Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
As-Sajdah 32:5–12
32:5Page 415
يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥
He arranges [each] matter from the heaven to the earth; then it will ascend to Him in a Day, the extent of which is a thousand years of those which you count.
ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ وزِيرٌ في الخَلْقِ، ذَكَرَ كَيْفَ يَفْعَلُ في هَذا المُلْكِ العَظِيمِ الَّذِي أبْدَعَهُ في سِتَّةِ أيّامٍ مِن عالَمِ الأرْواحِ والأمْرِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا مُفَسِّرًا لِلْمُرادِ بِالِاسْتِواءِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ كُلَّ أمْرِ هَذا العالَمِ بِأنْ يَفْعَلَ في ذَلِكَ فِعْلَ النّاظِرِ في أدْبارِهِ لِإتْقانِ خَواتِمِهِ ولَوازِمِهِ، كَما نَظَرَ في إقْبالِهِ لِإحْكامِ فَواتِحِهِ وعَوازِمِهِ، لا يَكِلُ شَيْئًا مِنهُ إلى شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ، قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ اسْتِواءَهُ عَلى العَرْشِ بِمَعْنى إظْهارِ القُدْرَةِ، والعَرْشُ مَظْهَرُ التَّدْبِيرِ لا قَعْرُ المُدْبَّرِ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ لِلْعَرَبِ إنَّما [هُوَ] تَدْبِيرُ ما تُمْكِنُ مُشاهَدَتُهم لَهُ مِنَ العالَمِ قالَ مُفْرِدًا: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ فَيَنْزِلُ ذَلِكَ [الأمْرُ] الَّذِي أتْقَنَهُ كَما يُتْقِنُ مَن يَنْظُرُ في أدْبارِ ما يَعْلَمُهُ ﴿إلى الأرْضِ﴾ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ إلى ما فَوْقَ ذَلِكَ، عَلى أنَّ السَّماءَ تَشْمَلُ كُلَّ عالٍ فَيُدْخَلُ جَمِيعُ العالَمِ.
ولَمّا كانَ الصُّعُودُ أشُقَّ مِنَ النُّزُولِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العَوائِدُ، فَكانَ بِذَلِكَ مُسْتَبْعَدًا، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾ أيْ يَصْعَدُ (p-٢٣٣)الأمْرُ الواحِدُ - وهو مِنَ الِاسْتِخْدامِ الحَسَنِ - إلَيْهِ، أيْ بِصُعُودِ المُلْكِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى المَواضِعِ الَّذِي شَرَّفَهُ أوْ أمَرَهُ بِالكَوْنِ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ إلى المَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَأ مِنهُ نُزُولُ التَّدْبِيرِ وهو السَّماءُ وكَأنَّهُ صاعِدٌ في مَعارِجَ، وهي الدَّرَجُ عَلى ما تَتَعارَفُونَ بَيْنَكُمْ، في أسْرَعَ مِن لَمْحِ البَصَرِ ﴿فِي يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِ الدُّنْيا ﴿كانَ مِقْدارُهُ﴾ لَوْ كانَ الصّاعِدُ واحِدًا مِنكم عَلى ما تَعْهَدُونَ ﴿ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ مِن سِنِيكُمُ الَّتِي تَعْهَدُونَ، والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ شَيْءٌ مِنَ العُرْفِ وشَيْءٌ مِنَ اللَّفْظِ، أمّا اللَّفْظُ فالتَّعْبِيرُ بِ ”كانَ“ مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِدُونِها لَوْ أُرِيدَ غَيْرُ ذَلِكَ، وأمّا العُرْفُ [فَهُوَ] أنَّ الإنْسانَ المُتَمَكِّنَ يَبْنِي البَيْتَ العَظِيمَ العالِيَ في سَنَةٍ مَثَلًا، فَإذا فَرَّغَهُ صَعِدَ إلَيْهِ خادِمُهُ إلى أعْلاهُ في أقَلَّ مِن دَرَجَتَيْنِ مِن دَرَجِ الرَّمَلِ، فَلا تَكُونُ نِسْبَةُ ذَلِكَ مِن زَمَنِ بِنائِهِ إلّا جُزْءًا لا يُعَدُّ، هَذا وهو خَلْقٌ مُحْتاجٌ فَما ظَنُّكَ بِمَن خَلَقَ الخَلْقَ في سِتَّةِ أيّامٍ وهو غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وظاهِرُ العِبارَةِ أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ بِالألْفِ لِما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِناءً عَلى [أنَّ] البِدايَةَ والغايَةَ لا يَدْخُلانِ، فَإذا أرَدْنا تَنْزِيلَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى آيَةِ سَألَ أخَذْنا (p-٢٣٤)هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى صُعُودِ أحَدِنا مُسْتَوِيًا لَوْ أمْكَنَ، وجُعِلَتِ الأرْضُ واحِدَةً في العَدَدِ، وأوَّلُ تَعَدُّدِها كَما قِيلَ بِاعْتِبارِ الأقالِيمِ، وزِيدَ عَلَيْهِ مِقْدارُ ثِخَنِ السَّماواتِ وما بَيْنَهُما، وزِيدَ عَلى المَجْمُوعِ مِثْلُ نِصْفِهِ لِمَسافَةِ الِانْحِناءِ في بِناءِ الدَّرَجِ والتَّعْرِيجِ الَّذِي هو مِثْلُ مُحِيطِ الدّائِرَةِ بِالوَتَرِ الَّذِي قَسَّمَها بِنِصْفَيْنِ لِيُمَكِّنَ الصُّعُودَ مِنّا، وهو مِقْدارُ نِصْفِ مَسافَةِ الِاسْتِواءِ وشَيْءٌ يَسِيرٌ، لِأنَّكَ إذا قَسَّمْتَ دائِرَةً بِوَتَرٍ كانَ ما بَيْنَ رَأْسَيِ الوَتَرِ مِن مُحِيطِ نِصْفِ الدّائِرَةِ بِمِقْدارِ ذَلِكَ الوَتَرِ مَرَّةً ونِصْفًا سَواءٌ يُزادُ عَلَيْهِ يَسِيرٌ لِأجْلِ تَعارِيجِ الدَّرَجِ، فَإذا فَعَلْنا ذَلِكَ كانَ ما بَيْنَ أحَدِ سَطْحَيِ الكُرْسِيِّ المُحَدَّبِ وما يُقابِلُهُ مِنَ السَّطْحِ الآخَرِ بِحَسَبِ اخْتِراقِهِ مِن جانِبَيْهِ واخْتِراقِ أطْباقِ السَّماواتِ السَّبْعِ: الأرْبَعَةَ عَشَرَ، اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةً، لِأنَّهُ يَخُصُّ كُلَّ سَماءٍ ألْفانِ، لِأنَّهُ فُهِمَ مِن هَذا السِّياقِ أنَّ مِن مُقَعَّرِ السَّماءِ إلى سَطْحِ الأرْضِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مَسِيرَةُ ألْفِ سَنَةٍ و[بُعْدُ] ما بَيْنَ كُلِّ سَمائَيْنِ كَبُعْدِ ما بَيْنَ [السَّماءِ والأرْضِ، وثِخَنُ كُلِّ سَماءٍ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ بُعْدُ ما بَيْنَ أحَدِ] سَطْحَيِ الأرْضِ إلى سَطْحِ الكُرْسِيِّ الأعْلى سِتَّةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ، وبُعْدُ ما بَيْنَ سَطْحِ الأرْضِ إلى أعْلى سَطْحِ الكُرْسِيِّ (p-٢٣٥)مِنَ الجانِبِ الآخَرِ كَذَلِكَ، ثُمَّ يُزادُ عَلى المَجْمُوعِ وهو اثْنانِ وثَلاثُونَ ألْفَ سَنَةٍ مَسافَةُ ثِخَنِ الأرْضِ وهي ألْفُ سَنَةٍ لِيَكُونَ المَجْمُوعُ ثَلاثَةً وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةٍ يُزادُ عَلَيْهِ ما لِلتَّعْرِيجِ، وهو نِصْفُ تِلْكَ المَسافَةِ وشَيْءٌ يَكُونُ سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنَّما جَعَلْتُ سَطْحَ الكُرْسِيِّ الأعْلى النِّهايَةَ، لِأنَّ العادَةَ جَرَتْ أنْ لا يَصْعَدَ إلى عَرْشِ المَلِكِ غَيْرُهُ، وأنَّ الأطْماعَ تَنْقَطِعُ دُونَهُ، بَلْ ولا يَصْعَدُ إلى كُرْسِيِّهِ، وسَيَأْتِي اعْتِبارُ ذَلِكَ [فِي] الوَجْهِ الأخِيرِ، وإنْ قُلْنا: إنَّ الأراضِيَ سَبْعٌ عَلى أنَّها كُراتٌ مُتَرَتِّبَةٌ مُتَعالِيَةٌ غَيْرُ مُتَداخِلَةٍ، وأدْخَلْنا العَرْشَ في العَدَدِ فَنَقُولُ: إنَّهُ مَعَ الكُرْسِيِّ والسَّماواتِ تِسْعَةٌ، فَجانِباها المُحِيطانِ بِالأرْضِ ثَمانِي عَشْرَةَ طَبَقَةً، والأراضِي سَبْعٌ، فَتِلْكَ خَمْسٌ وعِشْرُونَ طَبَقَةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ - مَعَ ما بَيْنَها وبَيْنَ الأُخْرى عَلى ما هو ظاهِرُ الآيَةِ - ألْفانِ، فَضُعِّفَ هَذا العَدَدُ، فَيَكُونُ خَمْسِينَ ألْفًا، وهَذا الوَجْهُ أوْضَحُ الوُجُوهِ وأقْرَبُها إلى مَفْهُومِ الآيَةِ، ولا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى زِيادَةٍ لِأجْلِ انْعِطافِ الدَّرَجِ، ويَجُوزُ أنْ نَقُولَ: إنَّ السِّرَّ - واللَّهُ أعْلَمُ - (p-٢٣٦)فِي جَعْلِ ما مَسِيرَتُهُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ - كَما في الحَدِيثِ - ألْفَ سَنَةٍ لِأجْلِ التَّعْرِيجِ، والحَدِيثُ لَيْسَ نَصًّا في سَيْرٍ مُعَيَّنٍ حَتّى يَتَحامى تَأْوِيلُهُ [بَلْ] قَدْ ورَدَ بِألْفاظٍ مُتَغايِرَةٍ مِنها خَمْسُمِائَةٍ ومِنها اثْنَتانِ وسَبْعُونَ سَنَةً ومِنها إحْدى وسَبْعُونَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ كُلُّ لَفْظٍ عَلى سَيْرٍ فَنَقُولُ: الخَمْسُمِائَةِ لِلصّاعِدِ في دَرَجٍ مُسْتَقِيمٍ كَدَرَجِ الدَّقَلِ مَثَلًا، والِاثْنانِ وسَبْعُونَ لِسَيْرِ الطّائِرِ والألْفِ كَما في الآيَةِ لِدَرَجٍ مُنْعَطِفٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ - وقالَ: إسْنادُهُ حَسَنٌ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ رَصاصَةً مِثْلَ هَذِهِ - وأشارَ إلى مِثْلِ الجُمْجُمَةِ - أُرْسِلَتْ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وهي مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، ولَوْ أنَّها أُرْسِلَتِ السِّلْسِلَةُ لَسارَتْ أرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ والنَّهارَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ أصْلَها أوْ قَعْرَها»، [أوْ تَقُولُ: إنَّ الألْفَ لِجُمْلَةِ التَّدْبِيرِ بِالنُّزُولِ والعُرُوجِ]. واللَّهُ أعْلَمُ، وإنْ جَعَلْنا البِدايَةَ داخِلَةً فَتَكُونُ الألْفُ مِن سَطْحِ الأرْضِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ إلى مُحَدَّبِ السَّماءِ لِتَتَّفِقَ الآيَةُ مَعَ الحَدِيثِ القائِلِ بِأنَّ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، وثِخَنُ السَّماءِ كَذَلِكَ، (p-٢٣٧)وكَذا بَقِيَّةُ السَّماواتِ والعَرْشِ، أدْخَلْنا العَرْشَ في العَدَدِ وقُلْنا: إنَّ الأراضِيَ سَبْعٌ مُتَداخِلَةٌ كالسَّماواتِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنها في الَّتِي تَلِيها، فالَّتِي نَحْنُ فِيها أعْلاها ومُحِيطَةٌ بِها كُلِّها، فَهي بِمَنزِلَةِ العَرْشِ لِلسَّماواتِ، فَتَكُونُ السَّماواتُ السَّبْعُ مِن جانِبَيْها بِأرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفًا والأراضِي كَذَلِكَ فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا والعَرْشُ والكُرْسِيُّ مِن جانِبَيْها بِأرْبَعَةٍ فَذَلِكَ اثْنانِ وثَلاثُونَ ألْفًا يُضافُ إلَيْها ما يَزِيدُ انْحِناءَ المَعارِجِ الَّذِي يُمْكِنُ لَنا مَعَهُ العُرُوجُ، وهو نِصْفُ مَسافَةِ الجُمْلَةِ وشَيْءٌ، فالنِّصْفُ سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، ونَجْعَلُ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يَتَحَرَّرْ لَنا ألْفَيْنِ، فَذَلِكَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ ألْفًا إلى اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ، فالجُمْلَةُ خَمْسُونَ ألْفًا ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماواتِ مَعَ الأراضِي، والكُلُّ مُتَطابِقَةٌ مُتَداخِلَةٌ، فَتِلْكَ ثَمانٍ وعِشْرُونَ [طَبَقَةً مِن سَطْحِ السَّماءِ السّابِعَةِ الأعْلى إلى سَطْحِها الأعْلى مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ] ألْفَ سَنَةٍ، لِكُلِّ جِرْمٍ خَمْسُمِائَةٍ، ولَمّا بَيَّنَهُ وبَيْنَ الجِرْمِ الآخَرِ كَذَلِكَ فَذَلِكَ [ألْفٌ] فَضَعَّفَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الهُبُوطِ والصُّعُودِ فَيَكُونُ سِتَّةً وخَمْسِينَ ألْفًا حُسِبَ مِنهُ خَمْسُونَ ألْفًا وأُلْغِيَ الكَسْرُ، لَكِنَّ هَذا الوَجْهَ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ سَألَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في (p-٢٣٨)يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فَإنَّهُ لَيْسَ فِيها ذِكْرُ الهُبُوطِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وكُلٌّ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ أقْعَدُ مِمّا قالَهُ البَيْضاوِيُّ في سُورَةِ سَألَ، وأقْرَبُ لِلْفَهْمِ والعُرْفِ، فَإنْ كانَ ظاهِرُ حالِهِ أنَّهُ جَعَلَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ ألْفًا مِن أعْلى سُرادِقاتِ العَرْشِ إلى أعْلى سُرادِقاتِهِ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ ولا دَلِيلَ [عَلى] هَذا ولا عُرْفَ يُساعِدُ في صُعُودِ الخَدَمِ إلى أعْلى السُّرادِقِ، وهو الأعْلى مِنهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ورَوى إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الرَسُولِ ﷺ قالَ: «ما بَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، و[ما] بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ إلى الَّتِي تَلِيها خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، والأرْضُ مِثْلُ ذَلِكَ، وما بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ مِثْلُ [جَمِيعِ] ذَلِكَ”». واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الأراضِيَ سَبْعٌ هو الظّاهِرُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ويُعَضِّدُهُ ما رَواهُ الشَّيْخانِ [وغَيْرُهُما عَنْ] عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“مَن ظَلَمَ قَدْرَ شِبْرٍ مِنَ الأرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ مِن (p-٢٣٩)سَبْعِ أرَضِينَ»، وفي رِوايَةٍ لِلْبَغْوَيِّ: «خُسِفَ بِهِ إلى سَبْعِ أرَضِينَ”،» ورَوى ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“إنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ - فَذَكَرَهُ إلى أنْ قالَ -: وأمّا الكافِرُ إذا قُبِضَتْ نَفْسُهُ ذَهَبَ بِهِ إلى الأرْضِ فَتَقُولُ خَزَنَةُ الأرْضِ: ما وجَدْنا رِيحًا أنْتَنُ مِن هَذِهِ، فَيَبْلُغُ بِها إلى [الأرْضِ] السُّفْلى» قالَ المُنْذِرِيُّ: وهو عِنْدُ ابْنِ ماجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، ويُؤَيِّدُ مَن قالَ: إنَّها مُتَطابِقَةٌ مُتَداخِلَةٌ كالكُراتِ وبَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ فَضاءٌ كالسَّماواتِ ما رَوى الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الأرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ إلى الَّتِي تَلِيها مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فالعُلْيا مِنها عَلى ظَهْرِ حُوتٍ» إلى آخِرِهِ، وهو في آخِرِ التَّرْغِيبِ لِلْحافِظِ المُنْذِرِيِّ في آخِرِ أهْوالِ القِيامَةِ في سَلاسِلِها وأغْلالِها، ورَوى أبُو عُبَيْدً [القاسِمُ] بْنُ سَلامٍ في غَرِيبِ الحَدِيثِ عَنْ مُجاهِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الحَرَمَ حُرِّمَ مُناهُ مِنَ السَّماواتِ السَّبْعِ والأرَضِينَ السَّبْعِ، وأنَّهُ رابِعُ أرْبَعَةَ عَشَرَ بَيْتًا، في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ وفي كُلِّ أرْضٍ بَيْتٌ لَوْ سَقَطَتْ لَسَقَطَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ - مُناهُ يَعْنِي قَصْدَهُ وحِذاءَهُ، (p-٢٤٠)وفِي مَجْمَعِ الزَّوائِدِ لِلْحافِظِ نُورِ الدِّينِ الهَيْثَمِيِّ أنَّ الإمامَ أحْمَدَ رَوى مِن طَرِيقِ الحَكَمِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ وهو ضَعِيفٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «بَيْنا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ إذَ مَرَّتْ سَحابَةٌ فَقالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما هَذِهِ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: العِنانُ وزَوايا الأرْضِ يَسُوقُهُ اللَّهُ إلى مَن لا يَشْكُرُهُ، ولا يَدْعُوهُ، أتُدْرُونَ ما هَذِهِ فَوْقَكُمْ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: الرَّفِيعُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، وسَقْفٌ مَحْفُوظٌ، أتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكم وبَيْنَها؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: أتَدْرُونَ ما الَّذِي فَوْقَها؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: سَماءٌ أُخْرى، أتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكم وبَيْنَها؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: [مَسِيرَةُ] خَمْسِمِائَةِ عامٍ - حَتّى عَدَّ سَبْعَ سَماواتٍ [ثُمَّ] قالَ -: هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذَلِكَ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: العَرْشُ، قالَ: أتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ؟ قالَ: مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: ما هَذِهِ تَحْتَكُمْ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ؟ قالَ: (p-٢٤١)أرْضٌ قالَ: أتَدْرُونَ ما تَحْتَها؟ قُلْنا اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: أرْضٌ أُخْرى، أتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَهُما؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عامٍ حَتّى عَدَّ سَبْعِينَ أرَضِينَ، ثُمَّ قالَ: وأيْمُ اللَّهِ لَوْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلٍ لَهَبَطَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]» قالَ: رَواهُ التِّرْمِذِيُّ غَيْرَ أنَّهُ ذَكَرَ [أنَّ] بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ والأرْضِ الأُخْرى خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وهُنا سَبْعُمِائَةٍ، وقالَ في آخِرِهِ: «لَوْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلٍ لَهَبَطَ عَلى اللَّهِ» ولَعَلَّهُ أرادَ: [عَلى] عَرْشِ اللَّهِ أوْ عَلى حُكْمِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، يَعْنِي أنَّهُ في مُلْكِهِ وقَبْضَتِهِ لَيْسَ خارِجًا عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ، ورَأيْتُ في جامِعِ الأُصُولِ لِابْنِ الأثِيرِ بَعْدَ إيرادِهِ هَذا الحَدِيثَ [ما نَصُّهُ] قالَ أبُو عِيسى: قِراءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ: لَهَبَطَ عَلى عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ ويَكُونُ مُؤَيِّدًا لِلْقَوْلِ بِأنَّها كُراتٌ مُتَطابِقَةٌ مُتَداخِلَةٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - ما رَوى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما السَّماواتُ السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ في العَرْشِ إلّا كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ في فَلاةٍ» ولَمْ يَقُلْ: كَدِرْهَمٍ - مَثَلًا - وكَذا (p-٢٤٢)ما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ أبِي عُمَرَ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ وأبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ ذِكْرُ الأنْبِياءِ، وفِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «تَدْرِي ما مَثَلُ السَّماواتِ والأرْضِ في الكُرْسِيِّ؟ قُلْتُ: لا إلّا [أنْ] تُعَلِّمَنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَ: مَثَلُ السَّماواتِ والأرْضِ في الكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ في فَلاةٍ، وإنَّ فَضْلَ الكُرْسِيِّ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ كَفَضْلِ الفَلاةِ عَلى تِلْكَ الحَلْقَةِ» وأصْلُهُ عِنْدَ النَّسائِيِّ والطَّيالِسِيِّ وأبِي يَعْلى، وكَذا ما رَوى صاحِبُ الفِرْدَوْسِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «ما السَّماواتُ السَّبْعُ في عَظَمَةِ اللَّهِ إلّا كَجَوْزَةٍ مُعَلَّقَةٍ»، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُرْسِيَّ مُحِيطٌ بِالكُلِّ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ [وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] صَرِيحٌ في ذَلِكَ، فَإنَّ النُّفُوذَ يُسْتَعْمَلُ في الخَرْقِ لا سِيَّما مَعَ التَّعْبِيرِ بِ ”مِن“ دُونَ ”فِي“، وكَذا قَوْلُهُ في السَّماءِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] ]. واللَّهُ المُوَفِّقُ.
32:6Page 415
ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦
That is the Knower of the unseen and the witnessed, the Exalted in Might, the Merciful,
ولَمّا تَقَرَّرَ هَذا مِن عالَمِ الأشْباحِ والخَلْقِ، ثُمَّ عالَمِ الأرْواحِ والأمْرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى شُمُولِ القُدْرَةِ، وكانَ شامِلُ القُدْرَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ (p-٢٤٣)مُحِيطَ العِلْمِ، كانَتْ نَتِيجَتُهُ لا مَحالَةَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الإلَهُ العالِي المِقْدارِ، الواضِحُ المَنارِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ الَّذِي تَقَدَّمَتْ مَفاتِيحُهُ آخِرَ الَّتِي قَبْلَها مِنَ الأرْواحِ والأمْرِ والخَلْقِ.
ولَمّا قَدَّمَ عِلْمَ الغَيْبِ لِكَوْنِهِ أعْلى وكانَ العالَمُ بِهِ قَدْ لا يَعْلَمُ المَشْهُودَ لِكَوْنِهِ لا يُبْصِرُ قالَ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ الَّتِي مِنها تَنْزِيلُ القُرْآنِ عَلَيْكَ ووُصُولُهُ إلَيْكَ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي يُعْجِزُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. ولَمّا كانَ رُبَّما قَدَحَ مُتَعَنِّتٌ في عِزَّتِهِ بِإهْمالِ العُصاةِ قالَ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [أيِ] الَّذِي خَصَّ أهْلَ التَّكْلِيفِ مِن عِبادِهِ بِالرَّحْمَةِ في إنْزالِ الكُتُبِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، وأبانَ لَهم ما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ، بَعْدَ أنْ عَمَّ جَمِيعَ الخَلائِقِ بِصِفَةِ الرَّحْمانِيَّةِ بَعْدَ الإيجادِ مِنَ الإعْدامِ بِالبِرِّ والإنْعامِ.
32:7Page 415
ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧
Who perfected everything which He created and began the creation of man from clay.
ولَمّا ذَكَرَ صِفَةَ الرَّحِيمِيَّةِ صَرِيحًا لِاقْتِضاءِ المَقامِ إيّاها، أشارَ إلى صِفَةِ الرَّحْمانِيَّةِ فَقالَ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ولَمّا كانَ هَذا الإحْسانُ عامًّا، خَصَّهُ بِأنْ وصَفَهُ - عَلى قِراءَةِ المَدَنِيِّ والكُوفِيِّ - بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ بِالإتْقانِ والإحْكامِ، كَما فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن حَيْثُ التَّشْكِيلُ والتَّصْوِيرُ، وشَقُّ المَشاعِرِ، وتَهْيِئَةُ المَدارِكِ، وإفاضَةُ (p-٢٤٤)المَعانِي، مَعَ المُفاوَتَةِ في جَمِيعِ ذَلِكَ، وإلى هَذا أشارَ الإبْدالُ في قِراءَةِ الباقِينَ، وعَبَّرَ بِالحُسْنِ لِأنَّ ما كانَ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ كانَ حَسَنًا وإنْ رَآهُ الجاهِلُ القاصِرُ قَبِيحًا.
ولَمّا كانَ الحَيَوانُ أشْرَفَ الأجْناسِ، وكانَ الإنْسانُ أشْرَفَهُ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِيَقُومَ دَلِيلُ الوَحْدانِيَّةِ بِالأنْفُسِ كَما قامَ قَبْلُ بِالآفاقِ، فَقالَ دالًّا عَلى البَعْثِ: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ أيِ الَّذِي هو المَقْصُودُ الأوَّلُ بِالخِطابِ بِهَذا القُرْآنِ ﴿مِن طِينٍ﴾ أيْ مِمّا لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الحَياةِ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ.
32:8Page 415
ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٨
Then He made his posterity out of the extract of a liquid disdained.
ولَمّا كانَ قَلْبُ الطِّينِ إلى هَذا الهَيْكَلِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ بِهَذِهِ المَعانِي أمْرًا هائِلًا، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أيْ ولَدَهُ الَّذِي يَنْسَلُّ أيْ يَخْرُجُ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ أيْ مِن شَيْءٍ مَسْلُولٍ، أيْ مُنْتَزَعٍ مِنهُ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ حَقِيرٍ وضَعِيفٍ وقَلِيلٍ مُراقٍ مَبْذُولٍ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وأشارَ إلى عَظَمَةِ ما بَعْدَ ذَلِكَ مِن خَلْقِهِ وتَطْوِيرِهِ بِقَوْلِهِ:
32:9Page 415
ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٩
Then He proportioned him and breathed into him from His [created] soul1 and made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.
﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيْ عَدَلَهُ لِما يُرادُ مِنهُ بِالتَّخْطِيطِ والتَّصْوِيرِ وإبْداعِ المَعانِي ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ الرُّوحُ ما يَمْتازُ بِهِ الحَيُّ مِن (p-٢٤٥)المَيِّتِ، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ، فَيا لَهُ مِن شَرَفٍ ما أعْلاهُ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ.
ولَمّا ألْقى السّامِعُونَ لِهَذا الحَدِيثِ أسْماعَهُمْ، فَكانُوا جَدِيرِينَ بِأنْ يَزِيدَ المُحَدِّثُ لَهم إقْبالَهم وانْتِفاعَهُمْ، لَفَتَ إلَيْهِمُ الخِطابَ قائِلًا: ﴿وجَعَلَ﴾ أيْ بِما رَكَّبَ في البَدَنِ مِنَ الأسْبابِ ﴿لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [أيْ] تُدْرِكُونَ بِهِ المَعانِيَ المُصَوِّتَةَ، ووَحَّدَهُ لِقِلَّةِ التَّفاوُتِ فِيهِ إذا كانَ سالِمًا ﴿والأبْصارَ﴾ تُدْرِكُونَ بِها المَعانِيَ والأعْيانَ القابِلَةَ، [ولَعَلَّهُ قَدَّمَها لِأنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِما حالَ الوِلادَةِ، وقَدَّمَ السَّمْعَ لِأنَّهُ يَكُونُ إذْ ذاكَ أمْتَنَ مِنَ البَصَرِ. ولِذا تَرْبُطُ القَوابِلُ العَيْنَ لِئَلّا يُضْعِفَها النُّورُ، وأمّا العَقْلُ فَإنَّما يَحْصُلُ بِالتَّدْرِيجِ فَلِذا أخَّرَ مَحَلَّهُ فَقالَ:] ﴿والأفْئِدَةَ﴾ أيِ المُضَغُ الحارَّةُ المُتَوَقِّدَةُ المُتَحَرِّفَةُ، وهي القُلُوبُ المُودَعَةُ غَرائِزَ العُقُولِ المُتَبايِنَةِ فِيها أيَّ تَبايُنٍ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: جَعَلَهُ - أيِ الإنْسانَ - مُرَكَّبًا مِن رُوحانِيٍّ وجُسْمانِيٍّ، وعَلَوِيٍّ وسُفْلِيٍّ، جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ العالَمِينَ بِنَفْسِهِ وجَسَدِهِ، واسْتَجْمَعَ الكَوْنَيْنِ بِعَقْلِهِ وحِسِّهِ، وارْتَفَعَ عَنِ الدَّرَجَتَيْنِ بِاتِّصالِ الأمْرِ الأعْلى بِهِ وحْيًا قَوْلِيًا، وسَلَّمَ الأمْرَ لِمَن لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ (p-٢٤٦)تَسْلِيمًا اخْتِيارِيًّا طَوْعِيًا. و[لَمّا] لَمْ يَتَبادَرُوا إلى الإيمانِ عِنْدَ التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجِسامِ قالَ: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ وكَثِيرًا ما تَكْفُرُونَ.
32:10Page 415
وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ ١٠
And they say, "When we are lost [i.e., disintegrated] within the earth, will we indeed be [recreated] in a new creation?" Rather, they are, in the meeting with their Lord, disbelievers.
ولَمّا كانُوا قَدْ قالُوا: مُحَمَّدٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ، والإلَهُ لَيْسَ بِواحِدٍ، والبَعْثُ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ، فَدَلَّ عَلى صِحَّةِ الرِّسالَةِ بِنَفْيِ الرَّيْبِ عَنِ الكِتابِ، ثُمَّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِشُمُولِ القُدْرَةِ وإحاطَةِ العِلْمِ بِإبْداعِ الخَلْقِ عَلى وجْهٍ هو نِعْمَةٌ لَهُمْ، وخَتَمَ بِالتَّعْجِيبِ مَن كُفْرِهِمْ، وكانَ اسْتِبْعادُهم لِلْبَعْثِ - الَّذِي هو الأصْلُ الثّالِثُ - مِن أعْظَمِ كُفْرِهِمْ، قالَ مُعَجِّبًا مِنهم في إنْكارِهِ بَعْدَ التَّعْجِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السجدة: ٣] لافِتًا عَنْهُمُ الخِطابَ إيذانًا بِالغَضَبِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا﴾ مُنْكِرِينَ لِما رَكَّزَ في الفِطْرِ الأُوَلِ، ونَبَّهَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ، فَصارَ بِحَيْثُ لا يَكْرَهُ عاقِلٌ ألَّمَ بِشَيْءٍ مِنَ الحِكْمَةِ: ﴿أإذا﴾ أيْ أنُبْعَثُ [إذا] ﴿ضَلَلْنا﴾ أيْ ذَهَبْنا وبَطَلْنا وغِبْنا ﴿فِي الأرْضِ﴾ بِصَيْرُورَتِنا تُرابًا مِثْلَ تُرابِها، لا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ: قالَ أبُو حَيّانَ تَبَعًا لِلْبَغْوَيِّ والزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وغَيْرِهِمْ: وأصْلُهُ مِن ضَلَّ الماءَ في اللَّبَنِ - إذا ذَهَبَ. ثُمَّ كَرَّرُوا (p-٢٤٧)الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ زِيادَةً في الِاسْتِبْعادِ فَقالُوا: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هو مُحِيطٌ بِنا ونَحْنُ مَظْرُوفُونَ لَهُ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا يَتَضَمَّنُ إنْكارَهُمُ القُدْرَةَ، وكانُوا يُقِرُّونَ بِما يَلْزَمُهم مِنهُ الإقْرارُ بِالقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ مِن خَلْقِ الخَلْقِ والإنْجاءِ مِن كُلِّ كَرْبٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ﴾ أيْ لَيْسُوا بِمُنْكِرِينَ لِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، بَلْ ﴿هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ المُحْسِنِ بِالإيجادِ والإبْقاءِ مُسَخِّرًا لَهم كُلَّ ما يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ لِلْحِسابِ أحْياءَ سَوِيَّيْنِ كَما كانُوا في الدُّنْيا، والإشارَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إلى أنَّهُ لا يَحْسُنُ بِالمُحْسِنِ أنْ يُنَغِّصَ إحْسانَهُ بِتَرْكِ القِصاصِ مِنَ الظّالِمِ الكائِنِ في القِيامَةِ ﴿كافِرُونَ﴾ أيْ مُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ عِنادًا، ساتِرُونَ لِما في طِباعِهِمْ مِن أدِلَّتِهِ، لِما غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الهَوى القائِدِ لَهم إلى أفْعالٍ مَنَعَهم مِنَ الرُّجُوعِ عَنْها الكِبَرُ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ والأنَفَةِ مِنَ الإقْرارِ بِما يَلْزَمُ مِنهُ نَقْصُ العَقْلِ.
32:11Page 415
۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١١
Say, "The angel of death who has been entrusted with you will take you. Then to your Lord you will be returned."
ولَمّا ذَكَرَ اسْتِبْعادَهُمْ، وأتْبَعَهُ عِنادَهُمْ، وكانَ إنْكارُهم إنَّما هو بِسَبَبِ اخْتِلاطِ الأجْزاءِ بِالتُّرابِ بَعْدَ انْقِلابِها تُرابًا، فَكانَ عِنْدَهم مِنَ المُحالِ تَمْيِيزُها مِن بَقِيَّةِ التُّرابِ. دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ هَيِّنٌ بِأنْ نَبَّهَهم عَلى ما هم مُقِرُّونَ بِهِ مِمّا هو مِثْلُ ذَلِكَ بَلْ أدَقُّ. فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قُلْ﴾ أيْ (p-٢٤٨)جَوابًا لَهم عَنْ شُبْهَتِهِمْ: ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾ أيْ يَقْبِضُ أرْواحَكم كامِلَةً مِن أجْسادِكم بَعْدَ أنْ كانَتْ مُخْتَلِطَةً بِجَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ، لا تَمَيُّزَ لِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ بِوَجْهٍ تَعْرِفُونَهُ بِنَوْعِ حِيلَةٍ ﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ فِعْلَهُ بِقُدْرَتِهِ، وأنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ في غايَةِ السُّهُولَةِ، بِبِناءِ الفِعْلِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أيْ وكَلَهُ الخالِقُ لَكم بِذَلِكَ، وهو عَبْدٌ مِن عَبِيدِهِ، فَفَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ، فَإذا البَدَنُ مُلْقًى لا رُوحَ في شَيْءٍ مِنهُ وهو عَلى حالِهِ كامِلًا لا نَقْصَ في شَيْءٍ مِنهُ يَدَّعِي الخَلَلَ بِسَبَبِهِ، فَإذا كانَ هَذا فِعْلَ عَبْدٍ مِن عَبِيدِهِ صَرَفَهُ في ذَلِكَ فَقامَ بِهِ عَلى ما تَرَوْنَهُ مَعَ أنَّ مُمازَجَةَ الرُّوحِ لِلْبَدَنِ أشَدُّ مِن مُمازَجَةِ تُرابِ البَدَنِ لِبَقِيَّةِ التُّرابِ لِأنَّهُ رُبَّما يَسْتَدِلُّ بَعْضُ الحُذّاقِ عَلى بَعْضِ ذَلِكَ بِنَوْعِ دَلِيلٍ مِن شَمٍّ ونَحْوِهِ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ، ومُدَبِّرِ الخَلائِقِ أجْمَعِينَ؟ .
فَلَمّا قامَ هَذا البُرْهانُ القَطْعِيُّ الظّاهِرُ مَعَ دِقَّتِهِ لِكُلِّ أحَدٍ عَلى قُدْرَتِهِ التّامَّةِ عَلى تَمْيِيزِ تُرابِهِمْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وتَمْيِيزِ بَعْضِ تُرابِهِمْ مِن بَعْضٍ، وتَمْيِيزُ تُرابِ كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِمْ جَلَّ أوْ دَقَّ عَنْ بَعْضٍ. عَلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: ثُمَّ يُعِيدُكم خَلْقًا جَدِيدًا كَما كُنْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ، فَحَذَفَهُ كَما هو (p-٢٤٩)عادَةُ القُرْآنِ في حَذْفِ كُلِّ ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ ولَمْ يَدْعُ داعٍ إلى ذِكْرِهِ فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ﴾ أيِ الَّذِي ابْتَدَأ خَلْقَكم وتَرْبِيَتَكم وأحْسَنَ إلَيْكم غايَةَ الإحْسانِ ابْتِداءً، لا إلى غَيْرِهِ، بَعْدَ إعادَتِكم ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بِأنْ يَبْعَثَكم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ فَإذا أنْتُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَتِمُّ إحْسانُهُ ورُبُوبِيَّتُهُ بِأنْ يُجازِيَ كُلًّا بِما فَعَلَ، كَما هو دَأْبُ المُلُوكِ مَعَ عَبِيدِهِمْ، لا يَدَعُ أحَدٌ مِنهُمُ الظّالِمَ مِن عَبِيدِهِ مُهْمَلًا.
32:12Page 416
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ١٢
If you could but see when the criminals are hanging their heads before their Lord, [saying], "Our Lord, we have seen and heard, so return us [to the world]; we will work righteousness. Indeed, we are [now] certain."
ولَمّا تَقَرَّرَ دَلِيلُ البَعْثِ بِما لا خَفاءَ فِيهِ ولا لَبْسَ، شَرَعَ يَقُصُّ بَعْضَ أحْوالِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقالَ عادِلًا عَنْ خِطابِهِمُ اسْتِهانَةً بِهِمْ وإيذانًا بِالغَضَبِ، وخِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ خِطابُهُ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَوْ رَأيْتَهم وقَدْ بُعْثِرَتِ القُبُورُ، وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ، وهُناكَ أُمُورٌ أيُّ أُمُورٍ، مُوقِعًا المُضارِعَ في حَيِّزِ ما مِن شَأْنِهِ الدُّخُولُ عَلى الماضِي، لِأنَّهُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَأنَّهُ قَدْ كانَ، واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِهِ لِتَرْوِيحِ النَّفْسِ بِتَرَقُّبِ رُؤْيَتِهِ حالَ سَماعِهِ، تَعْجِيلًا لِلسُّرُورِ بِتَرَقُّبِ المَحْذُورِ لِأهْلِ الشُّرُورِ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ أيْ تَكُونُ أيُّها الرّائِي مِن أهْلِ الرُّؤْيَةِ لِتَرى حالَ المُجْرِمِينَ ﴿إذِ المُجْرِمُونَ﴾ أيِ القاطِعُونَ لِما أمَرَ اللَّهُ (p-٢٥٠)بِهِ أنْ يُوصَلَ بَعْدَ أنْ وقَفُوا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ ﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ: مُطَأْطِئُوها خَجَلًا وخَوْفًا وخِزْيًا وذُلًّا في مَحَلِّ المُناقَشَةِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْهِمُ المُتَوَحِّدِ بِتَدْبِيرِهِمْ، قائِلِينَ بِغايَةِ الذُّلِّ والرِّقَّةِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿أبْصَرْنا﴾ ما كُنّا نُكَذِّبُ بِهِ ﴿وسَمِعْنا﴾ أيْ: مِنكَ ومِن مَلائِكَتِكَ ومِن أصْواتِ النِّيرانِ وغَيْرِ ذَلِكَ ما كُنّا نَسْتَبْعِدُهُ، فَصِرْنا عَلى غايَةِ العِلْمِ بِتَمامِ قُدْرَتِكَ وصِدْقِ وُعُودِكَ ﴿فارْجِعْنا﴾ بِما لَكَ مِن هَذِهِ الصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْإحْسانِ، إلى دارِ الأعْمالِ ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ ثُمَّ حَقَّقُوا هَذا الوَعْدَ بِقَوْلِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ حالَهم كانَ حالَ الشّاكِّ الَّذِي يَتَوَقَّفُ المُخاطَبُ في إيقانِهِ: ﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾ أيْ: ثابِتٌ [الآنَ] لَنا الإيقانُ بِجَمِيعِ ما أُخْبِرْنا بِهِ عَنْكَ مِمّا كُشِفَ عَنْهُ العِيانُ، أيْ لَوْ رَأيْتَ ذَلِكَ لَرَأيْتَ أمْرًا لا يَحْتَمِلُهُ مِن هَوْلِهِ وعِظَمِهِ عَقْلٌ، ولا يُحِيطُ بِهِ وصْفٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences