرًا مُتَمادِيًا [و] بالِغًا ومُنْتَهِيًا.
ولَمّا كانَ مَحَطُّ مَقْصُودِ السُّورَةِ الحِكْمَةَ، وكانَتْ هَذِهِ الدّارُ مُرْتَبِطَةً بِحِكْمَةِ الأسْبابِ والتَّطْوِيرِ، والمَدُّ في الإبْداعِ والتَّسْيِيرِ، كانَ المَوْضِعُ لِحَرْفِ الغايَةِ فَقالَ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لا يَتَعَدّاهُ في مَنازِلَ مَعْرُوفَةٍ في جَمِيعِ الفَلَكِ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، هَذا يَقْطَعُها في الشَّهْرِ [مَرَّةً] وتِلْكَ (p-٢٠١)فِي السَّنَةِ مَرَّةً، لا يَقْدِرُ مِنهُما أنْ يَتَعَدّى طَوْرَهُ، ولا أنْ يَنْقُصَ دَوْرَهُ، ولا أنْ يُغَيِّرَ سَيْرَهُ.
ولَمّا بانَ بِهَذا التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ، في هَذا الأعْظَمِ، شُمُولُ عِلْمِهِ وتَمامُ قُدْرَتِهِ، عَطَفَ عَلى ”أنَّ اللَّهَ“ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ أنْ أفْعالَهم أفْعالُ مَن يُنْكِرُ عِلْمَهُ بِها: ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها، وقَدَّمَ الجارَ إشارَةً إلى تَمامِ عِلْمِهِ بِالأعْمالِ كَما مَضَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وعَمَّ الخِطابِ بَيانًا لِما قَبْلَهُ وتَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا فَقالَ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ في كُلِّ وقْتٍ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ ﴿خَبِيرٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ [مِنهُ] ولا يَخْفى عَنْهُ، لِأنَّهُ الخالِقُ لَهُ كُلِّهِ دِقِّهِ وجِلِّهِ، ولَيْسَ لِلْعَبْدِ في إيجادِهِ غَيْرُ الكَسْبِ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ مِقْدارَ الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ في شَيْءٍ مِنهُ، ولَوْ كانَ هو المُوجِدَ لَهُ لِعِلْمِ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الإيجادِ ناقِصُ العِلْمِ أصْلًا، وكَمْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ في كُتُبِهِ وعَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ بِأشْياءَ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ مِن أُمُورِ العِبادِ، فَكانَ ما قالَهُ كَما قالَهُ، لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ [مِنهُمْ] أنْ يُخالِفَ في شَيْءٍ مِمّا قالَهُ، فَتَمَّتْ كَلِماتُهُ، وصَدَقَتْ إشاراتُهُ وعِباراتُهُ، وهَذا دَلِيلٌ آخَرُ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ بِاعْتِبارِ أنَّ الخَلائِقَ في جَمِيعِ الأرْضِ يَفُوتُونَ الحَصْرَ، وكُلٌّ مِنهم (p-٢٠٢)لا يَنْفَكُّ في كُلِّ لَحْظَةٍ عَنْ عَمَلٍ مِن حَرَكَةٍ وسُكُونٍ، وهو سُبْحانَهُ المُوجِدُ لِذَلِكَ كُلِّهِ في [كُلِّ] آنٍ دائِمًا ما تَعاقَبَ المَلَوانِ، وبَقِيَ الزَّمانُ، لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ مِنهُ عَلى شَأْنٍ، وقَدْ كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لَمّا خُوطِبُوا بِهَذا في غايَةِ العِلْمِ [بِهِ]. لِما ذَكَرَ مِن دَلِيلِهِ، ولِما شاهَدُوا مِن إخْبارِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ مُغَيَّباتٍ تَتَعَلَّقُ بِأُناسٍ غائِبِينَ وأُناسٍ حاضِرِينَ، مِنهُمُ البَعِيدُ جِدًّا والمُتَوَسِّطُ والقَرِيبُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أحْوالٍ تُوجِبُ القَطْعَ لَهم بِذَلِكَ، هَذا عِلْمُهم فَكَيْفَ يَكُونُ عالِمُ المَخْصُوصِ في هَذِهِ الآيَةِ بِالخِطابِ ﷺ، مَعَ ما يُشاهِدُ مِن آثارِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ويَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِن إبْداعِهِ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أطْلَعَهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن عالَمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ.
31:30Page 414
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٣٠
That is because Allāh is the True Reality, and that what they call upon1 other than Him is falsehood, and because Allāh is the Most High, the Grand.
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الأوْصافِ الحُسْنى والأفْعالِ العُلى أنَّهُ لا مُوجِدَ بِالحَقِيقَةِ إلّا اللَّهُ قالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ذِكْرُهُ لِما مِنَ الأفْعالِ الهائِلَةِ والأوْصافِ الباهِرَةِ ﴿بِأنَّ﴾ [أيْ] بِسَبَبِ أنَّ ﴿اللَّهَ﴾ [أيِ] الَّذِي لا عَظِيمَ سِواهُ ﴿هُوَ﴾ وحْدَهُ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الثّابِتُ بِالحَقِيقَةِ وثُبُوتُ غَيْرِهِ في الواقِعِ عَدَمٌ، لِأنَّهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الغَيْرِ، ولَيْسَ لَهُ الثُّبُوتُ مِن ذاتِهِ، ومِنهُ ما أشْرَكُوا بِهِ، ولِذَلِكَ أفْرَدَهُ بِالنَّصِّ، فَقالَ صارِفًا لِلْخِطابِ (p-٢٠٣)الماضِي إلى الغَيْبَةِ عَلى قِراءَةِ البَصْرِيِّينَ وحَمْزَةَ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ إيذانًا بِالغَضَبِ، وقِراءَةُ الباقِينَ عَلى الأُسْلُوبِ الماضِي ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ﴾ أيْ هَؤُلاءِ المَخْتُومُ عَلى مَدارِكِهِمْ، وأشارَ إلى سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾
ولَمّا تَقَدَّمَتِ الأدِلَّةُ الكَثِيرَةُ عَلى بُطْلانِ آلِهَتِهِمْ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] وأكْثَرَ هُنا مِن إظْهارِ الجَلالَةِ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ المَقامِ فَلَمْ تَدْعُ حاجَةٌ إلى التَّأْكِيدِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ فَقالَ: ﴿الباطِلُ﴾ أيِ العَدَمِ حَقًّا، لا يَسْتَحِقُّ أنْ تُضافَ إلَيْهِ الإلَهِيَّةُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وإلّا لَمَنَعَ [مِن] شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأفْعالِ مَرَّةً مِنَ المَرّاتِ، فَلَمّا وُجِدَتْ عَلى هَذا النِّظامِ عُلِمَ أنَّهُ الواحِدُ الَّذِي لا مُكافِئَ لَهُ.
ولَمّا كانُوا يُعْلُونَها عَنْ مَراتِبِها ويُكَبِّرُونَها بِغَيْرِ حَقٍّ، قالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ وحْدَهُ، ولَمّا كانَ النَّيِّرانِ مِمّا عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، وكانا قَدْ جَمَعا عُلُوًّا وكِبَرًا، وكانَ لَيْسَ لَهُما مِن ذاتِهِما إلّا العَدَمُ فَضْلًا عَنِ السُّفُولِ والصِّغَرِ، خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ أيْ عَنْ أنْ يُدايِنَهُ في عَلْيائِهِ ضِدٌّ، أوْ يُبارِيَهُ في كِبْرِيائِهِ نِدٌّ.
31:31Page 414
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٣١
Do you not see that ships sail through the sea by the favor of Allāh that He may show you of His signs? Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
(p-٢٠٤)ولَمّا تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ثَلاثَةَ أشْياءَ، أتْبَعَها دَلِيلَها، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ سَيْرَنا في الفُلْكِ مِثْلُ سَيْرِ النُّجُومِ في الفَلَكِ، وسَيْرُ أعْمارِنا في فَلَكِ الأيّامَ حَتّى يُولِجَنا في بَحْرِ المَوْتِ مِثْلُ سَيْرِ كُلٍّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في فَلَكِ الشَّمْسِ حَتّى يُولِجَهُ في الآخَرِ فَيَذْهَبُ حَتّى كَأنَّهُ ما كانَ، ولَوْلا تَفَرُّدُهُ بِالحَقِّيَةِ والعُلُوِّ والكِبْرِ ما اسْتَقامَ ذَلِكَ، خاصًّا بِالخِطابِ أعْلى النّاسِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ لِكَثْرَةِ الإلْفِ لَها أعْرَضَ عَنْ تَأمُّلِها، فَهو في الحَقِيقَةِ [حَثٌّ] عَلى تَدَبُّرِها، ويُؤَيِّدُهُ الإقْبالُ عَلى الكُلِّ عِنْدَ تَعْلِيلِها: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ﴾ أيِ السُّفُنَ كِبارًا وصِغارًا ﴿تَجْرِي﴾ أيْ بِكم حامِلَةً ما تَعْجِزُونَ عَنْ نَقْلِ مِثْلِهِ في البَرِّ، وعَبَّرَ بِالظَّرْفِيَّةِ إشارَةً إلى أنَّهُ لَيْسَ لَها مِن ذاتِها إلّا الرُّسُوبُ [فِي الماءِ] لِكَثافَتِها ولَطافَتِهِ فَقالَ: ﴿فِي البَحْرِ﴾ [أيْ] عَلى وجْهِ الماءِ، [وعَبَّرَ عَنِ الفِعْلِ بِأثَرِهِ لِأنَّهُ أحَبُّ فَقالَ]: ﴿بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِرَحْمَةِ المَلِكِ الأعْلى المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً وإحْسانِهِ، مُجَدِّدًا ذَلِكَ عَلى مَدى الزَّمانِ عَلَيْكم في تَعْلِيمِكم صُنْعَها حَتّى تَهَيَّأتْ لِذَلِكَ عَلى يَدَيْ أبِيكم نُوحٍ العَبْدِ الشَّكُورِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِيُرِيَكم مِن آياتِهِ﴾ أيْ عَجائِبَ قُدْرَتِهِ ودَلائِلِهِ [الَّتِي] تَدُلُّكم عَلى (p-٢٠٥)أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي أثْبَتَ بِوُجُوبِ وُجُودِهِ ما تَرَوْنَ مِنَ الأحْمالِ الثِّقالِ عَلى وجْهِ الماءِ الَّذِي تَرْسُبُ فِيهِ الإبْرَةُ فَما دُونَها، وهي مُساوِيَةٌ لِغَيْرِها في أنَّ الكُلَّ مِنَ التُّرابِ، فَما فاوَتَ بَيْنَها إلّا هو بِتَمامِ قُدْرَتِهِ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا إذا جُرِّدَ النَّظَرُ فِيهِ عَنْ كَوْنِهِ قَدْ صارَ مَأْلُوفًا بَهَرَ العُقُولَ وحَيَّرَ الفُهُومَ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا مِمّا هم فِيهِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْهُ، لافِتًا الخِطابَ بَعْدَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ تَنْبِيهًا عَلى دِقَّةِ الأمْرِ وأنَّهُ - وإنْ كانَ يَظُنُّ أنَّهُ ظاهِرٌ - لا يَفْهَمُهُ حَقَّ فَهْمِهِ غَيْرُهُ ﷺ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ الهائِلِ البَدِيعِ الرَّفِيعِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ دَلالاتٍ واضِحاتٍ عَلى ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ في عَدَمِ غَرَقِهِ وفي سَيْرِهِ إلى البِلادِ الشّاسِعَةِ، والأقْطارِ البَعِيدَةِ، وفي كَوْنِ سَيْرِهِ ذَهابًا وإيابًا تارَةً بَرِيحَيْنِ، وأُخْرى بِرِيحٍ واحِدَةٍ، وفي إنْجاءِ أبِيكم نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن أرادَ اللَّهُ مِن خَلْقِهِ [بِهِ] وإغْراقِ غَيْرِهِمْ مِن جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِن شُؤُونِهِ، وأُمُورِهِ وفُنُونِهِ، ونِعَمِهِ [وفُتُونِهِ] وإنْ كانَ أكْثَرُ ذَلِكَ قَدْ صارَ مَأْلُوفًا لَكم فَجَهِلْتُمْ أنَّهُ مِن خَوارِقِ العاداتِ، ونَواقِضِ المُطَّرِداتِ، وعُلِمَ مِن خِتامِ الَّتِي قَبْلَها أنَّ (p-٢٠٦)المُرادَ - بِقَوْلِهِ جامِعًا لِجَمِيعِ الإيمانِ الَّذِي هو نِصْفانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصْفٌ شُكْرٌ، وذَلِكَ تَمامُ صِفَةِ المُؤْمِنِ مُظْهِرًا مَوْضِعَ لَكَ أوْ لَكم - ما أفادَ الحُكْمَ بِكُلِّ مَن شارَكَهُ ﷺ في الوَصْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ إدامَةَ الفِكْرِ في هَذِهِ النِّعَمِ واسْتِحْضارِها في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ، وأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ، والإذْعانُ لَهُ في جَمِيعِ ذَلِكَ، حِفْظًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ مِن أخْذِ المِيثاقِ بِالشُّكْرِ، وأنْ لا يَصْرِفَ الحَقَّ إلى غَيْرِ أهْلِهِ، فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الإساءَةُ إلى المُحْسِنِ ﴿شَكُورٍ﴾ عَلَيْهِ مُبالِغٌ في كُلٍّ مِنَ الصَّبْرِ والشُّكْرِ، وعُلِمَ مِن صِيغَةِ المُبالَغَةِ في كُلٍّ مِنهُما أنَّهُ لا يَعْرِفُ في الرَّخاءِ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ ما كانَ يَعْرِفُهُ في الشِّدَّةِ إلّا مَن طَبَعَهم [اللَّهُ] عَلى ذَلِكَ ووَفَّقَهم لَهُ وأعانَهم عَلَيْهِ بِحِفْظِ العَهْدِ وتَرْكِ النَّقْضِ جَرْيًا مَعَ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى السَّلِيمَةُ، وقَلِيلٌ ما هُمْ، [و] قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: وكَيْفَما كانَ فالصَّبْرُ هو الثَّباتُ في مَراكِزِ العُبُودِيَّةِ، والشُّكْرُ رُؤْيَةُ النِّعْمَةِ مِنَ المُنْعِمِ الحَقِّ وصَرْفُ نِعَمِهِ إلى مَحابِّهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences