Al-Biqa'iAl‑Ahzab · 33:30–35

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:30–35

33:30Page 421

يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ٣٠

O wives of the Prophet, whoever of you should commit a clear immorality - for her the punishment would be doubled two fold, and ever is that, for Allāh, easy.

ولَمّا أتى سُبْحانَهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ الحَكِيمَةِ الصّالِحَةِ مَعَ البَيانِ لِلتَّبْعِيضِ تَرْهِيبًا في تَرْغِيبٍ، أحْسَنَ كُلُّهُنَّ وحَقَّقْنَ بِما تَخَلَّقْنَ بِهِ أنَّ مِن لِلْبَيانِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَيْهِنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ ذَلِكَ، وبَدَأ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَأْسِ المُحْسِناتِ إذْ ذاكَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وعَنْ أبِيها وقالَ لَها: «إنِّي قائِلٌ لَكِ أمْرًا فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ”، فَلَمّا تَلاها عَلَيْها قالَتْ مُنْكِرَةً لِتَوَقُّفِها في الخَبَرِ: أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، فَإنِّي أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ عَرَضَ ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ أزْواجِهِ فاقْتَدَيْنَ كُلُّهُنَّ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ فَكانَتْ لَهُنَّ إمامًا فَنالَتْ إلى أجْرِها مِثْلَ أُجُورِهِنَّ» - رَوى ذَلِكَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُ ﷺ وجَدَ عَلى نِسائِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ فَآلى مِنهُنَّ شَهْرًا، فَلَمّا انْقَضى الشَّهْرُ نَزَلَ (p-٣٣٩)إلَيْهِنَّ مِن غُرْفَةٍ كانَ اعْتَزِلْ فِيها وقَدْ أنْزَلَ [اللَّهُ] عَلَيْهِ الآياتِ. فَخَيَّرَهُنَّ فاخْتَرْنَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ مِنهُنَّ مَن سَألَ التَّوَسُّعَ في النَّفَقَةِ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يُحِبُّ التَّوَسُّعَ في الدُّنْيا، رَوى الشَّيْخانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «ما شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ، مِن خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ حَتّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ،» ورَوى الحَدِيثَ البَيْهَقِيُّ ولَفْظُهُ: قالَتْ: «ما شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَةَ أيّامٍ مُتَوالِيَةٍ ولَوْ شِئْنا لَشَبِعْنا، ولَكِنَّهُ كانَ يُؤْثِرُ عَلى نَفْسِهِ،» ورَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْها أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن سَألَ عَنِّي أوْ سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلَيَّ فَلْيَنْظُرْ إلى أشْعَثَ شاحِبٍ لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ ولا قَصَبَةً عَلى قَصَبَةٍ، رُفِعَ لَهُ عَلَمٌ فَشَمَّرَ إلَيْهِ، اليَوْمَ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ، والغايَةُ الجَنَّةُ أوِ النّارُ» .

ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ أمْضى حِكْمَتَهُ في هَذِهِ الدّارِ في [أنَّهُ] لا يُقْبَلُ قَوْلٌ إلّا بِبَيانٍ، قالَ سُبْحانَهُ مُتَهَدِّدًا عَلى ما قَدْ أعاذَهُنَّ اللَّهُ مِنهُ، فالمُرادُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ رَفَعَ مَقادِيرَهُنَّ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ الأفْعالَ المُسْنَدَةَ إلَيْهِنَّ اعْتِبارًا (p-٣٤٠)بِلَفْظِ ”مَن“ والتَّنْبِيهِ عَلى غَلَطِ مَن جَعَلَ صَحْبَةَ الأشْرافِ دافِعَةً لِلْعِقابِ عَلى الإسْرافِ، ومُعْلِمَةً بِأنَّها إنَّما تَكُونُ سَبَبًا لِلْإضْعافِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ﴾ [أيْ] المُخْتاراتِ لَهُ لِما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مِمّا يُظْهِرُ شَرَفَهُ ﴿مَن يَأْتِ﴾ قِراءَةُ يَعْقُوبَ عَلى ما نَقَلَهُ البَغَوِيُّ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى مَعْنى مَن دُونَ لَفْظِها وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ نَقَلَها الأهْوازِيُّ في كِتابِ الشَّواذِّ عَنِ ابْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ: وقَرَأ الجَماعَةُ بِالتَّحْتانِيَّةِ عَلى اللَّفْظِ وكَذا ”يَقْنُتُ“ ﴿مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ أيْ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كالنُّشُوزِ وسُوءِ الخُلُقِ بِاخْتِيارِ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتِها عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ في نَفْسِها تَكادُ تُنادِي بِذَلِكَ مِن سُوءٍ خُلُقٍ ونُشُوزٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ﴾ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ولَمّا هَوَّلَ الأمْرَ بِالمُفاعَلَةِ في قِراءَةِ نافِعٍ المُفْهِمَةِ لِأكْثَرِ مِنِ اثْنَيْنِ كَما مَضى في البَقَرَةِ، سَهَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ بِالنِّسْبَةِ إلى ما لِغَيْرِها لِأنَّ مِقْدارَها لا يَعْشُرُهُ مِقْدارُ غَيْرِها كَما جَعَلَ حَدَّ الحُرِّ ضِعْفَيْ ما لِلْعَبْدِ، وكَما جَعَلَ أجْرَهُنَّ مَرَّتَيْنِ.

واشْتَدَّ العِتابُ فِيما بَيْنَ الأحْبابِ، وعَلى قَدْرِ عُلُوِّ المَقامِ يَكُونُ المَلامُ.

(p-٣٤١)[و] بِقَدْرِ النِّعْمَةِ تَكُونُ النِّقْمَةُ، وكُلٌّ مِن بِناءِ يُضاعِفُ لِلْمَجْهُولِ مِن بابِ المُفاعَلَةِ أوِ التَّفْعِيلِ لِأبِي جَعْفَرٍ والبَصْرِيِّينَ أوْ لِلْفاعِلِ بِالنُّونِ عِنْدَ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ يَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ، والبِناءُ لِلْمَجْهُولِ يَدُلُّ عَلى العِنايَةِ بِالتَّهْوِيلِ بِالعَذابِ بِجَعْلِهِ عُمْدَةَ الكَلامِ وصاحِبَ الجُمْلَةِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ إشارَةً إلى أنَّ الأُمُورَ الكِبارَ صَغِيرَةٌ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ لا يَضُرُّهُ شَيْءٌ ولا يَنْفَعُهُ، ولا يُوجِبُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ لَهُ حُدُوثُ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ مَعَ كَوْنِهِ عَظِيمًا عِنْدَكم ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ فَهَذا ناظِرٌ إلى مَقامِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ.

33:31Page 422

۞ وَمَن يَقۡنُتۡ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا نُّؤۡتِهَآ أَجۡرَهَا مَرَّتَيۡنِ وَأَعۡتَدۡنَا لَهَا رِزۡقٗا كَرِيمٗا ٣١

And whoever of you devoutly obeys Allāh and His Messenger and does righteousness - We will give her her reward twice; and We have prepared for her a noble provision.

ولَمّا قَدَّمَ دَرْءَ المَفاسِدِ الَّذِي هو مِن بابِ التَّخَلِّي، أتْبَعَهُ جَلْبَ المَصالِحِ الَّذِي هو [مِن] طِرازِ التَّحَلِّي فَقالَ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ أيْ يُخْلِصِ الطّاعَةَ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ قِراءَةِ يَعْقُوبَ بِالفَوْقانِيَّةِ عَلى ما حَكاهُ البَغَوِيُّ والأهْوازِيُّ في الشَّواذِّ عَنِ ابْنِ مُسْلِمٍ ﴿مِنكُنَّ لِلَّهِ﴾ الَّذِي هو أهْلٌ لِئَلّا يَلْتَفِتَ إلى غَيْرِهِ لِأنَّهُ [لا] أعْظَمُ مِنهُ بِإدامَةِ الطّاعَةِ فَلا يَخْرُجُ عَنْ مُراقِبَتِهِ أصْلًا ﴿ورَسُولِهِ﴾ فَلا تُغاضِبُهُ ولا تَطْلُبُ مِنهُ شَيْئًا، (p-٣٤٢)ولا تَخْتارُ عَيْشًا غَيْرَ عَيْشِهِ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ تَصْفِيَةُ فِكْرِهِ، وتَهْدِئَةُ بالِهِ وسِرِّهِ، لِيَتَمَكَّنَ غايَةَ التَّمَكُّنِ مِن إنْقاذِ أوامِرِنا والقِيامِ بِما أرْسَلْناهُ بِسَبَبِهِ مِن رَحْمَةِ العِبادِ، بِإنْقاذِهِمْ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الأنْكادِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يُفْهِمُ الِاقْتِصارَ عَلى [عَمَلِ] القَلْبِ قالَ: ﴿وتَعْمَلْ﴾ قَرَأها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتانِيَّةِ رَدًّا عَلى لَفْظِ ”مَن“ حَثًّا لَهُنَّ عَلى مَنازِلِ الرِّجالِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالفَوْقانِيَّةِ عَلى مَعْناها عَلى الأصْلِ مُشِيرَةً إلى الرِّفْقِ بِهِنَّ في عَمَلِ الجَوارِحِ والرِّضى بِالمُسْتَطاعِ كَما قالَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامُ: «إذا أمَرَتْكم بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ» وأمّا عَمَلُ القَلْبِ فَلا رِضى فِيهِ بِدُونِ الغايَةِ، فَلِذا كانَ ”يَقْنُتْ“ مُذَكَّرًا لا عَلى شُذُوذٍ ﴿صالِحًا﴾ أيْ في جَمِيعِ ما أمَرَ بِهِ سُبْحانَهُ أوْ نَهى عَنْهُ ﴿نُؤْتِها﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالنُّونِ، وقِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالتَّحْتانِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ ﴿أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ أيْ بِالنِّسْبَةِ إلى أجْرِ غَيْرِها مِن نِساءِ بَقِيَّةِ النّاسِ ﴿وأعْتَدْنا﴾ أيْ هَيَّأْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وأحْضَرْنا ﴿لَها﴾ بِسَبَبِ قَناعَتِها مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المُرِيدِ لِلتَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيا الَّتِي يُبْغِضُها اللَّهُ مَعَ ما في ذَلِكَ (p-٣٤٣)مِن تَوْفِيرِ الحَظِّ في الآخِرَةِ ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ أيْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلا شَيْءَ أكْرَمُ مِنهُ لِأنَّ ما في الدُّنْيا مِنهُ يُوَفَّقُ لِصَرْفِهِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ فِيهِ أعْظَمُ الثَّوابِ، ولا يَخْشى مِن أجْلِهِ نَوْعَ عِتابٍ فَضْلًا عَنْ عِقابٍ، وما في الآخِرَةِ مِنهُ لا يُوصَفُ ولا يُحَدُّ، ولا نَكَدَ فِيهِ بِوَجْهٍ أصْلًا ولا كَدَّ.

33:32Page 422

يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّۚ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٣٢

O wives of the Prophet, you are not like anyone among women. If you fear Allāh, then do not be soft in speech [to men],1 lest he in whose heart is disease should covet, but speak with appropriate speech.

ولَمّا كانَ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةٌ، ولِكُلِّ قَوْلٍ صادِقٍ بَيانٌ، قالَ مُؤْذِنًا بِفَضْلِهِنَّ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ﴾ أيِ الَّذِي أنْتُنَّ مِن أعْلَمِ النّاسِ بِما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مِنَ الإنْباءِ بِدَقائِقِ الأُمُورِ وخَفايا الأسْرارِ وما لَهُ مِنَ الزُّلْفى لَدَيْهِ ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ البَغَوِيُّ: ولَمْ يَقُلْ: كَواحِدَةٍ، لِأنَّ الأحَدَ عامٌّ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ - انْتَهى، فالمَعْنى كَجَماعاتٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ إذا تُقُصِّيَتْ أُمَّةُ النِّساءِ جَماعَةً جَماعَةً لَمْ تُوجَدْ فِيهِنَّ جَماعَةٌ تُساوِيكُنَّ في الفَضْلِ لِما خَصَّكُنَّ اللَّهُ بِهِ مِن قُرْبَةٍ بِقُرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ونُزُولِ الوَحْيِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ في بُيُوتِكُنَّ.

ولَمّا كانَ المَعْنى: بَلْ أنْتُنَّ أعْلى النِّساءِ، ذَكَرَ شَرْطَ ذَلِكَ فَقالَ: (p-٣٤٤)﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ أيْ جَعَلْتُنَّ بَيْنَكُنَّ وبَيْنَ غَضَبِ اللَّهِ وغَضَبِ رَسُولِهِ وِقايَةً، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا النَّفْيِ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ أيْ إذا تَكَلَّمْتُنَّ بِحَضْرَةِ أجْنَبِيٍّ ﴿بِالقَوْلِ﴾ أيْ بِأنْ يَكُونَ لَيِّنًا عَذْبًا رَخْمًا، والخُضُوعُ التَّطامُنُ والتَّواضُعُ واللِّينُ والدَّعْوَةُ إلى السَّواءِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الخُضُوعِ: قَوْلَهُ: ﴿فَيَطْمَعَ﴾ أيْ في الخِيانَةِ ﴿الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ فَسادٌ ورِيبَةٌ والتَّعْبِيرُ بِالطَّمَعِ لِلدَّلالَةِ عَلى [أنَّ] أُمْنِيَّتَهُ لا سَبَبَ لَها في الحَقِيقَةِ، لِأنَّ اللِّينَ في كَلامِ النِّساءِ خُلُقٌ لَهُنَّ لا تَكَلُّفَ فِيهِ، فَأُرِيدَ مِن نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ التَّكَلُّفُ لِلْإتْيانِ بِضِدِّهِ.

ولَمّا نَهاهُنَّ عَنِ الِاسْتِرْسالِ مَعَ سَجِيَّةِ النِّساءِ في رَخامَةِ الصَّوْتِ، أمَرَهُنَّ بِضِدِّهِ فَقالَ: ﴿وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ أيْ يُعْرَفُ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ مَحَلِّ الطَّمَعِ.

33:33Page 422

وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا ٣٣

And abide in your houses and do not display yourselves as [was] the display of the former times of ignorance. And establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. Allāh intends only to remove from you the impurity [of sin], O people of the [Prophet's] household, and to purify you with [extensive] purification.

ولَمّا تَقَدَّمَ إلَيْهِنَّ في القَوْلِ وقَدَّمَهُ لِعُمُومِهِ، أتْبَعَهُ الفِعْلَ فَقالَ: ﴿وقَرْنَ﴾ أيِ اسْكُنَّ وامْكُثْنَ دائِمًا ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فَمَن كَسَرِ القافِ وهم غَيْرُ المَدَنِيِّينَ وعاصِمٌ جَعَلَ الماضِيَ قَرَرَ بِفَتْحِ العَيْنِ، ومَن فَتَحَهُ فَهو عِنْدُهُ قَرِرَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ.

ولَمّا أمَرَهُنَّ بِالقَرارِ، نَهاهُنَّ عَنْ ضِدِّهِ مُبَشِّعًا لَهُ، فَقالَ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ (p-٣٤٥)أيْ تَظاهَرْنَ مِنَ البُيُوتِ بِغَيْرٍ حاجَّةٍ مُحْوِجَةٍ، [فَهُوَ] مِن وادِي أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُنَّ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ بِلُزُومِ ظُهُورِ الحُصْرِ ﴿تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ أيِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى الإسْلامِ وعَلى ما قَبْلَ الأمْرِ بِالحِجابِ، بِالخُرُوجِ مِن بَيْتٍ والدُّخُولِ في آخَرَ، والأُولى لا تَقْتَضِي أُخْرى كَما ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ عَلَيْهِما السَّلامُ، تَبَرَّجَ [فِيها] نِساءُ السُّهُولِ وكُنَّ صِباحًا و[فِي] رِجالِهِنَّ دَمامَةٌ، لِرِجالِ الجِبالِ وكانُوا صِباحًا وفي نِسائِهِنَّ دَمامَةٌ، فَكَثُرَ الفَسادُ، وعَلى هَذا فَلَها ثانِيَةٌ.

ولَمّا أمَرَهُنَّ بِلُزُومِ البُيُوتِ لِلتَّخْلِيَةِ عَنِ الشَّوائِبِ، أرْشَدَهُنَّ إلى التَّحْلِيَةِ بِالرَّغائِبِ، فَقالَ: ﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ﴾ أيْ فَرْضًا ونَفْلًا، صِلَةً لِما بَيْنَكُنَّ وبَيْنَ الخالِقِ لِأنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴿وآتِينَ الزَّكاةَ﴾ إحْسانًا إلى الخَلائِقِ، وفي هَذا بِشارَةٌ بِالفُتُوحِ وتَوْسِيعِ الدُّنْيا عَلَيْهِنَّ، فَإنَّ العَيْشَ وقْتَ نُزُولِها كانَ ضَيِّقًا عَنِ القُوتِ فَضْلًا عَنِ الزَّكاةِ.

ولَمّا أمَرَهُنَّ بِخُصُوصِ ما تَقَدَّمَ لِأنَّهُما أصْلُ الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، ومَنِ اعْتَنى بِهِما حَقَّ الِاعْتِناءِ جَرَّتاهُ إلى ما وراءَهُما، عَمَّ وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿وأطِعْنَ اللَّهَ﴾ أيْ ذاكِراتٍ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿ورَسُولَهُ﴾ (p-٣٤٦)فِي جَمِيعِ ما يُأْمَرانِ بِهِ فَإنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إلّا لِلْأمْرِ والنَّهْيِ تَخْلِيصًا لِلْخَلائِقِ مِن أسْرِ الهَوى.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ قَدْ نَهَتْ عَنِ الرَّذائِلِ فَكانَتْ عَنْها أشْرَفُ الفَضائِلِ قالَ مُبَيِّنًا أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِتَشْرِيفِ أهْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِتَزِيدَ الرَّغْبَةُ في ذَلِكَ مُؤَكِّدًا دَفْعًا لِوَهْمِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ لِهَوانٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن نُقْصانٍ وحِرْمانٍ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أيْ - وهو ذُو الجَلالِ والجَمالِ بِما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ مِنَ الإعْراضِ عَنِ الزِّينَةِ وما تَبِعَها، والإقْبالِ عَلَيْهِ- عُزُوفَكم عَنِ الدُّنْيا وكُلِّ ما تَكُونُ سَبَبًا لَهُ ﴿لِيُذْهِبَ﴾ [أيْ] لِأجْلِ أنْ يُذْهِبَ ﴿عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ أيِ الأمْرَ الَّذِي يَلْزَمُهُ دائِمًا الِاسْتِقْذارُ والِاضْطِرابُ مِن مَذامِّ الأخْلاقِ كُلِّها ﴿أهْلَ﴾ يا أهْلَ ﴿البَيْتِ﴾ أيْ مِن كُلِّ مَن تَكُونُ مِن إلْزامِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ مِنَ الأزْواجِ والإماءِ والأقارِبِ، وكُلَّما كانَ الإنْسانُ مِنهم أقْرَبَ وبِالنَّبِيِّ ﷺ أخَصَّ وألْزَمَ، كانَ بِالإرادَةِ أحَقَّ وأجْدَرَ.

ولَمّا اسْتَعارَ لِلْمَعْصِيَةِ الرِّجْسَ، اسْتَعارَ لِلطّاعَةِ الطُّهْرَ، تَرْغِيبًا لِأصْحابِ الطِّباعِ السَّلِيمَةِ والعُقُولِ المُسْتَقِيمَةِ، في الطّاعَةِ، وتَنْفِيرًا لَهم عَنِ المَعْصِيَةِ فَقالَ: ﴿ويُطَهِّرَكُمْ﴾ أيْ يَفْعَلُ في طُهْرِكم بِالصِّيانَةِ عَنْ جَمِيعِ القاذُوراتِ (p-٣٤٧)الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ فِعْلَ المُبالِغِ فِيهِ، وزادَ ذَلِكَ عِظَمًا بِالمَصْدَرِ فَقالَ: ﴿تَطْهِيرًا﴾

33:34Page 422

وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ٣٤

And remember what is recited in your houses of the verses of Allāh and wisdom.1 Indeed, Allāh is ever Subtle2 and Aware.

ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ إلى أنْ خَتَمَ بِالتَّطْهِيرِ، أتْبَعَهُ التَّذْكِيرَ بِما أنْعَمَ سُبْحانَهُ بِهِ مِمّا أثْرُهُ التَّطْهِيرُ مِنَ التَّأْهِيلِ لِمُشاهَدَةِ ما يَتَكَرَّرُ مِن تَرَدُّدِ المَلائِكَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ الَّذِي هو السَّبَبُ في كُلِّ طُهْرٍ ظاهِرٍ وباطِنٍ، فَقالَ مُخَصِّصًا مِنَ السِّياقِ لِأجْلِهِنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، مُنَبِّهًا لَهُنَّ عَلى أنَّ بُيُوتَهُنَّ مَهابِطُ الوَحْيِ ومَعادِنُ الأسْرارِ: ﴿واذْكُرْنَ﴾ أيْ في أنْفُسِكُنَّ ذِكْرًا دائِمًا، واذْكُرْنَهُ لِغَيْرِكُنَّ عَلى جِهَةِ الوَعْظِ والتَّعْلِيمِ.

ولَمّا كانَتِ العِنايَةُ بِالمَتْلُوِّ، بَيَّنَها بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ لِبَيانِ أنَّهُ عُمْدَةُ الجُمْلَةِ فَقالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿ما يُتْلى﴾ أيْ يُتابِعُ ويُوالِي ذِكْرَهُ والتَّخَلُّقَ بِهِ، وأشارَ لَهُنَّ إلى ما خَصَّهُنَّ مِنهُ مِنَ الشَّرَفِ فَقالَ: ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أيْ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي خَيَّرَكُنَّ ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ الَّذِي لا أعْظَمُ مِنهُ.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِذَلِكَ القُرْآنَ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أعَمُّ مِنهُ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ بِإدْخالِهِ في جُمْلَةِ المَتْلُوِّ اعْتِمادًا عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ مَعْرُوفٌ لِأنَّ التِّلاوَةَ لا يُقالُ في غَيْرِ الكِتابِ: ﴿والحِكْمَةِ﴾ (p-٣٤٨)أيْ ويَبُثُّ ويَنْشُرُ مِنَ العِلْمِ المُزَيَّنِ بِالعَمَلِ والعَمَلِ المُتْقَنِ بِالعِلْمِ، ولا تَنْسَيَنَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا، وكانَتِ الحِكْمَةُ مُنَفِّرَةً عَنْها، أشارَ بِخِتامِ الآيَةِ إلى أنَّها مَعَ كَوْنِها مُحَصِّلَةً لِفَوْزِ الأُخْرى جالِبَةً لِخَيْرِ الدُّنْيا، فَقالَ مُؤَكِّدًا رَدْعًا لِمَن يَشُكُّ في أنَّ الرِّفْعَةَ يُوصَلُ إلَيْها بِضِدِّها ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ مِن جَلِيلِ العِبَرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ والَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿كانَ﴾ أيْ لَمْ يَزَلْ ﴿لَطِيفًا﴾ أيْ يُوصِلُ إلى المَقاصِدِ بِوَسائِلِ الأضْدادِ ﴿خَبِيرًا﴾ أيْ يَدِقُّ عِلْمُهُ عَنْ إدْراكِ الأفْكارِ، فَهو يَجْعَلُ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا جالِبًا [لَها] عَلى أجْمَلِ الطَّرائِقِ وأكْمَلِ الخَلائِقِ وإنْ رَغُمَتْ أُنُوفُ جَمِيعِ الخَلائِقِ، ويَعْلَمُ مَن يَصْلُحُ لِبَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ومَن لا يَصْلُحُ، وما يُصْلِحُ النّاسَ دُنْيا ودِينًا وما لا يُصْلِحُهُمْ، والطُّرُقُ المُوَصِّلَةُ إلى كُلِّ ما قَضاهُ وقَدَّرَهُ وإنْ كانَتْ عَلى غَيْرِ ما يَأْلَفُهُ النّاسُ ”مَنِ انْقَطَعَ إلى اللَّهِ كَفاهُ كُلَّ مُؤُونَةٍ ورَزَقَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ“ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ وابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ كَفاهُ، ومَنِ انْقَطَعَ إلى الدُّنْيا وكَلَهُ اللَّهُ إلَيْها“ - رَواهُ صاحِبُ الفِرْدَوْسِ وأبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيّانَ في كِتابِ الثَّوابِ عَنْ عِمْرانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا، ولَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وعْدَهُ في لُطْفِهِ وحَقَّقَ بِرَّهُ في خَبَرِهِ بِأنْ فَتَحَ (p-٣٤٩)عَلى نَبِيِّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْبَرَ، فَأفاضَ بِها ما شاءَ مِن رِزْقِهِ الواسِعِ، ثُمَّ لَمّا تُوُفِّيَ نَبِيُّهُ ﷺ لِيَحْمِيَهُ مِن زَهْرَةِ الحَياةِ الدُّنْيا فَتَحَ الفُتُوحاتِ الكِبارَ مِن بِلادِ فارِسَ والرُّومِ ومِصْرَ وما بَقِيَ مِنَ اليَمَنِ، فَعَمَّ الفَتْحُ جَمِيعَ الأقْطارِ: الشَّرْقَ والغَرْبَ والجَنُوبَ والشَّمالَ، ومَكَّنَ أصْحابَ نَبِيِّهِ ﷺ مِن كُنُوزِ جَمِيعِ [تِلْكَ] البِلادِ وذَخائِرِ أُولَئِكَ المُلُوكِ حَتّى صارَ الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَكِيلُونَ المالَ كَيْلًا، وزادَ الأمْرُ حَتّى «دَوَّنَ عُمَرُ الدَّواوِينَ وفَرَضَ لِلنّاسِ [عامَّةً ]أرْزاقَهم حَتّى لِلرُّضَعاءِ، وكانَ أوَّلًا لا يَفْرِضُ لِلْمَوْلُودِ حَتّى يُفْطَمَ، فَكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالفِطامِ فَنادى مُنادِيهُ: لا تُعَجِّلُوا أوْلادَكم بِالفِطامِ فَإنّا نَفْرِضُ لِكُلِّ مَوْلُودٍ في الإسْلامِ، وفاوَتَ بَيْنَ النّاسِ في العَطاءِ بِحَسَبِ القُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ والبُعْدِ مِنهُ وبِحَسَبِ السّابِقَةِ في الإسْلامِ والهِجْرَةِ ونَزَّلَ النّاسَ مَنازِلَهم بِحَيْثُ أرْضى جَمِيعَ النّاسِ حَتّى قَدِمَ عَلَيْهِ خالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ فَسَألَهُ عَمّا وراءَهُ فَقالَ: تَرَكْتُهم يَسْألُونَ اللَّهَ لَكَ أنْ يَزِيدَ في عُمْرِكَ مِن أعْمارِهِمْ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما هو حَقُّهم وأنا أسْعَدُ بِأدائِهِ إلَيْهِمْ، لَوْ كانَ مِن مالِ الخَطّابِ ما أعْطَيْتُمُوهُ، ولَكِنْ قَدْ عَلِمْتُ أنَّ فِيهِ فَضْلًا، فَلَوْ أنَّهُ إذا خَرَجَ عَطاءُ أحَدِهِمُ ابْتاعَ مِنهُ (p-٣٥٠)غَنَمًا، فَجَعَلَها بِسَوادِكُمْ، فَإذا خَرَجَ عَطاؤُهُ ثانِيَةً ابْتاعَ الرَّأْسَ والرَّأْسَيْنِ فَجَعَلَهُ فِيها، فَإنْ بَقِيَ أحَدٌ مِن ولَدِهِ كانَ لَهم شَيْءٌ قَدِ اعْتَقَدُوهُ، فَإنِّي لا أدْرِي ما يَكُونُ بَعْدِي، وإنِّي لَأعُمُّ بِنَصِيحَتِي كُلَّ مَن طَوَّقَنِي اللَّهُ أمْرَهُ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”مَن ماتَ غاشًّا لِرَعِيَّتِهِ لَمْ يَرَحْ رِيحَ الجَنَّةِ“، فَكانَ فَرْضُهُ لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا لِكُلِّ واحِدَةٍ وهي نَحْوُ ألْفِ دِينارٍ في كُلِّ سَنَةٍ، وأعْطى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها خَمْسَةً وعِشْرِينَ ألْفًا لِحُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيّاها، فَأبَتْ أنْ تَأْخُذَ إلّا ما يَأْخُذُهُ صَواحِباتُها،» ورَوى عَنْ بَرْزَةَ بِنْتِ رافِعٍ قالَتْ: لَمّا خَرَجَ العَطاءُ أرْسَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِالَّذِي لَها فَلَمّا أدْخَلَ إلَيْها قالَتْ: غَفَرَ اللَّهُ لَعُمَرَ! غَيْرِي مِن أخَواتِي أقْوى عَلى قَسْمِ هَذا مِنِّي، قالُوا: هَذا كُلُّهُ لَكِ يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، قالَتْ: سُبْحانَ اللَّهِ! واسْتَتَرَتْ مِنهُ بِثَوْبٍ، ثُمَّ قالَتْ: صُبُّوهُ واطْرَحُوا عَلَيْهِ ثَوْبًا، ثُمَّ قالَتْ لِي: أدْخِلِي يَدَيْكِ واقْبِضِي مِنهُ قَبْضَةً فاذْهَبِي بِها إلى بَنِي فُلانٍ وبَنِي فُلانٍ مِن ذَوِي رَحِمِها وأيْتامٍ لَها، فَقَسَّمَتْهُ حَتّى بَقِيَتْ مِنهُ بَقِيَّةٌ تَحْتَ الثَّوْبِ، قالَتْ بَرْزَةُ بِنْتُ رافِعٍ: فَقُلْتُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكِ يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، واللَّهِ لَقَدْ كانَ لَنا في هَذا المالِ حَقٌّ، قالَتْ: فَلَكم ما تَحْتَ الثَّوْبِ، (p-٣٥١)فَوَجَدْنا تَحْتَهُ خَمْسَمِائَةٍ وثَمانِينَ دِرْهَمًا، ثُمَّ رَفَعَتْ يَدَها إلى السَّماءِ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا يُدْرِكُنِي عَطاءٌ لِعُمَرَ بَعْدَ عامِي هَذا، فَماتَتْ، ذَكَرَ ذَلِكَ البَلاذِرِيُّ في كِتابِ فُتُوحِ البِلادِ.

33:35Page 422

إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا ٣٥

Indeed, the Muslim men and Muslim women, the believing men and believing women, the obedient men and obedient women, the truthful men and truthful women, the patient men and patient women, the humble men and humble women, the charitable men and charitable women, the fasting men and fasting women, the men who guard their private parts and the women who do so, and the men who remember Allāh often and the women who do so - for them Allāh has prepared forgiveness and a great reward.

ولَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى المَكارِمِ والأخْلاقِ الزّاكِيَةِ، وخَتَمَ بِالتَّذْكِيرِ بِالآياتِ والحِكْمَةِ، أتْبَعَهُ ما لِمَن تَلَبَّسَ مِن أهْلِ البَيْتِ بِما يَدْعُو إلَيْهِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَهُ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى مُشاكَلَةً لِعُمُومِ الدَّعْوَةِ وشُمُولِ الرِّسالَةِ، فَقالَ جَوابًا لِقَوْلِ النِّساءِ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ذَكَرَ اللَّهُ الرِّجالَ ولَمْ يَذْكِرِ النِّساءَ بِخَيْرٍ فَما فِينا خَيْرٌ نُذْكَرُ بِهِ، إنّا نَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنّا طاعَةٌ، بادِئًا الوَصْفَ الأوَّلَ الأعَمَّ الأشْهَرَ مِن أوْصافِ أهْلِ هَذا الدِّينِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ كَثْرَةِ المُنافِقِينَ المُكَذِّبِينَ بِمَضْمُونِ هَذا الخَبَرِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُصارِحِينَ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ ولَمّا كانَ اخْتِلافُ النَّوْعِ مُوجِبًا لِلْعَطْفِ، قالَ مُعْلِمًا بِالتَّشْرِيكِ في الحُكْمِ: ﴿والمُسْلِماتِ﴾

ولَمّا كانَ الإسْلامُ مَعَ كَوْنِهِ أكْمَلَ الأوْصافِ وأعْلاها يُمْكِنُ [أنْ يَكُونَ] بِالظّاهِرِ فَقَطْ، أتْبَعَهُ المُحَقِّقُ لَهُ وهو إسْلامُ الباطِنِ بِالتَّصْدِيقِ التّامِّ بِغايَةِ الإذْعانِ، فَقالَ عاطِفًا لَهُ ولِما بَعْدَهُ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي يُمْكِنُ اجْتِماعُها بِالواوِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمْكِينِ الجامِعِينَ لِهَذِهِ الأوْصافِ مِن كُلِّ وصْفٍ مِنها: ﴿والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ ولَمّا كانَ [المُؤْمِنُ] المُسْلِمُ قَدْ لا يَكُونُ في أعْمالِهِ مُخْلِصًا قالَ: ﴿والقانِتِينَ﴾ أيِ المُخْلِصِينَ في إيمانِهِمْ (p-٣٥٢)وإسْلامِهِمْ ﴿والقانِتاتِ﴾ ولَمّا كانَ القُنُوتُ كَما يُطْلَقُ عَلى الإخْلاصِ المُقْتَضِي لِلْمُداوَلَةِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ الطّاعَةِ قالَ: ﴿والصّادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿والصّادِقاتِ﴾ أيْ في إخْلاصِهِمْ في الطّاعَةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي الدَّوامَ.

ولَمّا كانَ الصِّدْقُ - وهو إخْلاصُ القَوْلِ والعَمَلِ عَنْ شَوْبٍ يَلْحَقُهُ أوْ شَيْءٌ يُدَنِّسُهُ - قَدْ لا يَكُونُ دائِمًا، قالَ مُشِيرًا إلى أنَّ ما لا يَكُونُ دائِمًا لا يَكُونُ صِدْقًا في الواقِعِ: ﴿والصّابِرِينَ والصّابِراتِ﴾ ولَمّا كانَ الصَّبْرُ قَدْ يَكُونُ سَجِيَّةً، دَلَّ عَلى صَرْفِهِ إلى اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ﴾ ولَمّا كانَ الخُشُوعُ - وهو الخُضُوعُ والإخْباتُ والسُّكُونُ - لا يَصِحُّ مَعَ تَوْفِيرِ المالِ فَإنَّهُ سَيَكُونُ إلَيْهِ، قالَ مُعْلِمًا أنَّهُ إذْ ذاكَ لا يَكُونُ عَلى حَقِيقَتِهِ: ﴿والمُتَصَدِّقِينَ﴾ أيِ المُنْفِقِينَ أمْوالَهم في رِضى اللَّهِ بِغايَةِ الجُهْدِ مِن نُفُوسِهِمْ [بِما أشارَ إلَيْهِ إظْهارُ التّاءِ] فَرْضًا وتَطَوُّعًا سِرًّا وعَلانِيَةً بِما أرْشَدَ إلَيْهِ الإظْهارَ [أيْضًا] تَصْدِيقًا لِخُشُوعِهِمْ ﴿والمُتَصَدِّقاتِ﴾

ولَمّا كانَ بَذْلُ المالِ قَدْ لا يَكُونُ مَعَ الإيثارِ، أتْبَعَهُ ما يُعِينُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿والصّائِمِينَ﴾ أيْ تَطَوُّعًا لِلْإيثارِ بِالقُوتِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿والصّائِماتِ﴾ ولَمّا كانَ الصَّوْمُ يَكْسِرُ شَهْوَةَ الفَرْجِ وقَدْ يُثِيرُها، قالَ: ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ﴾ أيْ عَما لا يَحِلُّ لَهم بِالصَّوْمِ وما أثارَهُ الصَّوْمُ ﴿والحافِظاتِ﴾ ولَمّا كانَ حِفْظُ الفُرُوجِ وسائِرِ الأعْمالِ لا تَكادُ تُوجَدُ (p-٣٥٣)إلّا بِالذِّكْرِ. وهو الَّذِي فِيهِ المُراقَبَةُ المُوصِلَةُ إلى المُحاضَرَةِ المُحَقِّقَةِ لِلْمُشاهِدَةِ المَحْيِيَةِ بِالفَناءِ قالَ: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ﴾ أيْ مَعَ [اسْتِحْضارِ] ما لَهُ مِنَ الكَمالِ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿كَثِيرًا﴾ بِالقَلْبِ واللِّسانِ في كُلِّ حالَةٍ ﴿والذّاكِراتِ﴾ ومِن عَلاماتِ الإكْثارِ مِنَ الذِّكْرِ اللَّهَجُ بِهِ عِنْدَ الِاسْتِيقاظِ مِنَ النَّوْمِ.

ولَمّا كانَ المُطِيعُ وإنْ جاوَزَ الحَدَّ في الِاجْتِهادِ مُقْتَصِرًا عَنْ بُلُوغٍ ما يَحِقُّ لَهُ، أشارَ إلى ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ مُكَرَّرًا الِاسْمَ الأعْظَمَ إشارَةً إلى ذَلِكَ وإلى صِغَرِ الذُّنُوبِ إذا نُسِبَتْ إلى عَفْوِهِ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ مَعَ أنَّهُ لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ ﴿لَهم مَغْفِرَةً﴾ أيْ لِهَفَواتِهِمْ وما أتَوْهُ مِن سَيِّئاتِهِمْ بِحَيْثُ يَمْحُو عَيْنَهُ وأثَرَهُ، فَلا عِتابَ ولا عِقابَ، ولا ذُكِرَ لَهُ سَبَبٌ مِنَ الأسْبابِ.

ولَمّا ذَكَرَ الفَضْلَ بِالتَّجاوُزِ، أتْبَعَهُ التَّفَضُّلَ بِالكَرَمِ والرَّحْمَةِ فَقالَ: ﴿وأجْرًا عَظِيمًا﴾ وإعْدادُ الأجْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأوْصافِ [اجْتِماعَها لِأنَّ مُظْهِرَ الإسْلامِ نِفاقًا كافِرٌ، وتارِكَ شَيْءٍ مِنَ الأوْصافِ] مُتَّصِفٌ بِضِدِّهِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ مُخِلًّا بِالباقِي وأنَّ المُرادَ بِالعَطْفِ التَّمَكُّنُ والرُّسُوخُ في كُلِّ وصْفٍ مِنها زِيادَةً عَلى التَّمَكُّنِ الَّذِي أفادَهُ التَّعْبِيرُ بِالوَصْفِ دُونَ الفِعْلِ، وحِينَئِذٍ تَعْدَمُ الكَبائِرَ فَيَتَأتّى تَكْفِيرُ الصَّغائِرِ، فَتَأْتِي المَغْفِرَةُ والأجْرُ، وأمّا آيَةُ التَّحْرِيمِ فَلَمْ تَعْطِفْ لِئَلّا يَظُنَّ أنَّهُنَّ (p-٣٥٤)أنْواعٌ كُلُّ نَوْعٍ يَتَفَرَّدُ بِوَصْفٍ، وإفادَةُ الرُّسُوخِ هُنا في الأوْصافِ مِن سِياقِ الِامْتِنانِ والمَدْحِ بِكَوْنِهِنَّ خَيْرًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском