Al-Biqa'iAl‑Ahzab · 33:21–29

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:21–29

33:21Page 420

لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١

There has certainly been for you in the Messenger of Allāh an excellent pattern1 for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day and [who] remembers Allāh often.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِهَذِهِ الأحْوالِ الَّتِي هي غايَةٌ [فِي] الدَّناءَةِ، أقْبَلَ عَلَيْهِمْ إقْبالًا يَدُلُّهم عَلى تَناهِي الغَضَبِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا مُحَقِّقًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ أيُّها النّاسُ كافَّةً الَّذِينَ المُنافِقُونَ في غِمارِهِمْ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ الَّذِي جاءَ عَنْهُ لِإنْقاذِكم مِن كُلِّ ما يَسُوءُكُمْ، (p-٣٢٣)وجَلالُهُ مِن جَلالِهِ المُحِيطِ بِكُلِّ جَلالٍ، وكَمالُهُ مِن كَمالِهِ العالِي عَلى كُلِّ كَمالٍ، وهو أشْرَفُ الخَلائِقِ، فَرَضِيتُمْ مُخالَطَةَ الأجْلافِ بَدَلَ الكَوْنِ مَعَهُ ﴿أُسْوَةٌ﴾ أيْ قُدْوَةٌ عَظِيمَةٌ - عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وفي أدْنى المَراتِبِ - عَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِالكَسْرِ، تُساوُونَ أنْفُسَكم بِهِ وهو أعْلى النّاسِ قَدْرًا يَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَفْدِيَ ظُفْرَهُ الشَّرِيفَ ولَوْ بِعَيْنِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُسَوِّيَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، فَيَكُونَ مَعَهُ في كُلِّ أمْرٍ يَكُونُ فِيهِ، لا يَخْتَلِفُ عَنْهُ أصْلًا ﴿حَسَنَةٌ﴾ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِمُطْلَقِ الصَّبْرِ في البَأْساءِ وأحْسَنِيَّةٌ - عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ بِالصَّبْرِ عَلى الجِراحِ في نَفْسِهِ والإصابَةِ في عَمِّهِ وأعَزِّ أهْلِهِ وجَمِيعِ ما [كانَ] يَفْعَلُ في مُقاساةِ الشَّدائِدِ، ولِقاءِ الأقْرانِ، والنَّصِيحَةِ لِلَّهِ ولِنَفْسِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِوَصْفِ الرِّسالَةِ لِأنَّهُ حَظُّ الخَلْقِ مِنهُ لِيَقْتَدُوا بِأفْعالِهِ وأقْوالِهِ، ويَتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِ وأحْوالِهِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّ الَّذِي يُحْمَلُ عَلى التَّآسِي بِهِ ﷺ إنَّما هو الصِّدْقُ في الإيمانِ ولا سِيَّما الإيمانُ بِالقِيامَةِ، وأنَّ المُوجِبَ لِلرِّضا جِبِلَّةٌ لَهُ ﴿يَرْجُو اللَّهَ﴾ أيْ في جِبِلَّتِهِ أنَّهُ يُجَدِّدُ الرَّجاءَ مُسْتَمِرًّا لِلَّذِي لا عَظِيمَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ فَيَأْمُلُ إسْعادَهُ ويَخْشى إبْعادَهُ (p-٣٢٤)﴿واليَوْمَ الآخِرَ﴾ الَّذِي لا بُدَّ مِن إيجادِهِ ومُجازاةِ الخَلائِقِ فِيهِ بِإعْمالِهِمْ، فَمَن كانَ كَذَلِكَ حَمَلَهُ رَجاؤُهُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، ومَنَعَهُ مِن كُلِّ شَرٍّ، فَإنَّهُ يَوْمُ التَّغابُنِ، لِأنَّ الحَياةَ فِيهِ دائِمَةٌ، والكَسْرُ فِيهِ لا يُجْبَرُ.

ولَمّا عَبَّرَ بِالمُضارِعِ المُقْتَضِي لِدَوامِ التَّجَدُّدِ اللّازِمِ مِنهُ دَوامُ الِاتِّصافِ النّاشِئِ عَنِ المُراقَبَةِ لِأنَّهُ في جِبِلَّتِهِ، أنْتَجَ أنْ يُقالُ: فَأسى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في كُلِّ شَيْءٍ تَصْدِيقًا لِما في جِبِلَّتِهِ مِنَ الرَّجاءِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ، أوْ عَلى ”كانَ“ المُقْتَضِيَةِ لِلرُّسُوخِ قَوْلَهُ: ﴿وذَكَرَ اللَّهَ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ، وقَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَثِيرًا﴾ تَحْقِيقًا لِما ذَكَرَ مِن مَعْنى الرَّجاءِ الَّذِي بِهِ الفَلاحُ، وأنَّ المُرادَ مِنهُ الدّائِمُ في حالَيِ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ.

33:22Page 420

وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا ٢٢

And when the believers saw the companies, they said, "This is what Allāh and His Messenger had promised us, and Allāh and His Messenger spoke the truth." And it increased them only in faith and acceptance.

ولَمّا أخْبَرَ عَمّا حَصَلَ في هَذِهِ الوَقْعَةِ مِنَ الشَّدائِدِ النّاشِئَةِ عَنِ الرُّعْبِ لِعامَّةِ النّاسِ، وخَصَّ مِن بَيْنِهِمُ المُنافِقِينَ بِما خَتَمَهُ بِالمَلامَةِ في تَرْكِ التَّآسِي بِمَن أعْطاهُ اللَّهُ قِيادَهُمْ، وأعْلاهُ عَلَيْهِمْ في الثَّباتِ والذِّكْرِ، وخَتَمَ هَذا الخَتْمَ بِما يُثْمِرُ الرُّسُوخَ في الدِّينِ، ذَكَرَ حالَ الرّاسِخِينَ في أوْصافِ الكَمالِ المُتَأسِّينَ بِالدّاعِي، المُقْتَفِينَ لِلْهادِي، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الإيمانِ ﴿الأحْزابَ﴾ الَّذِينَ (p-٣٢٥)أدْهَشَتْ رُؤْيَتُهُمُ القُلُوبَ ﴿قالُوا﴾ أيْ مَعَ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الزِّلْزالِ وتَعاظُمِ الأحْوالِ: ﴿هَذا﴾ أيِ الَّذِي نَراهُ مِنَ الهَوْلِ ﴿ما وعَدَنا﴾ مِن تَصْدِيقِ دَعَوانا الإيمانُ بِالبَلاءِ والِامْتِحانِ ﴿اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿ورَسُولُهُ﴾ المُبَلِّغُ عَنْهُ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ [التوبة: ١٦] وأمْثالَ ذَلِكَ، فَسَمَّوُا المَسَّ بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، والِابْتِلاءِ بِالزِّلْزالِ والأعْداءِ، [وعَدًّا] لِعِلْمِهِمْ بِما لَهم عَلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا سِيَّما في يَوْمِ الجَزاءِ، وما يَعْقُبُهُ مِنَ النَّصْرِ، عِنْدَ اشْتِدادِ الأمْرِ.

ولَمّا كانَ هَذا مَعْناهُ التَّصْدِيقُ، أزالُوا عَنْهُ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ أمْرًا اتِّفاقِيًّا، وصَرَّحُوا بِهِ عَلى وجْهٍ يُفْهِمُ الدُّعاءَ بِالنَّصْرِ المَوْعُودِ بِهِ في قَوْلِهِمْ عَطْفًا عَلى هَذا: ﴿وصَدَقَ﴾ [مُطْلَقًا لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَفْعُولٍ مُعَيَّنٍ] ﴿اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿ورَسُولُهُ﴾ الَّذِي كَمالُهُ مِن كَمالِهِ، أيْ ظَهَرَ صِدْقُهُما في عالَمِ الشَّهادَةِ في كُلِّ ما وعَدا بِهِ مِنَ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ مِمّا رَأيْناهُ. وهُما صادِقانِ فِيما غابَ عَنّا مِمّا وعَدا بِهِ مِن نَصْرٍ وغَيْرِهِ، وإظْهارِ الِاسْمَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ والتَّيَمُّنِ بِذِكْرِهِما.

ولَمّا كانَ هَذا قَوْلًا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِسانِيًّا فَقَطْ كَقَوْلِ المُنافِقِينَ، (p-٣٢٦)أكَّدَهُ لِظَنِّ المُنافِقِينَ ذَلِكَ، فَقالَ سُبْحانَهُ شاهِدًا لَهُمْ: ﴿وما زادَهُمْ﴾ أيْ ما رَأوْهُ مِن أمْرِهِمُ المُرْعِبِ ﴿إلا إيمانًا﴾ أيْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ بِقُلُوبِهِمْ، وأبْلَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِهِمْ بِالإسْلامِ، فَعَبَّرَ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ فَقالَ: ﴿وتَسْلِيمًا﴾ أيْ لَهُما بِجَمِيعِ جَوارِحِهِمْ في جَمِيعِ القَضاءِ والقَدْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] ما هو مِن شَرْحِ هَذا.

33:23Page 421

مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣

Among the believers are men true to what they promised Allāh. Among them is he who has fulfilled his vow [to the death], and among them is he who awaits [his chance]. And they did not alter [the terms of their commitment] by any alteration -

ولَمّا كانَ كُلُّ [مَن] آمَنَ بائِعًا نَفْسَهُ ومالَهُ لِلَّهِ، لِأنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ، وكانَ بَعْضُ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ لَمْ يُعْطِ الإيمانَ حَقَّهُ في القِتالِ في نَفْسِهِ ومالِهِ كَما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أمّا في مالِهِ فَبِالخُرُوجِ عَنْهُ كُلِّهِ، وأمّا في نَفْسِهِ فِيما يُقْحِمُها مِنَ الأهْوالِ، حَتّى كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لَهُ في بَعْضِ المَواطِنِ: «الزَمْ مَكانَكَ وأمْتِعْنا بِنَفْسِكَ»، «ويَقُولُ لَهُ ولِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُما مِنَ الدِّينِ بِمَنزِلَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ» وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في لَيْلَةِ الغارِ يَذْكُرُ الطَّلَبَ فَيَتَأخَّرُ، والرَّصَدَ فَيَتَقَدَّمُ، وما عَنِ الجَوانِبِ فَيَصِيرُ إلَيْها، ومِنهم مَن وفّى هَذِهِ الغَزْوَةَ وما قَبْلَها فَأرادَ اللَّهُ التَّنْوِيهَ بِذِكْرِهِمْ والثَّناءِ عَلَيْهِمْ تَوْفِيَةً لِما يُفَضِّلُ بِهِ في حَقِّهِمْ، وتَرْغِيبًا لِغَيْرِهِمْ فَأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ لِئَلّا يَتَقَيَّدَ بِالمَذْكُورِينَ سابِقًا فَيَخُصُّ (p-٣٢٧)هَذِهِ الغَزْوَةَ فَقالَ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الكُمَّلِ ﴿رِجالٌ﴾ أيْ في غايَةِ العَظَمَةِ عِنْدَنا، ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿صَدَقُوا﴾

ولَمّا كانَ العَهْدُ عِنْدَ ذَوِي الهِمَمِ العَلِيَّةِ، والأخْلاقِ الزَّكِيَّةِ، لِشِدَّةِ ذِكْرِهِمْ [لَهُ] ومُحافَظَتِهِمْ عَلى الوَفاءِ بِهِ، وتَصَوُّرِهِ لَهم حَتّى كَأنَّهُ رَجُلٌ عَظِيمٌ قائِمٌ تُجاهَهُمْ، يَتَقاضاهُمُ الصِّدْقَ، عَدّى الفِعْلَ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما عاهَدُوا اللَّهَ﴾ المُحِيطَ عِلْمًا وقُدْرَةً وجَلالًا وعَظَمَةً ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ مِن بَيْعِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ لَهُ بِدُخُولِهِمْ في هَذا الدِّينِ الَّذِي بَنى عَلى ذَلِكَ فَوَفَوْا بِهِ أتَمَّ وفاءٍ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى أبِي لُبابَةَ [بْنِ] المُنْذِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكانَ مِن أكابِرِ المُؤْمِنِينَ الرّاسِخِينَ في صِفَةِ الإيمانِ حَيْثُ زَلَّ في إشارَتِهِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ بِأنَّ المُرادَ بِهِمُ الذَّبْحُ، كَما تَقَدَّمَ في الأنْفالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] فَذَهَبَ مِن حِينِهِ ورَبَطَ نَفْسَهُ تَصْدِيقًا لِصِدْقِهِ في سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وحَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ.

ولَمّا ذَكَرَ الصّادِقِينَ، وكانَ رُبَّما فُهِمَ أنَّ الصِّدْقَ لا يَكُونُ إلّا بِالقَتْلِ، قَسَّمَهم [قِسْمَيْنِ] مُشِيرًا إلى خِلافِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى﴾ أيْ أعْطى ﴿نَحْبَهُ﴾ [أيْ نَذْرَهُ] في مُعاهَدَتِهِ، أنَّهُ يَنْصُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَمُوتُ دُونَهُ، وفَرَغَ مِن (p-٣٢٨)ذَلِكَ وخَرَجَ مِن عُهْدَتِهِ بِأنْ قُتِلَ شَهِيدًا، فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ نَذْرٌ كَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وأنَسِ بْنِ النَّضْرِ الَّذِي غابَ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ فَقالَ: غِبْتُ عَنْ أوَّلِ قِتالٍ قاتَلَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ، لَئِنْ أشْهَدَنِي اللَّهُ قِتالًا لِيَرَيْنَّ اللَّهُ ما أصْنَعُ، فَلَمّا انْهَزَمَ [مَنِ انْهَزَمَ] في غَزْوَةِ أُحُدٍ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ بِهِ هَؤُلاءِ - يَعْنِي المُشْرِكِينَ - ومِمّا صَنَعَ هَؤُلاءِ - يَعْنِي المُنْهَزِمِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ بَعْدَ بِضْعٍ وثَمانِينَ جِراحَةً مِن ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، وطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، ورَوى [البُخارِيُّ] عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ”نَرى هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أنَسِ بْنِ النَّضْرِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ﴾“ - انْتَهى، وغَيْرُ هَؤُلاءِ مِمَّنْ قُتِلَ قَبْلَ هَذا في غَزْوَةِ أُحُدٍ وغَيْرِها، وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ مِمَّنْ جُرِحَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ وحَكَمَ في بَنِي قُرَيْظَةَ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، ولَمْ يَرْعَ لَهم حِلْفَهم لِقَوْمِهِ، ولا أطاعَ قَوْمَهُ في الإشارَةِ عَلَيْهِ بِاسْتِبْقائِهِمْ كَما اسْتَبْقى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ المُنافِقِ بَنِي قَيْنُقاعَ ولا أخَذَتْهُ بِهِمْ رَأْفَةٌ غَضَبًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومِمَّنْ لَمَّ يُقْتَلْ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أحَدُ العَشْرَةِ (p-٣٢٩)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ثَبَتَ في أُحُدٍ وفَعَلَ ما لَمْ يَفْعَلْهُ غَيْرُهُ، لَزِمَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يُفارِقْهُ، وذَبَّ عَنْهُ ووَقاهُ بِيَدِهِ حَتّى شُلَّتْ إصْبُعُهُ فَشَهِدَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ، فالمُرادُ بِالنَّحْبِ هُنا العَهْدُ الَّذِي هو كالنَّذْرِ المُفْضِي إلى المَوْتِ، وأصْلُ النَّحْبِ الِاجْتِهادُ في العَمَلِ، ومِن هُنا اسْتُعْمِلَ في النَّذْرِ لِأنَّهُ الحامِلُ عَلى ذَلِكَ ﴿ومِنهُمْ﴾ أيِ الصّادِقِينَ ﴿مَن يَنْتَظِرُ﴾ قَضاءَ النَّحْبِ إمّا بِالنُّصْرَةِ، أوِ المَوْتِ عَلى الشَّهادَةِ، أوْ مُطْلَقِ المُتابَعَةِ الكامِلَةِ.

ولَمّا كانَ المُنافِقُونَ يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ أحَدٌ صادِقًا فِيما يُظْهِرُ مِنَ الإيمانِ، أكَّدَ قَوْلَهُ تَعْرِيضًا بِهِمْ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ أيْ وما أوْقَعُوا شَيْئًا مِن تَبْدِيلٍ بِفَتْرَةٍ أوْ تَوانٍ، فَهَذا تَصْرِيحٌ بِمَدْحِ أهْلِ الصِّدْقِ، وتَلْوِيحٌ بِذَمِّ أهْلِ النِّفاقِ عَكْسَ ما تَقَدَّمَ، رَوى البُخارِيُّ [عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمّا نَسَخْنا الصُّحُفَ بِالمَصاحِفِ فُقِدَتْ آيَةٌ مِن سُورَةِ الأحْزابِ كُنْتُ كَثِيرًا أسْمَعُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُها، لَمْ أجِدْها مَعَ أحَدٍ إلّا مَعَ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهادَتَهُ شَهادَةَ رَجُلَيْنِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا (p-٣٣٠)ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ وقَوْلُهُ: ”نَسَخْنا الصُّحُفَ“ الَّتِي كانَتْ عِنْدَ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”فِي المَصاحِفِ“ الَّتِي أمَرَ بِها عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ: ”لَمْ أجِدْها“ أيْ مَكْتُوبَةً بِدَلِيلِ حِفْظِهِ لَها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا نَسَخَ المَصاحِفَ في عَهْدِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَقْتَنِعُوا بِالصُّحُفِ. بَلْ ضَمُّوا إلَيْها ما هو مُفَرَّقٌ عِنْدَ النّاسِ مِمّا كُتِبَ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِحَضْرَتِهِ كَما فَعَلُوا حِينَ جَمَعُوا الصُّحُفَ عَلى عَهْدِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم [أجْمَعِينَ].

33:24Page 421

لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٤

That Allāh may reward the truthful for their truth and punish the hypocrites if He wills or accept their repentance. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ فُهِمْ مِن سِياقِ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ القَصْدَ الإقْبالُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وقَطْعُ جَمِيعِ العَلائِقِ مِن غَيْرِهِ، لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَهو يَكْفِي مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ كُلَّ مُهِمٍّ وإنْ كانَ في غايَةِ العَجْزِ عَنْهُ، تارَةً بِسَبَبٍ ظاهِرٍ وتارَةً بِغَيْرِهِ فَما لَهُ لَمْ يَحْكم بِالِاتِّفاقِ عَلى كَلِمَةِ السَّلامِ، لِتَحْصُل الرّاحَةُ مِن هَذا العَناءِ كُلِّهِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ هَذا لِتَظْهَرَ صِفَةُ العِزِّ والعَظَمَةِ والعَدْلِ وغَيْرِها ظُهُورًا تامًّا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن حُكْمٍ يَنْكَشِفُ عَنْها الحِجابُ، وتَرْفَعُ لِتَجَلِّيها غايَةَ التَّجَلِّي سُتُورَ الأسْبابِ، فَقالَ تَعالى مُعَلَّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي يُرِيدُ إظْهارَ جَمِيعَ صِفاتِهِ يَوْمَ البَعْثِ لِلْخاصِّ والعامِّ ظُهُورًا تامًّا ﴿الصّادِقِينَ﴾ في ادِّعاءٍ أنَّهم آمَنُوا بِهِ ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ فَيُعْلِي أمْرَهم في (p-٣٣١)الدُّنْيا ويُنَعِّمُهم في الأُخْرى، فالصِّدْقُ سَبَبٌ وإنْ كانَ فَضْلًا مِنهُ لِأنَّهُ المُوَفَّقُ لَهُ ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾ في الدّارَيْنِ بِكَذِبِهِمْ في دَعْواهُمُ الإيمانَ المُقْتَضِي [لِبَيْعِ] النَّفْسِ والمالِ ﴿إنْ شاءَ﴾ يُعَذِّبُهم عَلى النِّفاقِ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بِما يَرَوْنَ مِن صِدْقِهِ سُبْحانَهُ في إعْزازِ أوْلِيائِهِ وإذْلالِ أعْدائِهِ بِقُدْرَتِهِ التّامَّةِ حَيْثُ كانُوا قاطِعِينَ بِخِلافِ ذَلِكَ.

ولَمّا كانَتْ تَوْبَةُ المُنافِقِينَ مُسْتَبْعَدَةً لِما يَرَوْنَ مِن صَلابَتِهِمْ في الخِداعِ وخُبْثِ سَرائِرِهِمْ، قالَ مُعَلِّلًا ذَلِكَ كُلَّهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ ﴿كانَ﴾ أزَلًا وأبَدًا ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَسْتُرُ الذَّنْبَ ويُنْعِمُ عَلى صاحِبِهِ بِالكَرامَةِ، أمّا في الإثابَةِ لِكُلٍّ فالرَّحْمَةُ عامَّةٌ، وأمّا في تَعْذِيبِ المُنافِقِ فَيَخُصُّ الصّادِقِينَ، لِأنَّ عَذابَ أعْدائِهِمْ مِن أعْظَمِ نَعِيمِهِمْ، وفي حُكْمِهِ بِالعَدْلِ عُمُومُ الرَّحْمَةِ أيْضًا، فَهو لا يُعَذِّبُ أحَدًا فَوْقَ ما يَسْتَحِقُّ.

33:25Page 421

وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥

And Allāh repelled those who disbelieved, in their rage, not having obtained any good. And sufficient was Allāh for the believers in battle, and ever is Allāh Powerful and Exalted in Might.

ولَمّا ذَكَّرَهم سُبْحانَهُ نِعْمَتَهُ بِما أرْسَلَ عَلى أعْدائِهِمْ مِن جُنُودِهِ، وبَيَّنَ أحْوالَ المُنافِقِينَ والصّادِقِينَ وما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الأسْرارِ، وخَتَمَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، قالَ مُذَكِّرًا بِأثَرِهِما فِيما خَرَقَهُ مِنَ العادَةِ بِصَرْفِ الأعْداءِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ عَلى حالَةٍ لا يَرْضاها لِنَفْسِهِ عاقِلٌ، عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ والقِصَّةِ ﴿فَأرْسَلْنا﴾ [الأحزاب: ٩] ﴿ورَدَّ اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن (p-٣٣٢)صِفاتِ الكَمالِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ شُمُوسُ عُقُولِهِمْ مِن أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ وحَقِّيَّةِ الرِّسالَةِ، وهم مِن تَحَزَّبَ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى بِلادِهِمْ عَنِ المَدِينَةِ ومُضايَقَةِ المُؤْمِنِينَ، حالَ كَوْنِهِمْ ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ التَّحَزُّبَ [ثُمَّ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ التَّفَرُّقَ مِن غَيْرِ طائِلٍ] حالَ كَوْنِهِمْ ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ لا مِنَ الدِّينِ ولا مِنَ الدُّنْيا، بَلْ خَذَلَهم بِكُلِّ اعْتِبارٍ.

ولَمّا كانَ الرَّدُّ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبٍ مِن عَدْوِهِمْ، بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿وكَفى اللَّهُ﴾ أيِ العَظِيمِ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ عِبادَهُ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ ما فَعَلَ ذَلِكَ إلّا لِأجْلِ أهْلِ الإخْلاصِ فَقالَ: ﴿المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِما ألْقى في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدّاعِيَةِ لِلِانْصِرافِ بِالرِّيحِ والجُنُودِ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِنهم نُعَيْمُ [بْنُ] مَسْعُودٍ كَما تَقَدَّمَ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا باهِرًا، أتْبَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عِنْدَهُ يَسِيرٌ فَقالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمالٍ دائِمًا أزَلًا وأبَدًا ﴿قَوِيًّا﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ﴿عَزِيزًا﴾ يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ.

33:26Page 421

وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا ٢٦

And He brought down those who supported them among the People of the Scripture1 from their fortresses and cast terror into their hearts [so that] a party [i.e., their men] you killed, and you took captive a party [i.e., the women and children].

ولَمّا أتَمَّ أمْرَ الأحْزابِ، أتْبَعَهُ حالَ الَّذِينَ ألَّبُوهُمْ، وكانُوا سَبَبًا (p-٣٣٣)فِي إتْيانِهِمْ كَحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ والَّذِينَ مالَأُوهم عَلى ذَلِكَ، ونَقَضُوا ما كانَ لَهم مِن عَهْدٍ، فَقالَ: ﴿وأنْـزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ عاوَنُوا الأحْزابَ، ثُمَّ بَيَّنَهم بِقَوْلِهِ مُبَغِّضًا: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ وهم بَنُو قُرَيْظَةَ ومَن دَخَلَ مَعَهم في حِصْنِهِمْ مَن بَنِي النَّضِيرِ كَحُيَيٍّ، وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ إخْراجٍ بَنِي قَيْنُقاعَ وبَنِي النَّضِيرِ ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ أيْ حُصُونِهِمُ العالِيَةِ، جَمْعُ صِيصِيَةٍ وهي كُلُّ ما يَتَمَنَّعُ بِهِ مِن قُرُونِ البَقْرِ وغَيْرِها مِمّا شُبِّهَ بِها مِنَ الحُصُونِ.

ولَمّا كانَ الإنْزالُ مِن مَحَلِّ التَّمَنُّعِ عَجَبًا، وكانَ عَلى وُجُوهٍ شَتّى، فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا في الإذْلالِ، فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى بَيانِ حالِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ الذُّلُّ فَقالَ عاطِفًا بِالواوِ لِيَصْلُحَ لِما قَبْلُ ولِما بَعْدُ: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أيْ بَعْدَ الإنْزالِ كَما كانَ قَذْفُهُ قَبْلَ الإنْزالِ، فَلَوْ قَدَّمَ القَذْفَ عَلى الإنْزالِ لَما أفادَ هَذِهِ الفَوائِدَ، ولا اشْتَدَّتْ مُلاءَمَةُ ما بَعْدَهُ لِلْإنْزالِ.

ولَمّا ذَكَرَ ما أذَلَّهم بِهِ، ذَكَرَ ما تَأثَّرَ عَنْهُ مُقْسِّمًا لَهُ فَقالَ: ﴿فَرِيقًا﴾ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الفِرْقَةِ ونَصَبَهُ لِيَدُلَّ بادِئَ بَدْءٍ عَلى أنَّهُ طَوْعٌ لِأيْدِي الفاعِلِينَ: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ وهُمُ الرِّجالِ، وكانَ نَحْوُ سَبْعِمِائَةٍ. ولَمّا بَدَأ بِما يَدُلُّ عَلى التَّقْسِيمِ مِمّا مِنهُ الفِرْقَةُ، وقَدْ أعْظَمَ الأثَرَيْنِ النّاشِئَيْنِ عَنِ الرُّعْبِ، أوْلاهُ الأثَرَ الآخَرَ لِيَصِيرَ الأثَرانِ المَحْبُوبانِ مُحْتَوِشَيْنِ بِما يَدُلُّ عَلى الفِرْقَةِ (p-٣٣٤)فَقالَ: ﴿وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ وهُمُ الذَّرارِيُّ والنِّساءُ، ولَعَلَّهُ أخَّرَ الفَرِيقَ هُنا لِيُفِيدَ التَّخْيِيرَ في أمْرِهِمْ، وقَدَّمَ في الرِّجالِ لِتَحَتُّمِ القَتْلِ فِيهِمْ.

33:27Page 421

وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضٗا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢٧

And He caused you to inherit their land and their homes and their properties and a land which you have not trodden.1 And ever is Allāh, over all things, competent.

ولَمّا ذَكَرَ النّاطِقَ بِقِسْمَيْهِ، ذَكَرَ الصّامِتَ فَقالَ: ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهُمْ﴾ مِنَ الحَدائِقِ وغَيْرِها؛ ولَمّا عَمَّ خَصَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ودِيارَهُمْ﴾ لِأنَّهُ يُحامِي عَلَيْها ما لا يُحامِي عَلى غَيْرِها؛ ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وأمْوالَهُمْ﴾ مِمّا تَقَدَّمَ ومِن غَيْرِهِ مِنَ النَّقْدِ والماشِيَةِ والسِّلاحِ والأثاثِ وغَيْرِها، فَقَسَّمَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْفارِسِ ثَلاثَةَ أسْهُمٍ: لِلْفَرَسِ سَهْمانِ ولِفارِسِهِ سَهْمٌ كَما لِلرّاجِلِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فَرَسٌ وأخْرَجَ مِنها الخُمُسَ فَعَلى سُنَّتِها وقَعَتِ المَقاسِمُ ومَضَتِ السُّنَّةُ في المَغازِي، واصْطَفى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن سَباياهم رَيْحانَةَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ خَنافَةَ. إحْدى نِساءِ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، فَتَلَبَّثَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ أسْلَمَتْ، فَأرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْ يَتَزَوَّجَها ويَضْرِبَ عَلَيْها الحِجابَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! بَلْ تَتْرُكُنِي في مِلْكِكَ فَهو أخَفُّ عَلَيَّ وعَلَيْكَ، فَتَرَكَها حَتّى تُوُفِّيَ عَنْها [فِي] مِلْكِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ غَزْوَةً طارَ رُعْبُها في الآفاقِ، وأذَلَّتْ أهْلَ الشِّرْكِ مِنَ الأُمِّيِّينَ وغَيْرِهِمْ عَلى الإطْلاقِ، ونُشِرَتْ ألْوِيَةُ النَّصْرِ فَخَفَقَتْ أعْلامُها في جَمِيعِ الآفاقِ، وأغْمَدَتْ سَيْفَ الكُفْرِ وسَلَّتْ صارِمَ الإيمانِ (p-٣٣٥)لِلرُّؤُوسِ والأعْناقِ، حَتّى قالَ النَّبِيُّ ﷺ وهو أبْصَرُ النّاسِ بِالحُرُوبِ، وأنْفَذَهم رَأْيًا لِما لَهُ مِنَ الثَّباتِ عِنْدَ اشْتِدادِ الكُرُوبِ: «الآنَ نَغْزُوهم ولا يَغْزُونا»، قالَ تَعالى: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ أيْ تَغْلِبُوا عَلَيْها بِتَهْيِئَتِكم [لِلْغَلَبَةِ] عَلَيْها وإعْطائِكُمُ القُوَّةَ القَرِيبَةَ مِن فَتْحِها، وهي أرْضُ خَيْبَرَ أوَّلًا، ثُمَّ أرْضُ مَكَّةَ ثانِيًا ثُمَّ أرْضُ فارِسَ والرُّومِ وغَيْرِهِما مِمّا فَتَحَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وكانَ قَدْ حَكَمَ بِهِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ حِينَ أبْرَقَ تِلْكَ البَرْقاتِ لِلنَّبِيِّ ﷺ في حَفْرِ الخَنْدَقِ، فَأراهُ في الأُولى اليَمَنَ، وفي الأُخْرى فارِسَ، وفي الأُخْرى الرُّومَ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا باهِرًا سَهَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيْ أزَلًا وأبَدًا بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ هَذا وغَيْرِهِ ﴿قَدِيرًا﴾ أيْ شامِلَ القُدْرَةِ.

33:28Page 421

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا ٢٨

O Prophet, say to your wives, "If you should desire the worldly life and its adornment, then come, I will provide for you and give you a gracious release.

ولَمّا تَقَرَّرَ بِهَذِهِ الوَقائِعِ - الَّتِي نَصَرَ فِيها سُبْحانَهُ وحْدَهُ بِأسْبابٍ باطِنَةٍ سَبَّبَها، وأُمُورٍ خَفِيَّةٍ رَتَّبَها، تَعْجِزُ عَنْها الجُيُوشُ المُتَخَيِّرَةُ المُسْتَكْثِرَةُ، والمُلُوكُ المُتَجَبِّرَةُ المُسْتَكْبِرَةُ - ما قَدَّمَ مِن أنَّهُ كافٍ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وأقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ إلَيْهِ، وخَتَمَ بِصِفَةِ القُدْرَةِ العامَّةِ الدّائِمَةِ، تَحَرَّرَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى (p-٣٣٦)كُلِّ ما يُرِيدُهُ، وأنَّهُ لَوْ شاءَ أجْرى مَعَ ولِيِّهِ كُنُوزَ الأرْضِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُراعِيَ غَيْرَهُ ولا [أنْ] يَرْمُقَ بِوَجْهِ ما سِواهُ، وعُلِمَ أنَّ مَن أقْبَلَ إلى هَذا الدِّينِ فَإنَّما نَفَعَ نَفْسَهُ والفَضْلَ لِصاحِبِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، ومَن أعْرَضَ [عَنْهُ] فَإنَّما وبالُ إعْراضِهِ عَلى نَفْسِهِ، ولا ضَرَرَ عَلى الدِّينِ بِإعْراضِ هَذا المُعْرِضِ، كَما أنَّهُ لا نَفْعَ لَهُ بِإقْبالِ ذَلِكَ المُقْبِلِ، وكانَ قَدْ قَضى سُبْحانَهُ أنَّ مَنِ انْقَطَعَ إلَيْهِ حَماهُ مِنَ الدُّنْيا إكْرامًا لَهُ ورَفْعًا لِمَنزِلَتِهِ عَنْ خَسِيسِها إلى نَفِيسِ ما عِنْدَهُ، لِأنَّ كُلَّ أمْرِها إلى زَوالٍ وتَلاشٍ واضْمِحْلالٍ، ولا يُعَلِّقُ هِمَّتَهُ بِذَلِكَ إلّا قاصِرٌ ضالٌّ، فَأخَذَ سُبْحانَهُ يَأْمُرُ أحَبَّ الخَلْقِ إلَيْهِ، وأعَزَّهم مَنزِلَةً لَدَيْهِ، المَعْلُومُ امْتِثالًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ والإعْراضِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ [سُبْحانَهُ] وأنَّهُ لا يَخْتارُ مِنَ الدُّنْيا غَيْرَ الكَفافِ، والقَناعَةِ والعَفافِ، بِتَخْيِيرٍ ألْصَقَ النّاسَ بِهِ تَأْدِيبًا لِكافَّةِ النّاسِ، فَقالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ مِمّا تَقَدَّمَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ ذاكِرًا صِفَةَ رِفْعَتِهِ واتِّصالِهِ بِهِ سُبْحانَهُ والإعْلامِ بِأسْرارِ القُلُوبِ، وخَفايا الغُيُوبِ، المُقْتَضِيَةِ لِأنْ يَفْرُغَ فِكْرُهُ لِما يَتَلَقّاهُ مِنَ المَعارِفِ، ولا يُعَلِّقُ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِن أذًى: ﴿قُلْ لأزْواجِكَ﴾ أيْ نِسائِكَ: ﴿إنْ كُنْتُنَّ﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا ﴿تُرِدْنَ﴾ أيِ اخْتِيارًا عَلى ﴿الحَياةَ﴾ (p-٣٣٧)ووَصَفَها بِما يُزَهِّدُ فِيها ذَوِي الهِمَمِ ويُذَكِّرُ مَن لَهُ عَقْلٌ بِالآخِرَةِ فَقالَ: ﴿الدُّنْيا﴾ أيْ ما فِيها مِنَ السَّعَةِ والرَّفاهِيَةِ والنِّعْمَةِ ﴿وزِينَتَها﴾ أيِ المُنافِيَةِ لِما أمَرَنِي [بِهِ] رَبِّي مِنَ الإعْراضِ عَنْهُ واحْتِقارِهِ مِن أمْرِها لِأنَّها أبْغَضُ خَلْقِهِ إلَيْهِ، لِأنَّها قاطِعَةٌ عَنْهُ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أصْلُهُ أنَّ الأمْرَ يَكُونُ أعْلى مِنَ المَأْمُورِ، فَيَدْعُوهُ أنْ يَرْفَعَ نَفْسَهُ إلَيْهِ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ مَعْناهُ: أقْبَلَ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإخْبارِ والإرادَةِ بِعَلاقَةِ أنَّ المُخْبَرَ يَدْنُو إلى مَن يُخْبِرُهُ ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أيْ بِما أحْسَنَ [بِهِ] إلَيْكُنَّ ﴿وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ أيْ مِن حِبالَةِ عِصْمَتِي ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ أيْ لَيْسَ فِيهِ مُضارَّةٌ، ولا نَوْعُ حِقْدٍ ولا مُقاهَرَةٍ

33:29Page 421

وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٢٩

But if you should desire Allāh and His Messenger and the home of the Hereafter - then indeed, Allāh has prepared for the doers of good among you a great reward."

﴿وإنْ كُنْتُنَّ﴾ بِما لَكُنَّ مِنَ الجِبِلَّةِ ﴿تُرِدْنَ اللَّهَ﴾ أيِ الآمِرَ بِالإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا لِلْإعْلاءِ إلى ما لَهُ مِن رُتَبِ الكَمالِ ﴿ورَسُولَهُ﴾ المُؤْتَمِرِ بِما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الِانْسِلاخِ عَنْها المُبَلِّغِ لِلْعِبادِ جَمِيعَ ما أرْسَلَهُ بِهِ مِن أمْرِ الدُّنْيا والدِّينِ لا يَدَعُ مِنهُ شَيْئًا، لِما لَهُ عَلَيْكُنَّ وعَلى سائِرِ النّاسِ مِنَ الحَقِّ بِما يُبَلِّغُهم عَنِ اللَّهِ ﴿والدّارَ الآخِرَةَ﴾ الَّتِي هي الحَيَوانُ بِما لَها مِنَ البَقاءِ، والعُلُوِّ والِارْتِقاءِ.

ولَمّا كانَ ما كُلُّ مَن أظْهَرَ شَيْئًا كانَ عالِيَ الرُّتْبَةِ فِيهِ، قالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما يَقُولُهُ مِمّا يُقْطَعُ بِهِ ويَنْبَغِي تَأْكِيدُهُ دَفْعًا لِظَنِّ مَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ حالُ البَشَرِ فَيُظَنُّ فِيهِ الظُّنُونُ مِن أهْلِ النِّفاقِ وغَيْرِهِمْ، أوْ يَعْمَلُ عَمَلَ مَن يَظُنُّ ذَلِكَ أوْ يَسْتَبْعِدُ وُقُوعَهُ في الدُّنْيا أوِ الآخِرَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ (p-٣٣٨)أيْ بِما لَهُ مِن جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿أعَدَّ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ﴾ أيِ اللّاتِي يَفْعَلْنَ ذَلِكَ وهُنَّ في مَقامِ المُشاهَدَةِ وهو يَعْلَمُ المُحْسِنَ مِن غَيْرِهِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ تُحْتَقَرُ لَهُ الدُّنْيا وكُلُّ ما فِيها مِن زِينَةٍ ونِعْمَةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском